بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

سوق اسمه ميسي!



عزيزي القارئ، دعني من البداية أعترفُ لك أن هذا المقال ليس واحدا من مقالات المنطق المحكم المترابط. هذا مقالٌ عاطفيٌّ بامتياز، يكتبه إنسان عاشَ في طفولته في مصر، درس جزءا من ابتدائيته في مصر، عاشَ تجربة ملخصات سلاح التلميذ، ولامي، ونشأ وترعرع مع أحمد خالد الصفتي، ونبيل فاروق، ويحفظ مسرحيات عادل إمام كما يحفظُ أغاني عبد الحليم حافظ، يتحدث الدارجة المصرية (بلبل)، فلا تنتظر مني وأنا أكتب هذا المقال بعد دقائق قليلة من خسارة جمهورية مصر العربية أمام ميسي وفريقه الذي لا تهم ما جنسيته مادام يلعب فيه، كما لا يهم ما فريقه ما دام يلعب فيه، كما لا يهم أي شيء سواه، سوى هذه الهالة التي منذ تغريدة بايدن عنه وأنا أتساءل أي دور عالمي قادم سيكون لهذا السرحان الهائم الذي تدور حوله الخطط حيثما حلَّ وارتحل.

لست ضليعا في كرة القدم كما يفعل المجادلون الكبار، لأحددَ كرةً ما إن كانت عادلة أو ظالمة. اليقين الكافي الذي لدي أن تأثير هالة ميسي كافٍ للغاية لكي يخترق أنظمة الحياد في أدمغة الحكام، كما يفعل في أدمغة المحللين، والجماهير. وكأن أي كلمة تتهم ميسي بالاستفادة من هذه الهالة هي اتهام صريح لكل سياقات المنطق والعدالة في العالم. الحرقة التي أشعر بها الآن هي حرقة عربية صافية، حرقة ذلك الشعور المقيت بالقرف والفرق العربية أمام هذه الفيفا طوال حياتها وزمانها وهي لا تحتفل بأكثر من الصعود للدور الثاني، ربما ما عدا الجزائر في استثناء ضيّق. 


أجادل أن العالم يتحيز لميسي، يتحيز له بمجرد وجوده. والسؤال الآخر الخفي، أين تقام هذه البطولة؟ ألا تقاوم في ولايات ترامب الأمريكية المنقسمة؟ وما الذي يفعله ميسي هناك؟ ألا يفعل ما يشبه ما فعله ديفيد بيكام، صناعة سوق جديد، لرياضة جديدة، لجذب جديد، لدوري جديد قد يكون هو الآخر أيضا الدوري الأكبر والأضخم في العالم. لا أعتبر كلامي غير منطقي، وأيضا لا أقول لدي الأدلة الدامغة التي تثبت ما أرمي إليه، أنَّ ميسي ليس لاعبا فقط، ليس ظاهرة جماهيرية إعلامية ترفع سعر الإعلان والتغطيات، إنه أيضا صانع سوق، وصانع سوق في أمريكا، وصانع سوق في أمريكا التي يحكمها ترامب حاليا. 


أعرف أن الحرقة تطفئ المنطق في عينيك، وتجعلك ترى الأشياء بصورة مشوشة، ونعم أعترف، هذه الحرقة لخسارة مصر فعلا تسبب لي الضيق، وهي التي تجعلني أصدق هذه الافتراضات غير المثبتة، أن دولة إبستين قادرة على التدخل، وأن دولة إبستين تريد الحفاظ على ميسي حتى لو لم يكن ميسي نفسه متواطئا مع هذا الذي يحدث، عشرات المواقف الصغيرة تكفي لكي تبني شكاً عاصفا، ونعم أعرف، ثم أعرف، ثم أعرف، لا أحد لديه دليل، الشيء المؤكد أن أمريكا لا تعبأ بأي شيء حاليا سوى لعبة الدولار، وجذب كل شيء إلى اقتصادها.


لذلك عزيزي القارئ، فكر معي قليلا، مكان ترامب، مكان أمريكا في عصر ترامب، بعد كل هذه المعمعة، ميسي هو الدولار الحقيقي لمآلات البطولات، لنهاياتها. سيجادل من يجادل أن تلك الضربة التي تلقاها صلاح في منطقة الجزاء هي ضربة (لا يعاقب عليها) وسيجادل من يجادل بمختلف الطرق، لم يعد الأمر فنيا، السياق الكبير يحكم، أين الذي يكمن في مصلحة أمريكا؟ وصول فريق عربي مسلم؟ هل هذا الذي يجلب المليارات؟ 


دمية الفيفا، في كأس عالم ترامب بكل تغييراته، وبصمته الأمريكية، وجذبه العالي للعالم، ماذا يريد أكثر؟ استعمار رياضة جديدة لكي تكون أمريكية أيضا، ومن أفضل وجه لهذا الاستعمار، هذا الميسي الذي خرق كل قوانين التاريخ، وكرة القدم، والعمر، والتركيز، بل وربما حتى ارتباطات خلاياه العصبية، هذا اللاعب الذي أكن له الكثير من الاحترام، والتقدير، ولكن ليس اليوم. ليس عندما تخسر مصر بهذه الطريقة، ليس عندما العاطفي تعمي عيني وأفقد الشعور بالمنطق. هذا الذي أقوله، الافتراض، فوق الافتراض، والشك فوق الشك، كلها سأعرف لاحقا أنها لحظات عاطفية قامت بتشويش قدرتي على الإنصاف، وأبادت كل قدرة لي على الحكم الموضوعي، للحزن ما يفعله وله شؤونه العميقة.

سواء بمؤامرة، أو بدون مؤامرة، بالمنطقة الرمادية أو بدونها، هل أنا عاشق من عشاق مصر المهووسين بها يتألم لخسارتها، أم أنا إنسان ينظر لأمريكا كما تُعرف أمريكا، بكل ما فيها من إبستين، ومؤامرات، وتطاول، واستثناءات، وتجاوز، وفيتو، وتدخلات تفوق قدرة أي مؤسسة على القيام بعملها، هذا أيضا افتراض معقول، أنَّ ميسي مهم للغاية لهذا السوق الذي لو نشأ، بكأسي عالم، وبكأس عالمٍ في أمريكا! هنا لعبة المليارات، لعبةٌ لا أعتقد أن أحدا فيها (حاشاه) أن يتدخل بشكل ما أو بآخر. 

أختم كلامي، بأنني لست في حالة منطقية، أنا في حالةٍ من الألم أمام الطموحات الكبيرة التي كنت أتمنى أن أراها، منتخب عربي يتجاوز الأرجنتين، يجعل العالم طبيعيا، يجعل الكبار قابلين للخسارة، يجعل الكرة كرة قدم، وليست كرة نجوم، وعقود رعايات، وضخ أموالٍ، والمزيد من الأموال لترامب وخططه. أختم كلامي بأن الذي أفعله كله هذا غير منطقي، عاطفي، لا أساس له من المجادلة المحكمة، لكنني حزين، حزين للغاية، وإن ذهب ما أقوله الآن للمآلات، وقتها سأشعر بأن العالم له مشيئته الأخرى، مشيئة الدولار والسياسة، وليهنأ ميسي بصناعة سوق كرة القدم في أمريكا، وليتقاعد صنوه الآخر من صناعة سوق كرة القدم في المملكة العربية السعودية، وليختم هذا الفصل الغريب الذي يجعل كل إنسان يتساءل: هل حقا كل هذا يجري بدون أن تعبث به يد غريبة؟ من يدري؟ لا أدري، وربما لا أريد أن أعرف، كل ما في الأمر أن هذا مقال إنسان حزين، عاش فترة من حياته في مصر، وليس مستعدا في هذه اللحظة لينصت إلى صوت المنطق والموضوعية. هنيئا للمنتخب المصري تلك اللحظات البطولية التي كادت أن تقفز بأحلامنا، وبكل قرف عقد النقص والانتقاص لتسحقها سحقا، هدفان يكفيان، كبداية، وما يدريك ما الذي يحمله الغد. 

أما إن كان كل شيء يسير لكي يكون النهائي، نهائي المال والمليارات، الأرجنتين وفرنسا مجددا، فهنيئا للرأسمالية، سواء كانت هي السبب، أو لم تكن، وهنيئا لأمريكا فوزها بأعظم لاعب في التاريخ، بلا شك. ها أنا عبرت عن حزني، أعلم غدا أنني سأرى كل هذا السرد الجحيمي غير منطقي، الآن، وفي هذه اللحظة وقبل أن يصفر الحكم ليعلن نهاية المقال، لا أريد أن أكون منطقيا، أريد أن أكون حزينا. وهذا كل ما في الأمر!


معاوية الرواحي


عندما انتهى رونالدو!

