بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

تغريدات اليوم العصيب ..

 التغريدة الأولى:



‏البعض يفسر غضبي المستمر على وزارة الإعلام لأنه لسبب

 شخصي. ما لأنه سبب شخصي، قطع رزقي بإيقاف بودكاست هدهد بكل برود. 

‏ويشهد الله أنني لن أسامح من فعل ذلك إلى يوم القيامة.


‏جالسين في أمان الله، مسوين بودكاست مع جريدة الرؤية، مهني، ملتزم، قانوني، فجأة يطش لك الرقيب الإعلامي ويبتر لي مصدر رزق وخبز بكل برود ..


‏ما من فراغ معي كل هذا السخط على وزارة الإعلام.


‏هل الوضع الحالي يدعو للتفاؤل؟ نعم يدعو، من زوايا فنية كثيرة يدعو، ممارسة العمل الإعلامي لأفراد يفتح أبواب رزق ..


‏لكن قطع الرزق اللي صار لكثيرين بسبب رقيب ما فاهم النماذج التجارية، اللهم إني مسني الضر .. وأسأل الله أن يعوضني وأن يجازي من كان السبب ..


‏انتهى كلامي، وعسى إنه ما نواجه مجددا هذا البتر في أرزاق الناس بهذا البرود البيروقراطي وكأنه البلاد ليست في حالة تحدي في موضوع الوظائف..


‏باحث عن عمل، يسحب اسمه من الباحثين لما يسوي مشروع رقمي صغير، ولو دخله بسيط، يكبر مع الوقت ..


‏كلمة حرقة لا تكفي لوصف ما في قلبي، والواحد ما يبغى يشتكي، بس هذاك الدخل اللي كان يجيني من جريدة الرؤية كان يساعدني على أن تقف مؤسستي الخاصة على قدميها دون أن أرهقها. 


‏بس كذاك، وقفوا البودكاست!


‏طيب التراخيص تتأخر كذاك وبس؟ خلو الناس تشتغل، خلونا نكسب رزقنا.


‏هذا الجانب السلبي في المسألة .. الجانب الإيجابي بسويه في التغريدة القادمة..


…………………………

التغريدة الثانية:

‏الجانب الإيجابي في وزارة الإعلام، مؤسسات التدريب وموظفي التدريب عاملين خلية عمل للبحث عن أصحاب المحتوى، وبالذات السياحي، والمهني. فاهمين قوة الوزارة بتجهيزات بالملايين وإنها قادرة تصنع حركة رقمية وقوة ناعمة حقيقية.


‏المعضلة ما في الجانب الفني، المعضلة في الجانب الرقابي اللي يقطع أرزاق ناس، ونعم أقولها، قطع رزقي، ولن أسامح من كان السبب ليوم القيامة. 


‏نحن بسطاء، بسطاء جدا، بساطة كاميرا الأوزمو، وبرامج المونتاج في الهاتف، بساطة التغريدات البسيطة.


‏بس هين المعضلة؟ الرأي الاجتماعي، هناك دائما، وكأنه عمان والمجتمع ملك الرقيب عشان يضعها تحت الأجندة ماله، طيب ياخي معك منصاتك وسوي رأيك ورسالتك على كيفك، تقطع أرزاقنا ليش.


‏معي خمسة شباب عمانيين متأخر توظيفهم، وأمانة في عنقي إيمانهم بالمشروع هذا، وأمانة في عنقي أن أقدم لهم تجربة رقمية آمنة لا تؤذيهم. لهذا السبب، لا حد يكلمني أو يظن بي ظن سوء أنني منهم الذين إن اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون.


‏قدمت برامج في الإذاعة، لما جيت أخذ المقابل الزهيد مالي قالولي جيب مليون موافقة من مليون مكان، حاولنا نشتغل، منعت لنا كتب، قلنا لهم كيف؟ كتاب معهم حق، كتب ثانية مستحيل قانوني يقول لك معهم حق. 


‏لدي تجربة مأساوية مع وزارة الإعلام، قديمة جدا، ولا تخلو أيضا من صفحات جميلة وناصعة.


‏تواصلت مع الوزارة، طبعا ما تواصلت مع الرقابة لأنني ما معي ملاحظات رقابية، وبيني وبين الرقيب الإعلامي القانون، ولو تعسف أو حاول يبسط سلطته (الهاتفية) ليس لدي سوى أرفع ندائي لجلالة السلطان. مؤسسة ملتزمة، منضبطة، ما تسوي مشاكل، وماشية صح ومن شخص أصلا جاي من خلفية جرائم نشر عديدة، وشوية حبشتكنات اعتقالات طفيفة مال كمين أسبوع. 


‏بشهادة موسى الفرعي الرقيب الإعلامي أدخل ملفي الطبي حتى في تعليق على حلقات، اعتبر مادة كوميدية تنشر بشكل طبيعي في مسلسلات الشايب خلف وغيرها إنها (مخالفة للذوق العام) عوين قلت حال موسى الفرعي: اليوم من شدة الكآبة حتى جيت ما متسبح!


‏الشخصنة، والتنصل من التوثيق الورقي، هذا في العالم الرقمي ما يستوي.


‏معنا عملاء، معنا عقود والتزامات قبل اللائحة، كذاك بكل برود باتصال يقول لك اوقف يعني يا تسجن بقضية من وزارة الإعلام، أو تسجن من عملاء لهم حقوق!


‏الوضع ما وردي، وصبرنا طال، وإذا تو وزارة الإعلام تنوي الخير، أتمنى تمكين مؤسسات التدريب، وتمكين هؤلاء الشباب الذين يفهمون الإنترنت جيدا. أما الرقيب المؤسسي اللي قطع رزقي، هذي معي مثبتة بالدليل، ولن أسامح عنها ليوم القيامة.


‏أما موضع إقحام ملفي الطبي في وقتها فقد لجأت للدولة ووضحت وجهة نظري وانحل الموضوع.


‏عشان كذاك لما يجي شخص لئيم ويظن أنني أريد من وزارة الإعلام شيئا.


‏لو قبلت ريالا واحدا من وزارة الإعلام فأنا إنسان منافق ولئيم، ما يستوي كل يوم نازل انتقاد على وزارة بعدين تدخل معها في مصلحة مالية، ما أريد من وزارة الإعلام غير حقي، نريد تراخيصنا ونشتغل، ونريد ينزاح عن راسنا هذا السلوك المزري اللي وصل للتدخل في ملفات طبية، ووصل لقطع رزقي في بودكاست هدهد. 


‏هذا كله مثبت بالدليل، وبالشهود، وما أقوله عن فراغ ولا عن عبث.


‏أرزاقنا ما لعبة يا وزارة الإعلام، فإذا جايين الساحة الرقمية، أنتم كم؟ مئات الموظفين؟ وعشرات المنصات؟ أنتم في منطقة آلاف مؤلفة من المنصات. بتقول لي الرقيب الإعلامي كذاك ماشي كأنه نحن في الستين وعدد القنوات والإذاعات في عمان عددها ستة؟


‏النظام الأساسي يسمح لك برفع النداء لجلالة السلطان. ومخاطبة السلطات العامة، وقد فعلت كل ما بوسعي، وخاطبت مجلس الوزراء، وقلت كل شيء من جانبي. باقي أيام معدودة وهذه الشهور من التعطيل والتأخير بما فيها من خسارات أسأل الله أن يحملها في رقاب كل من كان سببا فيها، خلونا نشتغل، معنا مشاريعنا، وما نريد نتقاطع معكم في شيء، ولما يحدث اختلاف الفيصل بيننا القانون.

…………………….

التغريدة الثالثة:

‏أطالب بعودة بودكاست هدهد، أجمل تجربة مهنية لي مع جريدة الرؤية. مكان يحترم عقلك، ويحترم رأيك ..


‏وصح للعلم، ما يشغلك مجانا ويقول لك: "احمد ربك عطيناك فرصة"


‏كنت أحصل على راتب يعادل راتب موظف .. 

‏وأيضا الخطة لي نسبة 30% من الرعايات .. 


‏متخيل؟؟ وكذاك بس بجرة قلم عوين "وقف المشروع"


‏خلاص تراه الواحد صبره إلين متى؟ والله لا أسامح، مسني الضر، ومسني الضرر ..


‏وأحسم الموضوع علنا، أمد يدي لوزارة الإعلام في كل شيء يخص الواقع الرقمي، وأقسم بالله العظيم أنني لن أقبل منهم ريالا واحدا. جاهز، بكل قوتي، وكونوا علي من الشاهدين.


‏ما معي خصومة شخصية مع حد، الله ابتلاني إنه رزقي ودخلي جاي من الثقافة والإعلام والسوشال ميديا وما معي خيار آخر ..


‏أشتغل يعني أخصائي نفسي مثلا خريج علم نفس وحده مضروب على راسه ومليء بالقسوة!


‏أنا شخص يقول لي انسجن شهر أبارك له وأقول له زين وحلو شهر يعطيك تجربة وأيضا يرفع عنك حرج القرابين الكاميكازية اللي كانت هي الوضع الطبيعي في الساحة الرقمية.


‏بعدني الآن في منطقتي الشخصية، بعدني أروم أتكلم عن كل الضيق والحسرة العاطفية اللي في قلبي ..


‏وطبعا البعض يظن أن السبب هو ما تفوهت به عن أستاذي الأهم في الحياة، الدكتور عبد الله الحراصي!!! يا سلام! يا ريتك تعرف مقامات العلماء عشان تعرف إني كل ما ألقاه يسلم علي كصديق، رغم خجلي الشديد منه، واعتذاراتي التي تكررت عبر السنوات، لا يوجد شيء شخصي، وعندما أخطأت في حقه كانت القائمة وخيمة، شملت والدي، وكل من أحبهم. 


‏وضعي أعرف إنه وضع غريب في بلد مثل عمان، وأنا وحدي ما أعرف كيف يشتغل عقلي .. بس اللي أعرفه أنني الآن إنسان نافع وغير مضر، وإنسان يحاول حقا يعيش حياة اجتماعية رغم تاريخ هائل من سوء السمعة والفعل. 


‏ما معي شيء شخصي، أنا فصلت من عملي في شؤون البلاط السلطاني، ولا في قلبي ذرة زعل على جهة عملي، والتقيت بمعالي نصر الكندي، والتقيت بسعادة الشيخ سعيد الخليلي وقلت لهم: "تراه قرار منطقي، من تلفظ على جلالة السلطان لا يبقى موظفا في الديوان" 


‏وأين كنت؟ موظف في الإدارة الخاصة في مكتب الفريق سلطان من يوما كان لواء، شغل أرفع مذكرات يومية لجلالة السلطان. رحت بريطانيا، ورجعت، نعشلت باللي صار هناك؟ أنا ما مبتز، ولا أريد من وزارة الإعلام حبّة سح .. باغي أعيش في سلام ..


