بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكائنات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكائنات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 ديسمبر 2024

هدف سهل

الأستاذ عبد الله الذهلي، قدم نصيحةً أبويةً لا تخلو من الحدة، لا يوجد شيء في كلامه يسمح لإنسان أن يتطاول على أحد الطرفين، فلا الأستاذ عبد الله أبواب الهجوم على من يسمى بامير الأحزان، ولا أمير الأحزان فتح بابا للتهجم على الأستاذ عبد الله! ولكن من الذي وجد سانحةً في كل ذلك؟

صناعة العبر أليس كذلك؟ لأن هذا الشاب الطيب للغاية هدف سهل، ليس قطعة من الشر فيختار أيضا عبرةً انتقائيةً من الذين يهاجمونه. هذا ما يتكرر دائما في الوسط الرقمي العُماني.

نشتكي من ماذا؟ من التفاهة؟ أين هي المشاريع التي تأخذ بيد صناع المحتوى لصناعة محتوى رصين؟ أين هي هذه المشاريع التي تأخذ بيدهم؟ كلا، هذا متعب، ومضنٍ أليس كذلك؟ دعونا نختار إنسانا لا حول له ولا قوة، لا يعرف عنه الغضب، ولا الشراسة، فنهجم عليه بكل قوتنا وطاقتنا، ولنصمم ما يكفي من (الميمات) وكأن تحطيمه نفسياً هو الذي سيصلح هذا الواقع الرقمي العالمي الذي تغيرت فيه أبسط السنن المنطقية، أما بثوث التكتوك، أو المحتوى المخصص لما يسمى (الجلد) فهذا شيء عادي جدا، يمر علينا، التشنج شيء طبيعي يمر علينا، ولا نراه ظاهرةً رقميةً تحتاج إلى وعينا الجمعي بكل خلاياه المناعية لتتصدى له!


لا أدين نصيحة الأستاذ عبد الله الذهلي، فهي لن تختلف عن أي تأنيب محبِّ من المؤكد أن يهدف إلى نصح إنسان، لكنني أدين حقاً كل هؤلاء الذين وجدوا الفرصة للانطلاق بأسلحة التنمر، والتسميم، والفتك الجماعي بإنسانٍ لا حول له ولا قوة.

حدثت قبل شهور مع الذي يسمي نفسه (أيمون) وهو أيمن السيابي، المدرب الرياضي الذي يقدم محتوى كوميدي أكثر. هل كان سيهجم عليه ويفتك به لو كان (شرّانيا). إنها عادةٌ متكررة، تحدث بين الفينة والأخرى، انتقاء إنسان طيّب وعلى نياته وكأنه هو من صنع التفاهة في هذا العالم.

لا أرى أمير الأحزان تافها، ولا أطالبه بفوق طاقته، وإن كنت أملك أن أقف معه، سأهيئ له سيناريو وإعداد وأرفع من جودة محتواه وأفعل ما بوسعي لأجعله ضمن سياق رقمي تفاعلي نافع ومفيد، وحتى الكوميديا يمكنها أن تتحول إلى خطاب نقدي بمعايير فنية حقيقية. ولكن لا، أن ترفع عقيرتك منتقيا هذا الإنسان من بين الجميع هذا أسهل أليس كذلك؟ هذا أبسط؟ هذا أسرع؟ هذا أكثر إشباعا لشعورك بالصوابية وأنَّك من نخبة المعنى (والحقيقة) التي يلوكها البعض ناسيا أن حقَّ الإنسان الطبيعي في أن يكون ما هو عليه، فإن أردت منه ما ليس عليه، فإمَّا أن تعلمّه، أوتساعده، عدا ذلك، أمير الأحزان هدف سهل آخر، ولا عجبَ أن ترى هجمةً جماعية عليه لأن شرارة نصيحة رغم ما بها من حدة كانت كافية لينطلقَ المنتقصون، والمتهكمون، لتعكير صفو إنسان لا يمكن سوى أن يوصف بكلمة: طيّب!

ونعم، هذه هي الحياة، الطيبون يسقطون أولا!


هنيئا لكهنة الصوابية ضحيتهم الجديدة!


الأربعاء، 4 سبتمبر 2024

العصابيون!

 تريد أن تكون سامَّا؟ غاضبا؟ ساخطا على عدم كمال الأشياء؟ كن تفصيليا ومفيدا! اقترح حلولا، ومسارات لجعل هذا الذي أنت ساخط عليه مفيدا!

العُصابية التي تدل على شخص قلق، حائر، لا يعرف ما الذي يفعله، هذه تنقلب عليك!
ماذا تريد أن تقول. تردد بهلع للجميع أن أي شيء لا "يرقى" لأن يكون مبدعاً؟ أو صوابا؟ أو صحيحا! الناس بالنسبة لك حمقى لا يفهمون شيئا؟ المتحمسون سوف يحبطون! الذين يحاولون "ما فيهم عقل" وتعكس إحباطك، وقلقك، وخيبتك، ومشاعرك المضطربة، وشعورك بأنَّك ما عارف هين تروح!

إن كنت تريد أن تكون سامَّا على الأقل كن مفيدا! بقاؤك في حالة [محلّك] سر لأنك تنتظر العالم أن ينصت لصوابك الفلسفي، وأن يمنحك الفرصة المناسبة لكي تحقق رؤيتك العظيمة والعميقة والهائلة في هذه الحياة ليس أكثر من تعطيل آخر، وتأجيل آخر، وخطأ آخر، وربما عليك أن تفهم أنَّك أنت الشخص الخطأ في المعادلة!

المعضلة ليست في الغضب، ولا الشعور بالخيبة، ولا الضيق الشديد بواقع الحال، المعضلة أنَّك علقت في دوامة متتالية من الغضب والخيبة حتى أصبحت هذه مهمتك، أن تكون ذلك الشخص الذي يصرخ ليل نهار في وجه الناس: أنتم لا تفهمون أي شيء! أنتم حمقى.
وسواء كنت مديرا تصرخ في موظفين، أو ربَّ أسرة مرهق يصرخ في أبنائه، أو زوج يؤنب زوجته ليل نهار، أو زوجة تؤنب زوجها ليل نهار، أو أخ مع أخيه، أو صديق مع صديقه، أو زميل عمل مع زميله، يجب عليك أن تفهم أن غضبك لا يعني أي شيء للآخرين، غضبك، وسخطك هو مشكلتك الداخلية التي عليك أنت حلَّها.

وشتَّان بين غضب وغضب، ذلك الذي يقود إلى مخاض الإرادة والتغيير، وذلك الذي كل مهمته أن يرهق الآخرين بأعباء نفسية لإنسان مرتبك داخليا! شتان بين إلغاء وإلغاء، وكلما كنتَ أنت الطرف الخطأ في المعادلة، وكلما كنت أنت سبب المشكلة، وكلما كان اعترافك بخطئك وتقصيرك صعبا، وكنت تكابر، وتقاوم الحقيقة المريرة أنَّك فشلت، أو تعبت، أو أنَّ خطتك لم تسر على ما يرام، كلما كنت رافضا لهذه الحقيقة، غضبت أكثر، ووصلت إلى صراع صناعة الخوف، والهيبة، ولعلك تصبح غادرا، أو انتقاميا، أو مصارعا للأشباح.

على الأقل إن كنت أن تريد أن تكون عصابيا سامَّا، اقترح حلولا، افعل شيئا ما يقود إلى نهاية ما تراه خيبةً، أما أن تقع في غرام هذه الخيبة، وكأن الآخرين عليهم تقبل اضطراب مشاعرك الداخلية، هذه مشكلتك، وهذا ما سيجعلك في موضع يتجاوزك فيه العالم، وتتجاوزك الحياة، وتفقد فيه الرفقة، والزمالة، وربما تفقد علاقاتك الشخصية فقط لأنَّك توجه غضبك للمكان الخطأ، ومن الأساس، الغضب لا يخلو من الحيرة، ومن صعوبة المواجهة، فراقب وضعك الداخلي أولا قبل أن تتحول إلى أحد هؤلاء الذين يعيشون غضبا متراكما، وسخطا، وخيبةً، واستحقاقا هائلا، وانتهى بهم المطاف كشخصيات لا تطاق، لا تستطيع أن تكمل حوارا، ولا تتمكن أن تفهم الآخرين، شخصيات موجودة بكثرة في هذه الحياة، شخصيات لا تحاول تعديل نقائصها وأخطائها، شخصيات تصنع الإنجاز من العدم، شخصيات تلوم، وتبرر، شخصيات كثيرة حولنا تصنع المشاكل بلا توقف، وتظلم، وتزوّر، وتجادل، ولا تتوقف عن هذه العصابية حتى يأتي من هو أقوى منهم فيتخلص منهم نيابةً عن الجميع!

على الأقل، إن وجدت نفسك سامَّا، ومتسمما، حاول أن تكون مفيدا، على الأقل حاول أن تعتبر نفسك في نهاية مرحلة وبداية أخرى، عدا ذلك، الرفوف مليئة بما يكفي بهؤلاء الذين انقطع الأمل والرجاء منهم، والذين ربما يعيشون خيبتهم لنهاية العُمر، غير قادرين على الاعتراف بخطأ، أو بخيبة، أو بفشل، ويواصلون هذا المنوال حتى النهاية فقط لأنَّ الواقع يجب أن يلطمهم لطمة هائلة ليزيح العدسة التي يرون بها كل شيء.

إن كنت ترى ما بداخلك كبيرا للغاية، وترى ما بالخارج صغيرا جدا، فربما لديك مشكلة، وربما أنت هو المشكلة، وربما أنت سبب معاناة كثيرين لأنك وصلت لسلطة، أو لنفوذ، أو لمسؤولية، أو لقدرة على التأثير على حياة الآخرين وبدلا من أن تستثمر ذلك لصناعة شيء مفيد للعالم، تستغل ذلك لتُسقط اضطراباتك الداخلية على كل شيء، ملغيا، ومحطما، ومصغرا أي شيء عدا ما تعتقده أنَّه "إنجازاتك الكبيرة" التي لا يراها إنسان سواك، وحتى ما يراه العالم سيكون بكل بساطة أصغر بكثير من الحقيقة التي تضخم بها كل شيء.

يمكنك أن تمارس هذه الهواية بينك وبين نفسك، وتأزمك، وأصدقائك الذين يتحملون نقائصك ويجيدون التعامل معها، لكن أن تكون إنسانا يرتبط به مصير أطفال يربيهم، أو زوجة تنتظر منه أن يحسن معاملتها، أو زوجا يريد أن يُعامل بإنصاف، أو موظفين، أو طلاب، أو ما يكون من الضحايا لعصابيتك، وقتها ستعرف لماذا كُل العصابيين في هذا العالم ينتهي بهم المطاف للنهاية نفسها! إن كنت تريد أن تكون سامَّا، كن على الأقل منصفا، وترفق بنفسك قبل أن تتعلم الرفق بالآخرين، أو قبل أن تزعم أنكم تمنحهم العدالة الفلسفية التي تراها صوابا!

إن كنت هذا الإنسان، الذي يجعله اضطرابه الداخلي ظالما إجرائيا، وظالما في قراراته، ومكابرا، ومستعدا لخوض معارك التنصل للنهاية لن أقول سوى: كف الله شرك عن نفسك وعن الناس، لست أكثر من عصابي آخر سيمر على العالم، قبل أن يهرسه العالم بكل قوَّة، وقسوة، فلحسن الحظ إن كنت أنت قويا، هناك دائما من هو أقوى منك، ثمَّة حد أقصى من العصابية يمكنك أن تعيشه كإنسان قبل أن يصل كل من حولك لخلاصة أنَّك إنسان مدمّر، تحطم الأحلام، مرتبك داخليا، ولا تستطيع أبدا أن تتقبل أن الصواب لا يتم، وأن الحقيقة ليست بيد أحد، وأنك كغيرك، بشر، تخطئ، ولديك نقائص، ولديك مشاكل، وأقصى همومك هو عدم إصلاحها، تطلب من الكون أن يسامحك وأنت لا تسامح أحدا، وتنتظر من العالم أن يصنع لك الزهرة التي تناسب عينيك!

