بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 22 مايو 2026

إرهاصات السيرة

لحظة إدراك! لحظة تساؤل!

توقفت منذ ست سنوات عن التساؤل عن حياتي، وعن الميزان بين مساهمتي في نجاحها وفشلها، بيني وبين الظروف. توقفت عن الهوس القهري بمعيار الظالم والمظلوم. ووجدت نفسي ظالما، إن أردت البحث عن الموضع الذي ظلمتُ فيه غيري ونفسي، ووجدت نفسي مظلوما في الموضع الذي ظلمتني فيه نفسي وغيري.

يمر الوقت، وتمر الأيام وانهماكي الدائم في موضوع واحد (ما هو الصواب؟) أتجنب هذه الإجابات القياسية الصعبة لأنها لن تشكل فائدة لأحد، حتى فائدة لي. أظن بنفسي أحيانا الخير، وأجد بها من الخير ما يكفي لأظن هذا الظن، وأظن بنفسي أحيانا الشر وأجد بها من الشر ما يكفي لأظن هذا الظن!

أشعر بدهشة عندما أستعيد صناديق الذكريات. هل حقا حدث ذلك؟ أصاب بالحيرة!!!
الأعوام الطبيعية التي عشتها منذ عام 2006م كانت أعوام الصعلكة في جامعة السلطان قابوس، من كلية الطب، لكلية التجارة، إلى حذف المواد في كل فصل، إلى التيه في الأرض. عمل في مقهى إنترنت، عمل في بيع الأبواب، عمل في المراجعة اللغوية، عمل في الطباعة، عمل في صناعة الملخصات.

النجاة الحقيقية من الزيف هي توقفي عن لعب دور الكادح المكافح الذي يحاول أن يكون (مثل بقية المكافحين). على الأقل في ذاكرتي، لم أعد أصنف تلك الفترة إلا بتسمية (تجارب) المكافح الحقيقي الذي له والدان يحتاجان منه كساءً ودواءً وغذاءً وسقفا. كل من والداه لا يحتاجان منه مالا أو حالا أو وقتا فهو الثري الحقيقي، هذا الذي لديه ثروة الوقت وهو حر يجعلها في فقر الفراغ، أو يجعلها في امتلاء التجارب.
كنت مفلسا ماليا، وأغنى أغنياء عُمان في القدرة على خوض التجارب المجنونة بكل انهماك. كل شيء بدأ عاديا، صعلكة الثقافة، وضرورة أخذ رخصة الحانات، ومع الوقت قليل من الإلحاد الذي لا أظن أنه كان إلحادا حقيقيا وصادقا بقدر ما كانت حالات تساؤل وافق فيه شنٌّ أطباقا، وأيضا لظروف صرت أعرفها لاحقا، وفهمت كيفية حلولها. أشياء لا تقال ولا تكتب علنا.

هل حقا حدث كل هذا؟

أعرف أنه تربطني علاقة ما بهذا المجتمع، وهي ليست علاقة عادية، ولا سطحية. إنسانٌ يكتب منذ عشرين سنة، بهذه الاستمرارية، بلا توقف، وإن حدث واختفى فقد أصبح هو موضوع الكتابة. هل أريد فهم هذه العلاقة؟ لا أريد، ولا أريد أن أحاول، هو شيء صرت أتعامل معه كأي نعمة من نعم الله، وكأي ابتلاء من ابتلاءات الله، أقول الحمد لله على النعمة والابتلاء.

أكتب مقالا بكل برود اسمه "التداول السلمي للكحول!" يا ساتر!!! وكأنني أمريكي مستشرق تعلم اللغة العربية واكتشف سبلة عمان ويكتب كأنه ليس في عمان!
ياخي، وأستغرب أن سماحة الشيخ كان غاضبا مني بشدة لدرجة رفضه رد السلام علي عندما كنت أرسل له السلام عدة مرات!

حالة واضحة جدا من فقدان قيمة الذات، وتقبل وجود كثيرين في حياتي كان يروق لهم ما أفعله بنفسي. لم يعلم كثيرون منهم ما أدخره لهم من ردات فعل، ولم يفهم أحد سر الشر الذي بي. عاملت حياتي ككراسة رسم من أجل أن أكتب، ونسفتها شر نسف، حياتي تبدأ هنا، عندما أسمع نقرات لوحة المفاتيح.

موهوب عماني، بالثانوية العامة، عمل فجأة في شؤون البلاط السلطاني وأين في مكتب الأمين العام! اللواء سلطان آنذاك. وتزداد الغرائبية فوق غرائبية.


تلتقي بهذا الإنسان، تجد إنسانا هازئا، قلقا بشدة، يحب أن يلعب دور المهرج، ويخفي وراء عينيه ذكاءً حادا للغاية وقدرة على سبر أغوار كل إنسان غافلٍ يريد له الشر عندما يظن أنَّه (لا ينتبه). يتذكر جملةً قلتها قبل عشر سنوات، ولا يسامح، ولا ينسى! جملٌ مرحٌ يحقد بصمت، ويضحك في وجه عدوه. شخصية لا تخلو من الخلل النفسي العميق، والعقد، والتشوهات، وأيضا لا تخلو من خصال جيدة يبدو أنها كانت تقاوم الموت الداخلي أيضا.

أنا متأكد أنه لولا دخولي عالم الإدمان على الحشيش والحبوب لما كانت حكايتي بهذه المأساوية. لا شيء يغلب أي عقل حاد مثل هذه! ولهذا أخذت قصة طالب الطب الخارج من الجامعة إلى الحياة منحنى مختلفا عندما دخل هذا العامل الكيماوي للكتابة العلنية! وأخذ كل شيء منعطفاً كارثيا.