‏بما إنه كل شيء سيحسم قريبا، وستكون بيننا ككائنات رقمية شراكة مع وزارة الإعلام، أقسم بالله العظيم أنني أريد مد يد الخير والعون والنفع، ومعي تجربة ناجحة، ومستمرة.


‏الأشخاص اللي آمنو بنا، سأكتب عنهم يوما ما، لما تتغير مناصبهم، كل وزير، وكل وكيل آمن بالمشروع جميلهم في لن ننساه.


‏لذلك لا تقول لي خليك هادئ مع شخص بجرة قلم قطع عني دخل وبودكاست ناجح وعصف به للجحيم فقط عشان لائحة بيروقراطية. ياخي تراه لائحة، خبر الوزير العائق، كلم الناس، زورهم.


‏أتمنى فعلا الوزارة تتخذ مقاربة التدريب وتنأى بنفسها عن مقاربة الرقيب. على الأقل اسأل شيء حد جالس يكون رزق؟ 


‏موالي مع وزارة الإعلام يكاد ينتهي، وفي اليوم الذي يقترب كائنا من كان من رزقي وأنا لست في موضع خطأ، سأبقى أرفع ندائي لجلالة السلطان يوميا حتى يعود لي حقي، وللآن الحمد لله لم أضطر لذلك.


‏الكل شايف التغيير في وزارة الإعلام، وهذي مشيئة سامية، مشيئة واضحة في المراسيم، وفي الخطابات، مشيئة صادقة وصافية. 


‏انتهى زمن تضرب واحد على الراس والبقية يصطلبوا، عمان كبرت، ولم يعد الجيل الجديد يعبأ. واحد يسوي محتوى عن مشروع مدرسي وصارت معه شركة طلابية.


‏توجه الدولة اقتصادي، توجه الدولة سقف نقد اجتماعي بناء، توجه الدولة كله رائع وجميل، باقي الرقيب الإعلامي يفهم النموذج المهني، هذي أرزاق، لو هو موظف براتب خليه يسأل الناس اللي تشتغل في التجارة.


‏أنا عامل، عامل في ورشة، نحن عمال بسطاء، واللي ما مصدق يجي ويزورنا. حالنا حال أي ورشة تورنة سفايف في المعبيلة الصناعية. ما معي لعبة خطابات، ولا معي لعبة رأي عام، وكل من ظلمني وظن أن موضوعي شخصي فليعدل الله بيننا.


‏قالوا الثقافة ما تأكل عيش، طيب هذا معي خمسة شباب شاهدين، الحجة في النموذج، الحجة في نحت النموذج. 

‏قالوا السوشال ميديا ينجح فيها التافهين، معي ما يكفي من الشهود والأدلة إنه كلام غبي وعبيط.

‏قالوا إنه سبب المهازل هو المشاهير، أيضا غباء في غباء، ما شيء حاجة اسمه مشهور، شيء ناشط اجتماعي معه قضية.


‏ما عيب تسمي شخص مثل محمد المخيني مشهور؟ ناس تتصل بي عشان أكتب قصيدة شكر له لأنه طلعهم من السجن، وللعلم بدون منشور، ولما ينشر بناء على طلب الناس، يتهم بالتجارة بالمآسي.


‏ما عيب تسمي محمد النوفلي مشهور؟ رياضي من طراز رفيع جدا العالم يعترف به، وأنت كل اللي تشوفه كم تعليق وكم لايك في حسابه؟ ما عيب تبخس الناس عملهم وجهدهم.


‏ما عيب تسمي محمد العريمي مشهور؟ وهو نموذج مهني رفيع وسبب رزق لكثيرين. 


‏من المطلوب من المرغوب، واحد لسانه طويل وكل يوم جالس ينتقد الناس ويطلع أخطاءهم وشغال شرطي وصاية على البشر، هذا المطلوب، وطبعا المطبل الهمام. مع إني بصراحة ما ضد التطبيل، وبين فترة وفترة تخرج من تطبيلات كذاك على الخفيف من اللاوعي العميق.


‏الساحة للجميع، المطبل له حق، المنتقد له حق. لذلك، أقولها بيقين تام ..


‏وزارة الإعلام جاية تريد تصنع قوة ناعمة، ومعها صدق تام، كيف أعرف، يوما ما بكتب لكم الحقائق الإيجابية، لأني تو ما أفوادي حتى أكتب حرف إيجابي واحد. 


‏أنا انسجنت، وما زعلت، تبهدلت وسويت العجائب، وما زعلت. فصلت من جهة ذهبية مثل شؤون البلاط وأقولها بالفم المليان، موه المتوقع يعني؟ تتلفظ بالسوء على جلالة السلطان وتريد تبقى موظف في الديوان.


‏لكن إلا رزقي، السوشال ميديا رزقي، وخبزي، ولو كنت وحدي كنت ماكل تبن، ومتصرف بألف طريقة، ما عمري غلبني كسب المال، من مراجعة كتب، أو بيع شموع، أو تغطيات هاتفية في مطاعم، ما أخجل من المهنة.


‏أنا عامل في ورشة، عامل بسيط جدا، معي أدوات ومعدات. وشيء ناس وقفت معي، وشيء ناس ساعدتني عدة مرات، منهم اللي أقدر أقول اسمه مثل الشاعر ياسر البرعمي، ومنهم لا يريد أن تعلم شمال الناس عن ما فعله يمين العطاء. 


‏طاير من الفرح لأني مستأجر مكتب بقيمة 330 ريال، طاير من الفرح لأني أخيرا أروم أشتغل في عمل إعلامي وأوسع عملي.


‏شيء عمالقة في الساحة الرقمية، عمالقة واصلين لكل بيت في عمان، شيء ناس متحققين..


‏ظني التعيس بالوزارة فجأة اكتسب أمل، لما شفت إنه موظفي التدريب هم اللي جايين، يا سلام، تدريب على المونتاج، يا سلام، لو يكملوها بوحدات بسيطة، أقسم بجلال الله ومعي الدليل، مبالغ بسيطة جدا يحتاجها صانع المحتوى في بدايته.


‏أنا حسمت موقفي من الوزارة، وسألتزم بالقانون، وسأدفع الضريبة التي علي بالبيسة قبل الريال، لن أضع نفسي أبدا في موضع رخيص، أن أتكسب منهم، وأن أكون متملق جبان. 


‏مليون مطبل سوف يصنع النون وما يصنعون من كذب وتطبيل، نفسي نفسي، أما رزق الآخرين ماذا به؟


‏وضعت عهدا على نفسي أن أعيش تجربة حقيقية. لو على العلاقات، والوصول، والرؤساء التنفيذيين، معي وصول حقيقي. بس هذا شغل سماسرة، سمسار اللي يقبل على عمل من جهة مبلغ، ومن جهة ثانية يأخذ عشرة أضعاف المبلغ، سلم لي على الصدق في التجارة.


‏أنا عامل، وشرف كبير لي أنني مهني، يعمل بمهارة، ويقدم منتج. على الجانب، مثقف وهذي السوالف وكاتب. عارف من أكون، وعارف من الذي قرأ لي كل هذي السنين، وما محتاج أصنع قيمة ولا أصنع زخرف.


‏هذا كلامي، بكل صدق القلب. 


‏وزارة الإعلام، لو كانت تفعل هذا بالعمد، وبدأت بمقاربة التدريب، رائع جدا. بس الله يخليكم، الرقيب يقطع رزق بهذا البرود، طيب على الأقل اسأل، فاوض، بس كذاك السالفة صلاحيات جامدة يعني؟ طيب روح القانون؟؟ 


‏ما أقدر أوصف لكم سوء وضعي النفسي لأسابيع متتالية، وخوفي الشديد من أي موقف بيني وبين رقيب ماخذ الموضوع هيمنة وصدام. سأصادم من أجل رزقي، وكل وسيلة قانونية ممكنة لأدافع عن الخمسة الذين معي وآمنوا بمشروع للآن معطل توظيفهم وشغالين على ترخيص وزارة التجارة.


‏خلوا الاقتصاد الرقمي لناسه، وزارة النقل معها مشروع ذهبي مع صناع المحتوى، نعم سيأخذ وقته، وسيمر بأخطائه، بس على الأقل النظرية الفلسفية الجذر لعملهم قادمة من منطقة نمو اقتصادي.


‏السوشال ميديا اقتصاد، والذي يعاملها معاملة آراء هذا غارق في عصور ما قبل التاريخ ..


‏ياخي شوف بس حسابات الشرطة، بس شوف وتعلم، مؤسسة عسكرية، تشتغل شغل محتوى رقمي يا ساتر!!! ما أعرف من هين جابوا الناس اللي معهم، تخيل مؤسس عسكرية تعمل أغاني، تعمل فلوجات، تعمل فلوج حي، تعمل محتوى سينمائي عجيب (واقعي) وحقيقي. 


‏عمان العجائب صح؟؟؟ المفروض الجهات العسكرية في كل العالم هي اللي تتعب معها، وكله عوائق، وكله ممنوع، تعال شوف عمان! ما تفهم لها هذي البلاد، وأنا أصلا يائس، ما حد يفهم عمان.


‏أول مؤشر تفاؤل معي، الوزارة تمد يد التدريب، بدلا من عصا الرقيب. اللي يغلط شيء قانون، أما رأي تحيز ثقافي فردي، هذا ما موجود له نص في أي قانون. القانون واضح.


‏من حق الإنسان يكون بغام، من حقه يكون مطبل، من حقه يكون ناقد ما عاجبنه شيء، هذا قانوني. لما توصل الأمور للخطوط الحمراء، الكل فاهم إنه احترام القانون موضوع حضاري، وباغي تغير قانون، خاطب السلطات العامة، النظام الأساس يسمح لك، وارفع النداء. هذا حقك.


‏بس عاد توصل لفرض آراء مدرسية بلي الذراع، منطقة رمادية.


‏أقوله بالفم المليان، أنا شخص قطع له رزق بسبب جرة قلم غير محسوبة العواقب، فما حد الآن يسوي لي بروباجندا أنني الحاقد الشخصي على الوزارة أو على الوزير أو غيره. ما معي أي حقد شخصي، قررت أحاول أكون شخص نافع، وما مستعد أقبل مطلقا رأي مهني غير فني.