والسلام!

الخميس، 29 أغسطس 2024

الزي الذي يقتل!

 الشرطي المتخفي! هذا أقرب مصطلح يمكن أن تختصر به الظاهرة الاجتماعية والنفسية لكل القتلة الذين يجدون في ثغرات القانون فرصةً لإطلاق الرصاص، أو لتطبيق العنف على أي ضعيف يجهل حقوقه، أو أي أعزل يخطئ أبسط خطأ.


مشاهد الفيديو الحقيقية بالعشرات، من جورج فلويد، إلى تلك المرأة التي كانت تزيح الماء المغلي عن النار، إلى ذلك الموظف الذي كان يريد الذهاب للعمل فقال له: وصفك يتطابق مع شخص يسرق سيارات!
يحاول النقاش ورجع قليلا للخلف فإذا بالشرطي يرميه في الأرض بحركة مصارعة وينسف جمجمته في الإسفلت!

وعندما ترى المحاكمات، وثغرات القانون، من النادر أن ترى إدانة إلا إن كانت الجريمة وقحةً، كخنق فلويد الشهير الذي كان أمام مسمع ومرأى العالم. كان قتلا غير مقصود، فالمقصود هو تعذيبه فقط، وإيقاع كل أشكال الضرر عليه، لكنَّ ملك السهم قصده ومات جورج فلويد، قتله شرطي آخر يمارس نزعة الشر باسم القانون.
أطلق النار ثم اسأل لاحقا! هكذا أصبح الشعار، لماذا أطلقت عليه النار؟ وكأنني رأيت مسدسا في يده! كان يهرب منا، وجود مسدس شيء متوقع!
وتتوالى الأعذار ويكثر القتلى. والثغرة دائما شيء من هذا القبيل، رجل فاقد العقل يصرخ في وجه الشرطي، يرفع يده فيتلقى 12 رصاصة متتالية.

كم شرطيا دخل مهنة الشرطة وهو يبحث عن الفرصة التي يزهق فيها روحا؟ كم شرطيا كان يحلم كأي سايكوباثي مجنون باللحظة التي يطلق فيها النار على أي [عذر] على هيئة إنسان يسمح له بالجريمة الكاملة، بالنية الكاملة، بالانتظار الصبور حتى تحين اللحظة التي يصبح فيها قاتلا، باسم القانون.

وأي تشريع هذا يمكنه أن يغير هذه المعادلة؟ بلاد كلها أسلحة، تعبد الأسلحة تتغزل الأسلحة، تتزوج الأسلحة، تتفاخر بها، تكاد لا تتفاخر بأي حق من الحقوق أكثر من حمل السلاح! أي تشريع هذا يمكنه أن يجعل الشرطي الأمريكي إنسانا؟

إنها أمريكا، الغاب، الموت الذي ينتظرك في أي لحظة، والحياة التي تحدث لك في أي لحظة، مزيج تشريعي، وقانوني، وثقافي، فارق في تاريخ العالم، دستور وأحزاب، شعب وطبقات، عنصرية وعدل، وصراع ثقافي يغزو العالم دائما، وهذا وجه واحد من وجوه كثيرة لهذه البلاد التي حتى هذه اللحظة لم تردم ثغرة تجعل الشرطي قاتلا، وتجعل القاتل شرطيا!



الأربعاء، 21 أغسطس 2024

أنا أكره: هذه مهمتي!

