بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة الوقت الميِّت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة الوقت الميِّت. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 22 مايو 2026

إرهاصات السيرة

لحظة إدراك! لحظة تساؤل!

توقفت منذ ست سنوات عن التساؤل عن حياتي، وعن الميزان بين مساهمتي في نجاحها وفشلها، بيني وبين الظروف. توقفت عن الهوس القهري بمعيار الظالم والمظلوم. ووجدت نفسي ظالما، إن أردت البحث عن الموضع الذي ظلمتُ فيه غيري ونفسي، ووجدت نفسي مظلوما في الموضع الذي ظلمتني فيه نفسي وغيري.

يمر الوقت، وتمر الأيام وانهماكي الدائم في موضوع واحد (ما هو الصواب؟) أتجنب هذه الإجابات القياسية الصعبة لأنها لن تشكل فائدة لأحد، حتى فائدة لي. أظن بنفسي أحيانا الخير، وأجد بها من الخير ما يكفي لأظن هذا الظن، وأظن بنفسي أحيانا الشر وأجد بها من الشر ما يكفي لأظن هذا الظن!

أشعر بدهشة عندما أستعيد صناديق الذكريات. هل حقا حدث ذلك؟ أصاب بالحيرة!!!
الأعوام الطبيعية التي عشتها منذ عام 2006م كانت أعوام الصعلكة في جامعة السلطان قابوس، من كلية الطب، لكلية التجارة، إلى حذف المواد في كل فصل، إلى التيه في الأرض. عمل في مقهى إنترنت، عمل في بيع الأبواب، عمل في المراجعة اللغوية، عمل في الطباعة، عمل في صناعة الملخصات.

النجاة الحقيقية من الزيف هي توقفي عن لعب دور الكادح المكافح الذي يحاول أن يكون (مثل بقية المكافحين). على الأقل في ذاكرتي، لم أعد أصنف تلك الفترة إلا بتسمية (تجارب) المكافح الحقيقي الذي له والدان يحتاجان منه كساءً ودواءً وغذاءً وسقفا. كل من والداه لا يحتاجان منه مالا أو حالا أو وقتا فهو الثري الحقيقي، هذا الذي لديه ثروة الوقت وهو حر يجعلها في فقر الفراغ، أو يجعلها في امتلاء التجارب.
كنت مفلسا ماليا، وأغنى أغنياء عُمان في القدرة على خوض التجارب المجنونة بكل انهماك. كل شيء بدأ عاديا، صعلكة الثقافة، وضرورة أخذ رخصة الحانات، ومع الوقت قليل من الإلحاد الذي لا أظن أنه كان إلحادا حقيقيا وصادقا بقدر ما كانت حالات تساؤل وافق فيه شنٌّ أطباقا، وأيضا لظروف صرت أعرفها لاحقا، وفهمت كيفية حلولها. أشياء لا تقال ولا تكتب علنا.

هل حقا حدث كل هذا؟

أعرف أنه تربطني علاقة ما بهذا المجتمع، وهي ليست علاقة عادية، ولا سطحية. إنسانٌ يكتب منذ عشرين سنة، بهذه الاستمرارية، بلا توقف، وإن حدث واختفى فقد أصبح هو موضوع الكتابة. هل أريد فهم هذه العلاقة؟ لا أريد، ولا أريد أن أحاول، هو شيء صرت أتعامل معه كأي نعمة من نعم الله، وكأي ابتلاء من ابتلاءات الله، أقول الحمد لله على النعمة والابتلاء.

أكتب مقالا بكل برود اسمه "التداول السلمي للكحول!" يا ساتر!!! وكأنني أمريكي مستشرق تعلم اللغة العربية واكتشف سبلة عمان ويكتب كأنه ليس في عمان!
ياخي، وأستغرب أن سماحة الشيخ كان غاضبا مني بشدة لدرجة رفضه رد السلام علي عندما كنت أرسل له السلام عدة مرات!

حالة واضحة جدا من فقدان قيمة الذات، وتقبل وجود كثيرين في حياتي كان يروق لهم ما أفعله بنفسي. لم يعلم كثيرون منهم ما أدخره لهم من ردات فعل، ولم يفهم أحد سر الشر الذي بي. عاملت حياتي ككراسة رسم من أجل أن أكتب، ونسفتها شر نسف، حياتي تبدأ هنا، عندما أسمع نقرات لوحة المفاتيح.

موهوب عماني، بالثانوية العامة، عمل فجأة في شؤون البلاط السلطاني وأين في مكتب الأمين العام! اللواء سلطان آنذاك. وتزداد الغرائبية فوق غرائبية.


تلتقي بهذا الإنسان، تجد إنسانا هازئا، قلقا بشدة، يحب أن يلعب دور المهرج، ويخفي وراء عينيه ذكاءً حادا للغاية وقدرة على سبر أغوار كل إنسان غافلٍ يريد له الشر عندما يظن أنَّه (لا ينتبه). يتذكر جملةً قلتها قبل عشر سنوات، ولا يسامح، ولا ينسى! جملٌ مرحٌ يحقد بصمت، ويضحك في وجه عدوه. شخصية لا تخلو من الخلل النفسي العميق، والعقد، والتشوهات، وأيضا لا تخلو من خصال جيدة يبدو أنها كانت تقاوم الموت الداخلي أيضا.

أنا متأكد أنه لولا دخولي عالم الإدمان على الحشيش والحبوب لما كانت حكايتي بهذه المأساوية. لا شيء يغلب أي عقل حاد مثل هذه! ولهذا أخذت قصة طالب الطب الخارج من الجامعة إلى الحياة منحنى مختلفا عندما دخل هذا العامل الكيماوي للكتابة العلنية! وأخذ كل شيء منعطفاً كارثيا.

كان الجميع يعلم أن معاوية (به شيء ما) لم تكن تقاريري الطبية قد نشرت علنا، ولم أكن قد أصبحت سردية سياسية كل جانب يصنع منها الشبح الذي يناسبه، ولم أكن قد شننت معاركي الدونكيشوتية ضد الدولة، وأين؟ من داخل عمان؟ والله إلى الآن أستغرب أن كل هذا حدث وكأنني أحكي قصة شخص آخر!

ولا أهاجم أي شخص أيضا! السلطان، والمفتي، وأجهزة الأمن. شخص يريد نهايته لكن سوء حظ عدميته أنه في عمان. الرحمة شيمة حقيقية فيها، والعفو شيمة صادقة.

حدث عام 2011م بكل ما فيه، وخرجت منه الخاسر الأكبر لذاته وللجميع. عزلة قاتلة، قرارات خاطئة، ومساهمة غير محمودة من الذين أرادوا بي الشر، وانطلقت حكاية معاوية الأخرى. هذه الحكاية التي حتى هذه اللحظة تقال صمتا، ولولا العفو الذي مسح كل الماضي السياسي عني، لكانت حتى هذه اللحظة محل تداولٍ مغرض.

جعلت الأمر صعبا على الجميع! أنا أيضا لست سهلا، كاتب يملك قدرة السرد والقص، إذا أردت لعب لعبة السرديات معه، سترى كمَّا هائلا من (المعاويات) المنثورين في الملأ، وستبقى دائما حائرا في أمره. المشكلة أنني لم أكن أفعل ذلك بانتباه تام، وأكتشف فقط بعد سنين أو شهر لماذا فعلت ما فعلته وقتها! النسق واضح، والدافع واضح، والنتيجة واضحة، وأنا خارج المعادلة، أكتشف ما أفعله بعد أن يحدث حالي حال المراقب الخارجي المتسائل والمتأمل لحالة هذا الشاب الذي عصفت به عواصف الحياة، وأبدع في تحطيم نفسه بكل عزم وتصميم.

وأيضا عمان لها طريقتها العجائبية. أخرج بعفوٍ من السلطان قابوس رحمة الله عليه، أرسل للعلاج، أهرب من المصحة، أحاول الصعلكة، لا أطيق الحياة خارج عمان، وأكره السفر، أعود لعمان، وأواجه الواقع كما هو.

ظن كثيرون من اصحاب خيالات المؤامرات أنني منعت من الكتابة بأمر حاسمٍ من الدولة! وهذا شيء غريب جدا!! وبالذات من الذين لديهم جهل حقيقي بالكيفية التي تدور بها الأمور في عالم القانون. لا أحد يمنع من الكتابة! ستوضع تحت الرقابة، ستطفش بالاستدعاءات، لكن حقك الدستوري لا يمس، الكلمة واضحة (في حدود القانون) وتكييف القانون هو الذي يعامل ما تكتبه، الادعاء له طريقته، وباقي الجهات لها طريقتها، أما أن (تمنع) من الكتابة! هذا شيء اجتماعي بحت! ضغط يحدث من أي مكان.

لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة؟ هل لأنني كسرت؟ هل لأنني هزمت؟ لا أعرف، سردية (يهوذا الأكبر) التي تفنن البعض في صياغتها تحت مظلة (معاوية لن يكتب مجددا) أو كما قالها أحد أعدائي الكبار جدا (معاوية بعد كل هذا ليس له سوى شيء واحد، إما أن يجن، أو أن ينتحر، لا أحد يعود من هذا الوضع الذي فيه).

بصدق بصدق، لا أعرف لماذا توقفت عن الكتابة! سأكتشف يوما ما السبب. توقفت لمدة عامٍ كاملٍ ربما، رجعت للعيش في سمائل مع العائلة، أخذني والدي تحت رعايته، بدأت أستقر، عدت للكتابة، وبدأت أضع قلمي حيث يجب، بكل تركيز، وأدافع عن نفسي عندما يجرؤ أحد على المساس بحقي الأقدس في الحياة "الكتابة".

لو كان إنسان في عمان من الذين يحلمون بحياة أفضل، فله خيارات واضحة. أن يبقى في دائرة التفلسف الكوني، بعيدا عن التصريح، ملكا من ملوك التلميح، الموقف لديه في الحانة، أو في طاولة القهوة، ويطلق الأحكام على كل من يسجن، وكل من يطبل، لا أحد يعجبه. الإنسان الصحي، الذي فقط أتمنى أن يتوقف عن النظر إلى حياة الآخرين ويفهم أن حياته هي الصواب الذي يجب أن يكون! لولا ذلك النقص الذي به تجاه الذين يعيشون ثمن خياراتهم.

