بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 18 أبريل 2026

خلاصات

 سبحان الله ..

أمس أول ليلة مرت بدون كوابيس الماضي
قمت وجالس أذاكر بسهولة
وهذيك القبضة التدميرية راحت ..

شيء مواضيع في هذه الحياة روحية بحتة ..
النظر لها من زاوية علم النفس فكرة يجب نحتها بحذر شديد

أنا بكل صدق ما فاهم حياتي واجد ..
وجالس أحاول أفهم ذاكرتي كل يوم

وتحولاتي وتنقلاتي كلها .. لدي تفسير لها!

تفسير ديني ربما لن يروق للماديين

وتفسير طفولي جدا ومبسط

كنت شخص أغضب والده وفقد رضاه

والنتيجة، رغم كل فرص الدنيا أمامي ..
وكنت وقتها شخص مقرب من الجميع، ومتفق عليه من الجميع، والجميع ما عدا الحاسدين يرى في معاوية (حاجة كبيرة جاية في الطريق) ..

يعني خير الدنيا العميم والنجاح وفق المعايير النمطية!

بس العامل الديني، التوفيق، هذا اللي أنا متأكد إنه ما يتم شيء بدونه!

وانهار كل شيء ..

انتقل السياق لوضع آخر:

كل شرور الدنيا تحيط بي، بلا دفاعات، دمرت نفسي بنفسي، والشامت، والكائد، والحاسد كان يغني يا ليل يا عين في حفلات النهش العام اللي أنا كنت المسؤول عنها أولا وأخيرا وسببها. هذا لا يعني أنني أسامح وأبرر لمن فعلها، أنا فقط أتحمل المسؤولية.

وسبحان الله! من هذيك الأحلام اللي كل مفسر يسميها (رؤيا) .. إلى السفر للنيبال والتفرغ لحفظ القرآن وتسميعه بالكتابة ..

كما قلت، هذا المنطق ديني، بسيط، وإيمان العجائز، وجزء شاحب منه رهان باسكال ..

أذكر في السجن كنت وقتها واصل للاعتقاد الربوبي، كأنني جاهلي يسمع عن الإسلام والدين ويحاول استساغة الجانب غير المادي فيه، (غيب شامل، وكون وحياة آخرة) ..

بيني وبين نفسي قلت أحسم الجدال بيني وبين الإسلام المسلمين. وطبعا هذا الكلام ما تعدي، ولا تطاول، هذا التحدي موجود في القرآن. ليش أشغل نفسي جالس أبحث عن الشبهات (الذي يفسر دينيا بما يضخه الشيطان في النفس، وقد يكون الشيطان من النفس وفيها كما تشير أية فجورها وتقواها) ..

وقلت خليني أدخل التحدي مباشرة بيني وبين كتاب الله، فلو انتصرت عليه أتيت بقرآن بديل، ولو هو الذي انتصر وصلت للراحة النفسية التي فقدتها سنوات.

وبدأت التغييرات تحيط بي دون أن أشعر، هالة من الحفظ والعناية فعلا فعلا غريبة جدا لإنسان يفكر بعقلية مادية بحتة. وتراكم الموضوع تدريجيا، وبدأ التفكير الإيماني يحيط بي تدريجيا. صممت برنامج لحفظ القرآن وتسميعه بالكتابة، وكنت أحفظ صفحة واسمعها بالكتابة لمرة واحدة (البرنامج مصمم يمنعك من تسميع أي شيء خاطئ) وأنهيت الصفحة الأخيرة في النبيال وأنا أصنع شموع (وهذي وحدها قصة).

أيضا عشان ما أعطي انطباع لأي شخص أنني شخص ملتزم وحاشرنها، أنا لست كذلك، لكنني أيضا لا أسمح لشخص أن يتدخل في ما بيني وبين الله، هنا البرزخ بيني وبين غريب في العالم. بس حطها في بالك، هدفي من الكتابة هو الممايزة بين الانتقالات الذهنية وليس اجتماعيا.

وبعدها، تتصالح مع الدين شوية شوية، يبدأ هذاك التفكير يؤرقك، سالفة رضا الأبوين، ولا تقل لهما أف. وبدأ التمزق العام يصبح ظاهرة رقمية يومية في عمان ربما لشعر سنوات متتالية.

يا ساتر هذيك الحرب الروحية كيف كانت مؤلمة! وهو موضوع خيارات، ما معي أحكام أطلقها على أي إنسان لاديني، وأتمنى له الهداية وأطبق معه (لئن يهدي الله بك رجلا خير من أن تكون لك حمر النعم) وهذا أيضا منطق ديني بحت.