لا أعرفُ متى تغيرت علاقتي مع الكراهية! وحتى هذه اللحظة لا أعرف كيف. الوصفة كلها حدثت في وجودي الذهني الموازي لي، نصيبي من الفهم ليس أكثر مما تجود به لحظات الصفاء هذه! وأنا حقا أريد أن أفهم! وليتني كنت أمتلك السيطرة الكاملة على ذهني وذاكرتي لكي أسردَ كل شيء بشكل مرتب ومتسلسل منطقيا! هيهات! كل نثر لي يجب أن يكون هكذا، خارج سياق وجودي البشري، وكأنني مجرد أصابع تنفذ مشيئة روحٍ خلقها الله من الحبر، روح لا تعني لها الحياة أي شيء، وأنا حقا إنسان هامشي، حياتي تبدأ عندما أغرق في لوحة المفاتيح، أما كل شيء عدا هذا الغرق، فليست أكثر من أسباب أصنعها لأعود إلى بركة الكلمات مجدداً، لأفهم شيئا ما، عن الحب، وعن الكراهية التي لا أعرف متى تغيرت علاقتي بها! عدة حالات حالات من الغفران الحقيقي عشتُها في مسيرتي في الكراهية، وعندما أقول غفران حقيقي فأنا أعني ذلك. تخيل أن تتورط بإنسان يتواصل معك بمحبة، ويحترمك بصدق، لكنه يؤذيك ويهاجمك علنا، تارة بفيديو، وتارة بمقالات في عشرات الصفحات! حالة غريبة أليست كذلك! هذا هو الوضع الذي عشته لسنوات متتالية، والسؤال المطروح أمامي هو: لماذا! أستطيع بسهولة أن أجيب على سؤال: كيف توقف مهرجان الغضب والكراهية هذا؟ وأستحضر عشرات الساعات العلاجية، ومئات ساعات الحضور الذهني، فضلا عن الكتابة، فضلا عن إصلاح وضعي العائلي والنفسي، والنوم، والابتعاد عن السهر، والأدوية، هذا كله يجيب على الأسئلة الظرفية المتعلقة بالكراهية. الذي يكره له فلسفة ما، وهي عادةً ما تكون متناقضة، وفلسفة الكراهية هذه مليئة بالاشتراطات التي تدفعك لكسر القاعدة! ومع لحظات خارج السيطرة، بعضها خارج الوعي، بعضها مزيج من الوعي والخيال، وبعضها مزيج من الوعي والذكريات، تحل تلك الفلسفة التي تشرعن العداء والكراهية على لحظات الكتابة والتعبير فتصنع لديك ذلك المسخ المشوَّه الذي يؤلمه أن يكون جميلا، ويؤلمه أن يكون قبيحا! يا إلهي يا معاوية! أنت حقا عشت حياة تعيسة جدا فيما سبق! الغفران صعب! ولا أعرف كيف سيكون طريقي له. عادةً كنت بارعا في الدفاع عن الذين ظلموني وأذونني، وهذا ما جعلهم يشعرون بطمأنينة كبيرة تجاهي، تكبر أخطاؤهم وتكبر وأنا أجنبهم انتقامي بصناعة كل التبريرات لأذاهم! هذا ما كنت أفعله مع أعدائي، أدافع عنهم! تخيل! وأعجب أنني تعرضت للأذى! ولكن! ماذا كنت أفعل على الصعيد الآخر؟ أهاجم الذين أحبهم! ولا تسألني عن المنطق الذي كنت أطبقه، لو كنت أستطيع أن أسطو على ذاكرتي وأنبشها بوعي مسبق لكنت ربما أعظم أخصائي نفسي في تاريخ العالم! لا أحد يكشف أسرار الجنون، لأن الجنون لا يكشف أسراره حتى لصاحبه! ولكن هذا الذي كان يحدث حقا! ولا أريد حقا أن يبوح لي الجنون أو المرض بأسراره، أريد فقط أن أعرف لماذا توقفت عن كل تلك الكراهية! أريد أن أعرف المنطق الذي تغير في ذهني لأتوقف عن ذلك المهرجان الرديء! ذات يوم كتبت في مجموعةٍ رقمية بها أصدقاءٌ كثر "أحبوا نيابة عني، وسأكره نيابة عنكم" يا إلهي إنني لم أكذب خبراً لقد انطلقتُ في مشوار الكراهية وكأنني سأحترف لدخول كأس العالم في الكراهية، كان الأمر في البداية انسياقا في عالم الكراهية الرائج! تخيل، أن يختار شاعر عالم الكراهية! أذكر أنني كنت أكتب تنظيرا عن أدب الكراهية! ولا أعرف من من الأصدقاء يتذكر التنظير الذي كنت أكتبه! كنت أؤسس لنفسي طريقا لأعتنق فيه درب الكراهية ويا إلهي كم كنت جاداً حتى وأنا في أشد لحظات جنوني! كنت أنفذ كل ذلك الذي أكتبه بحذافيره وكأنه نص برمجي علي أن أجعله واقعا! أنا الآن مستر معاوية الرواحي، المثقف الأنيق الذي عاد للبلاد بعدَ عفوٍ سامٍ، بالنسبة للبعض ذلك الذي عاد معتذرا، بالنسبة للبعض ذلك المنافق الكبير الذي لم يتغير حقا، بالنسبة للبعض حكاية من حكايات التغيير الشخصي والنمو الانفعالي، بالنسبة للبعض مصدر أمل لكل من عانى بسبب الأمراض النفسية، بالنسبة للبعض حكاية شجاعة كاتب، بالنسبة للبعض حكاية تافهة يستغرب أن تثير انتباه أحد، وبالنسبة للبعض إنسان يحبه بصدق لأنه ارتبط معه بمواقف خيرة، وبالنسبة للبعض إنسان كريه للغاية يكرهه لله في الله. وبالنسبة للبعض إنسان يستحق الكراهية ويؤسفني أن أقول أن بعض الذين يكرهونني ويتمنون لي السوء لديهم حق في مشاعرهم! لم يكن مستبعداً على أي إنسان أن يكون في مرمى نيراني الكتابية! ولاحقا تطورت أدوات الكراهية لتشمل الصوت والصورة، ومن ضمن هؤلاء الذين لم أكن أملك تفسيراً لحبي ولكراهيتي لهم كانوا ثلاثة، أسجلها كأعظم [غفرانات] في مسيرتي ككاره شبه محترف! تقاعد وهو في قاع عطائه! ثلاث [غفرانات] هي التي أستمد منها الآن روح الغفران التي أتمنى أن أصل لها. سليمان المعمري هو أولهم. اكتشفت فقط وأنا في عُمان أنني بعثت رسالة جميلة للغاية لسليمان المعمري عندما كنت في بريطانيا، كتبت فيها كلاما أنا متأكد أنني سأعجز عن كتابته في لحظات الوعي الحاضر هذه! كان هجومي على سليمان مفاجئا، وشخصيا للغاية، وسليمان شخص لطيف جدا يعيش لحاله، لم يكن يفهم ماذا فعل بي لكي أهجم عليه تلك الهجمات الحانقة والحاقدة. لم أكن أفهم أيضا! ويبدو أنني فهمت في لحظةٍ ما، وأرسلت ذلك الفهم لسليمان لكنني لم أقرأ ذلك النص الذي كتبته في غياباتي الكتابية! لعل هذا كان السبب، أو ربما لسبب آخر! كيف تعامل سليمان مع المسألة؟ بغفران حقيقي وتام! لم يقطع سليمان تواصله معي، وأنا وقتها لم أكن أعرفُ لماذا اشعر أن سليمان [يؤذيني] في شيء ما. عرفت لاحقا السبب! لم يتوقف سليمان يوما ما عن المراهنة عليَّ ككاتب، إلزامٌ كان يؤذيني لأنني كنت مشغولا وقتها في معمعة سياسية أدخلت نفسي فيها ولم أستطع الخروج منها! تخيل! يؤذيك إنسان لأنه [به أمل تجاهك!] هذه كانت جريمة سليمان في حقي! ولم يؤذني يوما ما، لم يرد بكلمة سوء في حقي، وحتى عندما أعود للتواصل معه، لم يذكرني حتى بأنني يوما ما من كتب في حقه ذلك الكلام المتناقض الذي يجمع المحبة والكراهية! عندما ربطت النقاط على الحروف، شعرت أنني تحررتُ حقاً من ذلك الشعور الغامض الذي يدفعني لاختيار ضحية اليوم! وكانوا دائما ضمن قائمة من الذين أحبهم وأحترمهم! وتلك حكاية أخرى لماذا كنت أهاجم الذين أحبهم علنا! الحالة الثانية كانت حالة الصديق موسى الفرعي. بيننا صداقة رائعة وعميقة وحقيقية واحترام متبادل! حتى هذه اللحظة أستغرب من رباطة جأشه ومحبته الحقيقية لي، لم يرد علي بسوء، وعندما سألته ما السبب قال لي: لأنني أعرف أن هذا الذي يكتب لم يكن معدنك الحقيقي، وأعرف أنك ستعود لمعدنك الحقيقي! يعني أنا عارف معدني الحقيقي يا موسى، طيِّب خبرني على الأقل!!! الغفران الحقيقي، التجاوز بمعناه الصافي والمسالم. وكيف كان يحدث الأمر، أتواصل معه وكأنني لست ذلك الشخص الذي هاجمه قبل شهرين، وهو يحار في شأني، وككل الذين ظلمتهم ولم يظلموني يضرب الأخماس في الأسداس في شأن هذا الإنسان الغريب جدا، والمقيت بكل معاني الكلمة لو كنت تعرفه خارجيا! روحان تتقاتلان من الحب والكراهية، ولقد اخترت طريق الكراهية سنوات من حياتي، وقبل أن أتعلم أن أوجهها للعدو الحقيقي، كان مساكين مثل موسى الفرعي، وسليمان المعمري، وزكريا المحرمي يعانون من هجماتي المفاجئة، واعتذاراتي اللاحقة، وشعوري العارم بالخيبة والغيظ من نفسي وأنا أضرب الأخماس في الأسداس: لماذا أفعل هذا! أنا حقا أحبهم وأحترمهم! حتى هذه اللحظة ليس لدي الفهم الدقيق لكل ذلك الجنون وذلك السقم السيكولوجي الذي عشته، لدي تصور عام عن الظروف التي وضعتها ليتحول ذلك السقم لحالة عامَّة، حالة مؤسفة حقا ولا ألوم من اعتبرها حالة ميؤوس منها، أظن أنني كنت أخطط للانتحار! وأظن أنني كنتُ قد عشت حياةً كونت فيها دفاعات كافية لكل الذين يقومون بأذيتي وكأنني أكافئهم على جعل حياتي أكثر تعاسة، وبالتالي يقربونني من ذلك القرار الكبير الذي اختمر في سنوات من الاكتئاب! هذه إحدى تفسيراتي، ولكن لعل لحظة كتابة ستنبلج ذات يوم لتشرح لي ما حدث بالتفصيل، عسى بتوفيق من الله أن أكتب هذا يوما ما، لأفهم على الأقل! كيفية إيقاف اختيارات الكراهية وكيفية إبطال منطقها المتناقض والمُقنع جدا! الذي أنا متقين منه أنني كنت أعيش ألما حقيقيا وأنا أهاجم هؤلاء الثلاثة، ولموسى الفرعي شبه في الأسباب التي جعلتني أرى سليمان [مؤذيا بأمله] فكما أن سليمان يذكرني بأنني كاتب، وموهبة كان له طريق في عالم السرد والقصة وربما الشعر، موسى كان يذكرني بمعاوية الذي يحب عمان. ولموسى وقفات نبيلة جدا معي لن أنساها، وعندما كتبت المقال الذي دمرت فيه حياتي كليا، وانطلق من هبَّ ودبَّ في اغتيالي اجتماعيا، وبدأت إرهاصات ذلك المسخ الذي اسمه معاوية الذي صال وجال في سماء الكتابة والتعبير والسجون في عُمان، لم يتوقف موسى عن الرهان علي، ذلك الرهان الذي كان أيضا يثقلني ويجعله في قائمة الذين [يؤذونني بالأمل] كل من يستفز يأسي تجاه الحياة كان ينال ذلك الهجوم المفاجئ، والاعتذار أحيانا، وأحيانا بكل غيظ أعيش في دائرة من الخجل والندم والشعور بالغيظ، وددت حقا أن أعرف لماذا أفعل ما أفعله! وقتها كانت سؤالا عويصا بمعنى الكلمة! وبينما يتعامل معي البعض كأنني قنبلة موقوتة، أو سأقوم بكارثة حقيقية لو ظهرت في لقاء إذاعي على الهواء، يستغرب الكثيرون من موسى الفرعي الذي يضعه ثقته بي، ولم أخذل ثقة موسى بي في لقاء إذاعي مباشر، أعود من السجن في الإمارات فأحل ضيفا في برنامجه، أشعر أنني أريد أن أقول شيئا للمجتمع العماني أتواصل معه ويوافق، يحذره كل الناس مني، أهاجمه، ثم أرسل له رسائل نصح! سلوك لو عاملني أي شخص به لا أستطيع أبدا أبدا أن أقول أنني أستطيع أن أتعامل معه بغفران، لكن موسى فعل، وجاء اليوم الذي صرنا فيه أصدقاء، بدون تراكمات، وبدون شعور أن أمله بي أو رهانه علي شيء يخدش من حتمية يأسي تجاه الحياة! الغفران الثالث كان من شخص تحفة بمعنى الكلمة، وهو غفران العقل المحض زكريا المحرمي الذين كنت أسميه الدكتور زاك. لم تربطني صداقة قوية بالدكتور زكريا لكن أحداثا معقدة متداخلة وأطراف أخرى تجعل الموضوع صعب الشرح، الشيء الجوهري، أنَّه تعامل معي بغفران حقيقي، وأشعر بالسعادة أنه جاء ذلك اليوم الذي لا شعور ملتبس لدي تجاه الدكتور زكريا الذي أكن له كل المحبة والاحترام. الموقف الذي يجلط حقا! عندما استيقظت ذات يوم في نهار بريطاني بارد لأواصل الحياة في اختياري [الكراهية] ويبدو أن اليوم كان دور الدكتور زكريا، أظن أنني بدأت ببعض التغريدات، وأنا شخص عندما يكتب ينهال في الكتابة ومن الصعب ألا تنتبه له! عشرات التغريدات في دقائق معدودة! ماذا كان رد الدكتور زكريا، وأنا في منتصف الهجمة تلك: معاوية، أعلم أنك في قلبك تكن محبة حقيقية لي! يالها من جلطة لشخص جاي يكره! منطقه كان بسيطا انظر للذين يهاجمهم: الذين يحبهم! وفعلا، كنت أهاجم الذي يحبني ويحاول إنقاذي، وأدافع عن الذي يحاول تدميري وإيذائي! الدكتور سعود الزدجالي حالة أخرى من حالات الغفران التي عشتها في حياتي كمسخ، وهو غفران العقل المحض. كتبت من قبل عن حكايتي معه وما استخلصته منها. تبقى هذه الحالات من الأبرز في ذاكرتي، لأنها لم تتعلق بالغفران فقط، لكنها أيضا لم تفسد الود، هل تعرفون ذلك المثل التافه [ما محبة إلا من بعد عداوة] لأن المحبة استمرت بعدها، ولم أشعر أنني في محبة تعويضية أو أنه يتم التلاعب بندمي، بعد أن وضعت النقاط على الحروف عادت لصداقة حقيقية. هنالك حالات أخرى، وقد تكون أكثر مما أتذكر، وقد يكون بعضها لا أتذكره من الأساس، كان بها غفران، وفي الوقت نفسه كانت نهاية للود وطبعاً لو كنت في مكان أي إنسان منهم لما استطعت أن أطيق رؤية وجهي فضلا عن قراءة اسمي في صفحة عامَّة. انتهى عهدي في الهجوم على الذين أحبهم عندما بدأ عهدي في الهجوم على الذين أكرههم، لم يخل انتقالي من هؤلاء إلى هؤلاء من بعض الأخطاء. لكنني متيقن من كراهيتي لمن أذاني بشدة، ولا سيما هؤلاء الذين تدخلوا في شؤون أدت إلى خسارات جسيمة لي، أو إلى تعطيل عودتي لعمان، أو إلى إساءة علاقتي بوالدي، أو إلى وقيعة أو فتنة بيني وبين إنسان أو صديق. ثمة غفرانٌ تصل له لإنسانية هؤلاء الذين أذوك، ربما شعورٌ بأنك لست بحاجة للاستمرار في كراهيتهم، أو شعور بأنك لن تقدم الخطوة الأولى في حلبة معركة تجمعك بهم، ثمة غفران ما يجعلك تتجاوز كراهيتك لهم! لكن لهؤلاء حكاية أخرى، لا أظن أنني جاهز لكتابتها وحتى إن كتبتها فلا أظن أنني سأكون موضوعيا، ثمة عدسة صافية للنظر بغفران إلى من أذاك، وهذا الغفران لا يعني تبرير أذاه، لكن أن تغفر لنفسك أولا أنك سمحت له أن يؤذيك، وأنا لا أغفر لنفسي بعد، وأتمنى أن أصل إلى ذلك الغفران الصافي الذي أستعيد به علاقة جيدة مع نفسي التي أتعامل معها بخوف شديد وحذر. أنا أكثر إنسان أخاف منه في هذه الحياة، وهذا الذي يجعل حياتي مشوارا مليئا بالتحديات، يقل خوفي من نفسي مع الوقت، ولكنني أعرف جيدا أنني إنسان لا أريد وضعه في ظروفٍ تدفعه للشر، لأنني جاهز للشر وكأنني خلقت فقط لأكون ذلك المسخ القبيح الذي صال وجال في سماء الكتابة في عمان، فعل خيرا، وفعل شرا، ولسبب ما يغفر له البعض خطايا شنيعة لسبب يتمنى أن يعرفه!  

كنت أفعل شيئا جيداً عندما كنت أعجز عن فهم اندلاع الكراهية الذي أصاب به، وكأنني أدمر عن قصد أي خيط من الخيوط التي تستفز يأسي! علاقتي مع اليأس شيء يجب أن أكتبه، ويجب أن أفصل فيه، ويا إلهي أخرج في هذه الأيام بخلاصات جديدة جدا علي! هل يا ترى السبب شعوري بالسفر؟ أم بالبعد؟ أم لأنني في صلالة! لا يهم يا معاوية، اكتب واسلام، ولا يهم السبب! لا تمارس الوعي في كل شيء، دع هذا اللاوعي الصحي ينهمر من أصابعك، واقرأ لاحقا، واستفد مما كتبت، ولتنمُ عاطفيا ونفسيا ولتتجاوز، وحاول أن تصل إلى الغفران لإنسانيتك، ولإنسانية الآخرين، ربما بعدها ستصل لذلك السلام الذي تتمناه، وتسعى للوصول إليه. 

الثلاثاء، 11 أبريل 2023

الرقيب

 

 

 * مُلاحظة موضوعية: كاتب هذا المقال لديه تحيز شديد وعدم ثقة تجاه الرقيب الإعلامي، يُرجى أخذ ذلك في الاعتبار وأنت تقرأ هذا المقال.



إن آخر ما تحتاج إليه المرحلةُ العُمانية ككل في هذه الفترة، والمرحلة الثقافية، ومرحلة حريات التعبير العام في عُمان هو المجاملة، والكلام المعسول. من المغري جداً تصديق الخطابات اللطيفة التي تصدر من شخص المسؤول الإعلامي [كمواطن] نعم، ومن قال أنَّه ليس مواطنا؟ وليس عمانيا حاله حال الجميع، وماذا بعد؟ يريد الخير، والسلام، والوئام، والنهضة، وسيقول كل هذا [الطقم] الذي حفظناه وسئمنا من فرط ما رُدد على مسامعنا، إن آخر ما تحتاجه المرحلة العُمانية بشكل عام هو أن ينطبق عليها المثل [أسمع كلامك، أصدقك، أشوف عمايلك أستعجب!] وهنا سنأتي إلى تفصيل أكثر.

