بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

تأملات

 


مضحك جدا كيف كل ما بذلته أمريكا لكي تطرح نفسها كضامن، وكصمام أمان، أن يتحول في عصر مخبول البيت الأبيض إلى مكينة استدراج كبيرة لحرب شاملة تخدم مصلحة إسرائيل .. ما تعرف موه صار له العالم بصدق!! إبادة تحدث في العصر الحديث! قطاع محاصر يقاس عليه الأكل بالكالوري .. فصل عنصري .. ودولة كاملة مثل أوكرانيا تصبح ساحة حرب استنزاف مستمرة بين كتلتين ضخمتين تقتسمان القوة في العالم .. ورئيس دولة يختطف نهارا جهارا! أحيانا أقول أن الذين يؤمنون بنبؤات الخرافات لديهم وجهة نظر! أمام هذا الجنون نوسترأداموس لا يبدو لي مخرفا! عالم غريب فعلا!

إلين تو إلين تو بعدني ما قادر أتجاوز كيف في ولاية ترامب الأولى المتحدث باسمه (هذاك اللي يشبه جرافسون لاعب ريال مدريد القديم) جاي يجادل إنه كان أعظم حفل تنصيب في العالم!

ترامب فعلا جالس يلعب دور (Mad king) في مسلسل صراع العروش!

كل حد يسايره، لدرجة إنه حتى أبسط أدبيات السياسة مرمية عرض الحائط ..

وبعدني في هذا المثال، المفروض إنه نتنياهو هو الكلب المسعور الخاص بترامب، أو ربما العكس، كلاهما كلب مسعور في المحصلة ..

المفروض مصلحة إسرائيل تكون مقدمة على أي شي آخر. إسرائيل قضت سنوات وسنوات وهي تبني سردية أن إيران سوف تمتلك السلاح النووي بعد ربع ساعة من تاريخ الخطاب.

إسرائيل حشدت العالم أجمع ضد (آيتوللا) مقدمة إيران كدولة قائد فرد واحد بحيث لو سقط (رأس الأفعى) وفق تعبيرهم فإن إيران ستصبح كلها أجذاذا وأشلاء متناحرة وكأنها العراق.

تفكير عنصري، مبني على صور نمطية، ونشر وتداول وترويج متعمد للجهل والتسطيح وخداع الناخب الغربي الذي لا يعرف كوعا من بوعٍ في موضوع منطقة الخليج وتداخلاتها التاريخية المعقدة جدا حتى من الناحية العقدية والدينية وموضوع الرسالة المحمدية وهات يا تعقيد.

فاهمين قصدي صح؟ مصلحة إسرائيل تقتضي أن تكون إيران دائما هي الشر الكامن، والجمر الذي يخفي من أسفله النار.

ماذا فعل ترامب بإسرائيل؟ من أجل نرجسيته، وإيجو الــ(Mad king) والذي هو سمة دونالد جيه ترامب تارجيريان! الآن يطمس كل دعاية إسرائيل في التراب ويقدم هدية حقيقية تتمثل في تقوية إيران ونظامها ربما لأجيال.

قتل المرشد جعل تأثيرها ومدرسته أثيرية غير مرتبطة بطين جسد إنسان، تفتيت القيادة جعل إيران تتمسك بحمض نووي لنظامها أصبح هو الذي يدير المعادلة أكثر مما يديرها أشخاص لديهم مرونة في المسايسة والسياسة، فتح شهية إيران لكي تهدد الاقتصاد العالمي، ولكي تقصف دول الخليج، ولكي تفعل الأفاعيل التي تنجو منها أضاف لترسانة الخبرة الإيرانية ما يزيد من التجربة والقوة.

باختصار، كل ما هدم في إيران في هذه الحرب يمكن بناؤه، وكل ما بني لا يمكن هدمه. سقوط النظام الإيراني سيحدث في حالة واحدة فقط أن يثور الشعب ضد نظامه، غير ذلك، أي حرب هدفها التدمير، وإحداث أزمات إنسانية، ومعاقبة (البرابرة المسلمين نظام إيران وشعب إيران واحد) في النهاية، مسلمون (همج) يستحقون ما يحدث لهم (وللعلم وزير الحرب الأمريكي قالها صراحةً).

هذا ما حدث لنتنياهو في أعز سردية إلى قلبه، ربما لهذا السبب أصيب بالإحباط وبدأ يحاول حلحلة أهدافه في لبنان، ترامب أيضا (مقلبه) كما مقلب جميع الدول التي كانت تثق بأمريكا نسبيا!