 

 

وذهبت أيام كرستيانو رونالدو. الدون كما يسميه المهووسون بنجومية هذا الاستثنائي الفارق في عالم الرياضة، ربما ليس فقط من زاوية لعبه، وإنجازاته، وقصته، وأهدافه، وبداياته، وانتقالاته، وكل السياق الهائل الكبير الذي جعله نجماً يفوق تأثيره خارج الملعب إلى التأثير خارجه. رغم كل شيء، وأي شيء، يبقى حاله حال أي لاعب، ما يحدث داخل رقعة اللعب هو المنبع الأصل لكل ما يحدث خارج تلك الرقعة، بدونه كل ما فات ليس أكثر من تأثير منسحب تدريجيا، لا ينمو، زخم كافٍ ليجعلها نجما، لكنه لا يتزايد أو يتضاعف لكي يصل إلى تلك المكانة الاستثنائية التي حققها منافسه الآخر العظيم هو الآخر كرويا، ليونيل ميسي، الذي حتى خصومه التاريخيون فرحوا لفوزه بكأس العالم، ما أجمل أن ترى أسطورة تتحقق، وأيضا، ليس من السهل أن تفقد أسطورة صديقة لذاكرتك بهذه السهولة!

 

أنا أحد هؤلاء الذين سمحت لهم أعمارهم بحضور مسيرة كرستيانو رونالدو من بدايتها حتى نهايتها في المبارة الأخيرة بين أسبانيا والبرتغال في كأس العالم العجائبي الأمريكي في عام 2026م. كأس عالم ترامب الغرائب. وأعلم جيداً أن السجال هائل بين نجومية ميسي، ونجومية كرستيانو ولكل قيمته وشأنه ونشأته. المتحيزون لصالح ميسي لا يقبلون بهذا الكلام، والموضوعية لن تكون سيدة أي موقفٍ بينهما، كشأن المتحيزين صالح كرستيانو رونالدو. كوجهة نظر شخصية، لا أقصد بها صداماً، أقول رأيي الشخصي الفرد، بكل حذر، أن الذي لا يحترم أحدهما فهو ينتقص من شأن كرة القدم ومرحلتها هذه التي جمعت هذين النجمين، الأول الذي انتهى في خسارةٍ مع أسبانيا، والثاني الذي حتى لحظة كتابة هذا المقال، قد يفوز مجددا بكأس عالم مفاجئ، لا أحد يعلم حتى من فرط التوقعات إن كان سيخرج من كرة القدم لكي يكون رئيسا للأرجنتين أو شيء آخر من هذه العجائب التي لا يمكن توقعها من هذا العالم!

 

الدون! حكاية إرادة وكفاح. قصة ملهمة في من يصنع نفسه بالنحت بإزميل الزمن. التدريب المتواصل، الالتزام، والسعي المهووس للتنافس والنجومية. يدافع مشجعوه دائما عن تصرفاته المزعجة قليلا، الذاتية المفرطة، الرغبة في إرضاخ الفريق كاملا لكي يلعب من أجله، الهالة التي تجعل من يتابعه يشعر وكأنه يتصرف كأنه الحل الوحيد. وفي فترةٍ كان يحقق فيها كل هذه التوقعات، كان منتقدوه يسكتون أمام مسيرته اللامعة مع ريال مدريد، وتألقه غير المسبوق، وعاش معه مع الوقت الكؤوس، والجوائز ذات الأسماء الغريبة، الحذاء الذهبي، الذي يركل الكرة الذهبية، هذا غير الجوائز التي تحشر نفسها في عالم اللاعبين لأجل ما تجود به الرأسمالية من أرباح الفعاليات والحضور وفلاش الكاميرات اللامع. الذي يتابع الدون، يشعر بأنه في وهمٍ ما منطقي (يمكنه أن يكون الدون) ويمكن للاعب آخر أن يكونه، بالتدريب، والنحت، والصقل، والالتزام الخارق، والتركيز.

 

 

 ربما هذا ما يقوله الراسخون في علوم الكرة عن اللاعب الفرنسي (امبابي) ولكن ما أدراني عن هذه الحيثيات، كاتب هذا المقال متابع عادي في كرة القدم يتحدث من زاوية ذاكرته أكثر مما يتحدث من زاوية كرة القدم نفسها. رونالدو ليس مثل ميسي، الجميع يعلم أن ميسي حالة فارقة حتى الجينات تلعب دورا فيها، ولعل هذا ما يشاع عن طيفٍ توحدي مزعوم تجاهه، وقدرات على قراءة رقعة اللعب، وهيئته، وعدم تفاعله، وما يبدو عليه من بعض غرابة الأطوار يغذي هذه الفرضيات غير المثبتة ويجعلها سرديات جميلة قابلة للتصديق. الدون! يشعرك أن الجميع لديه خارطة شبيهة، وما عليه سوى أن يتبعها ويتمنى ألا يخذله الزمان فيصاب، أو تخذله الظروف فيفشل في فرقٍ تطمره للأبد.

 

شهدتُ في مقهى ما من مقاهي مسقط اليوم الأخير لرونالدو، ويبدو أن أيامه الأخيرة أيضا في ناديه العربي النصر قادمة قريبا. كمشجع غاضبٍ من ذلك السلوك الغريب الذي حتى على شخص في حالتي لا يفهم من كرة القدم الكثير يشعر بالضيق البالغ من استمرار ذلك السلوك المستفز. التمركز الذي يجعله في موضع الحسم والحل، استأجر قطعة أرض زراعية خضراء بجانب دفاع الخصم وكأنه مراقب أداء (فريلانسر) جاء ليدرس دفاع منتخب أسبانيا. ما قاله المنتقدون وليس المتحيزون يتحول مع الوقت إلى صحةٍ مرئية. يمكنك أن تغفر الكثير من الذاتية ولفت الانتباه لرونالدو فقط عندما يسجل، عندما يكون حلا، من الأساس من الذي لديه رغبة في مجادلة فائز؟ فليفعل ما يفعل أليس كذلك؟ فليكن طفوليا، فليطلق تلك التصريحات التي تكشف مع الوقت عن اهتزاز داخلي يمكن أن يفترضه البعض منطقيا، وأن يربطه منطقيا بما حدث لاحقا من المشهد المأساوي عندما تحول الحل إلى عبء، وتحول الحسم إلى لاعبٍ آخر، لم يعد يُغفر له تصرفاته المتكررة التي أصبحت تثير الامتعاض، نعم يحق للدون ما لا يحق لغيره، فقط عندما يفوز.

 

يتابع محبو كرة القدم من بعيد (زي حالاتي) كرة القديم من خلال اللقطات والإعادات. عدا تلك المباريات التي تملأ المقاهي، هذا هو  نصيبهم من التحليل التراكمي لحالة لاعب. كأس العالم شيء آخر، ترى فيه لاعبا مثل كريستيانو وهو يتضاءل تدريجيا، يحرج نفسه بالموقف تلو الآخر، يصرح عدة تصريحات عن روح المؤامرة، وبدا كمن يعيش في ذاته الداخلية أكثر مما يركز على الذي يحدث في الخارج. ليس معجزة جينية تبتكر الحلول من العدم، وقطعا، ليس هو نفسه اللاعب الذي أظن ظالما وغاشماً أن اهتزازه مع تناقص مستواه البدني قد أتى على ما تبقى من اتصاله الصحي بفريقه على الأقل، قبل أن يتصل بكرة القدم، وبلحظات كرة القدم المهمة، والتي منها بلا شك هذه المباراة في كأس العام، هذه المباراة التي انتهى فيها رونالدو.

 

انتهى رونالدو، وودع مسيرته العالمية قطعاً، إلا لو كان كأس العالم الرأسمالي القادم في هذه الفيفا الدمية ستفضل مجددا كأس عالم النجوم، والإعلانات، والمبيعات أكثر من كأس العالم الحقيقي الذي يغدق على المتابع بالكرة الجميلة، والصراع الحقيقي على العروش. انتهى، وهو يتمركز باحثا عن الحسم، يتقدم طوال الوقت، نادرا ما يعود ليشكل أي فارق في أي لمسة، انتهى وهو يتمنى لحظة تشبه لحظات دوري الأبطال، انتهى وجمهوره الحاسم الغاشم جاهز لتسميم جميع زملاء فريقه في كل منصاتهم بالتعليقات التي تريد أن تعيد لهم نجمهم المفقود الذي (ربما) قد يكون فقد ذاته منذ أزل بعيد، وهو في حالة الصدمة الكبيرة أنَّه ليس النصف الآخر للعظمة في كرة القدم، هكذا كان يوصف، وهكذا أظنُّ أيضا.