هناك معضلةٌ لا تخلو من التلاعب بالكلمات عندما نتكلم عن الآراء [الانطباعية!] هذه الإدانة الضمنية لما هو انطباعي لا تخلو من خطاب داخلي لا يخلو من التلاعب بالمتلقي. الإنسان غير المتخصص يلقي انطباعاته، وبالتالي إن حولت فكرة تعبير المرء عن سخطه، أو ضيقه، أو حتى غضبه، أو حتى عدم تصديقه إلى تصنيف [انطباعي] وتقول ضمنيا وبتلاعبٍ بيِّنٍ أن الرأي المطلوب هو ذلك الرأي المنهجي التخصصي، فماذا نقول بالضبط؟


 أن نترك الكلام فقط لمن هو متخصص فقط؟ أي يجب أن تكون مهندسا لتبدي رأيك في تخطيط قريتك، وأن تكون طبيبا عندما تتحدث عن معاملة طبية خطأ، وأن تكون باحثا في شؤون المجتمع لكي تبدي رأيك عن ظاهرة اجتماعية. القانون يسمح لك أن تعبر عن سخطك، وعن ضيقك، وهناك حدود واضحة مرسومة لذلك. التلاعب يكمن في ذلك الضمني في الخطاب الذي ظاهره الرحمة، وباطنه المنع، والعقاب، والغرامات، والملاحقات، وغيرها من الأدوات التي مورست بكرم باذخٍ من قبل بعض الموظفين، أحيانا وفق صلاحية تقديرية لا محل لها من الإعراب الواضح، بل وحتى إبداء وجهة نظر أو النقاش. المواطن الفرد ما الذي بيده سوى إبداء [الانطباع] هل عليه أن يقدم ورقة عمل لكي [يُحترم] رأيه؟ وهل من مهمة كل النخب الفكرية أن تنضوي تحت جناحٍ ما فقط لكي تضمن لنفسها حقاً في الحياة الآمنة دون تدخلاتٍ رقابية تفرض تلك الهيمنة المعنوية للرقيب بكل ما لديه من مشاكل مباشرة مع تأثير الثقافة والأفراد وغيرها من ملابسات الإرث الإشكالي لهذا الموضوع في عمان؟

 

 وكأننا نطالب بالمتلقي الذي يعبر عن رأيه تجاه الشؤون العامة في بلادِه أن يتولى هو عملَ الموظف العام الذي قصَّر أو أخطأ في أداء واجبِه العام تجاه الناس. ما الذي يريد الرقيب أن يقولَه في هذا السياق؟ كن متخصصا؟ أو انكتم فرأيك [انطباعي؟] ما أغرب أن يصدرَ ذلك من الرقيب نفسه الذي يتولى عملية المنع، والإيقاف.

عندما نرى واقع سقف التعبير في عمان، أو كما يروق للبعض أن يقول [المحددات] سنرى رأي العين أنَّ سقف الكلام في عُمان قد ارتفع بشكل ملحوظ، خير شهادةٍ على ذلك هي مواقع التواصل الاجتماعي، ولكي لا أكون متحاملا كعادتي ضد الرقيب الإعلامي، نعم هناك ملمح خيّر للغاية يظهر في الإعلام المؤسسي، ملمح لتحيزاتي المسبقة ضد الرقيب الإعلامي أرفض الاعتراف به إلا على مضض.

 من عجائب الزمان والمكان أن يقدم هذه الشهادة الإيجابية الموغلة في التناقض مع الواقع الإنسان نفسه الذي لديه طاقمٌ جاهز للشخصنة، ولتحييد نماذج انتقائية من ساحةِ التدوين الشخصي. هذه ظاهرة مقلقة للغاية من تضارب الخطاب بين الواقع الظاهري وما به من [لطفٍ] والواقع الآخر وما به من تصرفات قد تصل إلى التهديد بالمحاكمة، وتقديم الشكاوي، وغيرها من وسائل الإرضاخ، فضلا عن المخادعة التي قد يقوم بها بعض الموظفين بتقديم معلومات غير دقيقة قانونيا، وتجنب توجيه رسائل مباشرة، والعمل في مظلة من السريةِ التي من المستغرب أن تكون في إجراء مدني [معاملة] متعلقة بالحقوقِ التي للمواطن، والتي كفلها النظام الأساسي للدولة صراحةً، تحويل إنسان من صفة فرد إلى مؤسسة بدون وجه حق هي جريمة في حق النظام الأساسي للدولة، وإساءة للاحترام له، هذه هي الحقيقة المنطقية البيِّنة. المدونة الشخصية تبقى شخصية، حتى تبدأ في نشر الأخبار، وتتناول الشؤون [اللحظية القريبة] وغير ذلك، هي مدونات شخصية، لا علاقة للرقيب الإعلامي بها. لقاء [تضرب سوالف] فيه، لا علاقة لها بالأحداث القريبة لا يقع تحت تصنيف [إعلام] .. عندما لا تنشر أخبارا، أنت لا تمارس عملا إعلاميا، وليكف الرقيب الإعلامي نفسه عن حقوق الناس المكفولة قانونيا!


 عندما يقوم أحدهم بإنشاء قناة تغطي الأخبار المحلية، والقريبة، وقتها سنقول أن تطبيق القانون واجب عليه، أما ابتكار هذا التأويل الأعوج من أجل ماذا؟ هنا سنتكلم عن الانطباعات!

ما هو الانطباع العام عن المؤسسات الإعلامية في عمان؟ ولا سيما تلك الرسمية منها؟ الانطباع العام هو أنَّها أخفقت في الوصول للناس، والتسخيف الذي تتعرض له منذ زمن طويل سببه نظرية الرقيب المتهالكة والتي لم تعد تصمد أمام أدوات العصر الحديث، ما الحل؟ هل الحل هو تغطية هذا الإخفاق البيّن المجمع عليه بمحاربةِ المنصات الرقمية؟ من أجل ماذا؟ هل الأمر هو هيمنة واحتكار؟ هذا نعم هو انطباع، ويحتاج ربما إلى استبيان صريح وشفاف، ولتقم به هذه المؤسسات التي تزعم الشفافية والصراحة، وليكن ذلك على الهواء مباشرةً، هذا إن أردنا أن نطبق الكلام المعسول ونحوله إلى واقع، أما البقاء في تلاطمِ تلك التصريحاتِ المتلاعبة فهو لا يخدم لا الوطن في شيء، ولا واقع الحريات في شيء، عُمان بحاجة إلى حريةٍ مسؤولة، وهي أيضا بحاجة إلى تقبلٍ لسقف قد لا يخلو من بعض الأخطاء، وبعض المجازفة، نظرية المشي على المضمون واعتبار أن الحديث حق فقط لمن هو متخصص يقوم بتقديم مشورات مجانية لمن قصَّر في عمله من الأساس هو جزء من ثقافة الاستحقاق السلطوي التي تأسست فكريا حتى أصبح التصدي لها صعبا للغاية، كيف يمكن لمسؤول عام أن يطالب من المواطن أن يكون موظفا بلا راتب لديه! كن متخصصا، ثم تكلم! لماذا يا شيخً! هذه المخاتلة في تأطير الرأي الانطباعي هي نوع من التسطيح المتعمد، فالذي لا يعجبه ما يحدث فهو انطباعي، وكأن هذه الانطباعات ليست مهمة، وكأن الدراسات الإعلامية المليارية، ذات الزيارات المهولة لا تعتمد هذا المُسخَّف والذي تم تبخيسه علنا [الرأي الانطباعي]، هذا الرأي تقوم عليه مؤسسات إعلامية كاسحة، وتحلله أنظمة ذكاء صناعي تلاحق العالم في قوة الوصول، وعندما يصدر هذا الكلام غير الدقيق فالأمر مقلق، مقلق لأن كل هذا لا يخلو من الخداع المتعمد، على الرقيب أن يعترف أحيانا بقصور أدواته، وتقصيره في قراءة معطيات الواقع الرقمي قبل أن يفتي بهذه الفجاجة عن موضوع مثل [الانطباع].


 الانطباع العام عن المؤسسات الإعلامية في عمان هو انطباع سيء، وإن كان الرأي الانطباعي لا يصفُّ في مديح هذه المؤسسات، فهو انطباع سيء، أما الحديث عن الانطباعات المجانية الواسعة الشاسعة التي تقدم ليل نهار في الإعلام، والمدح الفج، والتطبيل الذي يصلح لحدود العمومية المفرطة من متخصصين في مجالِهم فهذا ليس انطباعيا، هذا هو جوهر المسألة، وجوهر معضلة الرقيب الإعلامي في عمان، ولذلك هذا التحدي كبير بمعنى الكلمة.

ختمنا جانب [الانطباعات] في هذا المقال، وهي إحدى آليات التعبير عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، والإنصات لها، وجمعها، وتقييم أنماطها، وتشابهها، وتفاوت موجاتها عملية علمية معقدة لا يتم اختصارها في جملة واحدةٍ فحسب. نأتي الآن إلى جانب الحلول النقدية، ما هو الحل في موضوع العلاقة الملتبسة بين الإبداع العُماني، والتعبير عن الرأي، والرقيب الإعلامي!

إن أراد الرقيب الإعلامي أن يثبت حسن نيته، فعليه أيضا أن يظهر ذلك في تعامله مع الكتاب، والأدباء والمبدعين. إن فكرة إعطاء الرقيب الإعلامي مدى زمنياً مفتوحا للرد على كاتب لنشر كاتب هي فكرة وخيمة للغاية. وهذا الذي يكتب هذا المقال تعب من فرط النداء والمتابعة لكتابٍ يريد نشره، هل نحترم القانون؟ نعم نحترم القانون. هل نطبق تفاصيله؟ نعم نطبق تفاصيله، ولكن ماذا عن الجوانب الإجرائية، وتحسين الجودة الإدارية لعمل المؤسسات الرقابية؟ هنا يصمت الكلام لأننا نتكلم عن مدى زمني مُرسل، لا أحد يعلم متى يرد عليه الرقيب، حتى وإن تعطلت مصالحه، وهذا هو الخط الكبير على أرزاق أناس كثر يعملون في صناعة المحتوى الرقمي إن جاء هذا الرقيب المتهالك، بكل ما لديه من بطء إداري، وسوء في فهم السوق من نواحيه التجارية، وكل الذي يريده هو إثبات موقف ما قد يكون شخصيا، وقد يكون انتقائيا، وقد يكون غير مبرر، فما الذي يجعل قنوات اليوتيوب [وعددها آلاف مؤلفة] في عمان فجأة تحتاج إلى تصريح؟ وترخيص؟ وتعطى صفة منشأة إعلامية خاصَّة؟ ما أعجب هذا التناقض بين التصريحات والواقع! والأمل معقود على شيء واحد، أن تكون التصريحات في الآونة الأخيرة بشارةً لبدء مرحلة من التفاهمِ الإداري، والقانوني بين الرقيب الإعلامي، والمبدع العُماني، وصانع المحتوى، والكاتب، والمسرحي، والمنتج الفني، هل هذا الذي سيحدث؟ عسى أن يحدث ذلك من أجل ما نتفق عليه، وهو حق هذا الوطن ككل في التعبير الحر عن الرأي، دون تقييد، أو تهديد، أو شخصنة من قبل الرقيب الذي من العجب أن يمارس هو الشخصنة، ثم يدعي التعرض لها! هذه من عجائب الدنيا التي لا تتوقف.

 

إن واقع الرقابة الإعلامية بما فيه من مناطق رمادية شاسعة لن يحقق هذه الرؤية. والذي سيحقق هذه الرؤية للدولة، وللمواطن هو القانون فقط. عندما تتقدم إلى القضاء أمام قرار إداري، وعندما تكون هناك هيئة قانونية هي التي تتولى الفصل في الخلافات في الرأي بين الرقيب الإعلامي، والكاتب والأديب. عندما تتقدم برواية ولا يرد عليك لسنوات، وعندما يمنع برنامج دون تسبيب واضح، هذه تصرفات لا تدل على حسن نية لدى الرقيب الإعلامي، بل تدل على مُنافس يريد الإطاحة بكل الوسائط الأخرى التي تثبت لماذا [انطباع] الناس عنه سيء، وساخر، ومليء بالسلاحف، وغيرها من وسائل المنع التي تتم باتصالات، وبرسائل تحمل ختم [سري]، بغير وجه حق قانوني أو إداري. أبسط حقوق الكاتب ألا تعدل على كلامه دون معرفته، وأن تناقشه في التعديلات وتأخذ موافقته، وأن تجعل ذلك حوارا ثنائيا لا عنجهية من جانب واحد. وأبسط حقوق الكاتب أن يعرف لماذا شيء ما لا ينشر، وأن يناقش، وأن يعطى فرصة لتعديل العمل، هذه حقوق، مبنية على الاحترام، فإن كان [انطباع] الرقيب الإعلامي عن المبدع أنه لا يستحق هذه المعاملة فهل من العجب أن يبادله المبدع هذا [الانطباع]. لا منهجية ولا تخصصية في عدم الإفصاح لإنسان عن سبب عدم نشر مادة، ولا تخصصية، ولا منهجية في تغيير مسميات الأشياء، كحال قنوات اليوتيوب التي منذ عشرين سنة منها آلاف القنوات، ولكن نماذج منتقاة بعناية هي التي تُحاصر تحت هذه الحجة: الترخيص!