ظني الشخصي والتهيؤات غير المثبتة التي تحدث في عقلي اللاواعي والواعي، وكل ما ارسمه أو يرتسم تلقائيا هو أنَّ ترامب أدار الحرب بعقلية رجل الأعمال، القوة تسويق، والهدف هو الربح وفي اللحظة التي بدأ تأثير الدومينو يصل إلى أمريكا، وحياة الأمريكيين التي يتشنج بكل شوفينية من أجل إعادة امتيازاتهم الاستعمارية فجأة غير مسار البوصلة، وبدأ (يهبد) وما يفعله ترامب فعلا ضد مصلحة إسرائيل طويلة المدى!!

إيران بشكلها الحالي يمكنها إعادة ترتيب أوراقها، الحقد تجاه إسرائيل أصبح الآن موضوع عقيدة شعبية، والصوت الشعبي الداخلي الذي كان يمكنه أن يكون وعد إصلاح سوف يمكن قمعه بسهولة الآن، ومن الأساس الشعوب لا تميل لتغيير أنظمتها بينما هناك عدو خارجي صريح يتربص بها.

يعني حتى مشروع تغيير إيران من الداخل ترامب الآن يقف في وجهه!!! أريد أفهم، إذا شخص يفترض يحمي مصلحة إسرائيل يفعل هكذا بإسرائيل، من الذي يطمئن إلى مصافحة البيت الأبيض ومخبول أمريكا يجلس على العرش الحديدي البيضاوي!!

السردية الأمريكية وياللمفارقة! تقدم أفضل غطاء لا تحلم به إيران في حلم من أحلام يقظتها، وإعادة البناء، والتعلم من الدروس، جزء من تمازج الجغرافيا والحضارة في إيران، كل هذا الآن بسبب إيجو الانتصار الوهمي لترامب يقدم على طبق من ذهب لإيران!

الآن أفهم الإحباط الذي اكتنف نتنياهو عندما تراجع ترامب عن تسعير الحرب (وكان قادرا على ذلك نظريا لو أراد). وأمريكا استخدمت قواعدها بوقاحة بدون شرعية دولية في شن عدوان على دولة أخرى، وإيران لم تكتف بالرد على أمريكا والمناطق العسكرية بل أيضا غالت في قصف بعد الدول قصفا انتقاميا يفوق ما يردده الساسة. والمجادلة والدفاع وتبرير فعل إيران ذلك لا يختلف عن تبرير وتجويز استغلال أمريكا قواعدها لتسعير الحرب! في النهاية القواعد العسكرية ليست ورقة سياسية (عادةً) وإنما ضرورات لوجستية يأتي مقابلها اتفاقيات حماية وغيرها من الترهات (الخ الخ) ..

لم يترك ترامب حليفا، ولا اقتصادا، ولا إسرائيلا، ولا نتنياهواً، ولا خليجا، ولا نفطا، ولا ميناءً، إلا وأثار فيه الفوضى بطريقة تثير الاستغراب!
المؤكد أن الصف الثاني الذي ينشغل بلم الغنائم العشوائية التي تحدث نتيجة تحركات ترامب قد اضطر لتطوير آلية جديدة ومختلفة للاستفادة من (اللامتوقع).

الشماتة في إيران، وكونها دولة مخترقة، وتم تحطيم أذرع عسكرية لها وغيره من وسائل الإشباع لم تكن يوما ما دليل هزيمة. الهزيمة هي أن يتم تدمير ما لا يمكن بناؤه. والذي ينفق من قوته العسكرية، واقتصاده لتدمير دولة أخرى ما المردود الذي ينتظره؟؟

أمريكا لا تنتظر مردودا وجوديا من إيران، ولا تمثل لها أكثر من لعبة ثقافية اسس لها بعناية أكبر بعد أحداث سبتمبر. الذي ينتظر مردودا وجوديا من سقوط إيران هي إسرائيل فقط، سقوط إيران، وفوضى في شبه الجزيرة، وتحول العقيدة إلى واقع كبير.

حيثما عاث ترامب بفوضاه، التقط متطرفو وعنصريو الأقطاب السياسية الأمريكية الخيط وضخوا فيها جهودهم. وكما فعل ترامب بأوروبا، فعل ايضا بإسرائيل. إيران خرجت خاسرة بشكل مهول، لكنها لم تهزم، وسبحان مكر الله! البيت الأبيض ودعايته الآن هي أكبر حامي لها! تغطية لا يمكن لإسرائيل أن تعيد دعايتها إلى عامين كاملين من التمركز الإيراني وإعادة التموضع.

