بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكـــائـــن الــمــجــهــول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكـــائـــن الــمــجــهــول. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 20 أغسطس 2024

آية آيات الدفتر!

من أصعب الأشياء التي عليَّ فعلا التعايش معها في حياتي، أن معظمَ وجودي يقع ضمن تجليات الظاهرة الذهنية! نسبةٌ مئوية كبيرة من كل ما أنتجه، مكتوبا، مرئيا، صوتيا، الراب، وحتى الكلام الفاضي والمليان الذي أبعثره، نسبة لا تقل عن تسعين بالمائة منه هو ضمن تجليات الذهن التوليدي، لا أعرف ما تسميته الفعلية، لكنه شيء شعري بحت، في ذكائه، وفي غبائه! هذا حقا ما يزعجني، أنَّ الأمر ليس تحت سيطرتي، لا أستطيع استدعاء لحظات التفكير متى ما شئت، لا أستطيع أن أضع نفسي في مزاجٍ إبداعي، كل شيء ينفلتُ من أصابعي ومن لساني وأعرف لاحقاً ما الذي قلته، وما الذي [هببته] فقط بعد مرور اللحظة. لم أعد أسمي هذا جنونا، أو مرضا، صرت أسميه طبيعةً، أتقبلها على مضض وأصنع كافَّة الحواجز التي تقيد عفويتي واندفاعي، وكافة الجدران والأسوار التي تبقيها في حدود المعقول والأهم، التي تمنع عني الأذى، وتمنعني من أن أكون مؤذيا للآخرين. أقطع السنة الخامسة في استقراري الوجداني التقريبي، نكسات صغيرة هُنا وهناك، اكتئاب، نوبات صغيرة من النشاط الزائد عن الحد، كلها في حدود المعقول، شبكات الأمان العائلية، والواقعية، والأصدقاء، والمعالج النفسي، والطبيب النفسي، والأصدقاء القدماء جدا، والزملاء في حقل علم النفس، شبكات دفاع متعددة الطبقات فقط لكي أمنع لحظةً من الانفلات من دماغي وتتحول إلى واقعٍ! هل تتخيل هذا الدماغ الخارج عن السيطرة وما الذي فعله بي وبحياتي! هل تتخيل معنى أن تدخل حالة تشبه الإغماءة في حالة الصحو لتجد نفسك كتبت مائة صفحة كاملة في جلسة واحدة! يبدو ذلك غريباً على البعض الآن! لكن الذين كانوا يقرأون لي في الأعوام منذ 2006 إلى عام 2014 يعرفون جيدا ما الذي أتحدث عنه! ويعرفون جيدا كم كانت عشرات الصفحات تنهمر من أصابعي! ولكن! هل كانت لدي أدنى قدرة على السيطرة على ذلك الطوفان الهادر؟ لم يكن يعلم أحد النفسية المتألمة التي كنت أعيشها، لم يكن أحد يعلم الدمار الداخلي وفقدان القيمة الذي كان يتكون تدريجيا، أصبحتُ فجأة موضوع رأي عندما جننت تماما، أما قبلها! أهلا وسهلا! آثرت أن أنبذ الناصحين الحقيقيين وأن أصدق أن الثعبان يمكن أن يكون صديقاً، وناصحا! وعلى أية حال لم أكن بأقل لوثةً من كثيرين ممن أصبحوا أعدائي! أتناقش أحيانا مع الفلان والعلان من الذين يكتبون! الكُل ينظّر عن مهمة الكتابة، ووظيفتها! قليل جدا من يكتبون لاكتشاف المناطق الخافية عن أنفسهم! قليل يستخدمون الكتابة كوسيلة لحبس التأمل، لتوثيق ترتيب منطقي من الأفكار والكلمات يهديهم كشفا جديدا من كشوف الحياة، قليلون للغاية ومعظمهم من الشعراء الذين ينظرون للكتابة بهذه النظرة، كونها وسيلة لإبصار المناطق المضطربة والمضطرمة من النفس! ذهن ليس بيدي! هذا الذي يغيظني حقا! هذا الذي يجعلني أغتاظ، أين ذهني عندما أحتاج إليه! أين ذلك التدفق العفوي الحر؟ أين ذلك الانطلاق! تخيل أن تكون إنسانا ويقول لك ذهنك "خليك بعيد" وكأنك أنت ضيف وذلك الذهن يكتم عنك جميع أسراره وخفاياه، وكأنك مجرد وعي شرطي جامد يعرف الحدود القصوى والدنيا، ولا يعرف أكثر من ذلك، هذه فعلا حقيقتي المُرة في وجودي البشري. أنا حقا ذلك الشخص الذي يقول له عقله كلاما غريبا، وليس بيدي أن أستدعي أي شيء. حتى ذكرياتي! أحتاج إلى لحظة شعرية لاستعادتها، أفعل العجائب لكي أنجو من التشويش الذي ينال من ذاكرتي، أحيانا أنال لحظة استعادة جميلة وصادقة وصافية وموضوعية، وأحياناً يتشوه كل شيء بسبب ماذا، بسبب خلل في الوعي الحاضر، أما ذلك الوعي العميق! ها ها ها! هيهات! مثل لحظةِ الكتابة هذه! وكأن كائنا آخر يشرح لي الآن "كتالوج" وجودي! أدرس علم النفس، وأعيش في قلب معمعته، برفقة عقوله الجميلة، ومع ذلك، لم أستطع تجاوز هذه الشعرية القسرية في علاقتي مع ذهني، ما أن أخطط لكلامي، ما أن أبني خطة لأقول شيئا ما أو لأكتب شيئا ما إلا وأجد كل شيء أصبح صعباً، فأتلعثم، ولا أعرف كيف أربط بين الأفكار! ولكن! ارمني في أي موقف عسير، أمام مليون إنسان، في بث عام، في تويتر أمام مائة وخمسين ألف قارئ [كما آمل] فجأة! تنهال الكلمات والأفكار، من وحي قلق المواجهة، من وحي الانطلاق التلقائي العفوي! وكأن حياتي كلها يجب أن تكون تحت مظلة قلق اللحظة الشعرية لأتمكن من الكلام، أو من الكتابة، أو حتى من تسجيل أبسط فيديو له علاقة بمصدر رزقي. على أصعدة كثيرة، ذهني ليس تحت سيطرتي، تعلمت التحايل عليه مع الوقت، تعلمت متى أحاصره، متى أضعه في لحظة "رضا" كما أحب تسميتها، تعلمت أن أضعه في حصارٍ خانق من الغضب والقلق، والنتيجة النهائية، اندفاعٌ صافٍ. قضيت آلافا مؤلفة من الساعات في حياتي وأنا أحرث لوحة المفاتيح حرثا، ثمَّة شيء في الاندفاع النثري هذا يجعلني لا أتوقف عن الكتابة، هل لأنني لا أستطيع التفكير إلا وأنا أرى الكلمات تتكون أمام عيني؟ هل السبب إعاقة! شيء ما له علاقة بالطريقة التي قضيت فيها ساعات أكثر؟ لأنني حقا أفكر وأنا أكتب، أفكر بالكتابة، وأتذكر بالكتابة، هل لهذا السبب أجد صعوبة تجميع أفكاري! ألاحظ أنني حتى عندما أتكلم! أكاد أكون أكتبُ من وحي اللحظة! لو جمعت كلامي سأجده مرتبا على هيئة فقرات وكأنني أحاول إكمال مقال ما، أو تدوينة يختلط فيها الموضوعي بالشخصي! الأمر لا يزعجني الآن، لم أعد اكتشف اندفاعات مفاجئة، أقرؤها في تويتر، وكعادتي يجب أن أنشرها لأقرأها، ارتباط قهري آخر بين الكتابة والنشر، القارئ حاضرٌ دائما في ذهني، ودائما أكتب لأحدٍ ما، دائما في حالة الرسالة، من النادر أن أكتب في حالة الآلة، النادر جدا، وعندما كتبت كآلة جئت بمصائب لا أظن أنها ستتكرر في تاريخ الكتابة العُماني! مصائب متعددة الأبعاد! أحيانا أشعرُ أن ذهني يمنع ذاكرتي عني بشكل متعمد، وكأنه يعلم جيدا حجم الصدمة التي يمكن أن اشعر بها إن قمت بربط جميع خيوطها دفعة واحدة! وأنا لست إنسانا طيبا، وأيضا لست نادما محترفا سيعيش للأبد تحت مظلة أخطائه، أتعامل بمنطقية تامَّة مع أخطائي