كان الجميع يعلم أن معاوية (به شيء ما) لم تكن تقاريري الطبية قد نشرت علنا، ولم أكن قد أصبحت سردية سياسية كل جانب يصنع منها الشبح الذي يناسبه، ولم أكن قد شننت معاركي الدونكيشوتية ضد الدولة، وأين؟ من داخل عمان؟ والله إلى الآن أستغرب أن كل هذا حدث وكأنني أحكي قصة شخص آخر!

ولا أهاجم أي شخص أيضا! السلطان، والمفتي، وأجهزة الأمن. شخص يريد نهايته لكن سوء حظ عدميته أنه في عمان. الرحمة شيمة حقيقية فيها، والعفو شيمة صادقة.

حدث عام 2011م بكل ما فيه، وخرجت منه الخاسر الأكبر لذاته وللجميع. عزلة قاتلة، قرارات خاطئة، ومساهمة غير محمودة من الذين أرادوا بي الشر، وانطلقت حكاية معاوية الأخرى. هذه الحكاية التي حتى هذه اللحظة تقال صمتا، ولولا العفو الذي مسح كل الماضي السياسي عني، لكانت حتى هذه اللحظة محل تداولٍ مغرض.

جعلت الأمر صعبا على الجميع! أنا أيضا لست سهلا، كاتب يملك قدرة السرد والقص، إذا أردت لعب لعبة السرديات معه، سترى كمَّا هائلا من (المعاويات) المنثورين في الملأ، وستبقى دائما حائرا في أمره. المشكلة أنني لم أكن أفعل ذلك بانتباه تام، وأكتشف فقط بعد سنين أو شهر لماذا فعلت ما فعلته وقتها! النسق واضح، والدافع واضح، والنتيجة واضحة، وأنا خارج المعادلة، أكتشف ما أفعله بعد أن يحدث حالي حال المراقب الخارجي المتسائل والمتأمل لحالة هذا الشاب الذي عصفت به عواصف الحياة، وأبدع في تحطيم نفسه بكل عزم وتصميم.

وأيضا عمان لها طريقتها العجائبية. أخرج بعفوٍ من السلطان قابوس رحمة الله عليه، أرسل للعلاج، أهرب من المصحة، أحاول الصعلكة، لا أطيق الحياة خارج عمان، وأكره السفر، أعود لعمان، وأواجه الواقع كما هو.

ظن كثيرون من اصحاب خيالات المؤامرات أنني منعت من الكتابة بأمر حاسمٍ من الدولة! وهذا شيء غريب جدا!! وبالذات من الذين لديهم جهل حقيقي بالكيفية التي تدور بها الأمور في عالم القانون. لا أحد يمنع من الكتابة! ستوضع تحت الرقابة، ستطفش بالاستدعاءات، لكن حقك الدستوري لا يمس، الكلمة واضحة (في حدود القانون) وتكييف القانون هو الذي يعامل ما تكتبه، الادعاء له طريقته، وباقي الجهات لها طريقتها، أما أن (تمنع) من الكتابة! هذا شيء اجتماعي بحت! ضغط يحدث من أي مكان.

لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة؟ هل لأنني كسرت؟ هل لأنني هزمت؟ لا أعرف، سردية (يهوذا الأكبر) التي تفنن البعض في صياغتها تحت مظلة (معاوية لن يكتب مجددا) أو كما قالها أحد أعدائي الكبار جدا (معاوية بعد كل هذا ليس له سوى شيء واحد، إما أن يجن، أو أن ينتحر، لا أحد يعود من هذا الوضع الذي فيه).

بصدق بصدق، لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة! سأكتشف يوما ما السبب. توقفت لمدة عامٍ كاملٍ ربما، رجعت للعيش في سمائل مع العائلة، أخذني والدي تحت رعايته، بدأت أستقر، عدت للكتابة، وبدأت أضع قلمي حيث يجب، بكل تركيز، وأدافع عن نفسي عندما يجرؤ أحد على المساس بحقي الأقدس في الحياة "الكتابة".

لو كان إنسان في عمان من الذين يحلمون بحياة أفضل، فله خيارات واضحة. أن يبقى في دائرة التفلسف الكوني، بعيدا عن التصريح، ملكا من ملوك التلميح، الموقف لديه في الحانة، أو في طاولة القهوة، ويطلق الأحكام على كل من يسجن، وكل من يطبل، لا أحد يعجبه. الإنسان الصحي، الذي فقط أتمنى أن يتوقف عن النظر إلى حياة الآخرين ويفهم أن حياته هي الصواب الذي يجب أن يكون! لولا ذلك النقص الذي به تجاه الذين يعيشون ثمن خياراتهم.

عدت للكتابة بمعجزة ربانية، وتحسس كل إنسان أطلق عنان قلمه ضدي رأسه! هذا الإنسان عاد ليكتب، وعاد لينشر، ويستطيع الآن الرد على الجميع، وأي قائمة طويلة كانت! كنت أجمع قائمة الانتقام المعنوي في عقلي سنوات وسنوات، يا إلهي، الكراهية تجعلك مسخا شئت أو أبيت. الحقد نبيل، الغضب نبيل، أما الكراهية فهي الكائن الأعمى الذي يجعلك منطقيا في ثانية، ثم يجعلك كتلة من الزفت الساخن في ثانية بعدها بقليل.