 

أودُّع كريستيانو رونالدو، لا أودع الدون الذي عرفناه. كان جزءا من الذاكرة لسنوات طويلة، واليوم هو نهايةٌ أخرى من نهايات كرة القدم، كما عشنا في طفولتنا نهاية روماريو، ولاحقا كما عشنا نهاية رونالدو الحقيقي الظاهرة، وجاء من جاء بعده من نجوم الصف الأول، من زيدان، ومن راؤول، ومن إيتو، ومن رونالديينو، إلى نجوم الصف الثاني الذين لا أحفظ أسماءهم، وجاء زمان جديد، جاء زمان فينيسيوس البرازيلي، وجاء زمان ذلك العملاء الذي هرب من مسلسل صراع العروش وجاء ليلعب كرة القدم، يسمونه في العالم الواقعي (هالاند)، وجاء من جاء، من وجوه جديدة، أيضا ستصنع كرة قدم جديدة، وعالمية جديدة. والباقي حتى الآن من مرحلة الثنائي المتنافسي هو ميسي، سقط جسر كريستيانو، وحتى ميسي نفسه، يلعب في فريق أمريكي عادي للغاية، كأس العالم أتمَّ معجزته الكروية، وهذا الكأس قد يحسمُ له ذلك التقاعد الحتمي الذي ما بعده تقاعد، وكأنه تقاعد بيليه الذي نشأ وترعرع في فيفا ناشئة تسجل فيها الأهداف كما تسجل في مباراة كرة سلة. لا أحد يتوقع من كريستيانو رونالدو تقاعدا من النجومية، لعله الآن يجهز نفسه لنجومية الأفلام، والفعاليات، والمقابلات، والمحاضرات التحفيزية، لا أظن أنه سيكون مدربا إلا لو كان العالم فعلا أصبح يمشي بعملة النجوم لا بعملة المنطق.

 

 وداعٌ حزينٌ للاعب ربما لو أنفق بعض الوقت على ذهنه كما ينفق على جسده، وأنصت لمن ينتقده بدلا من أن يحاول لجمه بالمستحيل، وفعل ولو القليل لفريقه في مباراته الأخيرة في كأس العالم، لربما لم يكن هذا الوداع حزينا بهذا الشكل، عندما يقتنع من شجعوه بأن من كان ينتقده كان على حق منذ زمن طويل، وتلك المشكلات التي تراكمت قادت إلى هذه النهاية الشاحبة، هل الأمر نفسي؟ نعم نفسي منذ زمن طويل، كل ما في الأمر أن تلك الركلات التي أحرزت الأهداف أجلت الحل، وعندما حان وقت المشكلة، لا ركلات الآن تزيحها عن الصورة، كل الذي يبقى هو تهافته المثير للخجل وهو يحاول انتزاع بعض الضوء من هدف لزميله بحجة أن (ذكاءه) هو الذي قاد لذلك الهدف، أي نهاية هذه؟ في النهاية، التاريخ ينسى النهايات، وما يبقى هو ذلك المجد الذي ما لم يصاب بنهاية (باجيو) فربما الطريق القادم خارج كرة القدم ممكنة لهذا النجم الذي رغم نهايته في كأس العالم، لم ينته من عالم النجومية الذي يبدو أنه في بداية الطريق إليه، أهلا بك في هوليود ربما أيها الدون! أنت في البلاد المناسبة وقبل أن تسافر إلى ناديك، ربما عليك أن تجري بعض الاتصالات، لعل هذا هو القادم في الطريق منك أو إليك.




معاوية الرواحي

 

 

 

 

الأحد، 5 يوليو 2026

تشوهات معرفية: 1 + 2








التشوه رقم 1: 


(هل عشت ما يكفي من التجارب؟)



عزيزي القارئ، هذا المقال ليس واحداً من تلك المقالات التي تتفنن في شيطنة الثقافة أو المثقف، أو وصمِه بما هو فيه أو ما ليس فيه. هذا المقال، وهذه السلسلة المتلاصقة ليست بيانا عدمياً يدين كل شيء لعدم فائدته بحجة التفاهة الرائجة التي تقول: "لماذا نفعل كل هذا ونحن زائلون". وليس بيانا عبثيا ضمن التنصل الشامل عن المسؤولية الفردية والعامة بحجة فرض الكفاية الذي "لست أنا من بالضرورة يفعله". هذا المقال، وهذه السلسلة يحتاج إلى مقدمة متقنة، محكمة، توضح سببه وأهدافه؛ لكي لا يخرج من المنطقة التي أراد لها صاحبها أن تصل كرسالةٍ لعله تنفع أحداً، وإن لم تنفع فالزبد يذهب جفاءً، فإن كانت هذه السلسلة نفعاً، كان بها، وإن كانت جفاءً فقد حاولت شيئا ما سأتعلم من فشله حكمة أخرى مجانية أيضا لعلها تعود فتنفع، أو ربما تبقى في رفوف التاريخ الحافلِ بالتماثيل التي تحطمت بضربة إزميل خاطئة، أو باختيار سيئ للجلمود الذي لا يبوح بالتمثال الذي به بسهولة.


التشوه المعرفي الذي يعرفه علم النفس في سياقاته انتزاعٌ متعمدٌ من كاتب هذا المقال ليأخذه من شكله العلمي الجامد الموضوع في صندوق مشروط، إلى حالته الأدبية الشعاعية غير المعرفة، ستعرف أيها القارئ بسهولة ما هو، وتتصل به، وتتفاعل معه، وتجده سهلا يسيرا ما دامَ يقع في تلك المنطقة غير التخصصية، لذلك من البداية أقول، التشوه المعرفي، هو تشوفه معرفي، معتقدٌ أصيب بشيء من الضبابية، أو اللوثة، أو التحطيم الجزئي، أو الفلتر الغامض، أو الضوء الساطع، أو غمره طين طوفان، أو أحرقه حقد شيطان، أو فقد الإنسان اتصاله به نتيجة اتصاله بمعتقد أو بمعرفة أخرى. 


سأركز حديثي على حالةِ الثقافةِ الاجتماعية. وأركزه في البداية على الحالة الاجتماعية العمانية، وربما مع الوقت إن تيسر الوقت للبحث الكافي سيذهب إلى الحالة الثقافة العربية. هذه المرة ليس من منظور المآالات الكبيرة والضخمة، أو الموضوع المكرر عن علاقة المثقف بالسلطة وتنظيراته، وإنما عن المثقف نفسه، الإنسان، الذي يتخلق تدريجيا بشكل مليء بالأسئلة، يريد أن يصنع معنى لحياته، ولا يعرف أحيانا أنه وصل إليه، ويعيشه، كل ما في الأمر أن تشوها معرفياً واضح المعالم يمنعه عن عيش ما يستحقه لمعاييره الكونية التي جعلت الاستحقاق مستحيلا، وجعلت ملاحقة الخلود وهما مستحقاً يردده الكبار الذين يبذرون القوانين للقادمين في الطريق، القادمين الذين يقول المنطق البديهية أن سقوط الكثير منهم في الطريق هو الشكل الأمثل للانتخاب الطبيعي للحياة، وللأفكار وللجودة، وللإبداع، والأهم: للمثقف والفنان وحياتهما الخارجة عن الأطر المعيارية.


سأستخدم كلمة (المثقف) تجاوزاً لصفة عمومية تجمع الطيف كاملا. من الكاتب، والشاعر، والعازف، والفنان، بل وحتى عاشق الزراعة الذي يجمع شتلات العالم في حديقته مفتتنا بعلم الزراعة، وبثقافتها. المثقف في عالم البحر، وإن كان لا يكتب لكنه يقول، ويبوح، وله منبره الذي يتصل به بالمتلقي المباشر، الجيل القادم من البحارة والصيادين، المثقف في شؤون النخيل، وشؤون الآبار، والمياه، والأفلاج. لذلك عزيزي القارئ، إن كان تخيلك أنني أسمي المثقف ذلك الكائن الذي يشرب القهوة، ويعلك الحديث في المقاهي أو الحانات، ولا يعمل، ويقتنعُ أن الحياة تفرغاً خيالياً يعيش فيه المثقف والمبدعُ خاليا من السعي، والمسؤوليات، والإرادة، وأي شيء، الهدف هو ذلك الفراغ الكبير الذي يظنُّ أن قطعه بلا خبرةٍ في الحياة أو تجربة عميقةٍ على الأقل داخليةٍ، موغلة في التأمل يكفي لكي يكمل الحياة في مساره تجاه المعنى الكبير للإبداع وللثقافة والكتابة.


إن قمت باستقصاء مرتجلٍ تحاول البحث فيه عن الحلم الكبير، حلم اليقظة الذي يدغدغ الذين يتورطون باستثمار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة الهواية الثقافية حتى يجد الجد ويرون أنَّ استمرارها يحتاج إلى نموذج مهني، وقد يكون غائبا، فيتناقض الواقع مع الأحلام. فالحلمُ هو ذلك التفرغُ الذي يستيقط فيه الإنسان صباحاً ليجد نفسه في مكتب جميل، وأنيق، ملحقة به مكتبة واسعة شاسعة، يشرب قهوته، ثم يتناول إفطارِه الأنيق، في كوخٍ بعيد في دولة بعيدة، أو في مزرعةٍ لطيفة جميلة، ولعله عازب حتى هذه اللحظة، فيفتتح صباح بفيروز، ويخرج لسقي الزهور وقضاء القليل من الوقت في الطبيعة قبل أن يذهب إلى جلسته الثقافية مع رفاقه الذين يعيشون مثله أيام النجاح الجامدة.