تحيزي الحاد تجاه الرقيب الإعلامي يمنعني من الاعتراف أن بارقة أمل تأتي مع كل هذه التصريحات الأخيرة. وعلى الرغم من كل الفصول الرديئة التي شهدتها العلاقة بين الثقافة، والإعلام الفردي، والإعلام المحلي، ونزعة الهيمنة العنجهية التي يمارسها الرقيب سأقول أن الحلول هي إدارية وإجرائية في المقام الأوَّل، الرقيب الإعلامي يحتاج إلى تدريب في معاملة الناس، وأقصى ما يريده المرء من هذه المؤسسة هي أن تحترمَه ولو قليلا، أن تحترم عقلَه كمتلقٍ ولا تسوق عليه هذه الخطابات بما فيها من ضمنية ملتبسة ومتعمدة، وأن تحترمه هو كمواطن صاحب معاملة، بوضوح، وألا تخلط الحابل بالنابل في الأوراق القانونية، وتعطي الفرد صفة مؤسسة، هذه التجاوزات خطيرة جدا بمعنى الكلمة، ولا ينتج عنها الظلم فحسب، بل ينتج عنها صناعة الطغيان الفردي الذي يقود عقلية الفرد الرقيب إلى التلف، والشخصنة، والحروب، وبذر البذور ضد فلان وعلان وغيرها من الوسائل السيئة التي تُمارس أمام الذين يقولون ما هو واضح للعيان، أن المشروع الإعلامي للمؤسسات الرسمية يحتاج إلى زمن طويل ليواكب هذا العالم، وأن كلمة [انطباعات] هذه، هي أساس قراءات ورصد طويلة وعريضة تعتمد عليها شركات ضخمة ميزانياتها بالمليارات التي لا تملكها وسائل الإعلام الرسمية والخاصة والفردية كلها مجتمعةً، العالم يذهب لعصور التحليل بالذكاء الصناعي، ونحن نتكلم عن [الرأي الانطباعي] وكأن كلمة [رأي] قبله لا تعني شيئا.


 كلها معضلات لدي تفاؤل أنها ستحل، ولدي تشاؤم شديد أنَّها ستكون عسيرة إلى أن تصل لحالة الحلول. التشريع هو الحل الأكبر، بما فيه من وضع النقاط على الحروف، وإعطاء كل ذي حق حقه، وفتح باب الاحتكام إلى شيء واضح لا إلى منطقة رمادية باسم أشخاص يحتكمون إلى مدرسيّتهم الخاصة بهم. سأطمئن إلى شيء واحد، أن هذا التوجه جاء بتوجيه مباشر من جلالة السلطان، وسأطمئن بعض الشيء إلى أن هذا ركن متين يوثق به، أما عدا ذلك من التجربة الحالية للرقابة الإعلامية، فهي تستحق [الانطباع] السائد عنها، فعوضا من صناعة أدوات للوصول للناس، أصبحت تشتغل لبسط هيمنتها على هؤلاء الذين هم من الأساس طفشوا منها وذهبوا إلى عالم الإنترنت الفسيح، ولكي لا يتحاذق أحدهم ويقول [النت مصدر مشاكل] نعم النت مصدر مشاكل، ولكن ليس كل الذي به يبحث عن المشاكل، البعض فقط يبحث عن مساحة فردية بيضاء تكفل له شعوره بأنه مواطن له رأي، لا يخضع للتوجيه، ولا للخداع، ولا للي الذراع فقط لأن الرقيب لديه إخفاق إعلامي كبير لا يريد الاعتراف به. هذا الكلام المعسول يحتاج إلى برهان واقعي، وإلى أن يحدث ذلك سأبقى متشائما تجاه هذا الرقيب الذي عندما يتورطُ في إخفاقه في الوصول للناس، يحاصر هؤلاء الذين وصلوا لهم بحجة: هذه صلاحياتي!

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

السبت، 1 أبريل 2023

الفرداني!

 

 

أفلتَه حبلُ النومِ

لتسحبه خطاه إلى جسرِ أحلامِه الصخري

فلا الطريق التوى على عُنقِه

ولا انفجرَ به لغمٌ

وهو في طريقِه نحو الحقيقة

راودته الخُطى عن نفسِه فغشاها

سالَ شمعُ السجعِ والجناسِ

عن أذنيه

وغنَّى: "أنا سيد فجورها وتقواها"

 

صرعته الدوخةُ فسعى إلى حديقته المثبتة في الجبال

قرأ تعويذته: "من الناس، لا الناس"

مكَّنته النخيلُ من جذوعها

صعدَ بما يكفي، ليذمَّ سماءها الشائكة

وفسائلها العشوائية

زارته الأمم البعيدة فتنهد شوقاً

إلى ظل الأمم والحضارات المجيدة

أخذه الشلالُ إلى قصرِه المشيِّد

داخل الكهف

"لا أريد أحدا"

"أنا لستُ هُم"

"هُم ليسوا أنا"

اكتنفته غيمةٌ

وعلمته الهذيان

رفعَ الكلماتِ على سواري عقيرته

وخطبَ في كراسيه

وأهدى طاولته وساماً

ثُمَّ انبرى إلى قطِطه الأليفة

يهبها الأسماء المحببة والأساور المزركشة بالنقوش

ثمُّ إلى شجرةِ التفاح ذاب في المساء

تحت ظل غيمةٍ شملته بعطفِها

أكملَ مساءَه غارقاً في ذاتِه

وتلفَّت مراراً

وهو ينتبه من غفواته السريعة

وسألَ يده الُيمنى: أين الناس؟

قالت له - برفق وهي تناوله الحبل-:

لا أحد في المشنقة يا سيدي!

-        هل أنا حُر؟

نعم أنتَ حُر، ووحيد

ناولته يده اليسرى عقدةَ الحبل

وسحبته إلى مرقدِه

ضاجع خيالَه مرارا

ثم دسَّ رأسه في وسادةِ الريش

ونام!

  

الأحد، 19 مارس 2023

وتلك الأفكار نداولها بين الناس!

 

 

 

إنه صراعُ هيمنة! هذا الذي يُسمي جدال الرأي، والرأي الآخر في عُمان [بالحوار] ليس أكثر من رومانسي يتجاهلُ الواقع، أو يتحاشاه، وأبرئ نفسي من الأولى، ولا أبريء نفسي من الثانية. الساحةُ الفكريةُ العُمانية تتلاطمُ مع بعضها البعض، ترتطم صفائحها التكتونية فتخلف هزات فكريةٍ لم تصل لعموم المجتمع الكبير حتى هذه اللحظة، ولم تغير طبائعه الغالبة عليه، لكنه كافيةٌ لتصلَ إلى فردٍ واحدٍ لتحوِّل حياتَه إلى جحيم. من المُحزن أن ينأى أحدٌ بنفسِه عن هذا الصراع، وضحاياه فقط لأنَّه يخاف أن يهجمَ عليه جموع الغرباء.

أسلحة الشيطنة، والهجوم الشخصي، بل والاغتيال الاجتماعي، وما وصلَ له الحال من التشهير، والجهر بالسوء الذي لا يحبه الله إلا ممن ظُلم! الحال يتجه تدريجيا إلى الجهرُ بالسوء ممن ظَلَمَ، فلانٌ يقول رأيا، فيأتي مجموعة من الأشخاص للهجومِ عليه، ودعنا نضع النقاط على الحروف هُنا لتعريف كلمة [هجوم]، عندما تصف رأيا بالسخيف، هذا ليس هجوماً، عندما تتعالى، وترفع عقيرتك كنتَ عالما أو جاهلا، هذا ليس هجوما، هذا لغو الكلام، وهذه طبيعته، الهجوم هو ما يحدثُ عندما تدخل الأسلحة القذرةُ في معادلة الآراء، احتباس حراري في كوكب الآراء في عُمان وقد بدأ تدريجيا بإفرازِ عواصفَ، وفيضانات، وتصحرٍ حسب تأثر المناخات الفكرية، وطقوس الثقافةِ وغيرها من المكوِّنات المعرفية الأخرى في عُمان.

بينما تسيرُ الحالةُ الثقافية الاجتماعيةُ في عمان في مسارِها بدون خطة واضحة، وفي غيابٍ وشحٍّ للمنظرين للعمل الثقافي المرتبط بالمجتمع، تتخلقُ هذه الحالة الهامشيةُ من حوار الآراء في ساحات الشارع الإلكتروني، بشكل فوضوي، غير منظمٍ، وبما يثبت الأيام التي يداولها رب العباد بين الناس، فالذي كان يوماً ما مُهاجَماً، مقموعاً، يتعرض لشتى أنواع الضربات من هذه الوسائل الميكافيللية القذرة، أصبح لا يمانع أن تكون هذه الأدوات في يديه، فالسلاح قذرٌ عندما يكون في يد خصمه، أما في يدِه! فالسلاح معترفٌ به. نهايةُ هذه الطريق مأساوية، بكل المعاني، اجتماعياً يغلي قدر الفتن، وتثور النفوس وعندما تصل لحالةِ الغليان تبدأ حرب الفئات الفكرية بالبروز للسطح، حربٌ عبثيةٌ تحدثُ في [تايملاين/خط زمني] لموقع إلكتروني، عادةً هو موقع تويتر، ولا تستغربُ أن ترى العقول الكبيرة التي توصف بالباحثة ضالعةً فيه، تُشاركَ حملات التأجيج، والتأليب، أو إثارة غبار النقع لتبدو المعركة مُقنعة، الغبار يكفي! لم المعركة من الأساس.

عندما كانت الخلافات الفكريةُ في الساحة العُمانية تأخذ طابع صراع الديكة، وصدام الأنوف الشامخة، والنرجسيات المنتفخة ظنَّ البعض بالساحة الثقافية الظنون، وأنَّ ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث لها، وإليك مفاجآت الزمان، وما حدث بعدها ثمَّ جاءَ ما جاءَ من تحطيمٍ منهجي للحالةِ الثقافية، وحدثت ما حدثت من ظروفٍ مريرةٍ للمثقف العُماني، ومرَّت المرحلةُ العُمانية بشحيح حلوها وعظيمِ مرِّها إلى حالٍ جديدٍ. الرقيبُ الجديد في عُمان هو صوتُ المجتمع، والذي يتم استخدامه بطريقة مختلفة، به شيء من التصالح مع وجوده على الأقل، تغيرت ظروف الزمان ولم تتغير جميع ظروف المكان، ثمَّة تحسنٌ واضحٌ في قدرة الفردِ على التعبير عن رأيه إلكترونيا.