عشان كذاك كان أسهل لي أدخل صدام مباشر مع المؤسسة الدينية، لأنه أقل ألما، أقل ألما بكثير من ألم فهم سبب الوجود أصلا!

واللي ما يساعدك تحسم الموقف، الضحالة اللي يتعامل بها كل حد مع الموضوع، يرمي جملة قصيرة في موضوع معقد متشابك.

جزاه الله خير الصديق سليمان الحسني، قالوا له مرارا هذا الإنسان سينقلب، هذا الإنسان سيعود إلى سابق عهده، لكنه تمسك بالأمل. المختار الهنائي والصديق العزيز إسحاق الأغبري يذهبان بي للعمرة.

لم يكن انقلابا مفاجئا، كان شيئا تدريجيا. حتى حسمت موقفي واعتبرت نفسي مسلما عاديا كجميع المسلمين، ومجددا أكرر "ما حاشرنها تدين ولا التزام" مؤمن، والباقي الله يستر على عباده.

فقدان الشعور بوجودك، هذا شعور ما ممكن يصل له أي ألم حياتي في العالم. لذل كنت لا أحس، أهاجم الدولة ولا أحس، أسجن انفرادي ثلاثة أشهر ولا أحس، البعض يعتقد أنني إنسان شجاع مقدام، لا أنفي هذه الصفة ولا أؤكدها، الصفة التي أؤكدها أنني حقا كنت لا أشعر ولا أهتم الحرب التي كانت بالداخل أهم بكثير من حياة يتهافت عليها من يتهافت ..

رماد لا يعني لي أي شيء. القيمة الثقافية، الضوء، التأثير، كل هذا كان جانبي، هامشي أمام ذلك الصراخ الذي يمارسه إنسان حقا يتألم ألما شديدا في روحه، يحسم أوراقا مرتبطه بوجوده، وبقراره، يعيش أم ينتحر! ويخلص نفسه من كل شقاء الحياة وكبدها المفطورة عليه.

أحاول جاهدا في معزل عن الناس أن أبني اتصالي الخاص مع الله، أسميه أحيانا (الإله) من باب العادة القديمة، القرآن رفيق دربي، وكل ثانية أكتشف فيه شيئا جديدا، معتقد (ميتافيزيقي) لا أجادل عنه، ولا أفرضه على أحد، ولدي مجادلاتي الخاصة التي لا أكتبها علنا لوجود من أناقشه فيها وجها لوجه بما يروي حق السؤال وأحيانا بما يروي حق الإجابة.

مخاض هذا الشهر، لن أكتب عنه لماذا، هو مرتبط بأشياء خاصة في حياتي، وقرارات أيضا خاصة وعميقة، وقد قررتها والسلام، وسأمضي عليها، ولا تراجع عنها كما لا تراجع عن قرارات سابقة أولها العيش في سلام تام، والتأهب الدائم لصد أي اعتداء جاء من بادئ قاصد كائد، في هذه الناحية جاهزة لدرجة الموت، لن أقبل أن أعيش في هزيمة اجتماعية مجددا، إما حياة كريمة أو الموت ولا وسط بينهما، هذا محسوم، والجميع يفهم ما آل إليه مآل معاوية رحمة الله عليه من انتهاك عام لدرجة أنه كان ينافس الحاسدين والكائدين في تدمير نفسه.

هذا كان أحد الجذور العميقة التي يمكن تفسيرها والكتابة عنها علنا، والسبب الوحيد الذي يجعلني أكتب عنها، هو إتمام ما كتب وما نشر من قبل، عدا ذلك، لم أكن لأكتب هذه التدوينة لولا أنني كتبت وها أنا أغلق الدائرة تماما بمآلاتها بعد أن غرست بذور إرهاصاتها ..

أتمنى وأنت تقرأ هذا الكلام أن تفهم أنه ليس موجها لك كغريب، ربما سيهم مئة شخص فقط لا أعرفهم وأتمنى أن ينفعهم في حسم ألمهم الداخلي ..

التوازن الروحي، وأثره ليس صغيرا، فادح للغاية، يدفعك لأن تكره أمَّك وتراها أنانية لأنها كائن مادي قرر إنجابك، وقس على ذلك بأثر الدومينو، ستكره أباك، وعائلتك، وستكره (كل كتلة مادية بشرية) تحمل حمضا نوويا شبيها، وبالطبع، ستكره نفسك، وتكره حياتك، وتكره عذاب الحياة، ولن تطيق الحياة بين البشر بكل تهافتهم للدنيا، ولن تطيق من يسعى للآخرة سواء بصدق نية وضمير، أو بضحالة واستخدام الدين شماعة لإيذاء الناس.