مصطلحٌ يجب أن أضعه في موضعه الشعري. أيامُ النجاح، الجامدة، التي تصب خلاصة الإنجازات على هيئة حياة يختارها المرء بنفسه. يختار أين يمضي وقته، ويختار الجهد الذي يضعه في مدرسته الثقافية والإبداعية. تخيل أستاذا جامعياً قضى ما يكفي من العمر يعمل، ويؤسس، وبعد تقاعده فتح معهدا يمده بالمعيشة، وبعدها بدأت أيام نجاحها الجامدة، والباردة، التي يصبح فيها فراغ الوقت من الجذب الشرس واللحوح للحياة هو اليوم الجميل. توصف بحياة المتقاعد لسبب ما، لأن العمل الذي جاء ليجعلها ممكنة كان كافيا ليجعلها مستحقة. هذه هي أيام النجاح الجامدة، الباردة أحيانا، التي قد لا تخلو من الضجر والملل وابتكار الهوايات البسيطة فقط للحفاظ على حدة الذهن، والتمسك بوجود اهتمامات جديدة في الحياة.


أول التشوهات المعرفية التي تعالجها هذه السلسلة. الوصول إلى حلم اليقظة الجميل الذي يتمناه أي رسام وأي كاتب، بشكل عام أي مثقف يريد أن يقضي ما بعد حياته وخبرته هذا التدفق المنطقي لكل ما سكن وبقي في ذاكرته، لكل ما يتخلق ويتبلور في وعيه. وسواء كان يكتبه أو يقوله، فهو يعيش هذه الحالة الموصوفة في الفقرة السابقة. السؤال الكبير، أليس هناك فرق بين تعريف الأيام الباردة للنجاح، لكي تقلب الآية مع كثيرين ليكون النجاح الثقافي ببساطة هو الأيام الجامدة بشكلٍ عام.


المثقف الشاب الذي في بدايته حياته، يقرأ بنهم، ويعيش حياة المهووسين بالمنتج الجديد، باكتنازه القهري، وبأمنيته أن تكون مكتبة الأستاذ الذي يكون من مريديه ومن أتباعه له. يدغدغ نفسه بأحلام اليقظة، ويقارن نفسه بإنسان عاش أربعين سنة من التجارب، والتعب، والنكسات، والأيام، والسعي حتى وصل إلى أيام نجاحه الجامدة. يتخلق التشوه المعرفي هذا بالمقارنة والاستحقاق، ووقتها تنشأ حالة المثقف المنعزل، المعتكف كأنه راهب من رهبان المعرفة، يبحث عن تجربة الحياة في الأوراق ومواقع الإنترنت، قد يكون محظوظاً بعائلة تتحمل بقاءه في غرفته، تجلب له الطعام، وتعطيه بعض المصروف. وقد يكون إنسانا مليئا بالمسؤوليات، فيعمل في وظيفة بسيطة لكي يلاحق المجد المعنوي. هل هذه تجربة يمكنها أن تنجح؟ نعم، لكنها ليست ناجحة بعد، لأن عيش الأيام الجامدة من أجل الإبداع والثقافة ليس هو الثقافة، أيام النجاح الثقافي ذكرت قبل فقرتين، في ذلك الذي أنجز مهمته واكتفى من الحرق المتواصل لنفسه وقرر بكل بساطة: أن يعيش حقا.


 الخلاصة التي أريد أقولها بعد وصف هذه التشوه المعرفي بكل أمثلته، أنك يا عزيزي الكاتب الشاب الذي في بداية العمر، تحتاج للحياة، وللتجارب، ولمهنةٍ تتعلم منها النحت في الصخر، والسعي للخبز. وربما تحتاج إلى تجربة ترمي بنفسك فيها وتنجو، في كل الأحوال، كل ما تشحذه من مهارات، وكل ما تراكمه من معارف دون تجربة حقيقة في الحياة، وخوض في دهاليزها، حتى وإن كانت الدهاليز المبسطة كالسفر والترحال، أو الدهاليز الأخرى للمثقف الذي يحب دخول السجن بنفسه، أو أن تكون سيء الحظ فتقع في يد ظالمٍ فيسجنك وأنت لا تستحق ذلك، في المحيط العربي ما يكفي من الأمثلة لتعرف بنفسك عزيزي القارئ. علما أنني اقول، أنك إن لم تكن من مثقف السجون، فأنت الحالة الطبيعية، فلا تشعر بالضيق والأسى لأنك (لم تعش التجربة) أن تفتح مكتبة ناجحة فتبيع الكتب نجاح ثقافي رائع يجعلك تستحق أيام النجاح الهادئة. أن تنهي مسيرة وظيفية نجاح ثقافي رائع يجعلك تعيش متقاعدا وأنت تقرأ الكتب التي تحبها، وتكتب المقالات في المواضيع التي تثير دهشتك.


هناك الكثير ليفعل لكي يستحق المثقف أيام نجاحه الهادئة، وقليل من يفعلها في عمرٍ قبل العشرين، هذه الفلتات الكونية موجودة، والعبقري الذي يكتب رواية تحصد جوائز الأرض، وتترجم إلى لغات الدنيا، ويصنع لنفسه تقاعداً مبكرا يسمح له بحلم اليقظة الثقافي الأجمل، التفرغ لما بقي من المسيرة، هنا المسيرة نفسها هي الخبرة، هي الحياة التي تجعله يوما ما بعد أن يتعب من المسير ويقرر الترجل عن الترحال والموانئ الداخلية و الخارجية، وقتها سيقول هو أيضا: لقد عشت بما يكفي، عشت بما يكفي لأذهب إلى أيام ما بعد النجاح الهادئة، والجامدة، والباردة، والخالية من حرارة ووهج التحقق المأمول، إلى التحقق الذي عيشَ حتى أصبح الآن في طريقه للإرث هذا إن لم يصنع إرثه من قبل، وترك صاحبه هانئا هادئا يتفاعل إبداعه مع العالم سواء عاد لرفده بالجديد أو لم يعد.






التشوه رقم 2:

 

(هل حقا هناك إجابات؟)



إن كان ثمَّة شيء مؤسفٌ يفعله الذين عاشوا حياتهم الثقافية، وتجاربهم الحياتية بما يكفي لضخ الإجابات الحاسمة في مئات إن لم تكن آلاف الفجوات المعرفية الصغيرة في محيطهم، فهو ما يفعلونه عندما يرهنون كلمة الإجابة على الشاسع الكوني، أو الواسع الأرضي، بدلا من ذلك البسيط العادي الذي يصنعُ دهشة الاكتشاف لإنسان في بداية طريقه في مسارٍ ما. ما يبدو عادياً لمن عاشَ ما يكفي من حياته لتتشكل لديه إجابات حاسمة كثيرة على شؤون صغيرة وفيرة، لكن هل ينشغلُ بذلك؟ بهذا الهم العادي الذي يخص الناس العادي؟ للأسف الشديد هذا هو التشوه المعرفي الآخر الذي ينشأ من ضغط الصورة النمطية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، مشغولا بالأسئلة الكبيرة فقط، بإجابات أسئلة الكون، وبمساءلة الإجابات المعلبة للمنظومات الغالبة على أمر الناس، وربما الغالبة على أمره، وهل يسلمُ المرء من وضعٍ مثل هذا في أي مكان في العالم؟


ذلك المثقف الذي ينظر إلى الصحراء الشاسعة أمامه، بلا إجابة، وإلى السماء البعيدة عنه، بلا إجابة. غارقٌ في تأمل الغيب والغياهب، وينسى أن يلتفت قليلا للوراء، ليرى التراكم الشاسع لكل الإجابات الصغيرة التي استنكف أن يمكث فيها قليلا، وأن ينسجَ منها ما يكفي من الأقمصة الصغيرة لكل القادمين في هذا الطريق المعقد للثقافة، بكل ما فيه من علاقة مع الناس، والسلطة، والأقران، بكل ما فيه من صدام، وتنافسٍ، وتضادٍّ، وتماسٍّ مع السلطة والدين، مع أرزاق البشرِ وهناءتهم ورخائهم، مع حقوق التعبير والبحث العلمي، مع الفنِّ وقيمته، مع الغناء وأثره الصالح أو الطالح على فردٍ أو جيل. 

اضف التشوهين إلى بعضهما البعض، تظهر لك الصورة الكلية لمثقفٍ عاش بما يكفي من التجارب والحياة، يربأ بنفسه أن يذهب ليعيش بعض أيام النجاح الهادئة في مدينة خلفه بناها دون أن يدري من عرق الأيام، وحبر الأحلام التي تحققت، والرسائل التي وصلت، والقيمة التي تحققت. تشغله السماء والصحراء، وينسى كل الذي صنعه بيديه من أجل أحلام الغيوب، وتبقى إجابته المحزنة: الإجابة هي الموت!