وأيضا الجاهل بالدولة في عمان لا يعرف حقيقة العلاقة بينها وبين أي كاتب. هي علاقة سياقية بحتة، صعبة الفهم جدا إلا بعد أن تخرج عن رأسك وهم (أنسنة) الدولة، وترى فيها نظاما، أو خوارزمية فيها الصواب والخطأ، والخير والشر، وصراع الصالح والفاسد، والخير والشرير حالها حال كل بلدان العالم، هي نتيجة نهائية لتضادات النفس البشرية التي تتجلى على هيئة منظومة متكاملة.

قد تتعرض لشيء شخصي، لكن المنظومة نفسها ليست شخصية، وذلك الشخصي الذي حدث لك قد يتحول يوما ما إلى شفيع لك في شيء آخر، قصة صعبة الشرح للغاية لمن لا تحضر لديه سياقات معقدة للغاية تحتاج إلى شرح مطول. الخلاصة، أنني لم أمنع عن الكتابة يوما من الأيام! حتى وأنا في كل معتركاتي المتقلبة. وطبعا، كانت لي أدواري المؤقتة التي أهرب منها، والتي أيضا ليست بسينمائية ما يتوقعه البعض، مجددا، الواقع السياسي في عمان مختلف جذريا عن ما يتأمله البعض من بعيد بلغة الخيال وإكمال النموذج المتناسخ من عنعنة المجرب الذي يسرد لمن يجرب حقيقة الواقع الغامض هناك.

أنا شخصيا أرى أن الواقع العماني قابل للاحتمال، سوء الحظ وارد، الشخصنة تجاه إنسان واردة، الظلم وارد، كل شيء وارد، ولكن هل هو قابل للاحتمال؟ المقارنات تثبت ذلك، وأنا من الذين عاشوا واقعا آخر وجدت نفسي أكثر تصالحا مع عمان الدولة مع صعوبة واستحالة وإعجازية العودة الطبيعية إلى عمان المجتمع.

الدولة أسهل ملف تحله في أي وضع شائك. تحل موضوعك، تثبت العهد، تبقى عام أو عامين تحت السمع والبصر، تثبت موقفك، بعدين غيب عيش كمل حياتك لا حد معك ولا حد ضدك. شيء صعب أن يتخيله الذي يتغذى من وهم الاستهداف المستمر وهو من الأساس لا يفعل أي شيء، يثرثر في الحانات والمقاهي، ويكتب تغريدات بها الكثير من التلميح! يعني جو سينمائي مفيد إبداعيا، لا علاقة له بأي واقع وأهل التجربة يعرفون هذه (النمائن) الكرتونية جيدا.

إن كنت إنسانا يعيش في مظلة القانون، ليست لديه رغبة في خوض هذه التجارب، أنت الذي على صواب، وأنت الواقع الصحي، وأنت الذي يعرف كيف يكتب، ويعرف كيف يمتنع عن ما يضره أو يضر غيره. فكرة تنزيه المساجين، والمكسورين، والمحطمة قلوبهم، والمرهقة عقولهم ليست أكثر من إسقاطات يُحسد فيها المرء على جروحه!! شيء غريب جدا عندما لا يملأ نفس الإنسان الصواب الصحي الذي يعيش فيه.

بالعربي!! مالك ومال السجن!! عموما لا أطلق أحكاما، أنا شخصيا كنت أريد دخول السجن متعمدا، وأعرف الآن كل الدوافع النفسية التي كانت تسكنني، وكل الصراع الداخلي الذي حسم بعد عقد ونصف. عسى أن يسمح لي العمر بكتابة كل هذا يوما ما في سرد منظم.

يا سلام لما يحبك البشر الذين يتمنون لك السجن لكي تنال المزيد من البطولة. ويا سلام! لو أيضا تكون مضطهدا اجتماعيا، يلاحقك الذين يرونهم (مجتمعا جاهلا يكره من يفتح عيونهم) بالإلغاء والسرديات. يحبونك سرديةً فقط! وإن أصبحت حقيقيا، فأنت شخص عادي بلا دهشة! حالة فعلا تستحق أن تسمى (دنيا ماشية نكس).

يميني لم أطق، يساري، لم أطق، ملحد (أو هكذا كنت أظن) لم أطق، بدأت أكتب في رؤية تجاه القرآن وكانت كتابات جميلة جدا وكأنني خلقت لتأمل القرآن، أفزعني ذلك. وكل هذا علنا! وكل هذا يكتب يوميا في الفيس بوك ولاحقا في تويتر. يا ساتر يا معاوية إنه حياتك غريبة فعلا!

الكتابة سيطرت على حياتي، دمرتها، وأنقذتها، وأتمسك بها ومستعد أن أمنح روحي عشر مرات لها. لست موجودا حقا في أي شيء سوى في هذه الكلمات التي لها من يقرؤها لعقدين كاملين، منذ أيام السبلة إلى أيام تويتر الآن، هناك من يعرف الحكاية كلها، ومن أصبح صديقي، ومن أصبح معالجي، ومن أصبح ناصحي، ومن أصبح صديق عمري. كلمة "القارئ" هذه الورقة الناقصة مهنيا في حياة كثيرين يستخفون بها بحجة خزعبلات مثل موت الكاتب، وأشياء أخرى من الفلسفة قيد التكوين التي يدمن البعض السكن فيها! كالذي يحب علم النفس قبل تطور علوم الأعصاب، هو نفسه الذي يحب الفلسفة قبل تطور التنظير عن الردع النووي، والنظام البنكي العالمي، وهيمنة القطبين ثم القطب الواحد على العالم. زمان ووجود ومجتمع وكوكب ماركس وهيدجر وغيرهم من الرفاق أهم بكثير من لحظة العالم الراهنة والمعقدة والمملة جدا.