عدت للكتابة بمعجزة ربانية، وتحسس كل إنسان أطلق عنان قلمه ضدي رأسه! هذا الإنسان عاد ليكتب، وعاد لينشر، ويستطيع الآن الرد على الجميع، وأي قائمة طويلة كانت! كنت أجمع قائمة الانتقام المعنوي في عقلي سنوات وسنوات، يا إلهي، الكراهية تجعلك مسخا شئت أو أبيت. الحقد نبيل، الغضب نبيل، أما الكراهية فهي الكائن الأعمى الذي يجعلك منطقيا في ثانية، ثم يجعلك كتلة من الزفت الساخن في ثانية بعدها بقليل.


وأيضا الجاهل بالدولة في عمان لا يعرف حقيقة العلاقة بينها وبين أي كاتب. هي علاقة سياقية بحتة، صعبة الفهم جدا إلا بعد أن تخرج عن رأسك وهم (أنسنة) الدولة، وترى فيها نظاما، أو خوارزمية فيها الصواب والخطأ، والخير والشر، وصراع الصالح والفاسد، والخير والشرير حالها حال كل بلدان العالم، هي نتيجة نهائية لتضادات النفس البشرية التي تتجلى على هيئة منظومة متكاملة.

قد تتعرض لشيء شخصي، لكن المنظومة نفسها ليست شخصية، وذلك الشخصي الذي حدث لك قد يتحول يوما ما إلى شفيع لك في شيء آخر، قصة صعبة الشرح للغاية لمن لا تحضر لديه سياقات معقدة للغاية تحتاج إلى شرح مطول. الخلاصة، أنني لم أمنع عن الكتابة يوما من الأيام! حتى وأنا في كل معتركاتي المتقلبة. وطبعا، كانت لي أدواري المؤقتة التي أهرب منها، والتي أيضا ليست بسينمائية ما يتوقعه البعض، مجددا، الواقع السياسي في عمان مختلف جذريا عن ما يتأمله البعض من بعيد بلغة الخيال وإكمال النموذج المتناسخ من عنعنة المجرب الذي يسرد لمن يجرب حقيقة الواقع الغامض هناك.

أنا شخصيا أرى أن الواقع العماني قابل للاحتمال، سوء الحظ وارد، الشخصنة تجاه إنسان واردة، الظلم وارد، كل شيء وارد، ولكن هل هو قابل للاحتمال؟ المقارنات تثبت ذلك، وأنا من الذين عاشوا واقعا آخر وجدت نفسي أكثر تصالحا مع عمان الدولة مع صعوبة واستحالة وإعجازية العودة الطبيعية إلى عمان المجتمع.

الدولة أسهل ملف تحله في أي وضع شائك. تحل موضوعك، تثبت العهد، تبقى عام أو عامين تحت السمع والبصر، تثبت موقفك، بعدين غيب عيش كمل حياتك لا حد معك ولا حد ضدك. شيء صعب أن يتخيله الذي يتغذى من وهم الاستهداف المستمر وهو من الأساس لا يفعل أي شيء، يثرثر في الحانات والمقاهي، ويكتب تغريدات بها الكثير من التلميح! يعني جو سينمائي مفيد إبداعيا، لا علاقة له بأي واقع وأهل التجربة يعرفون هذه (النمائن) الكرتونية جيدا.

إن كنت إنسانا يعيش في مظلة القانون، ليست لديه رغبة في خوض هذه التجارب، أنت الذي على صواب، وأنت الواقع الصحي، وأنت الذي يعرف كيف يكتب، ويعرف كيف يمتنع عن ما يضره أو يضر غيره. فكرة تنزيه المساجين، والمكسورين، والمحطمة قلوبهم، والمرهقة عقولهم ليست أكثر من إسقاطات يُحسد فيها المرء على جروحه!! شيء غريب جدا عندما لا يملأ نفس الإنسان الصواب الصحي الذي يعيش فيه.

بالعربي!! مالك ومال السجن!! عموما لا أطلق أحكاما، أنا شخصيا كنت أريد دخول السجن متعمدا، وأعرف الآن كل الدوافع النفسية التي كانت تسكنني، وكل الصراع الداخلي الذي حسم بعد عقد ونصف. عسى أن يسمح لي العمر بكتابة كل هذا يوما ما في سرد منظم.

يا سلام لما يحبك البشر الذين يتمنون لك السجن لكي تنال المزيد من البطولة. ويا سلام! لو أيضا تكون مضطهدا اجتماعيا، يلاحقك الذين يرونهم (مجتمعا جاهلا يكره من يفتح عيونهم) بالإلغاء والسرديات. يحبونك سرديةً فقط! وإن أصبحت حقيقيا، فأنت شخص عادي بلا دهشة! حالة فعلا تستحق أن تسمى (دنيا ماشية نكس).

يميني لم أطق، يساري، لم أطق، ملحد (أو هكذا كنت أظن) لم أطق، بدأت أكتب في رؤية تجاه القرآن وكانت كتابات جميلة جدا وكأنني خلقت لتأمل القرآن، أفزعني ذلك. وكل هذا علنا! وكل هذا يكتب يوميا في الفيس بوك ولاحقا في تويتر. يا ساتر يا معاوية إنه حياتك غريبة فعلا!

الكتابة سيطرت على حياتي، دمرتها، وأنقذتها، وأتمسك بها ومستعد أن أمنح روحي عشر مرات لها. لست موجودا حقا في أي شيء سوى في هذه الكلمات التي لها من يقرؤها لعقدين كاملين، منذ أيام السبلة إلى أيام تويتر الآن، هناك من يعرف الحكاية كلها، ومن أصبح صديقي، ومن أصبح معالجي، ومن أصبح ناصحي، ومن أصبح صديق عمري. كلمة "القارئ" هذه الورقة الناقصة مهنيا في حياة كثيرين يستخفون بها بحجة خزعبلات مثل موت الكاتب، وأشياء أخرى من الفلسفة قيد التكوين التي يدمن البعض السكن فيها! كالذي يحب علم النفس قبل تطور علوم الأعصاب، هو نفسه الذي يحب الفلسفة قبل تطور التنظير عن الردع النووي، والنظام البنكي العالمي، وهيمنة القطبين ثم القطب الواحد على العالم. زمان ووجود ومجتمع وكوكب ماركس وهيدجر وغيرهم من الرفاق أهم بكثير من لحظة العالم الراهنة والمعقدة والمملة جدا.

القارئ! هذا الرمز السحري الذي من يفهم حقيقته؟ يفهمها الذي عاشها، وهي ليست تجربة تتكرر مرتين لدى كاتبين مهما تشابها.

هو الذي يرسل لك رسالة، ويسألك عن مرحلة في حياتك، ويذكرك بها، ويخبرك ما كان يظنه ثم يخبرك ما يريد أن يعرفه ثم يساعدك للوصول إلى الحقيقة شبه الموضوعية عن الذي كان يحدث، وفق فهمك، ووفق فهمه. قد يكون طبيبا، وقد يكون أكاديميا في علم الاجتماع، وربما يكون شخصا كان يكرهك واصبح يحبك، وربما يكون شخصا كان يحبك وأصبح يكرهك، القارئ قارئ، دائما لديه رموزه السحرية للوصول إلى روحك بالضرر وبالنفع.

لا أعرف متى صرت جزءا من الوجود اليومي للعالم الرقمي، ومن ثم صارت لي هذه الورطة المضحكة وصرت أسمى (من المشاهير) وأقوم بعمل إعلانات عن المطاعم وغيرها! هههه شيء جميل وظريف جدا وأحب عمله، كاد أن ينقذني من هذه الهالة الثقافية لولا ما فعلته الدراسة، وما يجب الآن أن أفعله لكي أتخفف منها دون الحاجة لاستخدام الانتقاص من الذات، أو تأطير الكوميديا بكلمة (هذونة) أو تسييل لعاب اللئام بالقليل من جلد الذات الموجه. سيكون تحديا ظريفا، ولكن بصدق، من ألطف التجارب في حياتي هذا الوضع الرقمي الجديد الذي به شيء اسمه (مشاهير). فقاقيع الانتقال بين المراحل التي سوف تنهار انهيارا موجعا عندما يكتشف المبدعون فن صناعة المعنى رقميا، ويعرفون أنهم أيضا يمكنهم صناعة حياة مهنية عبر ذلك، ولهذه قصية أخرى وميزان طويل الأجل.

كل هذا حدث حقا! السجن في الإمارات حدث، المحاكمة الماراثونية حدثت، البراءة حدثت، العودة لعمان حدثت، السجن مجددا حدث، الخروج منه حدث، رحلة البحث عن جوازي حدثت، تحولي إلى شبح طوال الوقت حدث، السفر إلى النيبال حدث، سبعة أشهر من صناعة الشموع حدثت، قرار الهجرة لأمريكا حدث لولا ترامب اللعين. الهجرة لبريطانيا ومن ثم 1249 يوم و11 ساعة ولم أحسب وقت (بوردنج) الطيارة.

كل هذا حدث حقا، البث المباشر في أيام كورونا، تغريدات تويتر، الدوافع النظيفة بلسان وسخ، والدوافع الوسخة بلسان نظيف. وكل هذا كان يحدث ويحدث ويحدث بلا توقف!

حياة شاب موهوب تذهب للدوامة!!! ثم حدث ما حدث ..

في البدء كان عبد العزيز الهنائي .. ومنه انطلق كل شيء، ثم كان سالم بن حميد الرواحي، ومن تحرك كل شيء.

والعفو الهائل الذي قلب حياتي رأسا على عقب، من مأساة إلى حياة! من جلالة السلطان هيثم بن طارق الذي سأبقى ممتنا له في كل لحظة أنجو فيها من ضرر شخص أراد بي، وفي كل لحظة يحدث لي خير كان مستحيلا في وضعي السابق.

العفو إلى عُمان، وانقلاب الآيات! الحكومة التي كانت تلاحقك بالحق العام أصبحت الحكومة التي تحمي العفو. ويا إلهي! لدي أعداء مخيفون حقا!! التعهد بعدم التعرض هو سيد الموقف، ومن جانبي لم أتعرض لأحد، وحتى هذه اللحظة لم يتعرض لي أحد.

وكل الحكاية أخذت طابعا مختلفا، بعد صاحب السمو السيد ذي يزن، مقابلته، تعييني كعضو مجلس إدارة في النادي الثقافي، جلسات معا نتقدم، وكل الذي أصبح ممكنا اجتماعيا بفضله وبفضل رعايته لهذا الإنسان الذي يعيش هذه الدهشة المستحيلة كل يوم! هل أيضا حدث كل هذا!!!!