لا أعرف إن كان الموت إجابةً أم سؤالا. ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أتطاول في الكتابة والكلام عن الذين يعيشون هذه المرحلة، لأنني لست فيها. قد تسمح لي التجربة التي عشتها أن أتحدث بأريحية عن المثقف العماني وهو في عصر النشأة والتكوين، والصعلكة، والاختلاف والفوارق بين جيلٍ وآخر، من الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أكون ملحدا) إلى الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أذهب للصالة الرياضية وأحافظ على صحتي)، إلى الجيل الذي يقول (ما بال الجيلين الذين قبلي عاشا رفاهية لا نملكها) وهكذا دواليك كما ينبغي لرجل في الثالثة والأربعين يكتب وهو لم يبلغ أيام نجاحه الهادئة، تلك التي يحلم بها منذ سنين فقط لكي يجلس جلسة هادئة مثل هذه، في إجازة نادرةٍ من السعي المستمر، ليكتبَ قليلاً عن الثقافة، وتجربته التي عاشها، ويحاول قدر الإمكان أن يكون نافعاً غير متحيز، ويعرف أنه سيفشل في عدم التحيز، ويعرف أيضا أن نفعا ما سيحدث لأحد ما إن وصل إلى هذه السلسة من التشوهات المعرفية ونفعته في إعادة تعريف شيء صغير كان يظنه بديهيا من فرط ما هو يكرر من قبل الجميع.


هل هناك إجابات في هذه الحياة؟ نعم، الإجابة نعم،إجابات صغيرة كثيرة قد تكون عشرات في عمر ما، قد تكون مئات في عمر ما، قد تكون آلاف في يوم ما عندما يبني المثقف نموذجه الذهني وآلة عقله التحليلية، وفلاتره، ومجسّاته، وترابطه العضوي الاجتماعي، والأهم، صحته النفسية والعقلية التي تسمح له أن يرى ذاكرته، والعالم من زاوية خالية من الألم والصدمات. نعم، هذه كلها إجابات في هذه الحياة، إجابات شافية كافية يحتاج لها القادمون بعده في الطريق، الذين سيكملون الطريق حيث وصل له، الذين رصف له درب الإجابات، حتى تلك المبدئية منها، ليكملها جيل آخر، ولتكتمل تلك الرسالة الثقافية من منحنى التعلم في بلادٍ ما، لأنَّ جيلا قرر أن يخرجَ عن فكرة (الفرصة الواحدة، واللحظة الواحدة، والجيل الذهبي) إلى الجيل الذي يقبل أن الأمر قطارات متتالية، كلها لها سكانها الذين يعرفون ما يحدث في قادم الطريق من الذين سبقوهم فيه.


الإنسان ليس إجاباته، والإجابات ليست الإنسان. ما العلاقة بين الإنسان والإجابة لا يختلف الأمر عن اكتشافِ البكتيريا، أو البيان الشيوعي، أو بدء القانون الفرنسي بتكوين تراكمه المستمر. هذا هو الإنسان والإجابة، حزمةٌ من المعتقدات شبه الحتمية التي أصبحت جزءاً من حياته. وإجابات أخرى سائلة، كعلاقتنا مع الإنترنت، ومضار الدوبامين، والأكل المعلب، أيضا، هذه علاقات جميلة بين الإجابة والإنسان. 


قد يحلو لمثقف في العشرين أن يذهب فوراً إلى مجادلات فيزياء الكم، وما يحدث في صدامات الذكاء الصناعي. يذهب وفق نية التعلم، أو يذهب وفق نية الإجابة، وهناك حقا ليست صدمة غير متوقعة إحصائيا أن يعود بلا إجابة. هل هذا يعني أن الفلتات الإعجازية للعقول التي لديها القدرة المناسبة وتتوجها الفرصة المناسبة للانضمام إلى عصر مهندسي الذكاء الصناعي في عصرنا الحديث؟ يعودُ الأوَّل من بعثته حاملا إجابات الخطر على الخصوصيات، ومئات الإجابات الصغيرة عن الذي يحدث حقا في هذا العالم المتغير بشراسة، ويعود الآخر (بلا إجابة) عن مآل البشرية إن وصل الذكاء الصناعي إلى السيطرة عليها، أو إلى الخيال الرائج في الأفلام عندما تقرر الروبوتات بناء الروبوتات وبالتالي تعاقب الكوكب البشري على ما يفعله بكوكبه الجميل! 


هل هناك إجابة؟ يكمن التشوه المعرفي في السؤال نفسه. (إجابة) واحدة على كل شيء؟ وكأنه اختصار من اختصارات التعب أو الاكتئاب المستمر. هل هناك أكثر من إجابة؟ نعم، أكثر من إجابة، وربما على كل شيء عدا ذلك الحتمي الذي لا خلاف حوله، مثل شروق الشمس، وغروبها، ومثل علاقة الماء بالطين، وعلاقة الإنسان بحمضه النووي. هناك ما يجيب عليه المثقف في مسيرته، من أسئلة المجتمع، والسياسة، والدين، ما ينظر له نتيجة إجابة أصبح مؤمنا بها عن العلاقات بين الأجيال، وبين الناس، وبين السلطة والناس. الأمر يتعلق بجهة النظر إلى الشيء، إلى القادم الشاسع، والصحراء الفارغة البعيدة والمجهولة، والسماء المثيرة للتساؤل بكونها الذي لا يكاد البشر يفهمون منه إلا القليل. "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .. وأيضا "وما أوتيتم من الإجابات إلا قليلا". قليلان أليس كذلك في حياة كوكب الناس منذ نشأته، لكنها كثيرة جدا في حياة الشخص الواحد، هل هناك إجابات؟ نعم، هناك إجابات. هل هناك أسئلة؟ نعم، هناك أسئلة، وكون عددها أكثر من الإجابات التي تولتها، لا يعني إلغاء التي أجيب عليها. نحن كبشر لا نعيش لنسأل، ولنتساءل، نعيش لكي نجيب على أكبر قدر من الأسئلة التي نستطيع الإجابة عليها. هذه إحدى إجاباتي، التي أؤمن بها، ولعلك عزيزي القارئ تختلف معي. لقد قلت هذه (إجابتي) لم أقل هذه (الحقيقة) لأن كلمة (الحقيقة أيضا) تشوه معرفي أنيق وظريف، هي أيضا تؤخذ بجمعها لا مفردها، هي (الحقائق) وبهذا نتفق على حقيقتين، كل حسب زاوية نظره، حقيقة تقول أن الإجابة على سؤال الكون غير موجودة، وحقيقة تقول أن موقعا جغرافيا ما في مكان ما سيأخذ زمنا طويلا حتى يصل إلى ما يطمح إليه، في الحالتين كلانا لم نخل من صوابٍ ما، وكلانا وما توصلنا إليه لا يخلو أيضا من احتمالٍ ما بالخطأ. هل هناك إجابة؟ كلا ليست هناك إجابة، هناك إجابات عندما تصل إلى الأسئلة الصواب. وتذكر عزيزي القارئ، هذا ما أؤمن به، ليس ما أفرضه عليك كحقيقة غير قابلة للجدال.









الجمعة، 22 مايو 2026

إرهاصات السيرة

لحظة إدراك! لحظة تساؤل!

توقفت منذ ست سنوات عن التساؤل عن حياتي، وعن الميزان بين مساهمتي في نجاحها وفشلها، بيني وبين الظروف. توقفت عن الهوس القهري بمعيار الظالم والمظلوم. ووجدت نفسي ظالما، إن أردت البحث عن الموضع الذي ظلمتُ فيه غيري ونفسي، ووجدت نفسي مظلوما في الموضع الذي ظلمتني فيه نفسي وغيري.

يمر الوقت، وتمر الأيام وانهماكي الدائم في موضوع واحد (ما هو الصواب؟) أتجنب هذه الإجابات القياسية الصعبة لأنها لن تشكل فائدة لأحد، حتى فائدة لي. أظن بنفسي أحيانا الخير، وأجد بها من الخير ما يكفي لأظن هذا الظن، وأظن بنفسي أحيانا الشر وأجد بها من الشر ما يكفي لأظن هذا الظن!

أشعر بدهشة عندما أستعيد صناديق الذكريات. هل حقا حدث ذلك؟ أصاب بالحيرة!!!
الأعوام الطبيعية التي عشتها منذ عام 2006م كانت أعوام الصعلكة في جامعة السلطان قابوس، من كلية الطب، لكلية التجارة، إلى حذف المواد في كل فصل، إلى التيه في الأرض. عمل في مقهى إنترنت، عمل في بيع الأبواب، عمل في المراجعة اللغوية، عمل في الطباعة، عمل في صناعة الملخصات.