ماذا يمكن أن تفعل أمريكا بإيران سوى كارثة إنسانية تقتل مئات الألوف من الشعب؟
ماذا يمكن أن تفعل أكثر؟ هذه ليست مفاعلات نووية استجلبت من الخارج ولا خبرات محلية لإعادة بنائها، وتلك الصناعات العسكرية ليست صناعات تُشترى بالعملة الصعبة لكي تفقد طريقة تصنيعها، بصدق لا أفهم الجهل الغربي هذا هل هو متعمد أم فقط طريقتهم الاستعلائية والعنصرية في النظر إلى برابرة العالم (المسلمين ومن يشبههم)!!! شيء مقزز فعلا أن يقود العالم متعمدو الجهل والتسطيح!

النجاة الحقيقة في عدم تحول المنطقة إلى زبائن سلاح لمصانع السلاح الأمريكية، ولحرب استنزاف مع دولة مثل إيران من الأساس حتى هذه اللحظة استنزفت اقتصاد العالم.

وأصلا إسقاط إيران مثلا، لو صار هذا السيناريو الصعب، ماذا سينتج لك، منطقة فوضى متناحرة لعقود وأجيال! وعبر بوابة العراق واليمن تبعات هذه الفوضى ستحقن نفسها لشبه الجزيرة العربية أيضا لعقود.

وعزيزي القارئ لو كنت تتساءل عن الصف الذي ينتمي له كاتب هذا المقال سأريحك من عناء التخمين:
صف ساذج، بسيط، به إيمان العجائز، وتمني نهاية الفتنة بين أتباع الرسالة المحمدية، ويتمنى أن يرى اتفاق سلام بين الخليج وإيران ليس لأن طرفا منهم بريء والآخر مذنب، بل لأن الخطر الأكبر قادم من مكان آخر.
هذا هو الصف الذي أنتمي له، صف من يدرك أن الرابح الوحيد من تناحر المنطقة هو ذلك الكلب المسعور والذي سيأتي بعده من متطرفي إسرائيل.


لعل كل هذه التهديدات تكشف للمنطقة ككل أن أفضل سيناريو هو التعامل مع بعض كأعداء صريحين، وصياغة هدنة وسلام واضح ومنصف، وإغلاق ملفات فتح باب النهاية لمنطقة تسيل لعاب العالم لو فقدت تماسكها وأصبحت ثرواتها الطبيعية نهبا يسومه كل سائم.

بعدني أقول بكل يقين لا أفهم من أين يأتي:

والله غالب على أمره

تغريدة ثانية:
ياخي مرة ومرة أتخيل نتنياهو بعد ما يتابع خطابات ترامب عن إيقاف الحرب مع إيران، يذرع مكتبه ذهابا وجيئة ويقول بانفعال:

- الله يلعنك يا ترامب، الله يلعنك يا ترامب!

والله مفارقة! أهم سردية لإسرائيل على الإطلاق هي إيران. وبسبب الإيجو ترامب يطمس هذه السردية ويجعل إعادتها للنور أصعب بكثير، وأصعب على إسرائيل من أي شيء آخر!

هذا ما يحدث عندما توضع الحرب بيد رجل أعمال! الحرب تحتاج لمعدن مختلف عن معدن ترامب، معدن مثل جورج بوش، معدن مثل نتنياهو، هذه فعلا معادن رؤساء حرب (ما اقول بالمناسبة ليس مديحا ولا احتفاء بذلك، هذا مجرد وصف متخشب خالٍ من العاطفة) ..

الحرب وقيادة الحرب هذا معدن من يريد كتابة التاريخ، من لديه تمسك بالعدل، أو تمسك بالظلم لدرجة تنسيه من يكون كإنسان طبيعي وتمنعه من العودة لذلك للأبد، معدن مثل بوتين وليس معدنا مثل زيلنسكي، معدن مثل ليندسي جراهام، يمكنني تسمية عشرات من المرشحين لحرب أمريكية متسقة مع مبادئ أمريكا في تقبيل نعال إسرائيل، ترامب حتى هذا لم يفعله.

عبرة فعلا لمن يريد أن يعتبر من حركة مسار التاريخ الحالي. والعجيب في المسألة كيف أن نتنياهو نفسه بدأ ينسحب بعدما وجد أنه يخسر أفضلية دعائية تعبت عليها أمريكا وإسرائيل أكثر من عشرين سنة، ترامب يشوهها بكل قوته.

عسى الله أن يمد في عمري لأرى كيف يتعامل المؤرخون، والتاريخ مع ترامب ونتنياهو بعد أن يخرجا من مقعديهما .. إن كان الكون اكتسب اتزانا من وقوع أمجد يوسف في براثن المحاكمة، ما ذلك على الله بعزيز. ربما أعود بعد سنين لهذا المقال وأقول: يا إلهي، لقد حدث حقا!


لو حدث لترامب ما حدث لتشارلي كيرك فجأة، سأبصم بكل يقين عمياني أن المؤمنين بنظرية المؤامرة هم أعقل خلق الله!