‏المهم يا صناع المحتوى، تواصلوا بنفسكم مع هذيك المديرية مال التدريب، معهم ميزانيات رائعة، متخيلين فقط عشرين ألف كم صانع محتوى سيفعل بها العجائب؟


‏أنا ما قصة كفاح، معي أصدقاء ساعدوني، أنا قصة صبر، قصة الكفاح الحقيقية في هذا الجيل اللي جالس ينحت في الصخر. ما محتاج منكم أكثر من جهاز ماك يشاركه زملاءه ويقسم بالساعات.


‏محتاجين مكافآت بسيطة، ومسابقات. محتاجين تعلمه الصيد، محتاجين المخبز ما الخبز .. 


‏عاد ألا هل بلغت؟ لمن ألقى السمع وهو شهيد، هذي شهادتي على منطقة أرزاق عشت فيها ست سنوات، ومنطقة رقمي أحرث فيها منذ عام 2002 الله باغي يقبلها يقبلها، واللي باغي يقول شهادة المجنون لا تقبل، عاد كيفه، يعتبرني مجنون ولا فاصل.


‏أنا مواطن عماني بسبب جرة قلم رقيب أوقف بودكاست هدهد للآن أدفع الشهور من العمل ليل نهار، ما قادر أوقف ثانية.


‏والغم، والغم، تشتغل ونتنظر فلوسك كما أعور يترجى الصبح، وهذا لي كلام فيه حول المؤسسات الصغيرة، وزارة المالية أيضا لازم يكون لها دور، ما تعرف من هين تلقاها.


‏كونوا علي من الشاهدين، كل ما ينفع صناع المحتوى، مني ومن فريق ميزان نفعله مجانا، ولا نريد جزاء ولا شكورا. ما نريد سوى حقنا، والله يجازي اللي كان سبب في إيقاف بودكاست هدهد. 


‏والبنوك ما تجلس فاكة ثمها، تسوي أيضا شغل مع صناع المحتوى بدل ما عاملين انتقاء للمشاهير فقط، ولا يستكاودوا ساعات العمل؟ المشهور أسهل صح؟؟ هذا حقه وهو نافع، بس المشهد الماكرو عمره ما يصنع قوة ناعمة، القوة الناعمة يصنعها آلاف مؤلفة من صناع المحتوى الصغار من هذا الجيل اللي الحياة تضربه من كل جانب. 


‏الناس تتصرف، أما رقيب جالس في مكتبه، وما عارف أي رزق يقطع عشان تعنت بيروقراطي، خلاص أبوي اللائحة حالك، اللائحة مالك، بس باغيين منك تسأل، ما باغيين منك تهتم حتى، نغيب، ننقرع، ننقرض، خلي لنا خبزنا وخذ هذا موضوع الرأي مالك بتشبع مطبلين إلين تقول بس.


‏باقي وقت بسيط ونشوف مهرجان التطبيل الرقمي، وعاد جماعة حراس الفضيل يدوروها من الله، ما تقلق يا رقيب، بتحصل ناس أشد منك رقابة، معهم تتبع لصيق لحياة الناس وكل يوم نازلين على حد بالتلميح، هذيلا جماعتك، الله يهنيكم ببعض، اللي يصنع محتوى القانون يسمح به، ما يلك كلمة عليه شيء نيابة عامة، وشيء قانون، وشيء أجهزة أمن، تروم تهجع وخلي عنك التعنت.


‏أنا مواطن عماني قطع رزقه شهور، باغي بودكاسته مع جريدة الرؤية يرجع، وباغي ترخيصه عشان يعرف يشتغل، لو كان الرقيب إداريا ما ملحق على كثرة الشغل، خلي الناس تشتغل وخذ الأمور بشهور، لكن تعطل سوق كامل، بس عشان تريد تتبين من أمرك، قدامك فيضان، هذا محيط كامل المحيط الرقمي، آلاف مؤلفة. 


‏يتواضع الرقيب الإعلامي شوية، ويتعلم من البشر اللي بهاتف واحد يصلون لعمان بأكملها، ما يجي يستحوذ على نجاحهم وتعبهم. يجي ويتعلم منهم شوية المرونة والرشاقة، وقادرين تدخلوا الساحة ملوك إنتاج يا وزارة الإعلام، بس بالتدريب، ما بالرقيب ..


‏ألا هل بلغت

‏اللهم اشهد


…………….

التغريدة الرابعة:

‏أنا رسلت إيميل أطلب منهم تعريف العمل الإعلام .. 

‏قال لي مر علينا الوزارة!!


‏يا سلام، يعني باغي يشتغل بدون دليل يحاسب عليه لو كان هو مخطئ ..


‏وباتصال تلفون الرقيب يوقف ما يشاء، ويعطل ما يشاء. طيب فهمنا لما يكون الموضوع فيه حساسيات عالية، ناس جالسين بعيد عن الجدل، بس عشان موه، عشان معه رأي مزعج.


‏معي رأي مزعج وأبو المزعج في الرقيب، قطع لي رزقي في بودكاست هدهد، وما مستعد أتعامل معه كشخص بناء.


‏طيب أنت معك ناس، وصانعة وظائف، وشفت هذا بعيني قوت، وأنت شفت بعينك إني صانع وظائف.


‏يمدوا يد التدريب ما يد الرقيب .. عدة أشهر خلاص طفشنا، طفشنا يا ناس.


‏يعملوا اتصال مع وزارة العمل ويضيفوا الوظائف الرقمية كوظيفة رسمية، يعملوا اتصال مع وزارة المالية عشان تخصص مبالغ (تعلم الصيد) ما مبالغ تعطي السمكة. 


‏في القلب ما في القلب.. باغيين تراخيصنا ونروح نشتغل. وأتمنى وزارة الإعلام تسوي تدوير وظيفي وتجيب دماء جديدة من موظفي الرقابة، ويكونوا شباب أما أنا أرسل إيميل (ومعي الدليل) وأقول لهم نريد تعريف واضح، سلامتك، عوين مر علينا! وليش أمر عليك، الحكومة الرقمية اللي كل يوم بيان ينزل فيها ما عاجبتنك؟ قاصر حكومي، نفذ سياسة الحكومة هذا شغلك ما جمالة منك.


‏نحن بسطاء، أبسط من البسطاء، وغيرنا أبسط .. والله يجازي اللي تسبب في قطع دخل وخبز ورزق حلالا عن أي شخص..


‏والسلام بلغت القلوب الحناجر 

‏البداية ما موفقة

‏والتأجيل وإيقاف البرامج ما موفق


‏بداية غير موفقة لوزارة الإعلام مع العالم الرقمي والآن باديين يعملوا الشيء الصح، مدوا يد التدريب ولا تمدوا يد الرقيب ..


رابط التغريدة:

https://x.com/muawiyaalrawahi/status/2102349077182808548?s=46

…………….


التغريدة الخامسة:

‏طيب قطعت البودكاست

‏كم شهر إلين تخلص شغلك يا رقيب يا إعلامي؟؟


‏كم شهر؟؟


‏الناس تنتظرك تخلص الشغل، تراه هذا شغلك، ولو ما شيء تنظيم إداري هذي الدولة تلزمك بالتنظيم ..


‏دولة بأكملها جالسة على قضية الباحثين عن عمل، والاقتصاد الرقمي، وكم شهر متأخر؟؟


‏الوزارة عملت خير لما اختارت مسار التدريب ..

‏مسار الرقيب شفناه وعرفناه ..


‏والله يجازي اللي كان السبب، يشهد الله أنني لن أسامحه ليوم القيامة ..


………….

التغريدة السادسة:


‏يعني تروح لشركات كبيرة، يسألوك، عطينا أوراقك، ونسب التعمين، ومعي نسب التعمين في فريق ميزان 100% .. 

‏للعلم: الذي ولد في عمان، وعاش فيها نعتبره عماني ما وافد ..  بس من باب التوضيح أن الأمر ما شوفيني وإنما ثقافي ومعرفي.


‏تجلس تنتظر ترخيص الإعلام!!!! 


‏موقفين عليك بودكاست، مصدر دخل شهري مطمئن ..


‏أنا لو يوقفوا فريق ميزان عادي أرجع أسوي إعلانات للمطاعم، رزق وفير، وأصلا تو بعد ما جاني السكري معي كم صفقة مع مطاعم الوجبات الصحية ..


‏لكن توقيف بودكاست هدهد هذا اللي حارق قلبي. يعني محصل مؤسسة مهنية، ضخمة، محترفة، أول مرة أدخل هذا الجو الفخم.


‏أنا عامل في ورشة، أصنع محتوى بكامرة أوزمو، أصور حلقاتي تحت حضانة أستوديو مكان. دربونا، ورعونا إسحاق الأغبري والعياذ بالله، والدكتور ثريا البوسعيدي ..


‏بسطاء جدا جدا.. لولا أصدقاء واقفين معي، ولاحقا مع فريق ميزان، ولولا إيمان قائد تغيير حقيقي بنا لربما وقعنا في أزمة.


‏يتوقع الرقيب الإعلامي اللي أوقف البودكاست أسامحه؟؟ هذي المرة أنا ما طفل أرعن وأخلي ردة فعلي على الدولة، هذي المرة هو الذي أسائله أمام الله قبل الدولة..


‏ما جالس أتكلم باستحقاق مثقف، ولا بهراء المشاهير، جالس أتكلم كشخص منتج في المجتمع، وصانع وظائف، وصانع دخل، وقدمنا عدة مؤثرين، وقدمنا تجربة آمنة لهم وأثبتنا ذلك بالدليل. 


‏لا رأسماليين قروش، ولا داخلين لعبة الشركات هذي السم والسقم اللي كلها إيجو وكلام فاضي كأنه عمان ثمانين مليون نسمة ..


‏كم شهر من صدرت اللائحة؟؟؟ هين شغلكم يا رقيب؟؟ هين تبريركم للحكومة إنه هذا شأن اقتصادي ومهني؟؟


‏أتمنى وزارة العمل، وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تتدخل عشان تعلم هذا الرقيب الإعلامي إيش معنى العمل الرقمي.


‏ما شيء في الدنيا وزارة إعلام أضخم من الوسط الرقمي. هين تقارن، تراه كذاك العالم كله ماشي. أول سلام عليكم مع الرقيب يقطع عني رزقي ليش؟


‏سألت؟؟ عرفت العواقب، عرفت من يدفع الثمن ..


‏المهم، معنا شباب عمانيين، نريد نوظفهم رسميا، الوقت يمر عليهم ونحن طابقين في ترخيص وزارة التجارة!!!