النجاة الحقيقية من الزيف هي توقفي عن لعب دور الكادح المكافح الذي يحاول أن يكون (مثل بقية المكافحين). على الأقل في ذاكرتي، لم أعد أصنف تلك الفترة إلا بتسمية (تجارب) المكافح الحقيقي الذي له والدان يحتاجان منه كساءً ودواءً وغذاءً وسقفا. كل من والداه لا يحتاجان منه مالا أو حالا أو وقتا فهو الثري الحقيقي، هذا الذي لديه ثروة الوقت وهو حر يجعلها في فقر الفراغ، أو يجعلها في امتلاء التجارب.
كنت مفلسا ماليا، وأغنى أغنياء عُمان في القدرة على خوض التجارب المجنونة بكل انهماك. كل شيء بدأ عاديا، صعلكة الثقافة، وضرورة أخذ رخصة الحانات، ومع الوقت قليل من الإلحاد الذي لا أظن أنه كان إلحادا حقيقيا وصادقا بقدر ما كانت حالات تساؤل وافق فيه شنٌّ أطباقا، وأيضا لظروف صرت أعرفها لاحقا، وفهمت كيفية حلولها. أشياء لا تقال ولا تكتب علنا.

هل حقا حدث كل هذا؟

أعرف أنه تربطني علاقة ما بهذا المجتمع، وهي ليست علاقة عادية، ولا سطحية. إنسانٌ يكتب منذ عشرين سنة، بهذه الاستمرارية، بلا توقف، وإن حدث واختفى فقد أصبح هو موضوع الكتابة. هل أريد فهم هذه العلاقة؟ لا أريد، ولا أريد أن أحاول، هو شيء صرت أتعامل معه كأي نعمة من نعم الله، وكأي ابتلاء من ابتلاءات الله، أقول الحمد لله على النعمة والابتلاء.

أكتب مقالا بكل برود اسمه "التداول السلمي للكحول!" يا ساتر!!! وكأنني أمريكي مستشرق تعلم اللغة العربية واكتشف سبلة عمان ويكتب كأنه ليس في عمان!
ياخي، وأستغرب أن سماحة الشيخ كان غاضبا مني بشدة لدرجة رفضه رد السلام علي عندما كنت أرسل له السلام عدة مرات!

حالة واضحة جدا من فقدان قيمة الذات، وتقبل وجود كثيرين في حياتي كان يروق لهم ما أفعله بنفسي. لم يعلم كثيرون منهم ما أدخره لهم من ردات فعل، ولم يفهم أحد سر الشر الذي بي. عاملت حياتي ككراسة رسم من أجل أن أكتب، ونسفتها شر نسف، حياتي تبدأ هنا، عندما أسمع نقرات لوحة المفاتيح.

موهوب عماني، بالثانوية العامة، عمل فجأة في شؤون البلاط السلطاني وأين في مكتب الأمين العام! اللواء سلطان آنذاك. وتزداد الغرائبية فوق غرائبية.


تلتقي بهذا الإنسان، تجد إنسانا هازئا، قلقا بشدة، يحب أن يلعب دور المهرج، ويخفي وراء عينيه ذكاءً حادا للغاية وقدرة على سبر أغوار كل إنسان غافلٍ يريد له الشر عندما يظن أنَّه (لا ينتبه). يتذكر جملةً قلتها قبل عشر سنوات، ولا يسامح، ولا ينسى! جملٌ مرحٌ يحقد بصمت، ويضحك في وجه عدوه. شخصية لا تخلو من الخلل النفسي العميق، والعقد، والتشوهات، وأيضا لا تخلو من خصال جيدة يبدو أنها كانت تقاوم الموت الداخلي أيضا.

أنا متأكد أنه لولا دخولي عالم الإدمان على الحشيش والحبوب لما كانت حكايتي بهذه المأساوية. لا شيء يغلب أي عقل حاد مثل هذه! ولهذا أخذت قصة طالب الطب الخارج من الجامعة إلى الحياة منحنى مختلفا عندما دخل هذا العامل الكيماوي للكتابة العلنية! وأخذ كل شيء منعطفاً كارثيا.

كان الجميع يعلم أن معاوية (به شيء ما) لم تكن تقاريري الطبية قد نشرت علنا، ولم أكن قد أصبحت سردية سياسية كل جانب يصنع منها الشبح الذي يناسبه، ولم أكن قد شننت معاركي الدونكيشوتية ضد الدولة، وأين؟ من داخل عمان؟ والله إلى الآن أستغرب أن كل هذا حدث وكأنني أحكي قصة شخص آخر!

ولا أهاجم أي شخص أيضا! السلطان، والمفتي، وأجهزة الأمن. شخص يريد نهايته لكن سوء حظ عدميته أنه في عمان. الرحمة شيمة حقيقية فيها، والعفو شيمة صادقة.

حدث عام 2011م بكل ما فيه، وخرجت منه الخاسر الأكبر لذاته وللجميع. عزلة قاتلة، قرارات خاطئة، ومساهمة غير محمودة من الذين أرادوا بي الشر، وانطلقت حكاية معاوية الأخرى. هذه الحكاية التي حتى هذه اللحظة تقال صمتا، ولولا العفو الذي مسح كل الماضي السياسي عني، لكانت حتى هذه اللحظة محل تداولٍ مغرض.

جعلت الأمر صعبا على الجميع! أنا أيضا لست سهلا، كاتب يملك قدرة السرد والقص، إذا أردت لعب لعبة السرديات معه، سترى كمَّا هائلا من (المعاويات) المنثورين في الملأ، وستبقى دائما حائرا في أمره. المشكلة أنني لم أكن أفعل ذلك بانتباه تام، وأكتشف فقط بعد سنين أو شهر لماذا فعلت ما فعلته وقتها! النسق واضح، والدافع واضح، والنتيجة واضحة، وأنا خارج المعادلة، أكتشف ما أفعله بعد أن يحدث حالي حال المراقب الخارجي المتسائل والمتأمل لحالة هذا الشاب الذي عصفت به عواصف الحياة، وأبدع في تحطيم نفسه بكل عزم وتصميم.

وأيضا عمان لها طريقتها العجائبية. أخرج بعفوٍ من السلطان قابوس رحمة الله عليه، أرسل للعلاج، أهرب من المصحة، أحاول الصعلكة، لا أطيق الحياة خارج عمان، وأكره السفر، أعود لعمان، وأواجه الواقع كما هو.

ظن كثيرون من اصحاب خيالات المؤامرات أنني منعت من الكتابة بأمر حاسمٍ من الدولة! وهذا شيء غريب جدا!! وبالذات من الذين لديهم جهل حقيقي بالكيفية التي تدور بها الأمور في عالم القانون. لا أحد يمنع من الكتابة! ستوضع تحت الرقابة، ستطفش بالاستدعاءات، لكن حقك الدستوري لا يمس، الكلمة واضحة (في حدود القانون) وتكييف القانون هو الذي يعامل ما تكتبه، الادعاء له طريقته، وباقي الجهات لها طريقتها، أما أن (تمنع) من الكتابة! هذا شيء اجتماعي بحت! ضغط يحدث من أي مكان.

لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة؟ هل لأنني كسرت؟ هل لأنني هزمت؟ لا أعرف، سردية (يهوذا الأكبر) التي تفنن البعض في صياغتها تحت مظلة (معاوية لن يكتب مجددا) أو كما قالها أحد أعدائي الكبار جدا (معاوية بعد كل هذا ليس له سوى شيء واحد، إما أن يجن، أو أن ينتحر، لا أحد يعود من هذا الوضع الذي فيه).

بصدق بصدق، لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة! سأكتشف يوما ما السبب. توقفت لمدة عامٍ كاملٍ ربما، رجعت للعيش في سمائل مع العائلة، أخذني والدي تحت رعايته، بدأت أستقر، عدت للكتابة، وبدأت أضع قلمي حيث يجب، بكل تركيز، وأدافع عن نفسي عندما يجرؤ أحد على المساس بحقي الأقدس في الحياة "الكتابة".

لو كان إنسان في عمان من الذين يحلمون بحياة أفضل، فله خيارات واضحة. أن يبقى في دائرة التفلسف الكوني، بعيدا عن التصريح، ملكا من ملوك التلميح، الموقف لديه في الحانة، أو في طاولة القهوة، ويطلق الأحكام على كل من يسجن، وكل من يطبل، لا أحد يعجبه. الإنسان الصحي، الذي فقط أتمنى أن يتوقف عن النظر إلى حياة الآخرين ويفهم أن حياته هي الصواب الذي يجب أن يكون! لولا ذلك النقص الذي به تجاه الذين يعيشون ثمن خياراتهم.

عدت للكتابة بمعجزة ربانية، وتحسس كل إنسان أطلق عنان قلمه ضدي رأسه! هذا الإنسان عاد ليكتب، وعاد لينشر، ويستطيع الآن الرد على الجميع، وأي قائمة طويلة كانت! كنت أجمع قائمة الانتقام المعنوي في عقلي سنوات وسنوات، يا إلهي، الكراهية تجعلك مسخا شئت أو أبيت. الحقد نبيل، الغضب نبيل، أما الكراهية فهي الكائن الأعمى الذي يجعلك منطقيا في ثانية، ثم يجعلك كتلة من الزفت الساخن في ثانية بعدها بقليل.