القارئ! هذا الرمز السحري الذي من يفهم حقيقته؟ يفهمها الذي عاشها، وهي ليست تجربة تتكرر مرتين لدى كاتبين مهما تشابها.

هو الذي يرسل لك رسالة، ويسألك عن مرحلة في حياتك، ويذكرك بها، ويخبرك ما كان يظنه ثم يخبرك ما يريد أن يعرفه ثم يساعدك للوصول إلى الحقيقة شبه الموضوعية عن الذي كان يحدث، وفق فهمك، ووفق فهمه. قد يكون طبيبا، وقد يكون أكاديميا في علم الاجتماع، وربما يكون شخصا كان يكرهك واصبح يحبك، وربما يكون شخصا كان يحبك وأصبح يكرهك، القارئ قارئ، دائما لديه رموزه السحرية للوصول إلى روحك بالضرر وبالنفع.

لا أعرف متى صرت جزءا من الوجود اليومي للعالم الرقمي، ومن ثم صارت لي هذه الورطة المضحكة وصرت أسمى (من المشاهير) وأقوم بعمل إعلانات عن المطاعم وغيرها! هههه شيء جميل وظريف جدا وأحب عمله، كاد أن ينقذني من هذه الهالة الثقافية لولا ما فعلته الدراسة، وما يجب الآن أن أفعله لكي أتخفف منها دون الحاجة لاستخدام الانتقاص من الذات، أو تأطير الكوميديا بكلمة (هذونة) أو تسييل لعاب اللئام بالقليل من جلد الذات الموجه. سيكون تحديا ظريفا، ولكن بصدق، من ألطف التجارب في حياتي هذا الوضع الرقمي الجديد الذي به شيء اسمه (مشاهير). فقاقيع الانتقال بين المراحل التي سوف تنهار انهيارا موجعا عندما يكتشف المبدعون فن صناعة المعنى رقميا، ويعرفون أنهم أيضا يمكنهم صناعة حياة مهنية عبر ذلك، ولهذه قصية أخرى وميزان طويل الأجل.

كل هذا حدث حقا! السجن في الإمارات حدث، المحاكمة الماراثونية حدثت، البراءة حدثت، العودة لعمان حدثت، السجن مجددا حدث، الخروج منه حدث، رحلة البحث عن جوازي حدثت، تحولي إلى شبح طوال الوقت حدث، السفر إلى النيبال حدث، سبعة أشهر من صناعة الشموع حدثت، قرار الهجرة لأمريكا حدث لولا ترامب اللعين. الهجرة لبريطانيا ومن ثم 1249 يوم و11 ساعة ولم أحسب وقت (بوردنج) الطيارة.

كل هذا حدث حقا، البث المباشر في أيام كورونا، تغريدات تويتر، الدوافع النظيفة بلسان وسخ، والدوافع الوسخة بلسان نظيف. وكل هذا كان يحدث ويحدث ويحدث بلا توقف!

حياة شاب موهوب تذهب للدوامة!!! ثم حدث ما حدث ..

في البدء كان عبد العزيز الهنائي .. ومنه انطلق كل شيء، ثم كان سالم بن حميد الرواحي، ومن تحرك كل شيء.

والعفو الهائل الذي قلب حياتي رأسا على عقب، من مأساة إلى حياة! من جلالة السلطان هيثم بن طارق الذي سأبقى ممتنا له في كل لحظة أنجو فيها من ضرر شخص أراد بي، وفي كل لحظة يحدث لي خير كان مستحيلا في وضعي السابق.

العفو إلى عُمان، وانقلاب الآيات! الحكومة التي كانت تلاحقك بالحق العام أصبحت الحكومة التي تحمي العفو. ويا إلهي! لدي أعداء مخيفون حقا!! التعهد بعدم التعرض هو سيد الموقف، ومن جانبي لم أتعرض لأحد، وحتى هذه اللحظة لم يتعرض لي أحد.

وكل الحكاية أخذت طابعا مختلفا، بعد صاحب السمو السيد ذي يزن، مقابلته، تعييني كعضو مجلس إدارة في النادي الثقافي، جلسات معا نتقدم، وكل الذي أصبح ممكنا اجتماعيا بفضله وبفضل رعايته لهذا الإنسان الذي يعيش هذه الدهشة المستحيلة كل يوم! هل أيضا حدث كل هذا!!!!

كما يقول لي صديق من خارج عمان: "المشهد لديكم سريالي حقاً"

قال ذلك عندما عرفني في بريطانيا وأنا أسدد السب والشتم حتى والدي لم يسلم مني وطبعا الموال الاعتيادي للغاضب الذي يبكي ثم يغضب ثم يختفي ثم يعتذر ثم يغضب ثم يختفي ثم يعاود الكرة بلا توقف!!!

والمشهد وأنا ألقي مداخلتي أمام صاحب السمو في ملتقى معا نتقدم! فعلا، مشهد سريالي!!! لا أعرف هل أنا أبالغ أم هذا فعلا صعب أن يحدث في دولة عربية غير عمان؟؟ ربما يحدث، ربما لا يحدث، لكنه فعلا مشهد سريالي!!

ونعم هذا حدث. ذلك المدون المهلوس المدمن بكل (سياكله) يعود لعمان، والآن شخصية ثقافية عادية أخرى مملة كثيرة الكتابة وكثيرة الكتابة عن المواضيع المملة التي يأنف عظماء الأرض من ذوي الحروف الكتابة عنها. أقسم بالله، أنا نفسي أحيانا أستغرب! ما السر الذي في هذه العمان الذي لا يمكن كشفه! أتوقف عن التفكير، وعن تحليل كل هذا وأشكر نعم الله الكثيرة، وأدعو من القلب لجلالة السلطان بلا توقف، الكلمة التي ترافقني دائما (السلطان هيثم الله يحفظه وجزاه الله خير) أقولها أكثر مما أكتبها، ولن يفهم وضعي إلا قليل قليل جدا في هذا الكوكب!