كما يقول لي صديق من خارج عمان: "المشهد لديكم سريالي حقاً"

قال ذلك عندما عرفني في بريطانيا وأنا أسدد السب والشتم حتى والدي لم يسلم مني وطبعا الموال الاعتيادي للغاضب الذي يبكي ثم يغضب ثم يختفي ثم يعتذر ثم يغضب ثم يختفي ثم يعاود الكرة بلا توقف!!!

والمشهد وأنا ألقي مداخلتي أمام صاحب السمو في ملتقى معا نتقدم! فعلا، مشهد سريالي!!! لا أعرف هل أنا أبالغ أم هذا فعلا صعب أن يحدث في دولة عربية غير عمان؟؟ ربما يحدث، ربما لا يحدث، لكنه فعلا مشهد سريالي!!

ونعم هذا حدث. ذلك المدون المهلوس المدمن بكل (سياكله) يعود لعمان، والآن شخصية ثقافية عادية أخرى مملة كثيرة الكتابة وكثيرة الكتابة عن المواضيع المملة التي يأنف عظماء الأرض من ذوي الحروف الكتابة عنها. أقسم بالله، أنا نفسي أحيانا أستغرب! ما السر الذي في هذه العمان الذي لا يمكن كشفه! أتوقف عن التفكير، وعن تحليل كل هذا وأشكر نعم الله الكثيرة، وأدعو من القلب لجلالة السلطان بلا توقف، الكلمة التي ترافقني دائما (السلطان هيثم الله يحفظه وجزاه الله خير) أقولها أكثر مما أكتبها، ولن يفهم وضعي إلا قليل قليل جدا في هذا الكوكب!

حتى شيء غريب!!! معارض (أو هكذا يسمى) تنقل السفارة (دراجته الهوائية) إلى عمان! ومعارض آخر (إن كان ينطبق هذا عليه) يعود لعمان لكي يودع عائلته!!! ما هذه البلاد فعلا تحيرك والذي يقول أن يفهم عمان يكذب! لا أحد يفهم هذه البلاد حقا! الذي أعرفه أنني أحبها حقا، وأتمنى لها الخير، وأتمنى لمجتمعها الرخاء والحرية، وقدر الممكن والمتاح أكتب لأجل ذلك.

لا يمر يوم دون أن أسأل نفسي. هل أنا صادق؟ كل هذا الذي أكتبه وأنشره هل له دافع صادق؟ هل حقا دافعي الخير؟ وحب الحرية للناس؟ أم دافعي آخر؟ أم هو مزيج مرة يغلب هذا ومرة يغلب هذا؟ هل كل العمل الذي أقوم به أريد به وجه الله حقا؟ أم أنا مراءٍ آخر، لا يمر يوم ولا أسأل نفسي هذا السؤال ولا أجد إجابة. إن بحثت عن الشك في نفسي وجدت ما يؤديه من خيلاء واختيال، وإن بحثت عن الحق في نفسي وجدت ما يؤيده من صدق ونية. لذلك أيضا توقفت عن هذا السؤال، وطبعا توقفت عن الاستماع لرأي أي إنسان يتجاوز الفعل إلى صاحبه! من يجعل الأمر شخصيا فشكرا له، لأنني عندما أجعل الأمر شخصيا، أجعله شخصيا جدا! وأيضا البادئ أظلم أليس كذلك؟ أنا أرد فقط، لن أغفر لأحد مهما امتد بي العمر، هزيمة اجتماعية أخرى؟؟ سأموت عشرين مرة ولن أقبل ذلك. والذي يعرف مرارة الهزيمة الاجتماعية، وخسارة الذات، والتحول لسردية، وأن ينهشك من هب ودب، ومن ظلمتَه ومن ظلمَك، كل هذا درسٌ مروع للغاية يغير الإنسان.

الدرس الحقيقي في عمان، أن الذي ظلمتَه يسامحك، ويتجاوز، وأن الذي ظلمك يغالي في الدفاع عن نفسه وإيذائك!! شيء غريب ما أن تعرف أن حياتك تستحق الدفاع عنها ستتعلم كيف تسلح نفسك بالوعي الكافي لكي لا يحدث هذا مجددا.

لم يكذب صديقي عندما يقول أن المشهد في عمان (سريالي فعلا) وأذكر عندما جن جنونه عندما رأى زيارتي لسماحة الشيخ في منزله!!
- هل هذا الجنون يحدث لديكم؟ فعلا قبل اعتذارك؟

أرد عليه:
- لم أعتذر أصلا، كان لطيفا للغاية لدرجة أنني نسيت أن أعتذر وخرجت من منزله ثم انتبهت لذلك!!!

والله العظيم كأنه نص من رواية!!! ناشط وموظف في الدولة، يشتم السلطان، والمفتي، ثم يدمن عشر سنوات علنية من الهلاوس، ثم يعود بعفو، وكأن شيئا لم يكن يعطى فرصة للحياة وورقة بيضاء يملأ صفحتها وكل له عهد ووعد، ثبت من جانبي، وثبت من الجانب الآخر بلا خدش.

حاول البعض التعرض لي لكن الحمد لله عندما كان الأمر في محله حُميتُ على وجه من وجوه العهد المستمر. لذلك لا أعتدي على أحد، وأعيش في عمان مطمئنا.

إنت كنت سأصف نفسي، فأنا غريب حقا، ولا أعرف نفسي كما أتمنى. لا أعرف هل أنا صادق أم كاذب، لا أعرف هل أنا وطني أم منافق آخر ومطبل يطبل لأنه يريد أو لأنه يخاف. لا أعرف هل أنا حقا أتمنى الخير لعمان، أم أدفع ضريبة للناس فقط لأنني أشعر بالذنب. لا أعرف مطلقا لا أعرف ولا أريد أن أعرف. أعرف أن الوقائع، المثبتة، المؤكدة تقول أنني فعلت صوابا في مواضع كثيرة، هذا يكفي، المنطق يكفي للحكم، الباقي كله غيب في غيب، خيط من الدخان كلما أمسكته أفلت من يدي، وحقا حقا لا أريد أن أعرف لأنني مستمر في الحياة بهذه الطريقة، أحاول فعل ما هو صواب.

لم أعد صعلوكا، لم أعد مهذونا، لقد أصبحت الآن (أبو الملهم) الذي لديه واجب وجودي يؤديه ويا إلهي! كل الحياة الهائلة السابقة تبدو شيئا عاديا للغاية أمام هذه المسؤولية أمام إنسان أنا أحمل اسم (أبوه).

المفارقة التي لم أفهم يوما ما اسم (أبو معاوية) أنني لا أحمل اسمه فقط هو أيضا يحمل اسمي. أنا سمّيت بابني، والآن فقط أفهم أن أبي سُمّي بي!!! متأخرا جدا رأيت ذلك، ومبكرا بما يكفي لأحاول رد الجميل.

لا أنوي شرا بأحد. أنوي خيرا لنفسي ولعائلتي. أكتب لأنني حقا أحب الكتابة، وأساهم في الشؤون العامة لأنني أملك خبرة جيدة أثبتت فائدتها في عدة مواقف. لا يهمني أنا إنسان خيّر أم شرير، ولا أعرف أنا منافق أم صادق، ولا أريد أن أعرف، ما هو الصواب؟ ماذا يقول المنطق الشرطي الجامد البحت أذهب وأفعله، بقرار مسبق، وبجهل تامٍّ لما يدور في طيّات نفسي الغامضة جدا جدا.

نعم أعترف، أنا إنسان غريب، لكنني أيضا في بلاد غريبة، بلاد كل يوم يمضي أعرف أنني لا أبالغ، هذه البلاد بها شيء مختلف، بها شيء مختلف، في خيره وفي شره مختلف. لهذا السبب لم أعد أريد أن أفهم شيئا، أقرر أن أعيش، أملأ صفحة هذه الحياة بما استطعت. رب أسرة آخر في مجتمع أتمنى له كل الخير لأنني أتمناه لنفسي أيضا.



أسأل الله أن يحميني ويوفقني، وأن يبصرني دائما، وأن يجنبني شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر نفسي ثم شر الناس ..


ولا إله إلا الله ..
والحمد لله رب العالمين ..

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

مفهوم أنه غير مفهوم!