وأيضا الجاهل بالدولة في عمان لا يعرف حقيقة العلاقة بينها وبين أي كاتب. هي علاقة سياقية بحتة، صعبة الفهم جدا إلا بعد أن تخرج عن رأسك وهم (أنسنة) الدولة، وترى فيها نظاما، أو خوارزمية فيها الصواب والخطأ، والخير والشر، وصراع الصالح والفاسد، والخير والشرير حالها حال كل بلدان العالم، هي نتيجة نهائية لتضادات النفس البشرية التي تتجلى على هيئة منظومة متكاملة.

قد تتعرض لشيء شخصي، لكن المنظومة نفسها ليست شخصية، وذلك الشخصي الذي حدث لك قد يتحول يوما ما إلى شفيع لك في شيء آخر، قصة صعبة الشرح للغاية لمن لا تحضر لديه سياقات معقدة للغاية تحتاج إلى شرح مطول. الخلاصة، أنني لم أمنع عن الكتابة يوما من الأيام! حتى وأنا في كل معتركاتي المتقلبة. وطبعا، كانت لي أدواري المؤقتة التي أهرب منها، والتي أيضا ليست بسينمائية ما يتوقعه البعض، مجددا، الواقع السياسي في عمان مختلف جذريا عن ما يتأمله البعض من بعيد بلغة الخيال وإكمال النموذج المتناسخ من عنعنة المجرب الذي يسرد لمن يجرب حقيقة الواقع الغامض هناك.

أنا شخصيا أرى أن الواقع العماني قابل للاحتمال، سوء الحظ وارد، الشخصنة تجاه إنسان واردة، الظلم وارد، كل شيء وارد، ولكن هل هو قابل للاحتمال؟ المقارنات تثبت ذلك، وأنا من الذين عاشوا واقعا آخر وجدت نفسي أكثر تصالحا مع عمان الدولة مع صعوبة واستحالة وإعجازية العودة الطبيعية إلى عمان المجتمع.

الدولة أسهل ملف تحله في أي وضع شائك. تحل موضوعك، تثبت العهد، تبقى عام أو عامين تحت السمع والبصر، تثبت موقفك، بعدين غيب عيش كمل حياتك لا حد معك ولا حد ضدك. شيء صعب أن يتخيله الذي يتغذى من وهم الاستهداف المستمر وهو من الأساس لا يفعل أي شيء، يثرثر في الحانات والمقاهي، ويكتب تغريدات بها الكثير من التلميح! يعني جو سينمائي مفيد إبداعيا، لا علاقة له بأي واقع وأهل التجربة يعرفون هذه (النمائن) الكرتونية جيدا.

إن كنت إنسانا يعيش في مظلة القانون، ليست لديه رغبة في خوض هذه التجارب، أنت الذي على صواب، وأنت الواقع الصحي، وأنت الذي يعرف كيف يكتب، ويعرف كيف يمتنع عن ما يضره أو يضر غيره. فكرة تنزيه المساجين، والمكسورين، والمحطمة قلوبهم، والمرهقة عقولهم ليست أكثر من إسقاطات يُحسد فيها المرء على جروحه!! شيء غريب جدا عندما لا يملأ نفس الإنسان الصواب الصحي الذي يعيش فيه.

بالعربي!! مالك ومال السجن!! عموما لا أطلق أحكاما، أنا شخصيا كنت أريد دخول السجن متعمدا، وأعرف الآن كل الدوافع النفسية التي كانت تسكنني، وكل الصراع الداخلي الذي حسم بعد عقد ونصف. عسى أن يسمح لي العمر بكتابة كل هذا يوما ما في سرد منظم.

يا سلام لما يحبك البشر الذين يتمنون لك السجن لكي تنال المزيد من البطولة. ويا سلام! لو أيضا تكون مضطهدا اجتماعيا، يلاحقك الذين يرونهم (مجتمعا جاهلا يكره من يفتح عيونهم) بالإلغاء والسرديات. يحبونك سرديةً فقط! وإن أصبحت حقيقيا، فأنت شخص عادي بلا دهشة! حالة فعلا تستحق أن تسمى (دنيا ماشية نكس).

يميني لم أطق، يساري، لم أطق، ملحد (أو هكذا كنت أظن) لم أطق، بدأت أكتب في رؤية تجاه القرآن وكانت كتابات جميلة جدا وكأنني خلقت لتأمل القرآن، أفزعني ذلك. وكل هذا علنا! وكل هذا يكتب يوميا في الفيس بوك ولاحقا في تويتر. يا ساتر يا معاوية إنه حياتك غريبة فعلا!

الكتابة سيطرت على حياتي، دمرتها، وأنقذتها، وأتمسك بها ومستعد أن أمنح روحي عشر مرات لها. لست موجودا حقا في أي شيء سوى في هذه الكلمات التي لها من يقرؤها لعقدين كاملين، منذ أيام السبلة إلى أيام تويتر الآن، هناك من يعرف الحكاية كلها، ومن أصبح صديقي، ومن أصبح معالجي، ومن أصبح ناصحي، ومن أصبح صديق عمري. كلمة "القارئ" هذه الورقة الناقصة مهنيا في حياة كثيرين يستخفون بها بحجة خزعبلات مثل موت الكاتب، وأشياء أخرى من الفلسفة قيد التكوين التي يدمن البعض السكن فيها! كالذي يحب علم النفس قبل تطور علوم الأعصاب، هو نفسه الذي يحب الفلسفة قبل تطور التنظير عن الردع النووي، والنظام البنكي العالمي، وهيمنة القطبين ثم القطب الواحد على العالم. زمان ووجود ومجتمع وكوكب ماركس وهيدجر وغيرهم من الرفاق أهم بكثير من لحظة العالم الراهنة والمعقدة والمملة جدا.

القارئ! هذا الرمز السحري الذي من يفهم حقيقته؟ يفهمها الذي عاشها، وهي ليست تجربة تتكرر مرتين لدى كاتبين مهما تشابها.

هو الذي يرسل لك رسالة، ويسألك عن مرحلة في حياتك، ويذكرك بها، ويخبرك ما كان يظنه ثم يخبرك ما يريد أن يعرفه ثم يساعدك للوصول إلى الحقيقة شبه الموضوعية عن الذي كان يحدث، وفق فهمك، ووفق فهمه. قد يكون طبيبا، وقد يكون أكاديميا في علم الاجتماع، وربما يكون شخصا كان يكرهك واصبح يحبك، وربما يكون شخصا كان يحبك وأصبح يكرهك، القارئ قارئ، دائما لديه رموزه السحرية للوصول إلى روحك بالضرر وبالنفع.

لا أعرف متى صرت جزءا من الوجود اليومي للعالم الرقمي، ومن ثم صارت لي هذه الورطة المضحكة وصرت أسمى (من المشاهير) وأقوم بعمل إعلانات عن المطاعم وغيرها! هههه شيء جميل وظريف جدا وأحب عمله، كاد أن ينقذني من هذه الهالة الثقافية لولا ما فعلته الدراسة، وما يجب الآن أن أفعله لكي أتخفف منها دون الحاجة لاستخدام الانتقاص من الذات، أو تأطير الكوميديا بكلمة (هذونة) أو تسييل لعاب اللئام بالقليل من جلد الذات الموجه. سيكون تحديا ظريفا، ولكن بصدق، من ألطف التجارب في حياتي هذا الوضع الرقمي الجديد الذي به شيء اسمه (مشاهير). فقاقيع الانتقال بين المراحل التي سوف تنهار انهيارا موجعا عندما يكتشف المبدعون فن صناعة المعنى رقميا، ويعرفون أنهم أيضا يمكنهم صناعة حياة مهنية عبر ذلك، ولهذه قصية أخرى وميزان طويل الأجل.

كل هذا حدث حقا! السجن في الإمارات حدث، المحاكمة الماراثونية حدثت، البراءة حدثت، العودة لعمان حدثت، السجن مجددا حدث، الخروج منه حدث، رحلة البحث عن جوازي حدثت، تحولي إلى شبح طوال الوقت حدث، السفر إلى النيبال حدث، سبعة أشهر من صناعة الشموع حدثت، قرار الهجرة لأمريكا حدث لولا ترامب اللعين. الهجرة لبريطانيا ومن ثم 1249 يوم و11 ساعة ولم أحسب وقت (بوردنج) الطيارة.

كل هذا حدث حقا، البث المباشر في أيام كورونا، تغريدات تويتر، الدوافع النظيفة بلسان وسخ، والدوافع الوسخة بلسان نظيف. وكل هذا كان يحدث ويحدث ويحدث بلا توقف!

حياة شاب موهوب تذهب للدوامة!!! ثم حدث ما حدث ..

في البدء كان عبد العزيز الهنائي .. ومنه انطلق كل شيء، ثم كان سالم بن حميد الرواحي، ومن تحرك كل شيء.

والعفو الهائل الذي قلب حياتي رأسا على عقب، من مأساة إلى حياة! من جلالة السلطان هيثم بن طارق الذي سأبقى ممتنا له في كل لحظة أنجو فيها من ضرر شخص أراد بي، وفي كل لحظة يحدث لي خير كان مستحيلا في وضعي السابق.