وأكتشف كل يوم المساحة التي أمنحها للآخر الغريب، وما أن أكتشف قطعةً زائدة أتحرك لبترها بشكل سريع! قبل أن أصبح كاتبا هجوميا انتقاميا وقحا وشرسا وقليل الأدب وطويل اللسان كان من السهل على من هبَّ ودبَّ أن يؤذيني بأي شيء! الآن، تعلمت أن أردَّ العدوان، وتعلمت أن أحرجَ الذين ألتقي بهم في الواقع ويفلت لسانهم في حقي، والواقع أنني تعلمت رد العدوان زيادة عن اللازم، باندفاعٍ لا يعبأ بأي نوع من الخسارات، ولا سيما مع الأذى الذي يكون بليغا، أو نابعاً من شعورٍ سابق بمشاعية معاوية، ذلك الذي مباح أن تقول أي شيء في شأنه، وأن تؤلف على لسانه أي شيء، يا إلهي! الذي ينجو من الاغتيال الاجتماعي في عُمان لا ينجو دون أن يحمل عقدا نفسية عنيفة وشديدة لنهاية العُمر، ولا أعرف من أين أكتسب هذه الصلابة والتحمل، لحسن حظي أن ذهني وتفاعلاته ليس تحت سيطرتي، لعلها وسيلة حماية لي! أنا حقا مستغرب من حالي وشأني! فعلا مستغرب، من أكون حقا! بصدق لا أعرف! ما هي تجليات وجودي الحقيقية! أتحداني وأنا في أشد حالاتي وعيا وحضورا أن أكتشف هذا السر! وهذه التناقضات التي تصرعني غيظا! أعرفُ أنني أمثل شيئا ما جيدا لكثيرين، وربما شيئا ما خيرا، أعرف أيضا أنني فعلت أشياء خيرة، لكنني أيضا فعلت أشياء شريرة بمعنى الكلمة! عدوانية، وهجومية، أعرف أنني هددت إنسانا بالقتل ذات يوم! وأعرف أن بي جاهزية مجنونة للانتقام، جاهزية تفوق حتى رغبتي في الحفاظ على مكتسبات حياتي أحيانا! والذي يغيظني أنني أتعامل مع دماغ مشوَّه، مليء بالتعاسة، وقابل للانفجار، أبني الدروع وأتعامل مع الضغط النفسي بمختلف الطرق الصحية وغير الصحية، لكنني أعرف جيدا أنني لست من العقلاء، مع أنني شخص على قدر لا بأس به من الذكاء المنطقي، لكنني أيضا جزء من ظاهرةٍ ذهنية استولت على حياة إنسان حتى حولته إلى ظلٍّ لوجوده. أنا ظلِّي، أنا لست أنا، لا وجود "لأنا" يمكنني تعريفها، أنا ظلِّي، وكلماتي، ومواقفي، وأخطائي، وأفعالي، وفيدوياتي، وأغاني الراب، كائن ذهني اسمه معاوية، والبعض يسميه معاوية الرواحي، أما إنسانيتي من يعبأ بها أصلا! عددهم شحيح جدا في هذه الحياة الذين يعبأون بإنسانيتي، شحيح بشكل يسبب الصدمة! ويؤسفني أنني أنا نفسي، أحد هؤلاء الذين لا يعبأون بإنسانيتي، ذاتي الأخرى الذهنية، الذات الكاتبة، المبدعية، التي تمنحني القليل من المنطق بين الفينة والأخرى على هيئة لحظات كتابة مثل هذه لا تعبأ بإنسانيتي، ولا تعبأ بأي شيء سوى أن تنبلج من كتمانها لتفر خارج حواف جمجمتي! ودائما تبعثر لي لحظاتي إشاراتها، دائما ما أترك أثرا أكتشفه لاحقاً، شيئا ما يعبر عن ما أنوي فعله! شيئا ما أعرفه بعد ألا أستطيع إيقاف عواقبه! شيء دمر حياتي شرَّ تدمير، وفي الوقت نفسه أعاد بناءها أيضا! ومجددا، وعيي، هذا المرتبط بالحياة، وبالمجتمع، يكاد يكون أسخف من أن أذكره بوصف! لأنَّه ليس أكثر من محددات للبقاء والسلامة! أما الباقي فيحدث بعيدا عن متناولي، بعيدا عن أدواتي المنطقي، بعيدا عن وعيي! يحدث في منطقة كامنة في أفئدة الشعراء، في ذهنٍ مترامي الأطراف، أستمد من خياله فهماً يكاد