للآن ما فاهم موضوع عجيب وغريب. وهو اعتداء نتنياهو على قطر! حتى هذه اللحظة أحاول تقليب الأمر من كل جانب لأجد فيه منفعة ما تخص إسرائيل ولم أجد! قصف عدو لإسرائيل، في قلب دولة عدو لإسرائيل أيضا لا يشكل مجازفةً رعناء بالمنطق الإسرائيلي. حتى للمجتمع الدولي، فهما يتحاربان ضمنيا، ولاحقا فعليا، والأمر واضح. نتنياهو بهذا السياق يكون قد حقق اختراقاً، ويطلع فيها ملك اليهود الجديد، ويؤسس لنفسه مكانة وهمية لبن جوريون عصر التكتوك والاحتفال بقتل الأطفال وغيرها من الشؤون اليومية العادية لإسرائيل. حتى على صعيد أزمات نتنياهو السياسية، ورغباته المهووسة في إيجاد حلول تاريخية، واختناقه، وتقديم نفسه كدرع يتلقى كل الضربات نيابةً عن اليمين الجاهز أيضا لاستبداله، وهو سياسي أمريكي الذهن ربما أكثر عن هيلاري كلينتون عندما يتعلق الأمر باللعبة المعقدة التي يحافظ فيها على لعبة المقاعد. كل هذا مفهوم، كل هذا متوقع، كلب مسعور مثل نتنياهو يتوقع منه أي إنسان الذهاب إلى أي أشكال من الجنون. حتى الإبادة، والتجويع، وقصف المستشفيات، كل هذا أيضا متوقع من جرذان الجيش الإسرائيلي وقائدهم المسعور. كل هذا منطقي ضمن سياقهم، ونازيتهم، ودمويتهم، وأحقادهم، وجنونهم، وانكشاف حقائقهم للعالم، ولا مبالاتهم بأي شيء أممي، أو ديموقراطي، أو السلام المزيف وغيره. أيضا كل هذا في السياق. الذي يجعلني أقفُ حائرا هو الاعتداء على دولة وسيط أولا، ودولة عربية مسالمة ثانيا، ودولة وسيط ثالثاً. لأنَّ إصابة نتنياهو بالجنون ليس احتمالا بعيداً بعد كل هذا الإشعال الأهوج لما قد يتحول لحرب عالمية ثالثة! حاولت البحث عن أي مصلحة إسرائيلية في المسألة، ولم أجد سوى نتنياهو في المعادلة! هو وجنون نهايته، كلب مسعور خائف من التقاعد والذهاب إلى مزابل التاريخ ليرى بأمِّ عينه كيف يُكتب تاريخه نيابةً عنه، وكيف يحوَّل إلى الأضحية والقربان القادم لإسرائيل الجديدة التي (تعلمت من دروسها) وقررت أن تصالح العالم والحياة وتطبع مع الدول العربية. أتمنى حقا أن يهديني أي شخص لأي منفعة ميكافيللية يمكن أن يقود إليها اعتداء إسرائيلي على قطر! لا أفهم! الشيء الوحيد الذي يمكن فهمه هو أنَّ نتنياهو يدخل حالة شمشون. بايدن الله يذكره بالشر والوبال على الأقل كان أكثر حذراً من تهور كلب إسرائيل المسعور هذا! لم يقحم أمريكا في الميدان، اكتفى بلعبة المال والدعم والإعلام والتواطؤ. لكن ما حدث في قطر! فعلا غريب. فكر بالمصلحة الإسرائيلية وتضادها مع مصالح نتنياهو، سنجد جنونا يشبه الأيام الأخيرة لأي دكتاتور في الدول التي كانت سابقا تحت مظلة الاتحاد السوفييتي وبكل عفوية ومخابرات أمريكية سقطوا بانقلابات مستحقة ولكنها أيضا كانت مدبرة. ثانيا نتنياهو وترامب زملاء في عالم الكلاب المسعورة. نتنياهو كلب مسعور، وترامب أسد سمين. كلاهما لديه طريقته في خوض لعبة القوة والهيمنة، تهاجم بهذه الطريقة ما يجعل أمريكا في حالة فقدان لخيوطها المهمة في الشرق الأوسط؟ وضمن ذلك مسارات سياسية معقدة ومتشابكة؟ ما مصلحة إسرائيل من ذلك؟ بصدق لم أستطع أبدا إيجاد أي منطق سوى شيء واحد: نتنياهو إما يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، أو يعيش أوهام أرمغدون وحرب النهاية الكبرى، عدا ذلك! كل هذا بلا منطق أبدا. ردة الفعل العربية، والبدء في صناعة أدوات حماية ووقاية، وغيرها انطلقت بكل قوتها. والخير في بطن الشر يقول لك: لعل هذه الأمة، وهذه المنطقة كانت تحتاج لسبب واحد فقط لكي تعود إلى رشدها، وتتكاتف، وتعرف أنَّ زمن المنطق انتهى، والتعامل مع الصهيونية الأمريكية، والأمريكية الصهيونية لم يعد أبدا وفق توافق مصالح، أو تشابه أهداف، الأمر أصبح ملطخا باللوثات التاريخية، وجنون الأفراد، وتآكل الأنظمة الديمقراطية، وتعفن الحضارات، والوعد الهائل بالشقاق الكبير. لعل هذا هو الخير الوحيد المأمول من هذا الشر الذي يطرح ألف علامة استفهام، هل هناك أي منطق في كل هذا الدمار والقتل؟ ولكي يفهمني القارئ العزيز، عندما أقول (منطق) لا أقصد شيء يقبل به. الإبادة منطقية، هذا لا يعني أنها مقبول، لكنها منطقية، منطقي جدا أن جيش جرذان حقير سيمارسها، ومنطقي جدا أنها تشكل مصلحة لنوايا إماتة دولة فلسطينية، ومنطقي جدا أنها تعيد إحياء لعنات الدم في الأجيال الإسرائيلية الجديدة. هذا منطقي، مثل منطقية هجوم بوتين على أوكرانيا، مثل منطقية الناتو وأوروبا في ردع ذلك. منطقي لأن به مصلحة ما، العقل لا يجد حيرة في فهم سببه. أما هذا!!! هذا ليس أكثر جنون أنا ومن بعدي الطوفان. جنون شمشون، ونهاية كلب نازي مثل نتنياهو أصبح غير المتوقع جزءا من المتوقع من قبله. أقصى أمنية لدي كإنسان عربي، هو أن يكون هذا نداء يقظة حقيقي، بين الشعوب العربية، وقادتها، وجيوشها. العدو الحقيقي خدش بمخلبه أسمال السلام المهترئة. والله يستر من وراء مآلات كل هذا الوضع، لأنَّه ترامب ونتنياهو من جانب، وبوتين من جانب، وكل الحشد للقوات العسكرية، كل هذا لا يبشر بخير! أرجو حقا ألا نكون مثل من سبقنا بأجيال، ظنوا خيرا بالبشرية حتى أهلكت الحروب العالمية مسار التطور البشري وحصرته بمجانين يظنون أنهم يقودون دفة التاريخ في العالم! والله غالب على أمره

الأحد، 6 أبريل 2025

عن عالم اللجوء

 موقفي من اللاجئين قلته وأقوله مرارا وتكرارا، أنظر لهم من زاوية أملهم بالعودة الآمنة، لا أتفق مع معاركهم، لا أؤيدها، ولا أختلف مع الذين يتولون مناقشة خطابهم بالحجة والبرهان.

ثمَّة أشياء كثيرة أريد قولها، لكنني لست مستعدا نفسيا للعودة إلى تلك الأيام بقدر ما كانت مزرية ومؤذية.

ليست لدي ملاحظات على الذين يتولون الأمر كخطاب سياسي، القلة القليلة التي تعرف ما تقول، وتعرف كيف تتصرف، وأبسط شيء تمشي وفق القانون العُماني.

أمَّا الفئة المتطفلة على الخطاب السياسي هذا، ولا سيما هذه التي وجدت نظام (اللي يحب النبي يضرب) ويظن أن الرد على الشتم بالشتم هو شيء منطقي.

ما منطق هؤلاء: 


اللاجئ في بلاد خارج عُمان، لا يحاسبه قانون على ما يُعتبر جريمة نشر غير قانونية في عُمان، بالتالي، يحق لي ممارسة جريمة تجاهه، وفي كل الأحوال هو صراع بين شخصين، لا علاقة له بأي خطاب سياسي، ولا خطاب اجتماعي، ولا نشاط تعبيري، هي حالة من الشتم المتبادل. هل هُناك شيء يجدي في ذلك؟ شخصيا لا أجد نفعا في ذلك، ولا أظن أنَّ هذا السلوك يفعل شيئا سوى زيادة الانتباه للخطاب القادم من الخارج.


لن أتكلم عن فلان بعينه من اللاجئين، أو الذين خارج عُمان، ومن الأساس لا أريد أن أتحدث عنهم بالخير ولا بالسوء لكي أبتعد عن دخول المعمعة. 

سأتحدث بما أظنه نافعا للطرفين، وإن خذلني اجتهادي فهذا هدفي. أتمنى أن يستفيد أحدهم من هذه التجربة التي تمثل (تجربتي الشخصية فقط) وقد لا تنطبق على غيري.


عندما كنت في بريطانيا نصحني إنسان مخلص النصيحة وقال لي: "لا تحرق سفنك"


يشير إلى قصة طارق بن زياد في فتح الأندلس عندما قام بإحراق السفن التي كانت ستعيده وجيشه وقال مقولته الشهيرة التي نسبت إليه: "البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فأين المفر؟"


لم أسمع هذه النصيحة وأظن أن هذا الخطأ الاستراتيجي سبب لي تعقيدات غير متوقعة، وأثَّر على أي نفع اجتماعي من وجودي في بريطانيا وحوَّل الأمر إلى مهرجان من الاستنزاف في الملاسنات والتي البعض لا يدخلها بحسن نية وإنما يدخلها لكي "يشعللها" ظاهره الدفاع عن الوطن وباطنه تهييج لاجئ خارج عُمان لكي (يجلد) أكثر وأكثر، وهذه الجُملة مأخوذة من خطاب البعض الذي اعترف لي بعد عودتي أنَّه كان يتعمد استفزازي لأنني بالنسبة له (أكون أوكّيه لما أكون معصّب). جحش على هيئة إنسان أسأل الله ألا ألتقي بأمثاله مجددا.


أكرر تحذيري، هذه المشاركة لتجربتي لا أهدف منها نصح إنسان داخل عُمان، أو أهدف بها تغيير قرار لاجئ، لا أنصحه بالعودة، ولا أنصحه بالبقاء هُناك، كُل إنسان له خياراته وهو الذي يدفع ثمنها. هذا لكي أقطع الطريق على أي مغرض سيحاول اعتبار كلامي دخولا في هذه المعمعة، أو أي شخص آخر يفترض أنه يجب علي أن أؤمن بالمقاربات الحالية في التعامل مع اللاجئين تقود إلى أي نفع اجتماعي. أما عن الجانب السياسي، والتعامل الرسمي مع اللاجئين فليست لدي أية وجهة نظر عنها لأنني بعيد عن هذا المشهد كليا، ولا أستطيع أن أعرف ما به مطلقا والحمد لله.


سأبدأ بأخطاء خطابي (من تجربتي الشخصية) الخارجي آنذاك، ومع أن الحديث يحتاج لمئات الصفحات، سأحاول أن أختصر قدر الإمكان. 