 على صعيد الرقابة المؤسسية فلم يتغير الشيء الكثير، بل يمكن القول إن حالةً من العناد الشديد والحصار المرتقب لمنصات الرأي الإلكترونية تريد إعادة كل شيء لمربع البداية، محاولةٌ سيكون نصيبها كحال المحاولات السابقة، الوقوف في وجه الزمن الجديد بكل أدواتِه، والوقوف بماذا؟ بمجموعة متهالكة من القيم الرقابية الفضفاضة والترسيخ لفكرة الرقيب الذي يراقب الكلام، ويشخصنُ في اختياراته وانتقائه، وهو من الأساس الذي قادَ إلى هذه الحالة المزرية من صراع الأفكار في مجتمعٍ قديمٍ، له إرثه الحضاري، وتطوره، وتمتاز أجياله الجديدة بالوعي والاطلاع، كما تمتاز أجياله الأقدم زمنيا بالتجربة والخبرة، وماذا أسفرَ واقع الحال؟ عن هذه [البداية] التي تعاود الحدوث والتوقف دون خطوةٍ شجاعةٍ من أي طرفٍ لتحويل هذا الجهد الكبير إلى حراك ثقافي، ونقدي، وفكري ينفع الناس، إنها المنظومات الكبيرة التي تتنافسُ على الهيمنة على ساحة الرأي، ونتيجة انتصار أحدها هو انهيار الساحة نفسها، فنعود إلى المربع الأوَّل، بغض النظر عن المنتصر في هذه المعارك، يجلس المنتصر عليها وكأنها كرسي، تنكسر تحت ثقلِه، وهكذا دواليك، جسدُ العنقاء على هيئة صراعٍ فكري.

إن الساحة الإلكترونية، بكل ما تحفلُ به من فرديةٍ تُقلق البعض، ولا سيما هؤلاء الذين اعتادوا على النزعة الكسولة بقيادة منظوماتٍ يردد أفرادها الكلام نفسه. اليسارُ يجتمعُ ضدَّ خصمٍ جمعي، والأخير يجتمع ضد فرد واحد. قسمة ضيزى في أي نقاشٍ فكري. يحضرُ بشحوبٍ بالغ اليمينُ الرسمي الذي لم يعد يجدُ استستاغةً حتى من قبل مُعتنقيه، يتجلى على هيئة مجموعة ضئيلة من الأسماء الشوفينية العنيدة التي ترفع الشعارات نفسها، أما الساحة برمتها فقد تجاوزت هذا الخطاب إلى مجموعة جديدة من الخطابات، معظمها ضمن صدى التجاذبات الفكرة العالمية، وأقواها سطوة التيار المحافظ الذي يمتلك من قبل ميزة تنظيم الصفوف، وتوزيع الأدوار، والاتفاق على مرجعية متوارثة، ومتأسسة، ومتعمقة في التنظير للصغائر وللكبائر من شؤون الأفكار، اليسارُ كعادتِه غارق في الانقسامات، وحتى في اتحادِه ضد خصم فكري، يغرق في الاختلاف حول الطريقة المُثلى للتعامل مع الكائن الجمعي المتمثل في فئة المحافظين الذين يحاولون، كما يحاول اليسار، كما تحاول السلطة، كما يحاول العالم، كما تحاول الأمم المتحدة، كما يحاول الغرب، كما تحاول أمريكا، الجميع يحاولون إثبات أن نظريتهم هي الحق الذي ينسخُ غيره من افتراضات، أليست هذه الدنيا؟

أين يحدثُ المعنى في كل ذلك؟ هُنا الأسف الشديد، ألا يقول الرومانسيون [الحوار صحي!] لماذا الحوار ليس صحياً في الساحة الإلكترونية العُمانية؟ لأنَّ هناك من ينظِّر ضد هذه الساحة، ويفعل كل ما بوسعه لتحييدها، ويلتفُّ بكل الطرق الممكنةِ لجعلها ساحةً خاويةً ظنَّا منه أن هذا سوفَ يرفعُ من قيمة منصاته الخاصَّة، وهذا لعمري هو ليس ألدُّ الخصام فحسب! وإنما الطريق الأمثل للمزيد من فوضى النشأة والحطام، والمزيد من الاستفحال المتفاقم للصدام الفكري الاجتماعي، والذي أصبحَ يستخدمُ أسلحة [سلطوية] كالاغتيال الاجتماعي، والشيطنة، ووصل الحال إلى التشهيرِ المتبادل، ذلك الذي كان يحدث ضمن سياقات محدودة جدا يتحول إلى ممارسةٍ عامَّة، وماذا يفعل الرقيب؟ يفعل كل ما بوسعه وهو يقف أمام طوفان الزمن الجديد، ومنصاته العالمية، وبكل الخوارزميات المبنية على مهل، والمعدلة بالتجربة، يقف في وجه هذا الطوفان وكأن الأمر يتعلق بعدد المتابعين، والزيارات، ويرفض الاعتراف أن ما بُني على تحييد، وتقييد، وشخصنة، لا يستمر، وذلك الذي بُني على منهجٍ قديم مرتبط بنزعة الإنسان الروحية للإيمان مثل الدين، وعلى طبيعة أزليَّة في الإنسان مثل الشك والتساؤل، ماذا عن جماعةُ النص الفضفاض، المبني على المجهول! لم يتغير بهم شيء! يواصلون المعركة البائسة في اعتبارِ ما يقولونه: ضرورةً من ضرورات المكان والزمان!

إن القادمَ في الساحة الإلكترونية أسوأ. استمرار الحال كما هو عليه موضوع وقتٍ قبل أن تظهر فئة تمارس الحرابة الإلكترونية كما حدثَ من قبل، وهذه المرَّة هي فئة مورست عليها هذه السلوكيات، وجاءَت بردةِ فعلها للساحة، ولن يخلو واقع الحال من الانسياق التلقائي الذي يمارسه جموع البشر، من باب التسلية، أو الاعتناق السريع، أو حتى من باب اللهو بالشر، كل ما يخالفُ القيم العمانية المبنية على التسامح والتعايش يحدث يوميا في الساحة الإلكترونية! نلومُ من؟ لا يُلامُ سوى الرقيب الذي لم يعلم أن جموحَه، وهياجَه، وعنادَه، ونرجسيته أحيانا، وظنَّه التنافسي أنه قادر على استبدال هذه المؤسسات الاجتماعية المعنوية، والصغيرة بمنافس مُحتكر سيكفي لتسير شؤون الأفكار في عُمان وفق مبدأ السلامة. فالذي قاد هذا الهياج من أجل الصالح العام انتهى به المطاف ليعترف أن الذي يحدث هو ضد الصالح العام، والذي قادَ هذا الحراك بحجة أن الحريات خطر على المجتمع يتضح له أن الحرية ليست خطرا على المجتمع، وأنَّ رفع سقف الحوار الفكري والفلسفي، والديني، وكل ما يتعلق بالسلطة لا يضر السلطة، ولا يضر المجتمع، ولا يضر الناس، بل ينفعهم ويوقف استفحال هذه الظواهر، والذي جعل المنصات العامَّة جامدةً تردد الكلام البارد، ويظنُّ أن التوجيهَ الدائم لعقول الناس يفلحُ انتهى به المطاف وحيداً أمام الطوفان، كل ما يفكر به هو بناء السد تلو الآخر ويشتري المزيد من الوقتِ لنظريةِ خطاب التوجيه، لعلها ستفلحُ بعد كل هذه العقود المتتالية من المحاولة وهي في مكانِها، لا تتقدم، ولا تتقهقر.

لم يعد العالم يتسعٌ لأي خطاب قادمٍ من طرف واحد. التفاعل هو سيد الموقف، ولا حل آخرَ يمكنه أن يجعل صوت فئة واحدة هو الأعلى رغم أنف الفئات الأخرى. الذي يتفاقم في الساحة الإلكترونية ليس خطراً، ولا مهددا للسلم الأهلي، ولكن هكذا تبدأ الأخطار دائما، بفئة تهيمن على الآخرين، ثم تنظمُ جهودَها، وتنصب أسلحتها العابرة للأذهان، تستخدم الدعاية، والتهييج، والتأليب، والتحريض، ولا تكل، ولا تملُّ حتى تحقق وهم السيطرة والهيمنة، وفي المقابل. كل هذا الصراع سيكون له ما بعده إن لم ينتبه أحدهم، ويستيقظ [الأحدهم] الآخر، ويقرُّ الجميع أن طاولة الحوار مفقودة في عُمان، وأنَّها تحتاج لتأسيس منصفٍ يضمن للجميع حقوقهم القانونية في التعبير عن الرأي، عندما تعيش في عُمان تعلمُ أن التعبير عن الرأي الفكري يحدث ضمن تقييد قانوني رسمي، لكن ذلك السقف الفكري الذي يحدده الرقيب الاجتماعي، أو الإعلامي هو أخفض بكثيرٍ من الممكن قانونا، وقبل مُلاحقة أين تقفُ سماء الرأي، تأثيث أرض الرأي هذه أوجب نفعا، وأجدى فعلاً. أما استمرار هذا الحالُ، فهو لن يقود لكارثة كبيرة، بقدر ما يضيع المزيد من الوقت لعودةِ مؤسسات الثقافة الاجتماعية، وأفرادَها بكل مهاراتهم إلى مكانهم الطبيعي في ساحات الرأي والرأي الآخر في عُمان. أرجو أن يكون كل هذا كافيا لأي رقيبٍ يفكر بالنظريات القديمة ليعيد النظر في طريقة تعامله مع الآراء الفردية! حان الوقت للانتقال من عصر الرقيب، إلى عصر الناقد، ومن هُنا تبدأ الأفكار بالتمايز والترتيب، ومع الوقت نستطيع أن نقول أن مشروع الحوار قد ذهبَ في مسارٍ يجعل كل هذه الجهود أي شيء سوى ما هو عليه الآن: وقت مهدور، وجهد ضائع!

 

معاوية الرواحي

المُتلاعبون!

 

 

 

عزيزي القارئ، إن كُنتَ من معارفي في هذه الحياة، أو أصدقائي، أو أنصاف معارفي، أو أنصاف أصدقائي، أو عائلتي القريبة، أو عائلتي القريبة، أو كنت إنساناً تعرفُ أنني سمعتُ عنه، أو إنساناً التقيت به لمرَّة واحدةٍ في مناسبة اجتماعية، أرجو منك كل الرجاء ألا تجعلَ ما أكتبُه في هذه الورقة البيضاء متعلقاً بك. أرجو ألا تتبعَ مثالاً من الأمثلة، لتسقطه على نفسك، أو على غيرك، أطلبُ منك أن تفعل عكس ذلك، أن تقرأ كل هذا، وأن تبحث أنتَ في داخلِك عن تلاعبِك بالآخرين، وأن تعترفَ بينك وبين نفسك عن كل الذي تفعلُه لتحافظ على امتيازٍ ما، أو لتحقق خطةً ما، أو لتصنع حالةً معينة تسمحُ لك باستثناء معيَّن، فقط لأنَّك تتلاعبُ، لأنك إنسانٌ متلاعبٌ، قد لا تكون مُخادعا، أو سارقا، أو كاذباً، أو مؤذيا، إن كانت كل النماذج التي ستُسرد، تتحدثُ عنك، فأنت إنسانٌ متلاعبٌ بالآخرين، ولعلك تستحق أن تقرأ أنك مكشوفٍ إلى مدى كبيرٍ، وإنَّه موضوع وقت قبل أن يحاصرك القلق، وتبدأ خلايا الشك المناعية في أذهان الآخرين بالانتباه إلى أساليبك التي ستلحقُ بها كلمة [مكشوفة] وقد تقرر مواصلة الطريق إلى حيل جديدة، أو ربما، كما آمل، ستغير مقاربتك وتختار طريقا أكثر وضوحاً، إن لم يكن طريق الصدق والصفاء مع البشر، فهو طريق الوضوح، أن تقول ما لديك، وما تريد، وما لا تريد، وما تمتنع عن فعله أو قوله بوضوح للطرف الآخر.