حتى شيء غريب!!! معارض (أو هكذا يسمى) تنقل السفارة (دراجته الهوائية) إلى عمان! ومعارض آخر (إن كان ينطبق هذا عليه) يعود لعمان لكي يودع عائلته!!! ما هذه البلاد فعلا تحيرك والذي يقول أن يفهم عمان يكذب! لا أحد يفهم هذه البلاد حقا! الذي أعرفه أنني أحبها حقا، وأتمنى لها الخير، وأتمنى لمجتمعها الرخاء والحرية، وقدر الممكن والمتاح أكتب لأجل ذلك.

لا يمر يوم دون أن أسأل نفسي. هل أنا صادق؟ كل هذا الذي أكتبه وأنشره هل له دافع صادق؟ هل حقا دافعي الخير؟ وحب الحرية للناس؟ أم دافعي آخر؟ أم هو مزيج مرة يغلب هذا ومرة يغلب هذا؟ هل كل العمل الذي أقوم به أريد به وجه الله حقا؟ أم أنا مراءٍ آخر، لا يمر يوم ولا أسأل نفسي هذا السؤال ولا أجد إجابة. إن بحثت عن الشك في نفسي وجدت ما يؤديه من خيلاء واختيال، وإن بحثت عن الحق في نفسي وجدت ما يؤيده من صدق ونية. لذلك أيضا توقفت عن هذا السؤال، وطبعا توقفت عن الاستماع لرأي أي إنسان يتجاوز الفعل إلى صاحبه! من يجعل الأمر شخصيا فشكرا له، لأنني عندما أجعل الأمر شخصيا، أجعله شخصيا جدا! وأيضا البادئ أظلم أليس كذلك؟ أنا أرد فقط، لن أغفر لأحد مهما امتد بي العمر، هزيمة اجتماعية أخرى؟؟ سأموت عشرين مرة ولن أقبل ذلك. والذي يعرف مرارة الهزيمة الاجتماعية، وخسارة الذات، والتحول لسردية، وأن ينهشك من هب ودب، ومن ظلمتَه ومن ظلمَك، كل هذا درسٌ مروع للغاية يغير الإنسان.

الدرس الحقيقي في عمان، أن الذي ظلمتَه يسامحك، ويتجاوز، وأن الذي ظلمك يغالي في الدفاع عن نفسه وإيذائك!! شيء غريب ما أن تعرف أن حياتك تستحق الدفاع عنها ستتعلم كيف تسلح نفسك بالوعي الكافي لكي لا يحدث هذا مجددا.

لم يكذب صديقي عندما يقول أن المشهد في عمان (سريالي فعلا) وأذكر عندما جن جنونه عندما رأى زيارتي لسماحة الشيخ في منزله!!
- هل هذا الجنون يحدث لديكم؟ فعلا قبل اعتذارك؟

أرد عليه:
- لم أعتذر أصلا، كان لطيفا للغاية لدرجة أنني نسيت أن أعتذر وخرجت من منزله ثم انتبهت لذلك!!!

والله العظيم كأنه نص من رواية!!! ناشط وموظف في الدولة، يشتم السلطان، والمفتي، ثم يدمن عشر سنوات علنية من الهلاوس، ثم يعود بعفو، وكأن شيئا لم يكن يعطى فرصة للحياة وورقة بيضاء يملأ صفحتها وكل له عهد ووعد، ثبت من جانبي، وثبت من الجانب الآخر بلا خدش.

حاول البعض التعرض لي لكن الحمد لله عندما كان الأمر في محله حُميتُ على وجه من وجوه العهد المستمر. لذلك لا أعتدي على أحد، وأعيش في عمان مطمئنا.

إنت كنت سأصف نفسي، فأنا غريب حقا، ولا أعرف نفسي كما أتمنى. لا أعرف هل أنا صادق أم كاذب، لا أعرف هل أنا وطني أم منافق آخر ومطبل يطبل لأنه يريد أو لأنه يخاف. لا أعرف هل أنا حقا أتمنى الخير لعمان، أم أدفع ضريبة للناس فقط لأنني أشعر بالذنب. لا أعرف مطلقا لا أعرف ولا أريد أن أعرف. أعرف أن الوقائع، المثبتة، المؤكدة تقول أنني فعلت صوابا في مواضع كثيرة، هذا يكفي، المنطق يكفي للحكم، الباقي كله غيب في غيب، خيط من الدخان كلما أمسكته أفلت من يدي، وحقا حقا لا أريد أن أعرف لأنني مستمر في الحياة بهذه الطريقة، أحاول فعل ما هو صواب.

لم أعد صعلوكا، لم أعد مهذونا، لقد أصبحت الآن (أبو الملهم) الذي لديه واجب وجودي يؤديه ويا إلهي! كل الحياة الهائلة السابقة تبدو شيئا عاديا للغاية أمام هذه المسؤولية أمام إنسان أنا أحمل اسم (أبوه).

المفارقة التي لم أفهم يوما ما اسم (أبو معاوية) أنني لا أحمل اسمه فقط هو أيضا يحمل اسمي. أنا سمّيت بابني، والآن فقط أفهم أن أبي سُمّي بي!!! متأخرا جدا رأيت ذلك، ومبكرا بما يكفي لأحاول رد الجميل.