- استهداف السلطان: كان لدي خلط كبير بين الحالة الفلسفية لسلطة السلطان، والحالة الواقعية لحقيقة ضلوعه في أي شيء حدث لي. هذا جرف الخطاب من أي نفع اجتماعي إلى نوع من المغايظة والانتقام اللفظي وكأنني عندما كنت أشتم السلطان قابوس رحمة الله عليه فإنني أحقق أي نفع اجتماعي أو إصلاحي. الآن بعد مرور التجربة أدركت أن إدانة السلطان لأي تصرف بحجة المسؤولية الفلسفية التي يحتمها منصب السلطان على كل مواطن لم يكن شيئا عمليا، أو نافعا اجتماعيا لي، وقد عطّل ذلك عملا إصلاحيا كان يمكنني أن أؤدي دورا جيدا فيه وحولني إلى كائن يتبادل الشتائم مع مئات الأشخاص الذين بعضهم متطفل على الخطاب السياسي ويهمه تضخيم تأثيري لكي يكون هو البطل الذي يردعني أكثر مما يهمه أي شيء آخر، والنتيجة تعرضت للشتم المقذع الذي يشبه الشتم المقذع الذي أطلقته، ودائرة لا نهاية لها. في الحقيقة السلطان بموقعه الفلسفي كحاكم هو الحل وليس المشكلة، والذي ينظر للأمور بالنظرة الفلسفية الكبير سيتعامل مع منصب السلطان وكأن كل مشكلة في عمان هو سببها، وهذا خطاب تمنيت لو أنني لم أسلكه تجاه السلطان قابوس رحمة الله عليه. على الواقع العملي السلطان كان هو الحل وليس المشكلة، هو الذي أصدر العفو، وعن طريق السفارة والتفاهمات وكل طرف أوضح للثاني ما له وما عليه، العفو الذي صدر بشأني كان يشمل الحق العام، والتعهدات من جانبي أنني لن أعود إلى استفزاز الدولة، أو أجهزة الأمن، وقد وفيت بجانبي من العهد وحتى الآن لم أتعرض لأي استدعاء ولم ألزم أو أجبر مثلا بالهجوم على اللاجئين فضلا أنني من البداية قلت بالفم المليان: "لا أريد إجباري على أن أدلي بأي معلومات عنهم" كانت الإجابة على لسان السفير عبد العزيز الهنائي: ستعود، حرا، طليقا، ملفك جديد وأبيض، ولست ملزما بأي شيء، عش حياتك وابنها وأكملها. أخذت عامين حتى اطمأن قلبي، والآن أكمل عامي الخامس والحمد لله بلا مشاكل. أكتب في مظلة القانون، وسواء نتفق أو نختلف مع سقف التعبير، لقد اخترت العودة لعمان، وأتقبل قانونها، أختلف معه أو أتفق، هو الذي يحكم في شأني، وأختار أن أبتعد عن أي شيء يجلب عليَّ استدعاء ادعاء، أو قضية في محكمة، ومجددا هذا خياري الذي من حقي تماما أن أعيشه، ليس موضوعا للتفاوض مع أحد.


- ظني أن أي شيء فعلته في بريطانيا يعزز فرصي في اللجوء، وهذه مغالطة شائعة، كل ما تفعله في بريطانيا يقع رسميا تحت إطار (أنت تحت السيادة البريطانية ما تفعله طبيعي جدا) اللجوء عملية معقدة للغاية، تحتاج لأدلة، ومن الصعب للغاية بمجرد استدعاء، أو حتى حبس على ذمة التحقيق دون انتباه منظمات حقوقية مثلا، وأدلة، أو حالات أخرى بها دليل على التعذيب مثلا، أو الاختطاف القسري، أو الطائفية، أو وجودك في منطقة حرب. 

اللجوء لمجرد الكتابة عن السلطة وقبوله ليس سهلا، ولم أكن أعرف أنه كان بمقدوري أن أبدأ حياة هادئة، منطقية، خالية من الضغط النفسي الشديد وأنه لا داعي للهجوم على السلطان لأثبت أي شيء للجانب البريطاني أنني أستحق اللجوء. 

تفصيلات اللجوء تقع ضمن قوانين ولوائح تتغير دائما، لذلك من المؤكد أن الوضع تغير الآن.


- من الأشياء التي ندمت عليها أنني قضيت وقتا طويلا وأنا أظن أن البقاء طوال الوقت على الشاشة، والتطاول بالشتم المقذع هو الذي "يغايظ" الفئة المتطفلة على الخطاب السياسي التي كانت تشتمتني شتما مقذعا. عندما اكتشفت أنَّ فئة من الناس ترى الأمر ذاتيا، وترى أن الإساءة الشخصية لي أولوية على تفنيد خطابي السياسي (إن كان لي من الأساس خطاب سياسي) يعني (الأكشن) أهم لديهم من أي اعتبار آخر، وهذه الفئة المتطفلة إلى الآن تصول وتجول في الساحة الرقمية لا تفقه شيئا في الخطابات، تعرف أن تشتم، وأن تفرغ غضبها وتعيد توجيهه إلى أي شيء يسمح لها لبعض الوقت أن (تبرد فوادها) في لاجئ، أو في حساب مشبوه، أو حتى في مشهورة سوشال ميديا تكلمت عن شيء يستفز الفئة المحافظة مثلا.

تواحيت على نفسي فقط في السنة الأخيرة من إقامتي في بريطانيا وبدأت الدراسة وأكملت سنة قبل مجيء فيروس كورونا، وما حدث من تغيير الحكم في عمان والعفو السامي والباقي معروف وعادي جدا، عُماني عاد لبلاده وترك السياسة وبدأ حياة اجتماعية جديدة.


- من الأشياء التي ندمت عليها أيضا أنني نزعت هويتي الفردي تماما وبقيت رهن الهويات الجماعية، وهذا ما جعل خطابي مهلهلا، غير مقنع، الهدف فقط هو كسر الخط الأحمر الممنوع في عمان، ومغايظة أجهزة الأمن، وكأن كسر حاجز الكلام سيصنع أي شيء بعمان. تمنيت لو أنني ركزت على قضايا موضوعية، وكنت على الأقل نافعا بقول الحقيقة، بدلا من لوك فلسفات مطلقة وعمومية الجميع يعرفها.  (مجددا هذه تجربتي أنا فقط كلامي لا يشمل بالضرورة اللاجئين الآخرين).


- كل لاجئ ملف مختلف، وكل لاجئ حكاية، وكانت من أخطائي أنني لم أبدأ حياة جديدة، أدرس، أو أهتم بصحتي، أو أترك الإدمان مثلا، عشت في دائرة أنني لاجئ وكأنها تعريفي الوحيد، أربع سنوات في بريطانيا كان يمكنني أن أخرج منها متخرجا من جامعة، أو على الأقل لا أحرق سفن العودة لعُمان، كل ذلك الشتم وادعاء الإلحاد، وغيرها كانت أشياء هامشية، لا علاقة لها بقرار اللجوء، فقط في حالة كان هناك تهديد حقيقي على الإنسان وحياته ومثلا قادم من دولة إعدامات هُناك الملف يعني شيئا لدى السلطات البريطانية، عدا ذلك، الملف الذي لم يتخلق داخل بلاد اللاجئ السابقة، ويُثبت يجد صعوبة هائلة جدا في الحصول على اللجوء. 

أن تصل بريطانيا وتبدأ في كسر أي خط أحمر داخل بلادك لا يعني أي شيء لدى السلطات البريطانية، ما حدث داخل بلادك هو المهم.


- البعض وهو يسوق السرديات الخاطئة عن اللجوء يكاد يسوق تجربة اللجوء وكأنه تجربة مليئة بالعسل، ولا سيما فكرة (مدعومون، مرتزقة) بالمنطق ألا يشجع هذا إنسانا يائسا لكي يذهب ويطلب اللجوء وينعم بالمال الوفير! هذا ما يفعله البعض ممن يظن أنه يتصدى للاجئين وهو دون أن يدري يسوق تجربة اللجوء مصداقا لبيت أبي العلاء المعري (وإذا نهيت النفس عن شغف بها .. فكأن زجر غويها إغراؤها). ولا أفهم ما يفعله هؤلاء، ولا أظن أنني سأستطيع أن أفهم كوني عشت التجربة هُناك ولا فائدة من الشرح لهؤلاء الذين يظنون أن هذه السرديات تنفع! بينما هي تشجع البعض على الذهاب ويظنون أن هناك جنة من الدعم، والمال، وهذا غير صحيح. 


- الفئة التي تشتم وتسب كتبت عنها مرارا، الذين يجيدون الكتابة في هذه الشؤون السياسية بحنكة قليلون، أما الذين يشتمون الأم، والأب، والعائلة، والقبيلة، بعضهم فعلا يقول كلمة يسميها كلمة حق، وحقا يريد بها باطلا، وهو أن يؤجج ردات الفعل ضد الحكومة.


- البعض يهمه أن يكون البطل الذي يتصدى لهؤلاء (الآبقين) أكثر من أن يهمه حقا حماية الوطن. وفعليا، يوجه الضوء ويضخم تأثير اللاجئين دون أن يدري بطريقته، لاجئ يشتم ويسب، تصوب عليه الضوء لماذا؟ بكل صدق لا أعرف، تفسيري الوحيد أن البعض يجد شعورا بالإشباع النفسي في دخوله هذه المعركة وينسى الجوانب المؤثرة على الخطاب وإقناع الوضع الداخلي بتنفيد منطقي. أليست هذه الفكرة؟ توجيه نظر المجتمع إلى الحقيقة؟ ما نفع ابتكار السرديات عن اللاجئين؟ 


- البعض لا يرد على خطاب اللاجئ، هو يرد على اللاجئ، شخص خسر قدرته على زيارة بلاده هل تتوقع أن عملية الاغتيال الاجتماعي ستضره؟ ستؤجج خطابه الآخر المليء بالتشنج، هذا ما حدث لي، هل يحدث لغيري لا أعرف، لكنني متأكد أن الذي لا يستخدم المنطق، ويستخدم السرديات والشتم هو الذي يضخم تأثير اللاجئين. لماذا يفعل البعض ذلك مع إنهم يريدون العكس؟ هل هذا متعمد؟ أم فقط سوء تقدير أيضا لا أعرف.


كوني لاجئ سابق، ليست لدي إدانات لأي لاجئ، أيضا ليس لدي تبرير لما يفعله. ما عشته في بريطانيا أن الكلام كان مجانيا. فقدت طعما كنت أشعر به في حياتي في عُمان، شعور النحت في الصخر. هل باقي اللاجئين لديهم نفس الشعور، لا أعلم، هذا كان شعوري. وأكرر، أن موقفي من كل لاجئ أنني أتمنى له عودة آمنة إلى بلاده، وأن يكف الله شره إن كان ظالما، وأن يعيد له حقه إن كان مظلوما، هذا موقفي من كل لاجئ ولن يتغير لأنني أنا لاجئ سابق وعشت التجربة.


- بعض اللاجئين لا يعرف خطورة أشياء قد يفعلها بشكل عرضي في الإنترنت وقد تذهب به إلى مشاكل هائلة، مثلا الدعوة للعنف، أو أن يساعد أحدهم على طلب اللجوء، الأمر هُناك جاد للغاية ويعتبر ضمن (Human Trafficking) والتي تترجم (الاتجار بالبشر) 


- الدعوات للاعتصام والمظاهرات، عادةً إن كانت ستحدث فهي لتأثير داخلي، البعض لا أعرف هل يتعمد وكأنه يرد عليها بينما هو ينشر الخبر؟ أحيانا أصاب بشكوك أنَّ أحدهم يريد لهذا أن يحدث، وكل ما يفعله في الظاهر هو ادعاء بحت. لست متأكدا من ذلك لكنني لا أفهم، كيف البعض لديه قلق من حدوث تحركات ميدانية قد تقود إلى ما لا يحمد عقباه (وفق وجهات نظر كثيرة) ومع ذلك يسلط الضوء عليها؟ شيء لم أفهمه لا وأنا داخل عُمان، ولم أفهمه وأنا خارج عُمان.