‏نجلس ننتظر كم شهر قدام؟؟


‏اللهم إني ما مسامح اللي غفل أو استغفل وإن كان متعمدا فليمحق الله حياته وعمله، وإن لم يكن متعمدا فليعوضنا الله عن ما فعله بنا.


‏أطالب بعودة بودكاست هدهد، خلاص طفشنا من الانتظار ..

…………………

التغريدة السابعة:

‏رحت اجتماع ما هيئة التدريب ولا موه اسمها في وزارة الإعلام. تجلس مع أحمد حافظ العامري هذا في حد ذاته مكسب لك. 


‏الجو غير، جو تدريب، جو بناء. بالله عليك تريد تصنع علاقة طيبة مع ناس بجرة قلم أوقفت عنهم دخل هم في أمس الحاجة لهم؟؟


‏يا وزارة الإعلام نوجه لكم النداء، التدريب لا الرقيب، التدريب لا الرقيب ..


التغريدة الثامنة:

‏أظن إنه ميثاق شرف رقمي، ومثل هذي الحبشتكنات المدنية هي طريقة الحل الوحيدة!


‏لأنه بصدق ما شايف أي معقولية، ولا منطق، في إنه بهذي الطريقة وزارة الإعلام تشرف على الوسط الرقمي. بدايتهم غير موفقة، وعطلونا شهور عن أعمالنا إلين ننتظر يخلصوا أوراقهم.


‏عمان كلها تنتقل لواقع رقمي، اللي ما قادر يتعايش مع الغد، يفهم إنه جالس يوقف في وجه مستقبل جيل. الاقتصاد الرقمي في عمان لا مفر منه، أي طريقة ووسيلة لصناع وظائف ما شييء مفر منه.


‏كم شهر تو؟؟ الواحد بعده يمسك أعصابه إلين متى!!!


‏إلين يختنق وينكسر ظهره؟ 


‏التدريب لا الرقيب يا وزارة الإعلام. تعالوا بمعداتكم ما بمدرستكم. لو معنا ذرة من أستوديو واحد معكم عملنا العجائب .. 


‏فلا تحرقوا قلوبنا، طايرين للنت كل أعمارنا. تو القانون يلزمنا نطيق بعضنا البعض، عاد كيف، اللي متفق عليه بيننا هو إنه كلنا نحب عمان، وكلنا نريد نسوي خير، الاختلاف في الطريقة فقط ..


‏لهذا السبب، ما معي شيء بصراحة الآن أهتم به من الرأي العام وغيره. مجهز نفسي من الآن أتركه نهائيا، ما حد يطيق يشتغل فيه وهو تحت مظلة وزارة الإعلام. طاير للمحتوى العلمي الموسوعي، ومحتوى ثقافي .. ما ناقصين لا توقيف، ولا تهديد، ولا قنوات تروح في قضايا.


‏باغيين نعيش في سلام ..


الأحد، 12 يوليو 2026

ميسي! ذلك العادي غير العادي!



اليوم هو تاريخ 12/7/2026م التاريخ الذي حبس فيه مشجعو الأرجنتين أنفاسهم في مباراةٍ قاسيةٍ نفسياً على أي مشجع، بدأت رتيبة، مملةً، تبدو وكأنها ستحسم بتضييع الوقت، وبالهجمات الباردة، وبكل ما يخيف من تأكيد شكوك المؤامرات، وبكل ما يحاول العالم تبرئة ميسي منه، أنه ضمنَ شيء مشكوك في أمره، مع إجماع الجميع أن ميسي ليس لاعبا خارج الملعب، حتى وإن حاول أحدهم إشراكه في ألاعيب ومؤامرات يحلو لنا أن نضع افتراضات صوابِها، بينما أيضا يجب علينا أن نحافظ على سلامة عقولنا من انطباق السرديات على الواقع، السردية مجرد سردية، مقنعة، قابلة للانطباق على الواقع، لكن هل هي حقيقية؟ قطعا لا!


أعترف لك عزيزي القارئ، كنت أتابع المباراة بأعصاب هادئة تماماً، هذا يشجع سويسرا، وهذا يشجع الأرجنتين من أجل ميسي، وهذا يشجع ميسي من أجل الأرجنتين. وأنا كنت هناك، مع صديقي الذي يشجع ميسي والأرجنتين في وقت واحد، بأعصاب محروقة، ومشدودة. كنتُ أشجع كرة القدم فقط، جمالها، تبرئتها من الشبهات، كنت أشجع هذا الأسطورة الذي يجمع الخصم والصديق أنه لا يتكرر. كانت مباراةً تمنيت لو كان حسمها ميسي، كنت أنتظر شيئا ما يوقظ ذلك الشعور القديم باحترامي لهذا الأسطورة.


شيء يلفت الانتباه ذلك الإيمان الهائل من فريق ميسي به. الكنز الحقيقي أن تكون عاديا، أن تكون ميسي. ليس لاعب تصريحات نارية، ولا لاعبا ذاتيا يجعل كل شيء يدور حوله، هذا هو الفارق الهائل بينه وبين الذي كان يقارن به يوما ما، الدون الذي أعلنت الحياة نهايته بعد أن تسمم بما يكفي، بعد أن اعتمد على اللعب خارج الملعب، في الإعلام، وفي التصريحات. الكرة الأخيرة، ورغم الفوز، ورغم حلاوة أن يسجل هدفا في كأس العالم، كان يبحث عن من؟ كان يبحث عن نجمه الذي يؤمن به إيمانا غير قابل للشك.

هذه الميزة الهائلة في ميسي، العادي بشكل غير عادي. يبدو مثل الجميع في العالم، هادئا، بسيطا، لا يخلو من غرابة أطوار، لكنه قطعا يخلو من تلك الذاتية المستفزة التي كانت تتعاظم وتتعاظم مع كريستيانو رونالدو كلما اقتربت منه أيام الهلع الكبير، نزول مستواه، أخطائه، عدم تمركز العالم حوله، عدم اعتباره مركز الحسم والحلول. لست ضليعا في كرة القدم لأحكم بكل ما قلته أعلاه، أعتمد على هؤلاء الذين أظن بهم الخبرة. 


لا أشجع الأرجنتين بما يكفي لكي أطير فرحا بهذا الفوز، ولا أشجعها بما يكفي لتحترق أعصابي حيال مباراة مثل هذه، الذي أشجعه هو كرة القدم الجميلة، ومباراة الأرجنتين وسويسرا، كانت مثالا على كرة القدم الجميلة، التحكيم الذي أعطى طردا في محله، هكذا يبدو، هكذا يبدو عادلا وحقيقيا، والتعادل الذي أحرق أعصاب مشجعي الأرجنتين، ومشجعي ذلك العادي غير العادي، ميسي الذي جعل هذا الكأس يدور حوله، وجعل النقاش يدور حول فرضيتين، هل يفوز به ميسي؟ أم لا يفوز به ميسي؟ ماذا عن بطل العالم الآخر؟ هو أيضا مجرد جزء من السردية الكبيرة، سردية العادي غير العادي، سردية ميسي، الذي تدور حوله هالة بحجم التاريخ، هالة تنسحب عليه في كل كرة، حتى مع فريقه، حتى مع لاعب فريقه الذي في انفراده في اللحظات الأخيرة كان يبحث عن أسطورته، عن بطل فريقه، كان يبحث عن الحسم الاعتيادي مع أن الحسم ملتصق بقدميه. لا عجب أن يعشق الناس كرة القدم، لا عجب أن يحبوا هذا المهرجان العاصف من اللعب، والتصريحات، والتكهنات، وكل شيء يمكن أن يرتبط بشيء اسمه (كأس العالم).


شيء يستحق الانتباه والمقارنات، بين الذي يسميه محبوه بالدون، والذين يسموه محبوه (ميسي)، يفتح لك آفاقا للتأمل عن العلاقات البشرية، وقوتها، وتعاظم التضحية فيها، والتعلق، والارتباط، بل وحتى اشتعال العقل الفارق في اللحظات الفارقة، إن كنت أنا الذي لا يشجع ميسي أنتظر لمسةً منه، أنتظر شيئا ما، نجاح تمريرة، مرور واختراق للدفاع وتسديدة، كنت أنتظر شيئا ينفي عنه كل ما قيل في مباراة مصر ذات النهائية المؤلمة، والمليئة بالشكوك. 

حتى في هذا المباراة، كان ميسي عاديا أيضا، عادياً كأسطورة يريد أن يبقى عاديا، كان لاعب فريق، يحاول، يساعد، يفعل كل ما بوسعه لكي يفوز الفريق، وهنا الثبات الانفعالي، وصدق الانتماء إلى رقعة الملعب. كل إنسان لديه تصوره، ووصفه لميسي، الذي أستطيع أقوله، أنه العادي غير العادي، ولا أحد يعلمُ ما الذي سيحدث في المباراة القادمة، وهل سنرى دموعه، أم سنراه يرفع كأس العالم. متأكد أن المشجع الأرجنتيني كان يحتاج لهذا الفوز، لذلك الشعور أنها مباراة حقيقية، حتى ولو كانت التكهنات السابقة حول (ما يدور وراء الأكمة) مجرد أوهام، الذي يؤكدها كالذي ينفيها كلهم لديهم حدس لا أكثر، الحقيقة هي ما يظهر في الإعادات. مباراة تفتح تأملات كثيرة، عن البشر، وعلاقاتهم، وعن الناس، وعن سحر الأبطال، وعن سبب نشوء الأساطير، وعن العادي جدا الذي اسمه ميسي، الذي جعل كل شيء في كأس العالم غير عادي بعدما أحرزه للمرة الأولى، والآن، ثمة شيء في القلوب يقول: "يستحق ختامه المجيد" عزيزي القارئ، قد أكون مخطئا في كل كلامي، قد أكون مصيبا في بعضه، أكتب هذا المقال بعد نهاية المباراة فورا لذلك تذكر، هذا الفيض من الحماسة، سببه كأس العالم، وجنونه، وكل مفارقة فيه تجعلك تشعر أن مباراةً مثل هذه، بين الأرجنتين وسويسرا يوما ما ستتذكر متابعتك لها على الهواء مباشرة، وما الذي نريده من كرة القدم أكثر من ذلك؟ 





الثلاثاء، 7 يوليو 2026

سوق اسمه ميسي!