لا أنوي شرا بأحد. أنوي خيرا لنفسي ولعائلتي. أكتب لأنني حقا أحب الكتابة، وأساهم في الشؤون العامة لأنني أملك خبرة جيدة أثبتت فائدتها في عدة مواقف. لا يهمني أنا إنسان خيّر أم شرير، ولا أعرف أنا منافق أم صادق، ولا أريد أن أعرف، ما هو الصواب؟ ماذا يقول المنطق الشرطي الجامد البحت أذهب وأفعله، بقرار مسبق، وبجهل تامٍّ لما يدور في طيّات نفسي الغامضة جدا جدا.

نعم أعترف، أنا إنسان غريب، لكنني أيضا في بلاد غريبة، بلاد كل يوم يمضي أعرف أنني لا أبالغ، هذه البلاد بها شيء مختلف، بها شيء مختلف، في خيره وفي شره مختلف. لهذا السبب لم أعد أريد أن أفهم شيئا، أقرر أن أعيش، أملأ صفحة هذه الحياة بما استطعت. رب أسرة آخر في مجتمع أتمنى له كل الخير لأنني أتمناه لنفسي أيضا.



أسأل الله أن يحميني ويوفقني، وأن يبصرني دائما، وأن يجنبني شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر الناس ..


ولا إله إلا الله ..
والحمد لله رب العالمين ..

الأحد، 17 مايو 2026

ألا تطلب اعتراف أحد!

 

 

أن تكون كاتبا لا يطلبُ اعترافَ أحد! ويحترقُ السؤال في علاقاتِه المتشابكة مع الواقع. وهذا الذي أفعله الآن في لغتي المقالية بكل التراكيب المألوفة في لغة المقال بشكل عام. لغة المقال العماني على الأقل؟ ما الذي غير كل ذلك؟ ما الذي جعلني أكتب بهذه الطريقة؟ وما الذي يجعلني بهذه الرسمية وكأنني أكتب لكتابٍ لاحقاً، لجمهورٍ عربي. كل الذي تغيرَ هو موقع الكتابة. تغيير جذري حقيقي لا أعرف لماذا له ألف سبب. كنت أكتب في محرر النصوص المرتجل في منصة (X) هذه التي كانت تسمى يوما ما تويتر. هذه التي كانت منبرا للحرية، وللدهشة، والتي غيرت معادلات كثيرة، أجملها قدرة الفرد على أن يوصل صوته، وأن يكتشف أن صوتَه مدهش ويستحق القراءة، والثانية عندما وصمت القراء بتسمية (المتابعين) القميئة للغاية.

 

لا أتخيل أن أصف قارئا لي بكلمة (متابع). طبَّع الناطقون دلالات هذه الكلمة، وأصبحت شأنا آخر مشوهاً من شؤون أيام الكتابة. (متابع!) تبدو صفةً لإنسان يراقبك. ليست صفةً لإنسان يقتسم معك العملة الأهم في حياته. عملة الوقت! وتأتي هذه المنصات العنيدة في إعطاء ما تكتبُ وقتا زمنيا مقيدا. مشغولةٌ هذه المنصات بتغيير المواضيع، بجذب انتباهك، تدمج بين الشخصي، والنفسي، والإعلامي، والمتع، والكراهية، والحب، والصدامات في صفحةٍ واحدة مشتتة مبعثرة تجعلك أيضا أنت ككاتب تُطبِّعُ مع الشتات. شتَّان بين ما أكتبه هذا في صفحة (الوورد) البيضاء، وما أكتبه ارتجالا في محرر النصوص في تويتر. شيء ما يجعلني عندما أكتبُ هنا أكثر تنظيما، وأعطي اللغة حقَّها، وأتجنب العاميَّة كل التجنب. السبب هو السياق، وليس المكان! وهذا هو الفرق الجوهري بين الكتابة في مدونة تتعامل مع قارئ، والكتابة في حساب في تويتر يتعامل مع مئات من القراء، وآلاف من المتابعين.

 

الفروق بين القارئ والمتابع هائلة. كالفرق بين الكاتب والمغرد. لذلك قامت الضرورات باشتقاق كلمة (كاتب محتوى) للهروب من هذا الخلط. محاولةٌ أنيقة للغاية الواحدة، وللغايتين. الجمع بين الكتابة والمنصات الرقمية ذات المعايير المرنة جدا. لاحق نجاح هذه المنصات، وهيمنتها الصناعية على المنابر الكاتب في فترة نشأته وتكوينه. مهما كان المرء كلاسيكيا وعنيداً، سيبقى انعزاله عن هذه المنصات موقف ضغط على الذات، وعلى الواقع، لكي ينجحَ بدونها. وكيف يُعرف نجاحه؟ ووصوله؟ ستعرف أيضا بشكل ما أو بآخر عبر هذه المنصات. العالم رقمي، يمكنك أن تنعزل عنه، جزء من اعترافه بك، وجزء من تحقق هدف وصولك، ووصول ما تكتبه إلى عقول البشر سيكون رقميا، لا فكاك من هذه المعضلة حتى لو كنت تعيش في كهف وترسل ما تكتبه بالحمام الزاجل، ستصلك قراءة نقدية مكتوبة في موقع إلكتروني، وستصلك مجموعة من التغريدات التي أعجبت بكتابك. حاول إن استطعت أن تنعزل حقا عن ما يفرضه العالم عليك! حظا موفقا.

 

 

أؤمن أن فرصة الكتابة هي حقٌ من حقوق جميع البشر. لا أعرفُ في أيِّ عمر فقدت الاهتمام بنيل الاعتراف من أحد. بدأ كل ذلك مع بدايتي في التدوين، انعزالي التام عن كل شيء، لا شيء لدي سوى مكتبتي، واشتراك الإنترنت اليومي بريال واحد، واليوتيوب الجديد وقتذاك. وأنفقت آلاف الساعات أمام لوحة المفاتيح.