عزيزي المُتلاعب: دعنا أولاً نعرِّف التلاعب المقصود في الأمثلة القادمة، لكي نهربَ من آفةِ المنهجِ، ولكيلا يخرجَ النص عن شعريةِ الراصد الفرد ويذهبُ إلى قوانين المنهجِ المتشابكة بكل ما فيها من حسمٍ قاطع، واتفاق تراكمي، وتراتب في المكانات العلمية، وتضاربٌ في التعريفات بين الحقول. أن تكون متلاعباً، يعني أن تستغلَ فهمَك للآخرين لتحقيق بعض مآربك المعنوية، وبالتالي بعد تحقيق تلك المآرب، تستحوذ على مساحاتٍ من التنازلات لدى الآخرين تحت إدراكٍ مفادُه رغبتهم في ذلك من عند أنفسهم. هذا ما تفعله أنت عزيزي المتلاعب، فأنت هنا لست كالمبتز عاطفيا، الذي يحبُّ ويتفاعل مع وضعٍ، أو حالةٍ، أو فعلٍ، أو عطاءٍ معيَّن، ولست كالنرجسية السام فاقد التعاطف والذي يجيد فنَّ التلاعب فقط ما دامَ الآخر تحت سيطرته. المُتلاعبُ ليس خسيساً مثل الكاذبِ الذي يُكشف بسهولة، والذي يلقي الوعود بلا توقف، والذي يعتمد على صدمة التصديق الأوَّل وبعدها يعلمُ الجميع أنَّه لا يؤتمن جانبه، ولا يفي بوعد، ولديه ادعاءاته الكثيرة، والمتلاعب ليس كالمبتز الذي يستخدم أدوات الإساءة المعنوية، ويستخدم تقنيات [B.F.Skinner] التي تعمل مع الكلاب والقطط لكي يؤنسن حيوانيته ويُسقط ذلك في تعامله مع الناس. المُتلاعب إنسانٌ يتعلَّم فنَّ التأثير على الآخرين، ويقنعهم بشكلٍ ما أو بآخرٍ أنَّ ما يفعلونه [لأجله] هو في الحقيقة شيء يفعلونه لأجل أنفسهم، يقنعهم بتحمِّل سلوكيات يقوم بها، سلوكيات تزعجهم صانعاً لهم وهماً مؤثرا، هو النبل، أو الكرم، يعزف على الوتر المناسب، ويضغط على الزر المناسب، فهو ليس غضوباً، لا يهدد، لا يتوعد، ناعم الملمس، لا يريد بالبشر سوءاً، أو شرَّا، وقد يكون في حالاتٍ كثيرة صادقا مع نفسِه، لا يعلمُ أنَّه يتلاعب بالآخرين، ويظنُّ بنفسه أنَّه خيِّر، وطيب، ولا يريد إيذاء أحد، وقد لا تحدث اللحظة المناسبةُ في حياتِه، أو حياة هؤلاء الذين قام باستغلالهم، والتلاعب بهم لكي يُكشفَ وجهه أمامه، أو أمام الآخرين، وقد يعيش سنواتٍ طويلة، ويموت بعد أن لعب بالجميع، وربحَ من الجميع، ونال شتى أنواع الاستثناءات، وربما يكون قد جمع الملايين من أفواهِ الفقراء بحجةِ التبشير بالمسيح، أو الدعوة إلى الدين الإسلامي في أصقاع الأرض البعيدة، أو من أجل حلم إسرائيل، أو من أجل غيرها من أدواتِ التلاعب الشهيرة، والتي لدى كل الناس إلى حد كبير شيء من الفهم لها، ولدى كثير من الناس قابلية للتأثر بها.

للمتلاعبين نهايات بعضها وخيم، بدأ من اللين والرفق واللطف، وانتهى بالانتحار الجماعي لطائفةٍ كاملة من المخدوعين، كما حدث في حكاية القسيس جونز، الذي بدأ مسيرته في التلاعب تحت مظلة القانون الأمريكي، وصنعَ مجتمعا يساريا متنورا، مبنيا على التضحية، والتساوي في زمنٍ كانت الولايات المتحدة تعاني فيه من أبشع ويلات الوضوح في العنصرية، واليسارُ وقتَها لم يكن كما هو الآن متوحشاً، فضلاً عن قرب كل تلك المراحل زمنياً من حروب أمريكا الساخنة والباردة ضد الشيوعية. القسيس جونز، المتلاعبُ الكبير، قاد عملية اختطافٍ تلاعبَ فيها بدولةٍ كاملة، وبمجتمعٍ صغيرٍ ما أن وجدَ نفسه بعيدا عن مظلة القانون الأمريكي إلا ليكتشفَ أن رجالا مسلحين يحيطون بهم، وأن قسيسهم اللطيف المفعم بالقيم قد بنى مدينةً في دولةٍ بعيدة، في غابة معزولة ليحيط بهم برجالٍ مسلحين، اكتشفوا أنهم عاجزون عن الهرب، وعندما شعرَ القسيس جونز أنَّه أحيط به أحاطَ بمعظمهم إحاطة السوار بالمعصم، وحفلت أجهزة التلفاز العالمية بصور الانتحار الجماعي، جمع أتباعه وتحول التمرين الدائم [على الثقة] الذي كان يقوم به مرارا وتكراراً إلى واقعٍ مرير، بدأت فيه الأمهاتُ بتسميم أبنائهن، وانتهى المطاف بحالة الهلع العام، والتدريب المتكرر، ومكبرات الصوت التي تعيد وتزيد خطب القسيس، والهلع، والموت، وكل ذلك قادَ إلى نهاية إنسان بدأ متلاعبا، ثم تحول إلى مجرمٍ ينسحب خيط التأثير من يديه، وحولته السلطةُ العبثيةُ التي وصل لها في تلك القرية البعيدة إلى قاتلٍ من أبشع قتلة التاريخ. هذا ما يحدث للمتلاعبُ بعد أن يصبح كسولاً، ويشعر أنَّه وصلَ إلى واقعٍ يفوق قدرة خيالِه، بعد أن كان متلاعباً بارعاً، اضطر لاستخدام المسدسات، والرجال المسلحين، ولعله إن لم يتحقق مناه وأمله بالذهاب بعيدا، وعاشَ تحت مظلة القانون الأمريكي التي كانت ستردعه، كما ردعت غيره من قادة الطوائف المُعلنة والسرية، لعله الآن ماتَ على ويوصف بالبطل العظيم، وبالقسيس اليساري الذي استطاعَ جمع الأبيض، والأسود في طائفة واحدة يدينون لله بكل شيء، وللقسيس جونز بالحياة الجميلة التي عاشوها تحت مظلة الوهم الرومانسي الذي كان يجيدُ العزف على أوتارِه، والضغط على أزراره.

 

يبدأ المتلاعبُ حياة التلاعب بعد أن يعرفَ أدوات التأثير التي تؤثر على الآخرين، قد يفعلُ ذلك لأنَّه يعيش في محيط يعتبر التلاعب العاطفي جزءا من نمط الحياة المتعارف عليه. عائلة مخملية، أو عائلة حلوة اللسان ضعيفة الحال، لا يهمُّ عدد الاحتمالات الاجتماعية التي تجعل الإنسان يتعلم فنَّ التلاعب، أو يتعرض له مبكرا. عائلة متدينة، أو مراهق يدخلُ دوَّامةً من الشهرةِ في سن مبكر، أو الشعور بالنقص، التلاعب هو فنُّ التأثير على الآخرين لدفعهم لفعل ما يجعلهم عادةً يرفضون فعله. فنُّ المتلاعبُ الكبير هو ردةُ فعلِه، وما يوقعه من مشاعر في الآخرين تجعلهم يرفعون حواجزهم، كما اتفقنا في البداية، التلاعب الذي يتم تأمله هُنا هو ذلك الذي لا ينتهي للأذى، ولا يهدف له، يهدف للنفع، المعنوي، أو المادي، المتلاعب ليس ذلك الطفل الصريح الذي يصرخُ في المتجر ويريد شراء لعبة، المُتلاعب هو ذلك الطفل الصبور الذي يصمت لعدة أيام، ويرفض اللعب، ولا يتكلم، وينظر لأمِّه وأبيه بنظرة حسرةٍ، يرفض الأكل، ويبقى مترقبا، ملهوفاً ينتظر نهاية صمود أمِّه وأبيه، لكي يرسمَ على وجهه بورتريه اللامبالاة الحزين وهم يأخذونه لشراء اللعبة التي جعلته حزينا، الطفل المتلاعب، ذلك الذي نطلق عليه خطأً كلمة [الخبيث]، ولسنا بصدد تحليل معنى هذه الكلمة الذي تشظى بين السياقات. الطفلُ في هذا المثال مشروعُ متلاعبٍ بارعٍ قد يتمرن على ضحاياه الأوائل، وذهب به الحال إلى مسيرةٍ طويلةٍ يدرك فيها أن الأشياء في هذه الحياة لا تحدث بالصدامِ دائما، قد تحدثُ بالصبر، واللعب على الأوتار المناسبة.

 

تعلم الصبر هو إحدى المهارات التي تأتي مع المتلاعب البارع. يفعل ذلك هؤلاء الذين يرسلون رسالةً واحدة، يعلمون أهميتها، ومن بعدها لا ينتظرون رداً. لا يكشفونَ لهفةً. وبعد تهيئة بسيطة من قبل الحياة لهم، يبدأ المتلاعب فنَّ رصد الآخرين، وردات فعلهم، وتقوده المكاسبُ التي تنهال عليه نتيجة تلاعبِه إلى أرباحٍ من المال، والحال، إلى امتيازات معنويةٍ تدفعه للهوس بهذا المسار في الحياة، وتتشكل شخصيته على هذا الأساس. المتلاعب ليس من النوع الذي يصرخُ في وجه شخص أهانَه، وليس من النوع الذي يغضب، وقطعاً ليس من النوع الذي يستخدمُ العنف بسهولةٍ، إنَّه من أولئك الذين يصنعون صلاتٍ دفاعية مع كثيرين، ويعززون فيهم الشعور بالنبل، وبالدفاع عن الضعفاء، والمظلومين! وما أجمل دور الضعيف للمتلاعب! وأن يكون المتلاعب ضحيةً حقَّا! فلا عجب أن ترى بائع دموع محترفٍ يجول في الأرجاء، لقد باع الصهاينة دموع اليهود في كل مكانٍ، وإلى زمننا الحاليِّ فإن تعاطف الأجيال المتتالية مع مشروعٍ دمويٍّ مثل إسرائيل مبني على ذلك [الظلم] المحزن، من قال إن التلاعب لا يمكن أن ينشئ دولاً، أين تلك النعومة؟ وأين الإنسانية؟ وأين دولة [كلنا واحد]؟ وكل تلك الدعايةِ عن يهودِ السلام، واللطف؟ يهود الهولوكوست المحزونين؟ تحولت إلى دولة القتل، والفصل العنصري، والاحتلال الدموي، والمجتمع المعسكر. مثالٌ على خطورة المتلاعب عندما يتحول إلى إنسان قويٍّ، فيكون أخطر من الأقوياء حقا، وطفولته التي قضاها ضعيفا، متحايلا، يتجنب الصدام، يقضي بعدها طفولةً أخرى في عالم [القوَّة] فيتوحش، وعندما اكتشفَ المسدس في يده أدركَ أن لديه أكثر من سلاح في يديه، القسيس جونز مثالٌ فردي مقابلٌ للهوية المتلاعبة، والتيارات السياسية التي قادت جموع الساذجين حول العالم للتصديق أن ظروف نشأة إسرائيل العاطفية وراءها رسالة تختلف عن حقيقة الحياة القائمة على النزاع، والقوة، وما يأتي مع ذلك من سفك دماء وسرقة موارد!