- عندما كنت لاجئا لم أكن أفهم أن كثيرا من البشر لا يرون بي أكثر من إنسان (طاح من كيس حيّانه) بهذه البساطة، لا يعبأ لمصيري، ولا يعبأ بأي تعاسة أعيشها، لا يعبأ بالغربة، ولا بعدم قدرتي على لقاء عائلتي وأصدقائي، مجرد ملف آخر، مجرد غريب. ليتني كنت منتبها لهذه الحقيقة قبل أن أمر بعلاقات سيئة للغاية مع بشر كانوا يريدون إطالة بقائي في بريطانيا.


- العودة لعمان تكون فقط عن طريق السفارة، والذي يريد العودة عليه أن يفتح فمه، وأن يعرف ما له وما عليه، وأن يصله التطمين من السفارة فقط، يحدث أنَّ بعض الناس من المتطفلين يتدخلون لسبب ما، وبعضهم لا يريد خيرا، وبعضهم له أجندة خاصة، وبعضهم فقط يتملق للحكومة بحجة إنه سبع البرمبة الذي يقنع اللاجئين بالعودة. الحذر من هؤلاء كل الحذر، عائلتك هي التي تمسك إجراءات العودة، وستأخذ وقتا.


- لم يطلب مني صراحة حذف أي فيديو في حساباتي، من الأساس لم ألتقي بأي موظف أمن، وأي موظف ادعاء منذ عودتي لذلك لا أعرف هل هذا الشرط كان سيوضع أمام، قمت بنفسي بحذف المواد التي تعتبر جريمة نشر في عمان، والذي يقوم بنشرها وإعادة تداولها هو الذي سيحاسب. لذلك، هذه المعلومة لست متأكدا منها. 


- الذهاب إلى بريطانيا، وشتم السلطان، وشتم المقدسات، بل حتى وادعاء الإلحاد بحجة أنك لو عدت هذا سيسبب لكم خطرا طريقة غير مضمونة للحصول على اللجوء. والبعض يظن ذلك ويقع في هذه المشكلة، أحيانا يأخذ ملف اللجوء سنوات من الاستنزاف، وقد تصل إلى خمس سنوات بلا قدرة على العمل، وبلا قدرة على الدراسة، وبريطانيا مع الوقت تضيق على اللاجئين أكثر وأكثر. لذلك هؤلاء الذين يروجون لحياة اللاجئ الذهبية المدعوم بالملايين مجرد أغبياء حمقى يسوقون اللجوء ولا يردعونه كما يتوهمون. 


- أختم كلامي بأنني لن أهاجم لاجئا، ولن أؤيده، وأرفض أن يحاول لاجئ إقحامي لسكة السياسة لإيذائي شخصيا، وأفرض أن يحاول شخص في عمان وضعه في مواجهة مع اللاجئين، موقفي من أي لاجئ واضح وصريح، اعرف وضعك جيدا، اعرفه قانونيا، تبين، تثبت، دع عائلتك تتولى الضمانات، إن كانت عودتك تتطلب عفوا ساميا فاطلب العفو (الرسمي الإجرائي) وانتظر الإجراءات إن كتب الله لك صدور العفو. أمنيتي أن يعود كل لاجئ إلى بلاده آمنا مطمئنا، وأمنيتي ألا يخسر إنسان قدرته على الحياة في بلاده، هذا يشمل أي لاجئ وأي عماني.


- إن كان ثمة نصيحة أوجهها لأي لاجئ، يدك في الماء، أنت آمن، فكر مليار مرة قبل أن تحرض إنسانا داخل عُمان على شيء قد يذهب به للسجن، إن كان الناس يثقون بك، وجود ضحايا لك سوف يعود عليك بالضرر، وإن كتب الله لك العودة ماذا ستجد؟ ستجد شخصا أقنعته أن يسلك مسار النشاط السياسي، وتعود أنت إلى عمان لتجد إنسانا خسر وظيفته، ومستقبله، وحياته وهو كان يظنك قدوة أو مثالا وكنت تشجعه على هذا الدرب، هذا الدرب الذي يختاره هو الذي يدفع ثمنه، هذه نصيحتي الوحيدة لكل لاجئ، لا تكن سببا في سجن إنسان، الظروف تتغير، وقد تجد نفسك في ظروف تسمح لك بالعودة، وإن كنت إنسانا تعرضت للظلم فقد يكتب الله لك أن يُعرف من ظلمك، وربما يُعاقب. وإن كنت إنسانا ظالما فهو موضوع وقت قبل أن تقع في خطأ، وسيعرف الناس حقيقتك، ولا أنت بالغربة، ولا أنت بأي تأثير داخل عُمان، أسأل الله السلامة لكل لاجئ، وإن كان ظُلم أن يعود له حقه، وإن كان ظالما أن يكف الله شره عن نفسه والناس وعن عمان. 


رغم أنني أشعر بقلق شديد جدا من نشري لهذا المقال الطويل، وضعت فيه مجادلة محكمة تمنع أي مغرض من إخراج كلامي من سياقه، وهذا هو الشعور الذي كنت أفتقده خارج عمان، هذا الشعور بالنحت في صخر، والسعي في مسارات حرية التعبير، والأمل أن يرتفع السقف الرقابي على الأقل، ذلك الأقل من القانوني بكثير، آمال صغيرة للغاية في حياتي الهادئة التي اخترتها، لا أسمح لأي إنسان بإخراج حياتي من هذا السياق، وما أكتبه من دافع الضمير عسى أن ينفع أحدا.


وبما أنني أريد النفع، رسالة لعائلة كل لاجئ، لا تقطعوا أبناءكم، لا يوجد أبدا أي مانع قانوني من التواصل معهم، لا تقعوا في هذا الخطأ فتزيدوه غربةً فوق غربته، قربكم منه ينفع ولا يضر، ولن تزر وازرة وزر أخرى هذا ما أظنه بعمان وهل أنا مخطئ يعلم الله، هذه زاوية تجربتي، وقد لا تتفق مع تجارب آخرين.


كتبت هذا الكلام انطلاقا من خوفي أن أكون (من كتم علما) هو اجتهاد إن أصاب فالحمد لله وإن أخطأت أسأل الله أن يرشد بصيرتي لأكتب ما هو نافع.


الرد على اللاجئين سياق صعب، أخذه كمباراة في التطاول، والرد على شخوصهم مرارا وتكرار (في رأيي) يضر ولا ينفع، هل رأيي صواب، هل هو الحقيقة قطعا إنه يقبل الخطأ، لكنني مؤمن تماما به، إن كان ثمة مقاربة تنفع تجاه الشتم والسب فهي التجاهل، وإن كانت مقاربة تنفع تجاه البيان السياسي فهي المجادلة، وإن كانت ثمة تفاوض لعودة لاجئ فهي ضمانات القانون، وإن كان ثمة موضوع اجتماعي فهو ألا يقطع، ويُهجر لكي تكون الغربة خياره الوحيد، هذا ما أظنه صوابا لكل من يريد نهاية حسنة لكل لاجئ، أما الذي يريد التنكيل، والانتقام المعنوي، والاغتيال الاجتماعي فهو مسؤول عن نفسه، وعن كلامه، ويحاسبه الله في السماء والقانون في الأرض، أيهما أنفع؟ لا أعرف، لكل إنسان أسباب يراها وجيهة، هذه وجهة نظري الفردية. 


هذا جزء من تجربتي في عالم اللجوء، فإن نفع ما كتبته أحدا، فهو كذلك، وإن لم ينفع فهو اجتهاد.


والله الحافظ من شر كل مغرض سيحاول إخراج كلامي من سياقه.

الأربعاء، 14 أغسطس 2024

هو: ما كان عليه!

 يقترب الموعد الجميل، الشهور الأربعة التي أغلق فيها عقلي عن النظر للمستقبل البعيد. هكذا عاهدت نفسي في كل فصلٍ دراسي أدرسه، أن يكون عقلي مخصصا للنظر للضوء في نهاية النفق. يا إلهي! حتى هذه اللحظة لا أصدق أنني أعيش هذه الرحلة! عقدة دراسية عمرها عشرون عاماً أخذت وقتا هائلا لتتفتت!

قليلٌ من الناس في هذا الكوكب يعرفون معنى هذه الجملة "كان في كلية الطب" بكل ما فيها من المعاني المتناقضة. كانَ في كلية الطب! والبعض يصفها بلغة أقل حدة "دخل كلية الطب" ونعم! كنت في كلية الطب، ولكن ما الذي حدثَ بعدها! حدث الكثير، وتكونت العقدة الشديدة من الدراسة، عقدة أخذت عُمرا كاملا لأكتشف حلَّا لها.

عندما قررت الخروج من كلية الطب، اتخذت القرار مبكرا. أدركت فورا حجم العبء الهائل الذي سأعيشه إن أكملت في هذه الكلية! ولكن لا تسير الأمور حسب رغبة مراهق في الثامنة عشرة، [هل هي عشر أم عشرة نسيت تمييز المعدود الآن] سأسأل المصحح العُماني إن كان يقرأ هذه التدوينات. ليته [يستقعد] لي كما يفعل مع الحسابات الرسمية كنت سأستفيد منه فائدة جمَّة، على الأقل سأكون من الذين يقولون له شكراً. ما علينا! نعود للموضوع.