عزيزي القارئ، دعني من البداية أعترفُ لك أن هذا المقال ليس واحدا من مقالات المنطق المحكم المترابط. هذا مقالٌ عاطفيٌّ بامتياز، يكتبه إنسان عاشَ في طفولته في مصر، درس جزءا من ابتدائيته في مصر، عاشَ تجربة ملخصات سلاح التلميذ، ولامي، ونشأ وترعرع مع أحمد خالد الصفتي، ونبيل فاروق، ويحفظ مسرحيات عادل إمام كما يحفظُ أغاني عبد الحليم حافظ، يتحدث الدارجة المصرية (بلبل)، فلا تنتظر مني وأنا أكتب هذا المقال بعد دقائق قليلة من خسارة جمهورية مصر العربية أمام ميسي وفريقه الذي لا تهم ما جنسيته مادام يلعب فيه، كما لا يهم ما فريقه ما دام يلعب فيه، كما لا يهم أي شيء سواه، سوى هذه الهالة التي منذ تغريدة بايدن عنه وأنا أتساءل أي دور عالمي قادم سيكون لهذا السرحان الهائم الذي تدور حوله الخطط حيثما حلَّ وارتحل.

لست ضليعا في كرة القدم كما يفعل المجادلون الكبار، لأحددَ كرةً ما إن كانت عادلة أو ظالمة. اليقين الكافي الذي لدي أن تأثير هالة ميسي كافٍ للغاية لكي يخترق أنظمة الحياد في أدمغة الحكام، كما يفعل في أدمغة المحللين، والجماهير. وكأن أي كلمة تتهم ميسي بالاستفادة من هذه الهالة هي اتهام صريح لكل سياقات المنطق والعدالة في العالم. الحرقة التي أشعر بها الآن هي حرقة عربية صافية، حرقة ذلك الشعور المقيت بالقرف والفرق العربية أمام هذه الفيفا طوال حياتها وزمانها وهي لا تحتفل بأكثر من الصعود للدور الثاني، ربما ما عدا الجزائر في استثناء ضيّق. 


أجادل أن العالم يتحيز لميسي، يتحيز له بمجرد وجوده. والسؤال الآخر الخفي، أين تقام هذه البطولة؟ ألا تقاوم في ولايات ترامب الأمريكية المنقسمة؟ وما الذي يفعله ميسي هناك؟ ألا يفعل ما يشبه ما فعله ديفيد بيكام، صناعة سوق جديد، لرياضة جديدة، لجذب جديد، لدوري جديد قد يكون هو الآخر أيضا الدوري الأكبر والأضخم في العالم. لا أعتبر كلامي غير منطقي، وأيضا لا أقول لدي الأدلة الدامغة التي تثبت ما أرمي إليه، أنَّ ميسي ليس لاعبا فقط، ليس ظاهرة جماهيرية إعلامية ترفع سعر الإعلان والتغطيات، إنه أيضا صانع سوق، وصانع سوق في أمريكا، وصانع سوق في أمريكا التي يحكمها ترامب حاليا. 


أعرف أن الحرقة تطفئ المنطق في عينيك، وتجعلك ترى الأشياء بصورة مشوشة، ونعم أعترف، هذه الحرقة لخسارة مصر فعلا تسبب لي الضيق، وهي التي تجعلني أصدق هذه الافتراضات غير المثبتة، أن دولة إبستين قادرة على التدخل، وأن دولة إبستين تريد الحفاظ على ميسي حتى لو لم يكن ميسي نفسه متواطئا مع هذا الذي يحدث، عشرات المواقف الصغيرة تكفي لكي تبني شكاً عاصفا، ونعم أعرف، ثم أعرف، ثم أعرف، لا أحد لديه دليل، الشيء المؤكد أن أمريكا لا تعبأ بأي شيء حاليا سوى لعبة الدولار، وجذب كل شيء إلى اقتصادها.


لذلك عزيزي القارئ، فكر معي قليلا، مكان ترامب، مكان أمريكا في عصر ترامب، بعد كل هذه المعمعة، ميسي هو الدولار الحقيقي لمآلات البطولات، لنهاياتها. سيجادل من يجادل أن تلك الضربة التي تلقاها صلاح في منطقة الجزاء هي ضربة (لا يعاقب عليها) وسيجادل من يجادل بمختلف الطرق، لم يعد الأمر فنيا، السياق الكبير يحكم، أين الذي يكمن في مصلحة أمريكا؟ وصول فريق عربي مسلم؟ هل هذا الذي يجلب المليارات؟ 


دمية الفيفا، في كأس عالم ترامب بكل تغييراته، وبصمته الأمريكية، وجذبه العالي للعالم، ماذا يريد أكثر؟ استعمار رياضة جديدة لكي تكون أمريكية أيضا، ومن أفضل وجه لهذا الاستعمار، هذا الميسي الذي خرق كل قوانين التاريخ، وكرة القدم، والعمر، والتركيز، بل وربما حتى ارتباطات خلاياه العصبية، هذا اللاعب الذي أكن له الكثير من الاحترام، والتقدير، ولكن ليس اليوم. ليس عندما تخسر مصر بهذه الطريقة، ليس عندما العاطفي تعمي عيني وأفقد الشعور بالمنطق. هذا الذي أقوله، الافتراض، فوق الافتراض، والشك فوق الشك، كلها سأعرف لاحقا أنها لحظات عاطفية قامت بتشويش قدرتي على الإنصاف، وأبادت كل قدرة لي على الحكم الموضوعي، للحزن ما يفعله وله شؤونه العميقة.

سواء بمؤامرة، أو بدون مؤامرة، بالمنطقة الرمادية أو بدونها، هل أنا عاشق من عشاق مصر المهووسين بها يتألم لخسارتها، أم أنا إنسان ينظر لأمريكا كما تُعرف أمريكا، بكل ما فيها من إبستين، ومؤامرات، وتطاول، واستثناءات، وتجاوز، وفيتو، وتدخلات تفوق قدرة أي مؤسسة على القيام بعملها، هذا أيضا افتراض معقول، أنَّ ميسي مهم للغاية لهذا السوق الذي لو نشأ، بكأسي عالم، وبكأس عالمٍ في أمريكا! هنا لعبة المليارات، لعبةٌ لا أعتقد أن أحدا فيها (حاشاه) أن يتدخل بشكل ما أو بآخر. 

أختم كلامي، بأنني لست في حالة منطقية، أنا في حالةٍ من الألم أمام الطموحات الكبيرة التي كنت أتمنى أن أراها، منتخب عربي يتجاوز الأرجنتين، يجعل العالم طبيعيا، يجعل الكبار قابلين للخسارة، يجعل الكرة كرة قدم، وليست كرة نجوم، وعقود رعايات، وضخ أموالٍ، والمزيد من الأموال لترامب وخططه. أختم كلامي بأن الذي أفعله كله هذا غير منطقي، عاطفي، لا أساس له من المجادلة المحكمة، لكنني حزين، حزين للغاية، وإن ذهب ما أقوله الآن للمآلات، وقتها سأشعر بأن العالم له مشيئته الأخرى، مشيئة الدولار والسياسة، وليهنأ ميسي بصناعة سوق كرة القدم في أمريكا، وليتقاعد صنوه الآخر من صناعة سوق كرة القدم في المملكة العربية السعودية، وليختم هذا الفصل الغريب الذي يجعل كل إنسان يتساءل: هل حقا كل هذا يجري بدون أن تعبث به يد غريبة؟ من يدري؟ لا أدري، وربما لا أريد أن أعرف، كل ما في الأمر أن هذا مقال إنسان حزين، عاش فترة من حياته في مصر، وليس مستعدا في هذه اللحظة لينصت إلى صوت المنطق والموضوعية. هنيئا للمنتخب المصري تلك اللحظات البطولية التي كادت أن تقفز بأحلامنا، وبكل قرف عقد النقص والانتقاص لتسحقها سحقا، هدفان يكفيان، كبداية، وما يدريك ما الذي يحمله الغد. 

أما إن كان كل شيء يسير لكي يكون النهائي، نهائي المال والمليارات، الأرجنتين وفرنسا مجددا، فهنيئا للرأسمالية، سواء كانت هي السبب، أو لم تكن، وهنيئا لأمريكا فوزها بأعظم لاعب في التاريخ، بلا شك. ها أنا عبرت عن حزني، أعلم غدا أنني سأرى كل هذا السرد الجحيمي غير منطقي، الآن، وفي هذه اللحظة وقبل أن يصفر الحكم ليعلن نهاية المقال، لا أريد أن أكون منطقيا، أريد أن أكون حزينا. وهذا كل ما في الأمر!


معاوية الرواحي


عندما انتهى رونالدو!

 

 

وذهبت أيام كرستيانو رونالدو. الدون كما يسميه المهووسون بنجومية هذا الاستثنائي الفارق في عالم الرياضة، ربما ليس فقط من زاوية لعبه، وإنجازاته، وقصته، وأهدافه، وبداياته، وانتقالاته، وكل السياق الهائل الكبير الذي جعله نجماً يفوق تأثيره خارج الملعب إلى التأثير خارجه. رغم كل شيء، وأي شيء، يبقى حاله حال أي لاعب، ما يحدث داخل رقعة اللعب هو المنبع الأصل لكل ما يحدث خارج تلك الرقعة، بدونه كل ما فات ليس أكثر من تأثير منسحب تدريجيا، لا ينمو، زخم كافٍ ليجعلها نجما، لكنه لا يتزايد أو يتضاعف لكي يصل إلى تلك المكانة الاستثنائية التي حققها منافسه الآخر العظيم هو الآخر كرويا، ليونيل ميسي، الذي حتى خصومه التاريخيون فرحوا لفوزه بكأس العالم، ما أجمل أن ترى أسطورة تتحقق، وأيضا، ليس من السهل أن تفقد أسطورة صديقة لذاكرتك بهذه السهولة!

 

أنا أحد هؤلاء الذين سمحت لهم أعمارهم بحضور مسيرة كرستيانو رونالدو من بدايتها حتى نهايتها في المبارة الأخيرة بين أسبانيا والبرتغال في كأس العالم العجائبي الأمريكي في عام 2026م. كأس عالم ترامب الغرائب. وأعلم جيداً أن السجال هائل بين نجومية ميسي، ونجومية كرستيانو ولكل قيمته وشأنه ونشأته. المتحيزون لصالح ميسي لا يقبلون بهذا الكلام، والموضوعية لن تكون سيدة أي موقفٍ بينهما، كشأن المتحيزين صالح كرستيانو رونالدو. كوجهة نظر شخصية، لا أقصد بها صداماً، أقول رأيي الشخصي الفرد، بكل حذر، أن الذي لا يحترم أحدهما فهو ينتقص من شأن كرة القدم ومرحلتها هذه التي جمعت هذين النجمين، الأول الذي انتهى في خسارةٍ مع أسبانيا، والثاني الذي حتى لحظة كتابة هذا المقال، قد يفوز مجددا بكأس عالم مفاجئ، لا أحد يعلم حتى من فرط التوقعات إن كان سيخرج من كرة القدم لكي يكون رئيسا للأرجنتين أو شيء آخر من هذه العجائب التي لا يمكن توقعها من هذا العالم!