المتلاعبُ الفردُ يختلف بلا شك عن هذا التلاعب الجماعي، القائم على التنظير والدعاية. ولنفرق بين النرجسي السام الذي يلعب على مقامٍ نشازٍ في روحِك، وذلك العازف البارعُ الذي يقنعك أنك أنت الذي تعزف أجمل الألحان من فؤادِك النبيل. هل يفهمُ البعض الجرح المرير عندما يكتشفُ أن قريباً له قد تلاعبَ به؟ وقد استخدمَ أحزانَه عُذرا لكيلا يُقال له: لا! لا يجب لومَه، لا يجبُ نصحه، لا يجبُ فعل أي شيء؟ لماذا؟ لأنَّه حزين، ربما لأنه يعاني من إعاقة جسدية، ربما لأنه شفي من السرطان! نعم! التلاعب العاطفي يحدثُ لأننا سمحنا به، أو لأننا أردناه. إن لم تكن الحياة قد وضعتك ذاتَ يوم في طريقِ إنسان على كرسي متحركٍ يقوم ببيع المخدرات، فإن شرطياً في مكانٍ ما قد مرَّت عليه، كما مرَّ على كثيرين نماذج من هؤلاء المتلاعبين، الذين يحبون التحرك تحت منطقة الامتياز تلك، امتياز غياب الشك، وتحريكهم البارع لشعور الآخرين بالشفقة والنبل. هذه إحدى طرق المتلاعبين الأثيرة، يشعرونَك بنبلك، وبكرمك، وبعدها لا يخجلون من استغلالِك بلا رحمة، وعندما يهدأ شعورك بالنبل، أو بأنَّك المنقذ الهمام يعاودون العزف على ذلك الوتر، وكل متلاعبٍ ومهارته، منهم من يعرفُ كيف [ينتفُ] المال من مجموعة قليلة من الناس، فهو المريض بفقر الدم المنجلي، ذلك الذي يعيش حياتَه بين المستشفى والغرفة المغلقة، ولكنهم لا يعلمون أنَّه أيضا مقامرٌ محترفٌ، يصرف آلاف الريالات في إدمانِه على القمار، أو ما هو أسوأ، قد يكون مدمناً على العاهرات، أو المخدرات، أو واهماً يظنُّ أنَّه سيصبح ثريا ويحاول اختراع آلة عجيبة في قبو المنزل بأموال الآخرين التي يسحبها بذكاء [وحرفنة]. عزيزي القارئ، أرجوك لا تقرأ كلامي وتشكك في كل شخصٍ حولك، لا تشكك في كرمك، ولا في نبلِك، لا تستجب لنداء الأنانية الذي يمنعك من العطاء بحجة [لا أحد يستحق، جميعهم يكذبون] إن كنت حريصاً، أو أنانيا، أو ما كنت، أرجوك لا تستغل هذا الكلام وهذه الأمثلة لتعزز شيئا سابقا موجودا بك، صعوبة العطاء عليك، وعسر الكرم، فمثلما العالم يعجُّ بالمتلاعبين، فهو أيضا يعجُّ بوسائل مقاومتهم، ولعل الجمعيات الخيرية بكل ما فيها من فرق البحث والتمحيص والتدقيق تكفي، لذلك أود أن أشير لذلك قبل أن [تتأثر] بكل هذا الشك المتناثر في جسد هذه الورقة فتلومني على شيء هو من الأساس شبه قرار اتخذته وكل ما تحتاج إليه هو دفعات قليلة من التحريض لكي تذهبَ إلى حياةٍ خالية من العطاء بحجة أن الجميع يكذبون، إن كنت تشعرُ بذلك، وتتجنب توسعة دائرة التثبت، فأنت لديك مشكلة أخرى، المتلاعب هذه المرَّة هو ذلك الذي يوسوس لك في داخلك لكي تعيش في هذه الحياة وأنت تأخذ ولا تعطي!

للمتلاعبين سحرٌ جميل بمعنى الكلمة عندما يتعلق الأمر بما هم قادرون على إيقاعه في الآخرين من تأثير حسن. وكلما كان المتلاعب قنوعا أحبَّه الناسُ أكثر، من هذا الذي يمانعُ شراء مشروبٍ لإنسان ظريف في حانة؟ ذلك الذي يمنحك أذنه، أو يؤجرك لسانَه ليقول لك كل الكلام الذي تحلمُ بسماعه من الجميع؟ متى نفرِّق بين كونه متلاعبا أو لا؟ في الهدف! هل يفعل ذلك حقا! ولديه نيَّة، ينتظر تلك [البيرة] الباردة لكي يتشجع ويكمل كلامَه؟ هل تتوقف حماسته عن الكلام إن جفَّ حلقه؟ هنا نستطيع الفهم، حتى وإن لم يستطع هو الفهم، هُنا كبشر خارجيين نفرق بين التلاعبِ المقصود، أو غير الواعي، هو تلاعب ما دام يتعلق بهدفٍ، وأنت نفسك عزيزي القارئ قد تكون أحد هؤلاء دون أن تدري، متلاعباً بالآخرين، وكل الذي تريده هو ما يمكنهم أن يفعلوه لك! هل يسلم إنسانٌ من شر التلاعب؟

المتلاعبُ رجلٌ أو امرأة. ذلك الشابُ الذي يقول لك أنه تزوج امرأة مصابةً بالسرطان، في التسعين من عمرها، لأنَّه يحبها، ويدافع عنه جموع الرومانسيين بحجة أن الحب لا يعترف بالأعمار! ونعم هذا ليس مستبعداً، ربما إن أثبتَ أنَّه متنازل عن وصيتها، وعن نصيبه في الميراث، أما ارتباط مصلحة مباشرة بكل هذه الرومانسية الوردية! بربَّك! إن كنت تريد تصديق هذا الهراء فلا بأس، سنتفق أنَّها احتمالات، وكوننا كبشر لا نعرف ما بدواخل الآخرين فإنك كرومانسي تفكر باللون الوردي فلا بأس، لديك وجه حق في احتمال صوابِك، ولدينا ألف وجه حق في احتمال خطئك، ومن يدري بما في النفوس! وهذا المثال هو نفسُه ينطبق على العشرينية التي تغوي رجلا في الثمانين، وليكن مليونيراً يقضي أيامه الأخيرة مع أسطوانة الأكسجين والعلاج الكيماوي، إن لم تشعر أنها تتلاعب به فأنت [قد] تكون تعيش في حياةٍ جعلك المتلاعبون فيها تشعرُ بالنبل، والكرم، والرومانسية، وهم يسحبون اهتمامك، أو مالَك، أو يستظلون بما لديك من علاقات وقدرات ومهارات يأخذونها مجانا فقط لأنَّك تريد أن تشعر أنَّك كريم ونبيل، ولطيف، ورحيم.

يتباين البشر في خضوعهم لمهارات المتلاعب. امرأة عجوزٌ تضع مدخراتها في يدِ داعية واهمٍ يقول إنه على وشك أن يكتشف دواء للسرطان، وامرأة تكتب البيتَ باسم زوجٍ لئيم، لا يسرقه، ولا يبيعه، ولكنه يريده نقطةَ لي ذراع معنوية، ضمن تلاعبه لكي تكون الحياة كما يحبُّ ويشاء. كما اتفقنا، المتلاعبُ الذي نسردُه هنا ليس ذلك الذي يرتكبُ فعلاً خاطئا، إنَّه ذلك الذي يفعل الصواب في كل شيء تقريبا، البارعُ في إشعارِك بالبهجة، وبأنَّ الحياة [بخير] ولا تخلو من الصدق، والنبل، والرومانسية، وبأن الثقة بالناس ممكنة. الذي لا يمكن رؤيته هو الجانب الآخر من حياة المتلاعبين، عندما يخططون بعنايةٍ لما يقولونه، وكيف سيبدون، ولا تخلو الحياة من المتحايل الغبي الذي يقود سيارةٌ قيمتها آلاف الريالات ثم يبكي على مسامعك وهو يقول لك: ليس لدي نقود للعشاء! أو ذلك الذي يبيع لك حزنَه فقط لكي تمنعه من أن يتصل لك في منتصف الليل، يجابهك بنبرته الحزينة جدا: ليس لدي غيرك لأكلمه!

متلاعب مسكين، بسيط، الاهتمام مرادُه، كل ما يطلبُه هو أن تسمح له أن يكون الإنسان الذي يتصل بك في أي وقت. لا يختلفُ عن ذلك الذي فجأة يكذبُ ويقول لك أي كلامٍ ممكن، فقط لكي تخجلَ وبسيف الحياء يصرُّ على اختيار الفيلم المناسب للسهرة! يجهز العدة قبل دخولك لشقة الشباب، ويخبرهم عن حالته النفسية السيئة التي يعيشها، وكيف أنه وجد فيلما! ما الوجه الواقعي، أنَّه ببساطة بالغة قرر أن يشاهد ذلك الفيلم، أما هؤلاء الذين هم أصدقاؤه فهم شيء هامشي يمكنه أن يغير ترتيب ليلتهم فقط لهذا الهدف البسيط، وليت كل متلاعب في هذه الدنيا يفعل فعل هذا الظريف الذي يقرر أن يصاب بيومٍ سيء فقط لكي تسمح له أن يختار فيلم السهرة! لا بأس بالوقوع في هذا الفخ إن كان صاحب ذوق جميل في الأفلام!

المُتلاعبُ البارع يحضر في التوقيت المناسب، وهو صاحب مهارات جميلة للغاية إن تم استثمارها في أشياء أخرى تعود بالنفع عليه وعلى غيره. هذا ما يقوله منطق تبادل المنافع بين الناس. للأسف الشديد، لا يعلم المتلاعبُ أنَّه قادر على فعل أشياء خيِّرة بمعنى الكلمة، وعلى إشعار كثيرين بالرغبةِ في الجلوس معه دائما، وعلى بث طاقة من الإيجابية والفرح في قلوب الآخرين، لديك فنُّ الكوميديا على سبيل المثال، إنسان متلاعبٌ يوصلك لمرحلة خارج وعيك، والضحك فعل غير واعيٍ، لكنه لا يطلب امتيازات تفسد لحظاتك الجميلة، لا يرهقك عُسراً بسموم يومه، لا يفسد عليك نظرتك فقط لأنه يطلب مصلحةً معنوية مثل أن يشركك في مزاجه السيء، لا يحاول نيل بعض الريالات من جيبك ليقامرَ بها دون علمِك بحجة أنه فقير ومسكين. وتذكر عزيزي، ليس كل من يعيش هذه الظروف متلاعب، البؤس موجود في هذه الحياة، والفقر موجود، وما يعشعش من ديدانٍ في هذا البؤس هم هؤلاء البارعون في نيل مرادِهم، وإشعارك أن هذا مرادك. المتلاعب لا يكذبُ بقدر ما يخفي، ويعلمُ علم اليقين أن بدايةِ محاصرته بالأسئلة عمَّا يفعله، ولماذا يفعله! يعني أن حبل التلاعب نصف القصير، نصف الطويل، قد بدأت أليافه في فقدان تماسكها، سيتوقف عن الشد، وربما يرحل بعيدا، وسينتظرك بكل صبر لكي تعود إليه، وتعوضه عن كل الذي فات. كُل أشكال التلاعب تلفُّ وتدور حول إنسان لم يكمل بناء دفاعاته كما تحتاجُ حياة الفرد المعياري. حول ذلك النقص الذي نعيشُه، والورطة التي يجدُ فيها المرء نفسه وقد وقعَ فيها، محاطا بكل هؤلاء الذين يجيدون العزف على أوتار نقصه، ومشاعره التي يتوق للحصول عليها من الآخرين. كُل نرجسي متلاعب، ولكن ليس كل متلاعب نرجسي، البعضُ لديه تصديقٌ كبيرٌ لما يفعله، يمكنك أن تعينه ببعض الصراحةِ، وأن تخبرَه عنما يفعله بك، ويمكنك أن تشير له عن تأثيره على نفسه وعلى الآخرين، البعض يتحول إلى كابوٍس مؤذٍ، وقد تكون سيء الحظ الذي يبدأ به حياةً من إيذاء الآخرين، وتهديدهم، وابتزازهم، وربما سرقتهم، وربما في حالات قتلهم، أو قد تكون حسن الحظ وتكون ذلك الإنسان الذي أهدى لإنسان آخر بصيرةً يحتاجُ إليها، تلك الصراحة، وذلك الصدق هو الشعور بالنبل الذي يجب أن تشعر بها عندما تجدُ إنسانا يتلاعبُ بالآخرين وهو لا يعي أنَّه يفعل ذلك، هذا الشعور يكفيك، بدلا من عقدة المنقذ، أو الكريم، أو الإنساني، وغيرها من الأوهام الي نملأ بها نقصاً داخلنا، يجب أن نملأه بها. وبهذا ينتهي سردنا عن المتلاعب الظريف، الذي لا يؤذيك، ولكنه لا ينفعك! ينفع نفسه فقط، وكل ما يفعله هو أنه "يعطيك من طرف اللسان حلاوةً" وأحيانا! هذا كل ما نحتاج له في لحظات كثيرة، والمتلاعبون يعرفون ذلك جيدا!

 

 

معاوية الرواحي