بدأ إدراكي لأعباء كلية الطب من الشهور الأولى، ونويت التحويل فورا، ولكن! إنها جامعة السلطان قابوس، وإنها كلية العلوم، صدمات العُمر الأولى، يجب أن أنهي عددا من الساعات قبل أن أخرج إلى عالم الحرية الذي كنت أظنه جميلاً. لم أكن أشعر بالخسارة، ولم أشعر مطلقاً بأي شعور سيء، الكلية لا تناسبني، والموضوع بسيط!
كلية الطب لا تتحمل إنسانا غارقا في الفضول الاجتماعي، لا تتحمل إنسانا لا ينام بشكل جيد، ولا تتحمل إنسانا يقضي معظم الوقت في قراءة الروايات والبحث عن الكتب الفكرية ويشارك ليل نهار في النشاطات ويسهر في تكوين الصداقات الجديدة، لا تتحمل إنسانا مجازفا تتبلور في عقله النوبات الأولى لصديق العُمر الذي سيرافقه لنهاية الدرب، في ظروف إعجازية قليلة يمكن للقليل من العباقرة حقا الجميع بين جنونهم وبين النجاح المعقول في كلية الطب، ويؤسفني أنني لست أحد هؤلاء العباقرة الكبار الذين رأيتهم بعيني! صدمة تدفعك للتواضع، وتُشعرك بحجم ذكائك والذي وإن كنت تتباهى بحدته وقوته أمام العالم لكنك سترى العبقري النادر، ذلك الذي جمع بين الجينات وبين العمل الشاق وتتراجع عن الشعور بأنَّك ذكي!
فقط في كل الطب، تشعر أنك عادي حتى النخاع، وتفقد دوافع كثيرة كنت تندفع لها بسبب شعورك بالتفوق والذكاء، وأي دفعة كنت فيها!!! هاشم با طاهر، أميرة العبيداني، الدكتور منذر، الدكتور أيمن السالمي، عندما أقول عباقرة فأنا أعني ما أقول، أعنيه بكل معاني الكلمة!
كانت خطتي مختلفةً تماما، خطة ليست في محلها، وليست في موضعها، وليست تماما قابلة للتطبيق، كنت أحلم أن أكون كاتباً، وكنت أعلم أن العائق بيني وبين الكتابة ليس أن أستعد كقارئ، وليس أن أتعلم فنون الكتابة والتعبير، أكتب منذ عمر التاسعة ربما! بالورقة والقلم، أكتب وأشعر بالزمن هائلا لأكتشف أنني كتبت عشر صفحات بالكثير في ذلك الدفتر الأزرق، كنت أحب الكتابة، كما أفعل الآن يوميا، أكتب وأكتب ولدي شعور أنني أتمرن على الكتابة وأحلم بأن يأتي ذلك اليوم الذي يتقاطع فيه فهمي وإدراكي مع تجربتي وذاكرتي، كان قرارا في غير موضعه، من كاتب مراهق أن يقدم عمره قربانا للكتابة، أي قرار متعجل اتخذته! أي قرار كان، خطأ منطقيا، صواب روحيا، خطأ لا أندم عليه، فهو أثمن أخطائي التي أحبها. أما خروجي من كلية الطب فكان أكبر صواب أكرهه!

لا أعرف لماذا يعامل الناس كلية الطب وكأنها الجنة! الطب مثل الزوجة الغيور التي لا تقبل التعدد ولا تقبل حتى رائحته ولا حتى تلميحه الضمني، استحواذ تام على حياك كإنسان، يجب أن تكون جاهزا لذلك، مستعدا لقضاء وقتك وأنت تدرس بلا توقف، وتعمل بلا توقف، وهذا يستمر بعد أن تصبح طبيبا إلى نهاية العُمر، مسارٌ ذهني، وأخلاقي، واجتماعي، وإنساني، ومليء بالتعقيدات الفلسفية وبالقرارات وبالصدمات النفسية، أن تكون طبيبا يعني أن تفعل الممكن في ضوء المتاح، أن تتقبل الموت حولك، أن تتقبل وجود القصور الدائم في أي نظام رعاية صحي، أن تتقبل أنَّ المجال ممتلئ بالأطباء الذين بعضهم بلا ضمير، وبعضهم بلا إنسانية، وبعضهم مظلوم يجحف حقه مدير نرجسي لديه عقدة الإله، كطالب طب تتمرن على كل ذلك مبكرا، تتمرن على قسوة الحياة عليك، وتتمرن على قسوة ذهنك عليك وتعيش أقصى درجات الضغط النفسي لأنك بدون هذا التعذيب لن تكون طبيبا، لكي تكون طبيبا، يجب أن تقبل، وأن تحب رحلات البصيرة، والفتوحات العرفانية الطبية التي تصقلك كإنسان، ومعظم الأطباء يفعلون ذلك، وبضعهم لا ينجون من شرور النفس، منهم من يتحول إلى آلة صمَّاء عجماء لجني المال على حساب المرضى، وبعضهم يتحول إلى راهبٍ من الرهبان التي تعمل كالآلة، وبعضهم يتحول إلى طريق الشرور وخيانة المهنة وخيانة أسرارها، هذا فضلا عن الذين يُحبطون فيقف مسارهم الطبي ويعيشون إلى نهاية المهنة في مكانهم، لا يتطورون عمَّا كانوا عليه! هذه الاستثناءات التي كنت أصاب حقا بأن أكون واحداً منها.

كنت أعلم أنني مضطرب نفسيا منذ بداية فترة الجامعة، لا أنام لعدة أيام، أكتئب بلا سبب، أتكلم بلا توقف، يغلبني خيالي، أتعرض لشتى المواقف المحرجة وكأنني مسكون بروحٍ قديمة تريد أن تستحوذ على حياتي. أخفيت حقيقة اضطرابي النفسي حتى بدأ بالتفاقم. اليومان اللذان كنت لا أنامهما أصبحا ثلاثة أيام، وأربعة أيام، نوبات السعادة الهائلة بدأت تشغلني عن أي شيء آخر، يا إلهي! نوبات ثنائي القطب الأولى! الأشد نشوةً، والأقسى في العواقب!

علقت لعامين في هذه الكلية، أحاول جاهدا الهرب منها، وكنت في أشد حالات السعادة عندما تمكنت من الخروج منها! ولكنني اكتشفت درسي الأوَّل والأكبر في الحياة! أنني لا أعيش في ظاهرةٍ فردانية. أعيش في مجتمع كامل متكامل، وهذا المجتمع له آراء، وهذه الآراء سامَّة وجارحة، ومنها بدأت العقدة التي قليل من الناس يفهمون معناها، عقدة "كان في كلية الطب" أو عقدة "خرج من كلية الطب" ويالها من عقدة!

هل تتخيل عزيزي القارئ أنني أكتب للمرة الأولى عن هذا الجرح الشديد؟ لقد مر 22 عاما قبل أن أستطيع البوح بوطأته. أخرجُ من كلية الطب إلى كليةٍ أخرى، كنت أريد الذهاب لكلية الآداب لكن شتى التعقيدات قد منعت ذلك، فضلا عن كوني قد بدأت مشاغباتي الرقمية باسم مستعار! العالم الآخر، الخفي الذي ابتلع حياتي حتى هذه اللحظة! بوعي الفراشة الذاهبة للنار، وبجهل الشاب الذي لا يعلم ما الذي يدخره له الغد من خيبات ومن نجاحات!

لم أخرج من الطب، هذا ما كان يراه الناس، خيبة العائلة والعزاء الاجتماعي الذي عاشته شيئان جعلاني أندم أنني دخلت الكلية من باب التجربة فقط، هكذا قلت في نفسي: أدخل، وأجرب ولو لم يعجبني الوضع حولت لكلية أخرى!
هذا ما تقوله لنفسك وأنت تظن أنك سيد كل قراراتك، هل المجتمع المحيط بك سيتقبل هذه الصدمة، كل فرد في عائلتك البعيدة يخطط لشيخوخة جميلة، مع طبيب من العائلة يسند صحته، يكفي جرح الأم والأب وهما يفقدان الطبيب المرجو في العائلة. كنت بخير، كنت حقا بخير وسعيدا بخروجي من كلية الطب حتى فوجئت بأبعاد ذلك الدخول! وبخيبات ذلك الخروج. لم تبدأ عقدتي الدراسية أثناء كلية الطب، بدأت بعدها، ولأنني وقتها إنسان هشٌّ نفسيا، تكالبت علي مسببات الضعف، وماتت جامعة السلطان قابوس في قلبي!
ماتت التجربة الجامعية ككل في عيني، وصرت لا أعبأ بمصيري الأكاديمي، حاولت جاهدا الحفاظ على علاوة الجامعة لأكبر قدر من الفصول، ولكن قرارا قد اتخذ، وكان بلا رجعة. يمر الوقت، والعقدة الاجتماعية تتسع وتتسع، وفي عقلي المشحون بكل أسباب الاضطراب والبعد عن التفكير المنطقي كانت أفكاري تتخمر لأخوض تجربة العُمر بأقصى درجات المجازفة والجنون! ولم أكن أمزح عندما كنت أقول لأصدقائي: سأعيش جنوني حتى النهاية، فإما النجاة منه أو الموت به!

وجهت خياراتي في هذه الحياة لكي تصبَّ كلها في شيء واحد، أن أكون كاتبا! وكانت عقدتي الأخرى أنني لم أعش ما يكفي من الحياة والتجارب، عشت حياة الطالب المتفوق على الطريقة المصرية، الذي يفضل قراءة كتاب على الذهاب للعب كرة القدم! زملائي يُضربون بسبب قضائهم وقتاً طويلا في ملعب كرة القدم أما والدي فيذهب ويشتري لي حذاء كرة قدم، وكرة قدم ودراجة هوائية ويدفع بي دفعا لأخرج قليلا! كنت قارئا نهما يقرأ طوال الوقت تقريباً.

كنت فخورا بحياتي كقارئ نهم، لم أمقت يوما ما هالة الطالب النجيب، القارئ، فصيح اللسان، الذي يحفظ الشعر والمعلقات وقصائد أبو مسلم البهلاني، كنت أعدُّ نفسي لحياة من الكتابة، وظننت أنه يمكنني أن أجمع بين الطب وبين حياة التجارب، عندما حدثت الخيارات، اخترت تلك التجارب الحياتية، ولست نادما على ذلك مطلقا، لكنني أشعر بالحزن لأنني لم أكن أعرف خيبة الكاتب العشريني، ولا قصر مداه، ولا ضعف تأثيره، خيبة البدايات وصعوبتها، والحكمة التي تأتي متأخرا، والتغييرات التي تصيب الأفكار والعقل!

عقدتي الأخرى كانت عقدة التجربة! وقد أطرت هذه العقدة حياتي بكل معاني الكلمة! أذكر أنني قلت لصديق لي: لن يعوضني عن كلية الطب سوى حياة أكون فيها كاتباً، ولا أعرف كيف ستكون!

يا إلهي، يالها من حياة طويلة من الصعب اختصارها! لكنني اندفعت حقاً، اندفعت في فضول التجربة وأنا لا أعرف أي نداء غامض يدفع بي لكل ذلك الجنون، أندفع للمنظومة السياسية بجنونٍ متناقض، أندفع تجاه التفكير، تجاه الكوميديا، تجاه الشأن العماني العام، تجاه الثقافة، أكتب الشعر، والقصة، وأحاول كتابة روايتي الأولى منذ بداية عُمري.