كيف تكمل حياتك وأنت ترى كل هذه الظاهرة البشرية (كتل طين ومكونات كربونية، وأملاح، وشوية أعصاب؟) .. لن تطيق الحياة، ولهذا هذا الألم لا حل له سوى الأفكار فقط .. والله يعين اللي يقدر عليه في كل حالة مخصصة وفردية! يعني أقولها لكل إنسان حاول أن يجنبني كل الذي حدث: لم تكن لتستطيع، إما تأتي من نفسي، وأخوض معركتي الداخلية، أو ببساطة ستفشل.

المواجهة الروحية الأخيرة (لا أعرف لها تسمية مناسبة حتى الآن) .. جاءت في وضع لا أستطيع فيه افتعال مشاكل خارجية. الألم يهرسك بمعنى الكلمة، يصل حتى لدرجة تشنج العضلات، والشلل السلوكي، وفقدان الدافع، وكوابيس، تواصل حياتك، وتعيش على الطيار الآلي، وتستطيع أن تقنع كل شخص أنك (بخير وطبيعي) .. هذا هو الفرق بينه وبين الألم النفسي الذي يحتاج لعلاج.

الآن فقط فهمت. فهمت جزءا من ذاكرتي، ويمكنني الكتابة عنه يوما ما، فقط يوما ما عندما تختمر الطريقة بعدما اتضحت الفكرة ..

كم أكره كلمة "لست نادما على التجربة" وغيرها من المكابرات. القضية هي أنني لم أعد حزينا، ولست محتفلا. انغلقت دائرة التجربة، وبقاياها الضارة ليس لدي تجاهها سوى الدفاع عن نفسي حتى الموت. لهذا السبب لا أعتدي، ولا أبدأ بالعدوان، لأمنح لنفسي مساحة للدفاع عن النفس المجتمع والناس وربما حتى الحكومة وقتها ستكون فيها معي لأنني أديت جانبي من العهد. أيضا حياتي لا تخلو من أعداء، وبعضهم خطر للغاية. أما هذا الذي معه سالفة (لديه موقف، وزعلان، وما مقتنع، وما يحترم) بصراحة، أمام الضرر الحقيقي، بالنسبة لي تصوراتهم كلها غير مهمة حتى لو اثر على حياتي وعلى سعيي، يعني أمام هذاك المشهد المدمر الضار عاد أقيم له اعتبار، عشان كذاك ما مسوي سالفة ما لأني ما أهتم، بس لأنه أصلا الموضوع بالقياس سخافة أهتم به، لدي مشاكل أكبر أعتني بها وأحمي نفسي منها.

مرت وكنت أظنها ستدوم أبدا. وخلاصات جديدة سأبقى شهورا متتالية أطبقها على الذاكرة وأجد انطباقها فأشعر براحة. سلمت حياتي لعشوائية الحياة المنظمة سنوات لدرجة ذهلت عن الاهتمام بما يدور، كنت مثل الجميع أراقب معاوية كحالة تتبلور وأنتظر النتيجة. اليوم والدفة في يدي، اختلف الوضع، وأدرس المسار السابق ودروبه وقطاع طريقه وأعدائه .. هذا التشبيه هو أقرب وصف ..

في الختام عزيزي القارئ، إن لم تكن من الذين يؤرقهم هذا السجال الداخلي وكنت تراه (مجرد هواجيس) لا داعي أن تهتم بهذه التدوينة. هناك من أتمنى له أن يصل لحالة الاتزان الداخلي، ليبدأ الشعور بالحياة، والتمسك بها، وبالتالي يعيش رسالته في هذه الحياة الهشة للنهاية.

لا أعرف كم سنة ستمضي قبل أن أكون رسالة تعزية، والبعض يقول رحم الله معاوية، والبعض يقول رحم الله معاوية الرواحي، وقليل يقول رحم الله ماريو، وغيرها من المكونات الاجتماعية التي لها حكاية أخرى.

في الثاني والأربعين من العمر، فهمت ما كان يحدث في الخامس والعشرين من الحياة.

يا إلهي، عودة الذكريات المكبوتة أمر ليس سهلا، عنيف جدا، ويحطم كل الاتزان الذي بنيته وفق الطيار الآلي والخيار الآمن. لكن ما لهذا خلقنا الله، (هذا اعتقادي الشخصي) خلقنا لنتأمل، ولنفهم، ولنكون نافعين.

كيف أكون نافعا؟ لا أعرف بصراحة، أسعى لفعل شيء ما، ولا أتوقف عن السعي.

الحمد لله على كل حال ..

وهذا جزء من القصة وللحديث بقية ..