العفو إلى عُمان، وانقلاب الآيات! الحكومة التي كانت تلاحقك بالحق العام أصبحت الحكومة التي تحمي العفو. ويا إلهي! لدي أعداء مخيفون حقا!! التعهد بعدم التعرض هو سيد الموقف، ومن جانبي لم أتعرض لأحد، وحتى هذه اللحظة لم يتعرض لي أحد.

وكل الحكاية أخذت طابعا مختلفا، بعد صاحب السمو السيد ذي يزن، مقابلته، تعييني كعضو مجلس إدارة في النادي الثقافي، جلسات معا نتقدم، وكل الذي أصبح ممكنا اجتماعيا بفضله وبفضل رعايته لهذا الإنسان الذي يعيش هذه الدهشة المستحيلة كل يوم! هل أيضا حدث كل هذا!!!!

كما يقول لي صديق من خارج عمان: "المشهد لديكم سريالي حقاً"

قال ذلك عندما عرفني في بريطانيا وأنا أسدد السب والشتم حتى والدي لم يسلم مني وطبعا الموال الاعتيادي للغاضب الذي يبكي ثم يغضب ثم يختفي ثم يعتذر ثم يغضب ثم يختفي ثم يعاود الكرة بلا توقف!!!

والمشهد وأنا ألقي مداخلتي أمام صاحب السمو في ملتقى معا نتقدم! فعلا، مشهد سريالي!!! لا أعرف هل أنا أبالغ أم هذا فعلا صعب أن يحدث في دولة عربية غير عمان؟؟ ربما يحدث، ربما لا يحدث، لكنه فعلا مشهد سريالي!!

ونعم هذا حدث. ذلك المدون المهلوس المدمن بكل (سياكله) يعود لعمان، والآن شخصية ثقافية عادية أخرى مملة كثيرة الكتابة وكثيرة الكتابة عن المواضيع المملة التي يأنف عظماء الأرض من ذوي الحروف الكتابة عنها. أقسم بالله، أنا نفسي أحيانا أستغرب! ما السر الذي في هذه العمان الذي لا يمكن كشفه! أتوقف عن التفكير، وعن تحليل كل هذا وأشكر نعم الله الكثيرة، وأدعو من القلب لجلالة السلطان بلا توقف، الكلمة التي ترافقني دائما (السلطان هيثم الله يحفظه وجزاه الله خير) أقولها أكثر مما أكتبها، ولن يفهم وضعي إلا قليل قليل جدا في هذا الكوكب!

حتى شيء غريب!!! معارض (أو هكذا يسمى) تنقل السفارة (دراجته الهوائية) إلى عمان! ومعارض آخر (إن كان ينطبق هذا عليه) يعود لعمان لكي يودع عائلته!!! ما هذه البلاد فعلا تحيرك والذي يقول أن يفهم عمان يكذب! لا أحد يفهم هذه البلاد حقا! الذي أعرفه أنني أحبها حقا، وأتمنى لها الخير، وأتمنى لمجتمعها الرخاء والحرية، وقدر الممكن والمتاح أكتب لأجل ذلك.

لا يمر يوم دون أن أسأل نفسي. هل أنا صادق؟ كل هذا الذي أكتبه وأنشره هل له دافع صادق؟ هل حقا دافعي الخير؟ وحب الحرية للناس؟ أم دافعي آخر؟ أم هو مزيج مرة يغلب هذا ومرة يغلب هذا؟ هل كل العمل الذي أقوم به أريد به وجه الله حقا؟ أم أنا مراءٍ آخر، لا يمر يوم ولا أسأل نفسي هذا السؤال ولا أجد إجابة. إن بحثت عن الشك في نفسي وجدت ما يؤديه من خيلاء واختيال، وإن بحثت عن الحق في نفسي وجدت ما يؤيده من صدق ونية. لذلك أيضا توقفت عن هذا السؤال، وطبعا توقفت عن الاستماع لرأي أي إنسان يتجاوز الفعل إلى صاحبه! من يجعل الأمر شخصيا فشكرا له، لأنني عندما أجعل الأمر شخصيا، أجعله شخصيا جدا! وأيضا البادئ أظلم أليس كذلك؟ أنا أرد فقط، لن أغفر لأحد مهما امتد بي العمر، هزيمة اجتماعية أخرى؟؟ سأموت عشرين مرة ولن أقبل ذلك. والذي يعرف مرارة الهزيمة الاجتماعية، وخسارة الذات، والتحول لسردية، وأن ينهشك من هب ودب، ومن ظلمتَه ومن ظلمَك، كل هذا درسٌ مروع للغاية يغير الإنسان.

الدرس الحقيقي في عمان، أن الذي ظلمتَه يسامحك، ويتجاوز، وأن الذي ظلمك يغالي في الدفاع عن نفسه وإيذائك!! شيء غريب ما أن تعرف أن حياتك تستحق الدفاع عنها ستتعلم كيف تسلح نفسك بالوعي الكافي لكي لا يحدث هذا مجددا.

لم يكذب صديقي عندما يقول أن المشهد في عمان (سريالي فعلا) وأذكر عندما جن جنونه عندما رأى زيارتي لسماحة الشيخ في منزله!!
- هل هذا الجنون يحدث لديكم؟ فعلا قبل اعتذارك؟

أرد عليه:
- لم أعتذر أصلا، كان لطيفا للغاية لدرجة أنني نسيت أن أعتذر وخرجت من منزله ثم انتبهت لذلك!!!

والله العظيم كأنه نص من رواية!!! ناشط وموظف في الدولة، يشتم السلطان، والمفتي، ثم يدمن عشر سنوات علنية من الهلاوس، ثم يعود بعفو، وكأن شيئا لم يكن يعطى فرصة للحياة وورقة بيضاء يملأ صفحتها وكل له عهد ووعد، ثبت من جانبي، وثبت من الجانب الآخر بلا خدش.

حاول البعض التعرض لي لكن الحمد لله عندما كان الأمر في محله حُميتُ على وجه من وجوه العهد المستمر. لذلك لا أعتدي على أحد، وأعيش في عمان مطمئنا.

إنت كنت سأصف نفسي، فأنا غريب حقا، ولا أعرف نفسي كما أتمنى. لا أعرف هل أنا صادق أم كاذب، لا أعرف هل أنا وطني أم منافق آخر ومطبل يطبل لأنه يريد أو لأنه يخاف. لا أعرف هل أنا حقا أتمنى الخير لعمان، أم أدفع ضريبة للناس فقط لأنني أشعر بالذنب. لا أعرف مطلقا لا أعرف ولا أريد أن أعرف. أعرف أن الوقائع، المثبتة، المؤكدة تقول أنني فعلت صوابا في مواضع كثيرة، هذا يكفي، المنطق يكفي للحكم، الباقي كله غيب في غيب، خيط من الدخان كلما أمسكته أفلت من يدي، وحقا حقا لا أريد أن أعرف لأنني مستمر في الحياة بهذه الطريقة، أحاول فعل ما هو صواب.

لم أعد صعلوكا، لم أعد مهذونا، لقد أصبحت الآن (أبو الملهم) الذي لديه واجب وجودي يؤديه ويا إلهي! كل الحياة الهائلة السابقة تبدو شيئا عاديا للغاية أمام هذه المسؤولية أمام إنسان أنا أحمل اسم (أبوه).

المفارقة التي لم أفهم يوما ما اسم (أبو معاوية) أنني لا أحمل اسمه فقط هو أيضا يحمل اسمي. أنا سمّيت بابني، والآن فقط أفهم أن أبي سُمّي بي!!! متأخرا جدا رأيت ذلك، ومبكرا بما يكفي لأحاول رد الجميل.

لا أنوي شرا بأحد. أنوي خيرا لنفسي ولعائلتي. أكتب لأنني حقا أحب الكتابة، وأساهم في الشؤون العامة لأنني أملك خبرة جيدة أثبتت فائدتها في عدة مواقف. لا يهمني أنا إنسان خيّر أم شرير، ولا أعرف أنا منافق أم صادق، ولا أريد أن أعرف، ما هو الصواب؟ ماذا يقول المنطق الشرطي الجامد البحت أذهب وأفعله، بقرار مسبق، وبجهل تامٍّ لما يدور في طيّات نفسي الغامضة جدا جدا.

نعم أعترف، أنا إنسان غريب، لكنني أيضا في بلاد غريبة، بلاد كل يوم يمضي أعرف أنني لا أبالغ، هذه البلاد بها شيء مختلف، بها شيء مختلف، في خيره وفي شره مختلف. لهذا السبب لم أعد أريد أن أفهم شيئا، أقرر أن أعيش، أملأ صفحة هذه الحياة بما استطعت. رب أسرة آخر في مجتمع أتمنى له كل الخير لأنني أتمناه لنفسي أيضا.



أسأل الله أن يحميني ويوفقني، وأن يبصرني دائما، وأن يجنبني شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر الناس ..


ولا إله إلا الله ..
والحمد لله رب العالمين ..