يكون جيدا لأشياء الحياة، ومن عصارته بعض القوانين التي أسيّر بها مجمل شؤون حياتي، ولا أستطيع فعل أي شيء، سوى أن أرهن الظروف من أجله، لعله يأتي، لعله يحن عليَّ بالتفرغ لكتابة كتاب متكامل، أو بقصيدة، أو بأغنية راب! تعاملت مع ذهني بمختلف وسائل الاستخفاف، وكانت ردة فعله عنيفة تجاهي، لم أعد أستخف بوجودي، أنا ظلّي، وسأبقى هكذا لنهاية العُمر، يتكثف حسب مستويات الضوء واتجاهه، وأتقافز في وجودي بين العالمين، لكن المصدر الرئيسي واحد، غامض، لا تربطني علاقة حقيقية به، يقرر أن ينطلقَ، وأن يسخرني لأجل تداعياته اللانهائية عندما يشاء، أما أنا، فذلك السادن المطيع له، أنتظر أن يجود علي بما يستطيع أن يجود به، قابلا كل شيء، لحظة كتابة جيدة، أو سيئة، لحظة ألم، أو لحظة صفاء، لحظة سلام، أو لحظة مقت للذات، كالمنوم مغناطيسيا تعودت أن أجعله يفعل ما يحلو له، وأن أقيَّم ببعض الوعي الحاضر خطره فقط، هذا اتفاقي معه لكي لا أقمعه، لا تؤذني، لا تؤذ أحدا، لا تخلط الواقع بالخيال، لا تنسب لي ما لم أعش، ولا تنف ما عشت، اذهب للذاكرة موضوعيا، وللخيال مبدعا، تلك صفقة الحدود القصوى والدنيا، أما كُل ما يحدث ويتجلى بعيدا عني، لا أعرف ذكاءه ولا غباءه، ولا إبداعه ولا تفاهته، أقبل كل ما ينبلجُ من ذلك العدم، وأتأقلم معه بآنية من اللغة أو الكلام أو المسرح الرقمي الحديث الذي به الصوت والصورة. هذا ما يعنيه أن تكون ظاهرةً ذهنية، أن تكون ظلك، أن يختفي وجودك في هذه الحياة لتكون حالةً منطقية من تراكم الأفعال والكلمات والموافق، دائما حالةً منطقية، ودائماً هناك مع وضد، لقد كنت أعلم جيداً أنني دمرت حياتي لسبب ما، ودمرت وجودي الاجتماعي، وفرصي في الحياة، وفعلت المستحيل لكي أكون بلا حياةً، لكنني لم أظن أن العقوبة ستكون بهذا الشكل الموجع! أنني انفصلت كليا عن ظلي، أنه لم يعد تحت سيطرتي، لا أستطيع استدعاءه، الآن في لحظة الصفاء هذه أعلم لماذا دمرت حياتي، وأعلم أنني لست نادما، فعلت كل هذا لأكتب، ولا يهمني أن أكتب ماذا، أو أكتب لمن، يهمني فقط أن أعيش هذه اللحظات الخارجة عن وعيي وإرادتي، وأن أكتشفها، حالي حال أي قارئ آخر، وأن تستمر، وأن تبقى علاقتي مع الكتابة بهذا الشكل المدهش، دهشة دائما، وتساؤل مستمر: أين كان هذا في ذهني! أنظر إلى لحظة الكتابة هذه وأنظر إلى نوعيتها، وكم يليق بها أن تكون جزءا من كتاب، وأقارن بينها وبين لحظات كتابة أخرى، ذات سخف بيّن، الصفقة أن أقبل الحالتين معا، وأن أتركها تتراكم ضمن ظلّي الذي أصبح وجودي الحقيقي، تتراكم، تتفاعل، تصنع مسارها المنفصل عن وجودي في هذه الحياة! أظن أنني أستطيع الآن فقط وصف السبب الذي يجعلني معاوية! هذا الذي دائما يكتب أو يقول شيئا ما! لقد استطعت تدميره تدميرا جيدا حتى أصبح بلا حياة، هو ذلك الذي هو [شيء قيل، أو شيء قيل عنه] ذلك الذي [كتبَ أو كتب عنه] ذلك الذي في الكلمات، والموافق، وردات الفعل، الآن فقط عرفت لماذا كنت بارعا في تدمير حياتي! الآن فقط أعرف لماذا كنت سعيدا في أشد حالات حياتي شقاء وبؤسا، الآن فقط عرفتُ معنى أن تسخر كل واقع حياتك من أجل