كل شيء بدأ عندما حدثت تلك المعجزة التي صرت أسميها (القارئ الأوَّل). ذلك الغريبُ كليا، الذي لا حياة تربطك به، لا شيء أوصلك له سوى ما تكتبه من كلمات وتلقيه في الكون الشاسع لكي يتفاعل بطريقته مع العقول. ما الذي أوصل القارئ الأوَّل لي؟ كانت تلك المساحة التفاعلية الجديدة التي بدأ الوضع الرقمي العام بالسماح بها. أن يكتب تعليقاً، وأن يصلك ذلك في اللحظة ذاتها. لم تكن القصة جميلة، والاقتراب من كاتبٍ تحب كلماته شيء لا أنصح به دائما. لا أحد ينفق وقت الحياة الثمين ليكتب ما لا يحترمه، ولا قارئ ينفق من وقت الحياة الثمين ليقرأ ما لا يحب. من هناك تغيرت وجهة نظري، عن الرخصة الكتابية التي تسعى لنيلها من النخب. انزاحَت المعايير القاسية التي كنت ألزم نفسي بها إلى معايير أقل كونية، أقرب للواقع، أقرب للناس، ومع الوقت صارت مرتهنة بالمجتمع الذي أعيش فيه فقط. ليست لدي خطط حقاً لأكون كاتبا خالدا عابرا للأجيال! أحترم الذين يحاولون ذلك، والذين ينحتون في الصخر لإثراء التجربة الإنسانية، ما تفعله الكتابة في حياتي أنها تؤدي وظائف عديدة لم يعد بإمكاني التخلي عنها. أبسطها أن الكتابة وسيلتي في التفكير، والتخيل، والتأمل، والسرد، والتذكر، وإعادة تكوين المعتقدات، وتحويل الأفكار والمعاني الغامضة إلى كلمات، ودوري الاجتماعي كناشطٍ في شؤون عُمان لم يتوقف لعشرين سنة عن الاهتمام بما يحدث فيها. تغير كل شيء عندما آمن أن الكتابة من حق الجميع، ومن حقي أن أكتب كيف أشاء! ولا أعرف متى نجوت من سلطة كبار الساحة الذين كانوا يحبون أيضا فرض هيمنتهم على المجتمع الثقافي قليل العدد آنذاك.

 

لهذا السبب لا اسعى لنيل اعتراف أحد. عرفت علاقتي بالكتابة، وكيف ستكون، ووظيفتها الدقيقة في صحتي، وعلاقتي بالعالم، وتأثيري في المجتمع، وإيصالي لرسائلي. وعرفت ما الذي أريده ولا أريده من العلاقة مع المجتمع الثقافي الذي أؤمن بأهميته، وأؤمن أيضاً بأهمية أن يبقى حرا طليقاً من سلطة الهرمية القسرية التي فتتت الوسائط الرقمية أدواتها. ماذا إن رفض مدير تحرير مجلة مقالك؟ من الأساس هو الذي أصبح يتوسل الكتاب حتى من هبَّ منهم ودبّ لكي يصل إلى رضا خوارزميات محركات البحث.

 

لي حكايةٌ طويلةٌ مع قرائي عبر السنين. حكاية أريد أن أكتبها على مهل، ولهذا السبب، ولأن الوقت المتاح للكتابة الذي تسمح به حياتي قد انتهى، سأكمل في المرة القادمة أجزاءً صغيرة متناثرة عن دور القارئ في حياتي. هل صدقت الجملة المكابرة التي في العنوان؟ حيل الكتاب الشهيرة في جذب انتباهك، الحقيقة أنني أريد اعتراف أحد، القارئ، وقارئ واحد يكفيني لكي أعرّف نفسي ككاتب، وقد تحقق ذلك منذ زمن بعيد. معيار يتعامل مع الكتابة بمفهوم الحق البشري العام، لا بسلطة المعيار التي ما أن يمسك بعنقها أحد، أطلقها على الكون سامَّا يبحث عن شخص آخر يشعره بالسوء لأنه ليس سارتر زمانه. هؤلاء! تحترم عقوله المنتجة، وتمقت سلوكهم الغارق في الرغبة في التسلط، تسلط الضعيف الذي يحاول أن يكون منطقيا، الذي أقصى تبرير لديه لما يفعله هي رغبته في تنظيف الواقع من الدخلاء، وكأن الواقع لا يفعل ذلك بنفسه، عبر من؟ عبر القارئ دائما! هو الذي يحدد بقاءك، ويحدد فناءك، مهما حاول كبار الكار، ومؤسساته تكريس أحد، سيبقى كل ذلك لكي يعترف القارئ بإنسان يكتب، اعتراف لا يُنال بسهولة، ولا يناله أي أحد!



مايو 2026

 

 

 

 

 

الأربعاء، 13 مايو 2026

ضمن تفاعلات في تويتر

 نفس الشيء كنت أفكر كذاك، بعدين لما سألت مختص (ولك أن تراجع كلامي علميا)

توزع صح، لكن إلى أي مدى تقدر تحسن نوعية أحياء كاملة بدل ما تكون جامدة وعبارة عن بيوت وإسمنت بلا ملمح حياة، وأنت شايف الحياة الاجتماعية كيف تراجعت كثيرة في هذه التوزيعات.
- توصل الخدمات بس نتيجة اتساع الرقعة معناه الجميع سوف يأخذ نصيب أقل، ونعود إلى موضوع (ماء كهرباء بلدية) وهذا النموذج تراه ما طبيعي، ولا جيد، ولا يصنع لك جذب عالمي، ولا حتى أصلا جيد للحياة، فقط تعودنا عليه ونظنه زين.
- إدارة الكثافة، هذي لها علاقة بشؤون اقتصادية، ومجدد، بتحسين تقاسم جودة الحياة، بما في ذلك الحدائق، والمرافق العامة.