 

الدون! حكاية إرادة وكفاح. قصة ملهمة في من يصنع نفسه بالنحت بإزميل الزمن. التدريب المتواصل، الالتزام، والسعي المهووس للتنافس والنجومية. يدافع مشجعوه دائما عن تصرفاته المزعجة قليلا، الذاتية المفرطة، الرغبة في إرضاخ الفريق كاملا لكي يلعب من أجله، الهالة التي تجعل من يتابعه يشعر وكأنه يتصرف كأنه الحل الوحيد. وفي فترةٍ كان يحقق فيها كل هذه التوقعات، كان منتقدوه يسكتون أمام مسيرته اللامعة مع ريال مدريد، وتألقه غير المسبوق، وعاش معه مع الوقت الكؤوس، والجوائز ذات الأسماء الغريبة، الحذاء الذهبي، الذي يركل الكرة الذهبية، هذا غير الجوائز التي تحشر نفسها في عالم اللاعبين لأجل ما تجود به الرأسمالية من أرباح الفعاليات والحضور وفلاش الكاميرات اللامع. الذي يتابع الدون، يشعر بأنه في وهمٍ ما منطقي (يمكنه أن يكون الدون) ويمكن للاعب آخر أن يكونه، بالتدريب، والنحت، والصقل، والالتزام الخارق، والتركيز.

 

 

 ربما هذا ما يقوله الراسخون في علوم الكرة عن اللاعب الفرنسي (امبابي) ولكن ما أدراني عن هذه الحيثيات، كاتب هذا المقال متابع عادي في كرة القدم يتحدث من زاوية ذاكرته أكثر مما يتحدث من زاوية كرة القدم نفسها. رونالدو ليس مثل ميسي، الجميع يعلم أن ميسي حالة فارقة حتى الجينات تلعب دورا فيها، ولعل هذا ما يشاع عن طيفٍ توحدي مزعوم تجاهه، وقدرات على قراءة رقعة اللعب، وهيئته، وعدم تفاعله، وما يبدو عليه من بعض غرابة الأطوار يغذي هذه الفرضيات غير المثبتة ويجعلها سرديات جميلة قابلة للتصديق. الدون! يشعرك أن الجميع لديه خارطة شبيهة، وما عليه سوى أن يتبعها ويتمنى ألا يخذله الزمان فيصاب، أو تخذله الظروف فيفشل في فرقٍ تطمره للأبد.

 

شهدتُ في مقهى ما من مقاهي مسقط اليوم الأخير لرونالدو، ويبدو أن أيامه الأخيرة أيضا في ناديه العربي النصر قادمة قريبا. كمشجع غاضبٍ من ذلك السلوك الغريب الذي حتى على شخص في حالتي لا يفهم من كرة القدم الكثير يشعر بالضيق البالغ من استمرار ذلك السلوك المستفز. التمركز الذي يجعله في موضع الحسم والحل، استأجر قطعة أرض زراعية خضراء بجانب دفاع الخصم وكأنه مراقب أداء (فريلانسر) جاء ليدرس دفاع منتخب أسبانيا. ما قاله المنتقدون وليس المتحيزون يتحول مع الوقت إلى صحةٍ مرئية. يمكنك أن تغفر الكثير من الذاتية ولفت الانتباه لرونالدو فقط عندما يسجل، عندما يكون حلا، من الأساس من الذي لديه رغبة في مجادلة فائز؟ فليفعل ما يفعل أليس كذلك؟ فليكن طفوليا، فليطلق تلك التصريحات التي تكشف مع الوقت عن اهتزاز داخلي يمكن أن يفترضه البعض منطقيا، وأن يربطه منطقيا بما حدث لاحقا من المشهد المأساوي عندما تحول الحل إلى عبء، وتحول الحسم إلى لاعبٍ آخر، لم يعد يُغفر له تصرفاته المتكررة التي أصبحت تثير الامتعاض، نعم يحق للدون ما لا يحق لغيره، فقط عندما يفوز.

 

يتابع محبو كرة القدم من بعيد (زي حالاتي) كرة القديم من خلال اللقطات والإعادات. عدا تلك المباريات التي تملأ المقاهي، هذا هو  نصيبهم من التحليل التراكمي لحالة لاعب. كأس العالم شيء آخر، ترى فيه لاعبا مثل كريستيانو وهو يتضاءل تدريجيا، يحرج نفسه بالموقف تلو الآخر، يصرح عدة تصريحات عن روح المؤامرة، وبدا كمن يعيش في ذاته الداخلية أكثر مما يركز على الذي يحدث في الخارج. ليس معجزة جينية تبتكر الحلول من العدم، وقطعا، ليس هو نفسه اللاعب الذي أظن ظالما وغاشماً أن اهتزازه مع تناقص مستواه البدني قد أتى على ما تبقى من اتصاله الصحي بفريقه على الأقل، قبل أن يتصل بكرة القدم، وبلحظات كرة القدم المهمة، والتي منها بلا شك هذه المباراة في كأس العام، هذه المباراة التي انتهى فيها رونالدو.

 

انتهى رونالدو، وودع مسيرته العالمية قطعاً، إلا لو كان كأس العالم الرأسمالي القادم في هذه الفيفا الدمية ستفضل مجددا كأس عالم النجوم، والإعلانات، والمبيعات أكثر من كأس العالم الحقيقي الذي يغدق على المتابع بالكرة الجميلة، والصراع الحقيقي على العروش. انتهى، وهو يتمركز باحثا عن الحسم، يتقدم طوال الوقت، نادرا ما يعود ليشكل أي فارق في أي لمسة، انتهى وهو يتمنى لحظة تشبه لحظات دوري الأبطال، انتهى وجمهوره الحاسم الغاشم جاهز لتسميم جميع زملاء فريقه في كل منصاتهم بالتعليقات التي تريد أن تعيد لهم نجمهم المفقود الذي (ربما) قد يكون فقد ذاته منذ أزل بعيد، وهو في حالة الصدمة الكبيرة أنَّه ليس النصف الآخر للعظمة في كرة القدم، هكذا كان يوصف، وهكذا أظنُّ أيضا.

 

أودُّع كريستيانو رونالدو، لا أودع الدون الذي عرفناه. كان جزءا من الذاكرة لسنوات طويلة، واليوم هو نهايةٌ أخرى من نهايات كرة القدم، كما عشنا في طفولتنا نهاية روماريو، ولاحقا كما عشنا نهاية رونالدو الحقيقي الظاهرة، وجاء من جاء بعده من نجوم الصف الأول، من زيدان، ومن راؤول، ومن إيتو، ومن رونالديينو، إلى نجوم الصف الثاني الذين لا أحفظ أسماءهم، وجاء زمان جديد، جاء زمان فينيسيوس البرازيلي، وجاء زمان ذلك العملاء الذي هرب من مسلسل صراع العروش وجاء ليلعب كرة القدم، يسمونه في العالم الواقعي (هالاند)، وجاء من جاء، من وجوه جديدة، أيضا ستصنع كرة قدم جديدة، وعالمية جديدة. والباقي حتى الآن من مرحلة الثنائي المتنافسي هو ميسي، سقط جسر كريستيانو، وحتى ميسي نفسه، يلعب في فريق أمريكي عادي للغاية، كأس العالم أتمَّ معجزته الكروية، وهذا الكأس قد يحسمُ له ذلك التقاعد الحتمي الذي ما بعده تقاعد، وكأنه تقاعد بيليه الذي نشأ وترعرع في فيفا ناشئة تسجل فيها الأهداف كما تسجل في مباراة كرة سلة. لا أحد يتوقع من كريستيانو رونالدو تقاعدا من النجومية، لعله الآن يجهز نفسه لنجومية الأفلام، والفعاليات، والمقابلات، والمحاضرات التحفيزية، لا أظن أنه سيكون مدربا إلا لو كان العالم فعلا أصبح يمشي بعملة النجوم لا بعملة المنطق.

 

 وداعٌ حزينٌ للاعب ربما لو أنفق بعض الوقت على ذهنه كما ينفق على جسده، وأنصت لمن ينتقده بدلا من أن يحاول لجمه بالمستحيل، وفعل ولو القليل لفريقه في مباراته الأخيرة في كأس العالم، لربما لم يكن هذا الوداع حزينا بهذا الشكل، عندما يقتنع من شجعوه بأن من كان ينتقده كان على حق منذ زمن طويل، وتلك المشكلات التي تراكمت قادت إلى هذه النهاية الشاحبة، هل الأمر نفسي؟ نعم نفسي منذ زمن طويل، كل ما في الأمر أن تلك الركلات التي أحرزت الأهداف أجلت الحل، وعندما حان وقت المشكلة، لا ركلات الآن تزيحها عن الصورة، كل الذي يبقى هو تهافته المثير للخجل وهو يحاول انتزاع بعض الضوء من هدف لزميله بحجة أن (ذكاءه) هو الذي قاد لذلك الهدف، أي نهاية هذه؟ في النهاية، التاريخ ينسى النهايات، وما يبقى هو ذلك المجد الذي ما لم يصاب بنهاية (باجيو) فربما الطريق القادم خارج كرة القدم ممكنة لهذا النجم الذي رغم نهايته في كأس العالم، لم ينته من عالم النجومية الذي يبدو أنه في بداية الطريق إليه، أهلا بك في هوليود ربما أيها الدون! أنت في البلاد المناسبة وقبل أن تسافر إلى ناديك، ربما عليك أن تجري بعض الاتصالات، لعل هذا هو القادم في الطريق منك أو إليك.




معاوية الرواحي

 

 

 

 

الأحد، 5 يوليو 2026

تشوهات معرفية: 1 + 2








التشوه رقم 1: 


(هل عشت ما يكفي من التجارب؟)



عزيزي القارئ، هذا المقال ليس واحداً من تلك المقالات التي تتفنن في شيطنة الثقافة أو المثقف، أو وصمِه بما هو فيه أو ما ليس فيه. هذا المقال، وهذه السلسلة المتلاصقة ليست بيانا عدمياً يدين كل شيء لعدم فائدته بحجة التفاهة الرائجة التي تقول: "لماذا نفعل كل هذا ونحن زائلون". وليس بيانا عبثيا ضمن التنصل الشامل عن المسؤولية الفردية والعامة بحجة فرض الكفاية الذي "لست أنا من بالضرورة يفعله". هذا المقال، وهذه السلسلة يحتاج إلى مقدمة متقنة، محكمة، توضح سببه وأهدافه؛ لكي لا يخرج من المنطقة التي أراد لها صاحبها أن تصل كرسالةٍ لعله تنفع أحداً، وإن لم تنفع فالزبد يذهب جفاءً، فإن كانت هذه السلسلة نفعاً، كان بها، وإن كانت جفاءً فقد حاولت شيئا ما سأتعلم من فشله حكمة أخرى مجانية أيضا لعلها تعود فتنفع، أو ربما تبقى في رفوف التاريخ الحافلِ بالتماثيل التي تحطمت بضربة إزميل خاطئة، أو باختيار سيئ للجلمود الذي لا يبوح بالتمثال الذي به بسهولة.