ابتلعتني تجربتي في الحياة حتى صرت لا أستطيع الخروج منها! تعقد الوضع بشدة! قررت الخروج من الجامعة ثم شاءت الصدف العمياء أن أستدعى للعمل في شؤون البلاط السلطاني! فرصة ذهبية بمعنى الكلمة، وكل ما رأيته في هذه الفرصة هي سانحة للكتابة! مجدداً، حتى تلك الوظيفة الذهبية كل الذي شكلته لي هو راتب أستأجر به شقة، وفرصة للكتابة في المساءات كلها! لم أكن محظوظا في تلك السنوات!
إعصار جونو أغرق سيارتي، دخلت عالم القروض، ومن ثم العشرة آلاف التي استلفتها لكي أدرس بها سُرقت في محفظة من المحافظ الوهمية! وفوق ذلك، أين كنت أعمل؟ في أشد مناطق شؤون البلاط خصوصيةً في مكتب الفريق سلطان الذي كان متفهما للغاية لكل مشاغباتي الكتابية التي لسنوات وسنوات ابتعدت كليا عن الخلط بين العمل والكتابة!
أذكر ذكريات جميلة في شؤون البلاط، كانت جميع سنواتي الأولى جيدة للغاية، ولم أكن أخلط الحابل بالنابل، لم تكن لدي مشاكل وظيفية حقيقية، وكنت موظفا لا بأس به، لدي أخطائي التي سببها اندفاعي لكنني حافظت على هذه الثنائية بصعوبة بالغة. تقبلت مصيري وتمنيت أن أجد فرصة للدراسة، ولكن من ينجو من أخطاء العُمر الكبرى.
كان مساري جيدا، بدأت العلاج النفسي، استقرت حالتي، لم يكن أحد يعلم عن مشكلتي، وعوملت في شؤون البلاط السلطاني معاملة جيدة بسبب وجود من يسندني ويدعمني، كل مشاكلي الحقيقية بدأت بعد ست سنواتٍ من العَمل، مع سيجارة الحشيش الأولى التي دخنتها. كنت على وشك الزواج من فتاة أحبها، وكنت على وشك الحصول على فرصة للدراسة، كانت اللحظة المناسبة التي يتحطم فيها كل شيء بسبب المخدرات، وفعلا، تحطم كل شيء، مرض نفسي شخص مرارا بثنائية القطب، وحالة عامَّة.

بزغ نجمي الحقيقي في سماء الكتابة منذ عام 2007، ظهر من العدم مدون يكتب مطولات يومية، والكل لديه تأويلات، وسرديات عن وضعي آنذاك وقليل من يعرف حقيقة الوضع المعقد الذي كنت أعيشه، حياتي كلها كانت شيئا هامشيا أمام عيني، كل الذي أردته في هذه الحياة هو أن أكتب، ولأنني لم أكن قد وصلت لأي خلاصة في هذه الحياة سميت نفسي [المهذون] فقط لكي أقول للجميع: لا تأخذني بجدية!

كنت صوتاً مختلفا للغاية في المشهد العُماني، وشققت طريقي في عالم الكتابة مسلحا بإرادة حقيقية، وصبر دؤوب. حلمتُ أن أدرسَ عدة مرات، لكنني لم أكن مقتنعا بدراسة تخصصات [البزنس] والتي كانت متوفرة وسهلةً، كنت مقربا للغاية من الحكومة، وكانت تربطني علاقات ذهبية للغاية مع كل أقطابها، وفي الوقت نفسه كنت قريبا للغاية من المشهد الشعبي، والمشهد الثقافي، وظننت أنني سأحافظ على المسافات الجيدة مع الجميع! رغم أخطائي الصغيرة وقتها، لكنني لم أصل للنكسة الكبرى التي حدثت لاحقا، لأخرج من كل ذلك التألق إلى القاع الحقيقي، مفصولا من العمل، مدمنا، ومحاطا بآلاف الأسئلة عن حقيقة كل شيء، ولم يكن يعلم عن تلك الحياة سوى قلة من الناس، بعضهم أراد أن يسرد حياتي بطريقته الخاصَّة من أجل منافعه الدعائية المؤقتة! هناك رميت بذور جميع مواجهاتي المؤجلة، وهناك بدأت رحلة انتقاماتي الكثيرة التي كان بعضها في محله، وكان كثيرا منها بلا أي داعٍ.

كنت بارعا في اللعبة السياسية، رغم ما يبدو عليَّ من غباء [وهبل] يعرف البعض أنه استهبال، هدفي الوحيد كان حالما ورومانسيا، حلمي هو الكوميديا، هذا الحلم الذي بقيت أطمح له حتى كلفتني الحياة أحزانا لا تسمح لي بالضحك! ومن أجل الكوميديا أحتاج إلى سقف عالٍ للغاية، سقف مستحيل بكل معاني الكلمة! آلة لغوية من الفوضى من أجل الفوضى وكل ما أقوله في نفسي: السقف الذي يكسر، يكسر لمرة واحدة!
سقوف كثيرة سقطت على يدي، كلها سقوفٌ قانونية، كلها كانت مبنية على شيء واحد، أن ذلك الخوف الذي يتباهى به الجميع هو خوف مفتعل، خوف أساسه التنصل من المساهمة في الكتابة العامَّة، ورغم كل ظروفي النفسية، والعملية، والحياتية، كتبت آلاف الصفحات دون أن أقع في معضلة قانونية! أترك الأدوية لشهور، وأعود لها لشهور، حياتي كان بها الناصح الأمين، وكان بها الصديق النصوح، ولم تخل من بعض الغيلان والأفاعي ولا أعرف كيف نجوت من شرورهم! لقد عرفت الحقيقة فقط بعد أن سقطت إلى القاع، وأصبحتُ [معاوية] الذي يحلو لمن هب ودب أن يمقته! وللأسف الشديد، أحببت أن أكون مكروها، أكاد أقول أن الارتواء المعرفي الذي كنت أطمح له قد تحقق لي عندما كُرهتُ، أكثر مما تحقق عندما كنت ذلك الشاب الذي يحلو لكثيرين أن يشعروا أنهم أمام شخص له غد متألق!
كنت أعلم في نفسي أنني سأحطم كل شيء يوما ما، لكنني سايرت الواقع كما سايرني. تعامل معي شؤون البلاط السلطاني بطريقة رحيمة وجيدة، مع انزعاجهم من مشاغباتي ومشاكساتي الكتابية العلنية لكن الذي حماني هو شيء واحد، لم أخلط يوما ما بين جهة عملي وبين كل ما أكتبه في صفحات الإنترنت، هذا كان لست سنوات من العقل والرشد النسبي. أما بعد عالم المخدرات، فقد اختلط كل شيء، ويا له من سوء حظ شديد.
أدخل إدمان المخدرات من هنا، ويشتعل كل شيء من الجانب الآخر، أحداث 2011م، وذلك المدون الذي كان يُعامل باحترام أصبح شابا مضطربا لا يعرف ما الذي يقوله، ولا يعرف ما الذي يكتبه، أشخص حالتي الآن بأنني كنت أعاني من الذهان المرتبط بالاستهلاك المفرط للحشيش، كان الجميع يعلم أنني أمر بمشكلة جسيمة، وكانت النتيجة مأساوية، كل الأخطاء التي تجنبتها وقعت فيها دفعة واحدة، ولم أعرف أي ضفة أختار، وأي ضفة أنتمي إليها، كل جانب يريدني في صفه لذلك كنت في جانب الجميع وفي الوقت نفسه لم أكن في جانب أحد.

إن شاء الله لي أن أكتب هذه التجربة بإنصاف وحيادية سأفعل ذلك يوما ما، فقط إن وجدت نفسي منصفا، وقادرا على منح الذاكرة حقها في الكتابة، لا أجزم أنني فعلت ذلك كليا من قبل، ثمة انحياز ما حاضر في كتابتي، وفي سردي، انحياز يمنعني عن الكتابة بصفاء، ربما يوما ما سأتمكن من إمساك البوصلة، وسأكتب ما حدث كما حدث، دون تبرير، دون ندم زائد أحمل فيه نفسي ما لم أفعل، دون جلد للذات ومعاقبة لنفسي، ودون دفاع أو مبررات، ربما يوما ما، يوما ما.

يا إلهي! أين بدأت هذا السرد، وإلى أين وصل!!!!! لا أعرف متى سأصل إلى التصالح الحقيقي مع تجربتي، ومع ذاكرتي. ذاكرتي مليئة بالألم، وبالخيبات، وبالنكسات، كلها بدأت من ذلك القرار الذي قررته: لن أترك كلية الطب إلا من أجل حياة حقيقية، حياةٌ لا يمكن أن تُعاش إلا بذلك القربان الكبير الذي قدمته للكتابة، وأي قربان كان!!!!

لقد سرحت مع لوحة المفاتيح، كنت أنوي كتابة شيء آخر، ويبدو أن مفاتيح الذاكرة قد ذهبت إلى صناديق بعيدة، صناديق لم يحن موعد كتابتها، ولا أعرف متى سيحين؟ الذي أعرفه، أنني أدرس الآن، وأبدأ الحياة من حيث تركتها، لدي ذاكرة مشحونة بالأحداث، ونفس تحتاج للشفاء، وعقل يحتاج للهدوء، وسكينة لم أكن أظن أنني سأعيشها أبدا!

تمنيت أن أقضي هذا الصيف في الكتابة، ولكنني تعلمت الدرس المر، أن الكتابة ليست شيئا في يدي، ليست قرارا أتخذه وأنفذه، إنها كما حدث في هذا النص! شيء يحدث بنفسه، وليتها تنصفني يوما ما، وتسمح لي أن أكتب كل تلك الأيام! هل سيحدث ذلك؟ أم لن يحدث، لا أعرف، الذي أعرفه أنني لن أتوقف عن المحاولة، محاولة الحياة، والمحاولة أن أكون خيرا، والمحاولة أن أتصدى لكل التشوهات التي لوثتني.

لا أعرف كيف كانت حياتي ستكون لولا العفو السامي! أنا متأكد أنني كنت سأكون حكاية شريرة مؤسفة بكل معاني الكلمة! أنا متأكد أنني كنت سأنتهي منتحرا تحت قطار في محطة ساندويل آند ددلي، متأكد أنني لن أكمل الحياة، متأكد أنني لن أكتب. أعيش كل ما أردته من عُمان في لحظة الكتابة هذه! أعيش كل ما أردته من الحياة في لحظة الكتابة هذه! أعيش لأكتب، ولا أجيد شيئا آخر غير ذلك!

للذاكرة بقية

معاوية