فوائد نظام التوزيع الواسع جدا كثيرة، أبسطها الاستقرار الاجتماعي، ضرائبها أيضا جدا كثيرة لأن تقسيم التطوير والأنسنة سيكون على نطاق واسع فالجميع يأخذ نصيبا أقل.

فوائده زحمة أقل لأنه السيارة الواحدة سيدة الموقف.
ضرائبه صعوبة النقل العام لأنه لن يكون مردوده الاقتصادي جيد.

يعني يوم تفكر فيها من كل جانب تحصل الموضوع فعلا ما سهل تحصل فيه أبيض وأسود.

هذا الفهم اللي يخص ملمح واحد، هل كل هذي الخطط تنجح؟ موضوع المدن الجديدة ينجح؟ الأمل موجود لأنه اليأس ما وجهة نظر ..

أيضا من جانب آخر، قيمة الأرض كمحرك اقتصادي، هذا ايضا فهم ليس من فهمي وإنما استقاء ممن أظن خيرا برأيه العلمي (وتستطيع أن تبحث).

توزيع مئات ألوف الأراضي على أمل (يتعمر جزء بسيط منها) والباقي يدور في عالم السمسرة والاحتكار ويعكس الهدف المرجو من الاساس.

زمان لما كان راتب (500) يكفي عشان تبني بيت، وتتزوج، وتكون أسرة، كانت هذي فكرة محسومة، نسبة بناء الأرض ترتفع. الآن، هناك من يريد البناء، وقل كثيرا من يعتبر الأرض موضوع بناء، يراها منحة مادية يتصرف فيها.

مرة أخرى: في نظام الريعية فيه عالية، كذا أو كذا، لا يوجد استخدام آخر أفضل لأن معايير الحياة متفق عليها، وايضا، اللي يتعمر يتعمر، كله خير، واللي يباع يباع كله خير تحرك السوق المعتمد على النفط والعقود الحكومية في البنية التحتية إلى حد كبير.

في نظام اقتصادي مغاير، يسعى للنمو، وما معه رفاهية يعتمد على النفط لأنه ببساطة معه سنوات معينة قبل لا ينتفع جيل ويبدأ جيل بعده يدفع الثمن.

ما شيء أبيض وأسود.

ولأنه السياق يتطلب أن أقول رأي الشخصي عشان موقفي يكون واضح:

أمنيتي، إسكان شعبي، تغيير ثقافي يتقبل واقع الزواج وبناء الحياة المشترك، جيل كانت وظيفته الحكومية تكفيه حتى التقاعد وبعد التقاعد يفرض شروطه على جيل الحياة أمامه قلق، والجهد هائل فقط عشان يشق طريقه.
لذلك، شقة، ويتزوج الواحد في عمر حاجة وعشرين، ويبني حياته، ويتخذ قراراته، والمتوقع منطقيا يقرر عدد الأطفال اللي يجيبهم، وبعد الشقة الله فتح عليه يشتري بيت في حي سكني مؤنسن ويعيش حياته ونتائج كده وتعبه وعرق جبينه.

أمنيتي، إنه الاستيعاب الاجتماعي هذا يحدث متزامنا، وطبعا غاسل يدي القطاع الخاص يسوي مشاريع استثمار أخضر فقط لهدف اجتماعي، بس يعني أتمنى إنه شيء انطلاق لهذه المشاريع التي فقط لهدف اجتماعي، وكسر تأخر سن الزواج، وربط ذلك بالمواليد والمؤشرات الاقتصادية وغيرها من الأشياء العلمية الصعبة جدا إني أكتب عنها حتى ولو بشبه فهم، اللي أعرفه، هذا الذي يطبق في دول سبقتنا، ولا مانع أن نطبقه نحن أيضا.

أمنيتي إنه يغير نظام جلب العمالة حاليا والتزاحم على أنماط السكن لسياسة هجرة أخرى ومتقين إنه موضوع وقت وهذا سيحدث، ما معقول كل التغييرات الاقتصادية اللي تصير وهذا الموضوع ما سيحدث.

اللي قلته فوق يخص الرأي الفني، واللي قلته في نهاية المقال يخص رأيي الشخصي.

والسجال هو سجال فلسفي ملأ العالم بالنظريات:
- الاقتصاد هو المنقذ، ضغط على جيل، يعني إنقاذ أجيال. ولكن إلى أي مدى تقدر تضغط؟ هذا سؤال صعب!
- المجتمع أولا: ماذا عن الاقتصاد الذي يصنع الوظائف، ويخرج من سيطرة النفط كمصدر دخل رئيسي مصيره مع الوقت يقل تقسيمه لأن عدد السكان يزيد ونصيب كل فرد ينقص مع كل سنة ومع كل جيل.

القضية يا (برو) لا تخلو من كونها قضية اجتماعية وثقافية في المقام الأول، وهذا جانب ممل للغاية قليل يحب يكتب عنه، حتى المتخصصين في هذا المجال قليل ما نقرأ لهم مقالات توضح لنا كناس عاديين لماذا ما يحدث؟ وماهية أسبابه، ويضع الكلمات على المعاني والنقاط على الحروف.

أتمنى إني أنصفت تعليقك برد يستحقه.