التشوه المعرفي الذي يعرفه علم النفس في سياقاته انتزاعٌ متعمدٌ من كاتب هذا المقال ليأخذه من شكله العلمي الجامد الموضوع في صندوق مشروط، إلى حالته الأدبية الشعاعية غير المعرفة، ستعرف أيها القارئ بسهولة ما هو، وتتصل به، وتتفاعل معه، وتجده سهلا يسيرا ما دامَ يقع في تلك المنطقة غير التخصصية، لذلك من البداية أقول، التشوه المعرفي، هو تشوفه معرفي، معتقدٌ أصيب بشيء من الضبابية، أو اللوثة، أو التحطيم الجزئي، أو الفلتر الغامض، أو الضوء الساطع، أو غمره طين طوفان، أو أحرقه حقد شيطان، أو فقد الإنسان اتصاله به نتيجة اتصاله بمعتقد أو بمعرفة أخرى. 


سأركز حديثي على حالةِ الثقافةِ الاجتماعية. وأركزه في البداية على الحالة الاجتماعية العمانية، وربما مع الوقت إن تيسر الوقت للبحث الكافي سيذهب إلى الحالة الثقافة العربية. هذه المرة ليس من منظور المآالات الكبيرة والضخمة، أو الموضوع المكرر عن علاقة المثقف بالسلطة وتنظيراته، وإنما عن المثقف نفسه، الإنسان، الذي يتخلق تدريجيا بشكل مليء بالأسئلة، يريد أن يصنع معنى لحياته، ولا يعرف أحيانا أنه وصل إليه، ويعيشه، كل ما في الأمر أن تشوها معرفياً واضح المعالم يمنعه عن عيش ما يستحقه لمعاييره الكونية التي جعلت الاستحقاق مستحيلا، وجعلت ملاحقة الخلود وهما مستحقاً يردده الكبار الذين يبذرون القوانين للقادمين في الطريق، القادمين الذين يقول المنطق البديهية أن سقوط الكثير منهم في الطريق هو الشكل الأمثل للانتخاب الطبيعي للحياة، وللأفكار وللجودة، وللإبداع، والأهم: للمثقف والفنان وحياتهما الخارجة عن الأطر المعيارية.


سأستخدم كلمة (المثقف) تجاوزاً لصفة عمومية تجمع الطيف كاملا. من الكاتب، والشاعر، والعازف، والفنان، بل وحتى عاشق الزراعة الذي يجمع شتلات العالم في حديقته مفتتنا بعلم الزراعة، وبثقافتها. المثقف في عالم البحر، وإن كان لا يكتب لكنه يقول، ويبوح، وله منبره الذي يتصل به بالمتلقي المباشر، الجيل القادم من البحارة والصيادين، المثقف في شؤون النخيل، وشؤون الآبار، والمياه، والأفلاج. لذلك عزيزي القارئ، إن كان تخيلك أنني أسمي المثقف ذلك الكائن الذي يشرب القهوة، ويعلك الحديث في المقاهي أو الحانات، ولا يعمل، ويقتنعُ أن الحياة تفرغاً خيالياً يعيش فيه المثقف والمبدعُ خاليا من السعي، والمسؤوليات، والإرادة، وأي شيء، الهدف هو ذلك الفراغ الكبير الذي يظنُّ أن قطعه بلا خبرةٍ في الحياة أو تجربة عميقةٍ على الأقل داخليةٍ، موغلة في التأمل يكفي لكي يكمل الحياة في مساره تجاه المعنى الكبير للإبداع وللثقافة والكتابة.


إن قمت باستقصاء مرتجلٍ تحاول البحث فيه عن الحلم الكبير، حلم اليقظة الذي يدغدغ الذين يتورطون باستثمار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة الهواية الثقافية حتى يجد الجد ويرون أنَّ استمرارها يحتاج إلى نموذج مهني، وقد يكون غائبا، فيتناقض الواقع مع الأحلام. فالحلمُ هو ذلك التفرغُ الذي يستيقط فيه الإنسان صباحاً ليجد نفسه في مكتب جميل، وأنيق، ملحقة به مكتبة واسعة شاسعة، يشرب قهوته، ثم يتناول إفطارِه الأنيق، في كوخٍ بعيد في دولة بعيدة، أو في مزرعةٍ لطيفة جميلة، ولعله عازب حتى هذه اللحظة، فيفتتح صباح بفيروز، ويخرج لسقي الزهور وقضاء القليل من الوقت في الطبيعة قبل أن يذهب إلى جلسته الثقافية مع رفاقه الذين يعيشون مثله أيام النجاح الجامدة.


مصطلحٌ يجب أن أضعه في موضعه الشعري. أيامُ النجاح، الجامدة، التي تصب خلاصة الإنجازات على هيئة حياة يختارها المرء بنفسه. يختار أين يمضي وقته، ويختار الجهد الذي يضعه في مدرسته الثقافية والإبداعية. تخيل أستاذا جامعياً قضى ما يكفي من العمر يعمل، ويؤسس، وبعد تقاعده فتح معهدا يمده بالمعيشة، وبعدها بدأت أيام نجاحها الجامدة، والباردة، التي يصبح فيها فراغ الوقت من الجذب الشرس واللحوح للحياة هو اليوم الجميل. توصف بحياة المتقاعد لسبب ما، لأن العمل الذي جاء ليجعلها ممكنة كان كافيا ليجعلها مستحقة. هذه هي أيام النجاح الجامدة، الباردة أحيانا، التي قد لا تخلو من الضجر والملل وابتكار الهوايات البسيطة فقط للحفاظ على حدة الذهن، والتمسك بوجود اهتمامات جديدة في الحياة.


أول التشوهات المعرفية التي تعالجها هذه السلسلة. الوصول إلى حلم اليقظة الجميل الذي يتمناه أي رسام وأي كاتب، بشكل عام أي مثقف يريد أن يقضي ما بعد حياته وخبرته هذا التدفق المنطقي لكل ما سكن وبقي في ذاكرته، لكل ما يتخلق ويتبلور في وعيه. وسواء كان يكتبه أو يقوله، فهو يعيش هذه الحالة الموصوفة في الفقرة السابقة. السؤال الكبير، أليس هناك فرق بين تعريف الأيام الباردة للنجاح، لكي تقلب الآية مع كثيرين ليكون النجاح الثقافي ببساطة هو الأيام الجامدة بشكلٍ عام.


المثقف الشاب الذي في بدايته حياته، يقرأ بنهم، ويعيش حياة المهووسين بالمنتج الجديد، باكتنازه القهري، وبأمنيته أن تكون مكتبة الأستاذ الذي يكون من مريديه ومن أتباعه له. يدغدغ نفسه بأحلام اليقظة، ويقارن نفسه بإنسان عاش أربعين سنة من التجارب، والتعب، والنكسات، والأيام، والسعي حتى وصل إلى أيام نجاحه الجامدة. يتخلق التشوه المعرفي هذا بالمقارنة والاستحقاق، ووقتها تنشأ حالة المثقف المنعزل، المعتكف كأنه راهب من رهبان المعرفة، يبحث عن تجربة الحياة في الأوراق ومواقع الإنترنت، قد يكون محظوظاً بعائلة تتحمل بقاءه في غرفته، تجلب له الطعام، وتعطيه بعض المصروف. وقد يكون إنسانا مليئا بالمسؤوليات، فيعمل في وظيفة بسيطة لكي يلاحق المجد المعنوي. هل هذه تجربة يمكنها أن تنجح؟ نعم، لكنها ليست ناجحة بعد، لأن عيش الأيام الجامدة من أجل الإبداع والثقافة ليس هو الثقافة، أيام النجاح الثقافي ذكرت قبل فقرتين، في ذلك الذي أنجز مهمته واكتفى من الحرق المتواصل لنفسه وقرر بكل بساطة: أن يعيش حقا.


 الخلاصة التي أريد أقولها بعد وصف هذه التشوه المعرفي بكل أمثلته، أنك يا عزيزي الكاتب الشاب الذي في بداية العمر، تحتاج للحياة، وللتجارب، ولمهنةٍ تتعلم منها النحت في الصخر، والسعي للخبز. وربما تحتاج إلى تجربة ترمي بنفسك فيها وتنجو، في كل الأحوال، كل ما تشحذه من مهارات، وكل ما تراكمه من معارف دون تجربة حقيقة في الحياة، وخوض في دهاليزها، حتى وإن كانت الدهاليز المبسطة كالسفر والترحال، أو الدهاليز الأخرى للمثقف الذي يحب دخول السجن بنفسه، أو أن تكون سيء الحظ فتقع في يد ظالمٍ فيسجنك وأنت لا تستحق ذلك، في المحيط العربي ما يكفي من الأمثلة لتعرف بنفسك عزيزي القارئ. علما أنني اقول، أنك إن لم تكن من مثقف السجون، فأنت الحالة الطبيعية، فلا تشعر بالضيق والأسى لأنك (لم تعش التجربة) أن تفتح مكتبة ناجحة فتبيع الكتب نجاح ثقافي رائع يجعلك تستحق أيام النجاح الهادئة. أن تنهي مسيرة وظيفية نجاح ثقافي رائع يجعلك تعيش متقاعدا وأنت تقرأ الكتب التي تحبها، وتكتب المقالات في المواضيع التي تثير دهشتك.


هناك الكثير ليفعل لكي يستحق المثقف أيام نجاحه الهادئة، وقليل من يفعلها في عمرٍ قبل العشرين، هذه الفلتات الكونية موجودة، والعبقري الذي يكتب رواية تحصد جوائز الأرض، وتترجم إلى لغات الدنيا، ويصنع لنفسه تقاعداً مبكرا يسمح له بحلم اليقظة الثقافي الأجمل، التفرغ لما بقي من المسيرة، هنا المسيرة نفسها هي الخبرة، هي الحياة التي تجعله يوما ما بعد أن يتعب من المسير ويقرر الترجل عن الترحال والموانئ الداخلية و الخارجية، وقتها سيقول هو أيضا: لقد عشت بما يكفي، عشت بما يكفي لأذهب إلى أيام ما بعد النجاح الهادئة، والجامدة، والباردة، والخالية من حرارة ووهج التحقق المأمول، إلى التحقق الذي عيشَ حتى أصبح الآن في طريقه للإرث هذا إن لم يصنع إرثه من قبل، وترك صاحبه هانئا هادئا يتفاعل إبداعه مع العالم سواء عاد لرفده بالجديد أو لم يعد.






التشوه رقم 2:

 

(هل حقا هناك إجابات؟)



إن كان ثمَّة شيء مؤسفٌ يفعله الذين عاشوا حياتهم الثقافية، وتجاربهم الحياتية بما يكفي لضخ الإجابات الحاسمة في مئات إن لم تكن آلاف الفجوات المعرفية الصغيرة في محيطهم، فهو ما يفعلونه عندما يرهنون كلمة الإجابة على الشاسع الكوني، أو الواسع الأرضي، بدلا من ذلك البسيط العادي الذي يصنعُ دهشة الاكتشاف لإنسان في بداية طريقه في مسارٍ ما. ما يبدو عادياً لمن عاشَ ما يكفي من حياته لتتشكل لديه إجابات حاسمة كثيرة على شؤون صغيرة وفيرة، لكن هل ينشغلُ بذلك؟ بهذا الهم العادي الذي يخص الناس العادي؟ للأسف الشديد هذا هو التشوه المعرفي الآخر الذي ينشأ من ضغط الصورة النمطية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، مشغولا بالأسئلة الكبيرة فقط، بإجابات أسئلة الكون، وبمساءلة الإجابات المعلبة للمنظومات الغالبة على أمر الناس، وربما الغالبة على أمره، وهل يسلمُ المرء من وضعٍ مثل هذا في أي مكان في العالم؟


ذلك المثقف الذي ينظر إلى الصحراء الشاسعة أمامه، بلا إجابة، وإلى السماء البعيدة عنه، بلا إجابة. غارقٌ في تأمل الغيب والغياهب، وينسى أن يلتفت قليلا للوراء، ليرى التراكم الشاسع لكل الإجابات الصغيرة التي استنكف أن يمكث فيها قليلا، وأن ينسجَ منها ما يكفي من الأقمصة الصغيرة لكل القادمين في هذا الطريق المعقد للثقافة، بكل ما فيه من علاقة مع الناس، والسلطة، والأقران، بكل ما فيه من صدام، وتنافسٍ، وتضادٍّ، وتماسٍّ مع السلطة والدين، مع أرزاق البشرِ وهناءتهم ورخائهم، مع حقوق التعبير والبحث العلمي، مع الفنِّ وقيمته، مع الغناء وأثره الصالح أو الطالح على فردٍ أو جيل. 

اضف التشوهين إلى بعضهما البعض، تظهر لك الصورة الكلية لمثقفٍ عاش بما يكفي من التجارب والحياة، يربأ بنفسه أن يذهب ليعيش بعض أيام النجاح الهادئة في مدينة خلفه بناها دون أن يدري من عرق الأيام، وحبر الأحلام التي تحققت، والرسائل التي وصلت، والقيمة التي تحققت. تشغله السماء والصحراء، وينسى كل الذي صنعه بيديه من أجل أحلام الغيوب، وتبقى إجابته المحزنة: الإجابة هي الموت!


لا أعرف إن كان الموت إجابةً أم سؤالا. ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أتطاول في الكتابة والكلام عن الذين يعيشون هذه المرحلة، لأنني لست فيها. قد تسمح لي التجربة التي عشتها أن أتحدث بأريحية عن المثقف العماني وهو في عصر النشأة والتكوين، والصعلكة، والاختلاف والفوارق بين جيلٍ وآخر، من الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أكون ملحدا) إلى الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أذهب للصالة الرياضية وأحافظ على صحتي)، إلى الجيل الذي يقول (ما بال الجيلين الذين قبلي عاشا رفاهية لا نملكها) وهكذا دواليك كما ينبغي لرجل في الثالثة والأربعين يكتب وهو لم يبلغ أيام نجاحه الهادئة، تلك التي يحلم بها منذ سنين فقط لكي يجلس جلسة هادئة مثل هذه، في إجازة نادرةٍ من السعي المستمر، ليكتبَ قليلاً عن الثقافة، وتجربته التي عاشها، ويحاول قدر الإمكان أن يكون نافعاً غير متحيز، ويعرف أنه سيفشل في عدم التحيز، ويعرف أيضا أن نفعا ما سيحدث لأحد ما إن وصل إلى هذه السلسة من التشوهات المعرفية ونفعته في إعادة تعريف شيء صغير كان يظنه بديهيا من فرط ما هو يكرر من قبل الجميع.


هل هناك إجابات في هذه الحياة؟ نعم، الإجابة نعم،إجابات صغيرة كثيرة قد تكون عشرات في عمر ما، قد تكون مئات في عمر ما، قد تكون آلاف في يوم ما عندما يبني المثقف نموذجه الذهني وآلة عقله التحليلية، وفلاتره، ومجسّاته، وترابطه العضوي الاجتماعي، والأهم، صحته النفسية والعقلية التي تسمح له أن يرى ذاكرته، والعالم من زاوية خالية من الألم والصدمات. نعم، هذه كلها إجابات في هذه الحياة، إجابات شافية كافية يحتاج لها القادمون بعده في الطريق، الذين سيكملون الطريق حيث وصل له، الذين رصف له درب الإجابات، حتى تلك المبدئية منها، ليكملها جيل آخر، ولتكتمل تلك الرسالة الثقافية من منحنى التعلم في بلادٍ ما، لأنَّ جيلا قرر أن يخرجَ عن فكرة (الفرصة الواحدة، واللحظة الواحدة، والجيل الذهبي) إلى الجيل الذي يقبل أن الأمر قطارات متتالية، كلها لها سكانها الذين يعرفون ما يحدث في قادم الطريق من الذين سبقوهم فيه.


الإنسان ليس إجاباته، والإجابات ليست الإنسان. ما العلاقة بين الإنسان والإجابة لا يختلف الأمر عن اكتشافِ البكتيريا، أو البيان الشيوعي، أو بدء القانون الفرنسي بتكوين تراكمه المستمر. هذا هو الإنسان والإجابة، حزمةٌ من المعتقدات شبه الحتمية التي أصبحت جزءاً من حياته. وإجابات أخرى سائلة، كعلاقتنا مع الإنترنت، ومضار الدوبامين، والأكل المعلب، أيضا، هذه علاقات جميلة بين الإجابة والإنسان. 


قد يحلو لمثقف في العشرين أن يذهب فوراً إلى مجادلات فيزياء الكم، وما يحدث في صدامات الذكاء الصناعي. يذهب وفق نية التعلم، أو يذهب وفق نية الإجابة، وهناك حقا ليست صدمة غير متوقعة إحصائيا أن يعود بلا إجابة. هل هذا يعني أن الفلتات الإعجازية للعقول التي لديها القدرة المناسبة وتتوجها الفرصة المناسبة للانضمام إلى عصر مهندسي الذكاء الصناعي في عصرنا الحديث؟ يعودُ الأوَّل من بعثته حاملا إجابات الخطر على الخصوصيات، ومئات الإجابات الصغيرة عن الذي يحدث حقا في هذا العالم المتغير بشراسة، ويعود الآخر (بلا إجابة) عن مآل البشرية إن وصل الذكاء الصناعي إلى السيطرة عليها، أو إلى الخيال الرائج في الأفلام عندما تقرر الروبوتات بناء الروبوتات وبالتالي تعاقب الكوكب البشري على ما يفعله بكوكبه الجميل! 


هل هناك إجابة؟ يكمن التشوه المعرفي في السؤال نفسه. (إجابة) واحدة على كل شيء؟ وكأنه اختصار من اختصارات التعب أو الاكتئاب المستمر. هل هناك أكثر من إجابة؟ نعم، أكثر من إجابة، وربما على كل شيء عدا ذلك الحتمي الذي لا خلاف حوله، مثل شروق الشمس، وغروبها، ومثل علاقة الماء بالطين، وعلاقة الإنسان بحمضه النووي. هناك ما يجيب عليه المثقف في مسيرته، من أسئلة المجتمع، والسياسة، والدين، ما ينظر له نتيجة إجابة أصبح مؤمنا بها عن العلاقات بين الأجيال، وبين الناس، وبين السلطة والناس. الأمر يتعلق بجهة النظر إلى الشيء، إلى القادم الشاسع، والصحراء الفارغة البعيدة والمجهولة، والسماء المثيرة للتساؤل بكونها الذي لا يكاد البشر يفهمون منه إلا القليل. "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .. وأيضا "وما أوتيتم من الإجابات إلا قليلا". قليلان أليس كذلك في حياة كوكب الناس منذ نشأته، لكنها كثيرة جدا في حياة الشخص الواحد، هل هناك إجابات؟ نعم، هناك إجابات. هل هناك أسئلة؟ نعم، هناك أسئلة، وكون عددها أكثر من الإجابات التي تولتها، لا يعني إلغاء التي أجيب عليها. نحن كبشر لا نعيش لنسأل، ولنتساءل، نعيش لكي نجيب على أكبر قدر من الأسئلة التي نستطيع الإجابة عليها. هذه إحدى إجاباتي، التي أؤمن بها، ولعلك عزيزي القارئ تختلف معي. لقد قلت هذه (إجابتي) لم أقل هذه (الحقيقة) لأن كلمة (الحقيقة أيضا) تشوه معرفي أنيق وظريف، هي أيضا تؤخذ بجمعها لا مفردها، هي (الحقائق) وبهذا نتفق على حقيقتين، كل حسب زاوية نظره، حقيقة تقول أن الإجابة على سؤال الكون غير موجودة، وحقيقة تقول أن موقعا جغرافيا ما في مكان ما سيأخذ زمنا طويلا حتى يصل إلى ما يطمح إليه، في الحالتين كلانا لم نخل من صوابٍ ما، وكلانا وما توصلنا إليه لا يخلو أيضا من احتمالٍ ما بالخطأ. هل هناك إجابة؟ كلا ليست هناك إجابة، هناك إجابات عندما تصل إلى الأسئلة الصواب. وتذكر عزيزي القارئ، هذا ما أؤمن به، ليس ما أفرضه عليك كحقيقة غير قابلة للجدال.