ظاهرتك الذهنية الباطنة، تلك التي تختار لحظاتها، وليس عليك سوى أن تكون طائعا لها، منفذا كل معاهدات الألم والخسران، عرفت الآن لماذا بيني وبين ذاتي الواقعية برزخ لا أبغي عليه، ولا تبغي عليه، كلانا يحتاج للآخر لكي يعيش، وكلانا لا يستطيع أن يقول للآخر كل شيء، ولذلك وجب علينا أن نتحدث للأبد لنقرب بين كونٍ وكوكب، خيال شاسع وواقع بسيط. حياتي الواقعية صغيرة جدا جدا ولا يتجاوز حجمها شبرين، ولكن لي حياةً أخرى، تغيظ الذي يكرهني، وتسعد الذي يحبني، وهناك يكمن معاوية الظل الذي لا تربطني به علاقة فهم أكثر مما تربطك به أنت عزيزي القارئ، أكثر مما تربط أي غريب علاقة فهم له، معاوية الذي لا أفهمه، وربما لا أريد فهمه، دعه يكون كما يكون، عسى أن يستمر في محاولة أن يكون خيرا، عسى ألا يؤذي أحدا، عسى ألا يهاجم والده مجددا، عسى ألا يكرر أخطاءه، عسى أن يسيطر على غضبه، عسى ألا يتغلب عليه قلقه، وعسى أن يتمكن ذات يوم للوصول إلى الغفران التام والصحي لكل ما عاشه في هذه الحياة لعله سيكتب شيئا جميلا، أو كتابا جيدا قبل أن ينصرف من هذه الحياة في الطريق المنحدرة المؤدية للموت! أحب الحياة، ولا أعبأ بالموت، أحب الكتابة ولا أعبأ بكل ما ينسج حولها من شروطٍ ومعايير، أحب الظل الذي تحولت إليه ولا أريد بناء واقع ينافسه أو يغير من معاهدة السلام بيني وبين ذاتي الكاتبة، أحب حالة المعنى الأثيري المشحون بالتناقضات بيني وبين نفسي، جاهز للحياة، جاهز للكتابة، جاهزة للموت، جاهز للرحيل، جاهز للبقاء، جاهز للدفاع عن نفسي، وجاهز للعيش في سلام، نعم! نعم، الآن فقط عرفت لماذا كنت بارعا في تدمير حياتي! لكي لا أخسر لحظة الكتابة المفاجئة هذه، ولكي لا تمنعني عنها حياةٌ من التعقيدات التي تفسد الكتابة! أنت حقا مجنون يا معاوية! كل هذه القرابين! أنت تعلم أنها كانت تستحق! ولكن هل كان يجب أن تفهم كل هذا وأنت في الحادية والأربعين! يا لها من صفقة لعينة أيها الذهن الحصين المنيع العنيد! لقد أخذت ما أردت، وحان دوري لأستدعيك بلطف، لا ضرر، ولا ضرار، لك الخيال، ولي الذاكرة، لك المعنى ولي الوجود، فلنعد لاتفاقنا وهجه، ولتكن أقل بخلاً مما صرت عليه، سأنفذ جانبي من الصفقة، فنفذ جانبك، ولتتوقف عن بناء الجدران في وجهي! لن أشوهك بواقعي، فلا تشوهني بخيالك! ولكن هذا ما بيننا، لا عدوان، ولا نكران! وعلى ذلك نتفق، وتوكلنا على الله! على بركة الله

الخميس، 9 مارس 2023

حضور ذهني: نقطة الآن والمكان!

 

 

 

أبدو من الخارجِ مرحاً، ولا يخفى عن عينِ المنتبه أنني إنساني أعيش حالةً مكثفة من القلق، ثمَّة شيء يدفعني لفعل ما أفعله، والمبصرُ يعرفُ أنَّ بركاناً متكامل الأركان يضخُّ حِمَمَه في عروقي. هكذا أبدو من الخارجِ، إنسانا متلاطم الوجدان، نشطٌ ومليء بالطاقة وفي الوقت نفسه ثمَّة غضبٌ شديد مدَّخرٌ جاهز للانطلاق في الوقتِ المناسب. لم تكن حياتي سهلةً، وبغض النظر عن الأسباب، وإن كنت أستحق ذلك، أم لا أستحق، وإن كنت أنا السبب كليا، أم كان السبب خارج فعل أناملي كليا، أو كما هو المنطقُ أن استحقاقي لحياتي منطقة رمادية، كأي إنسان آخر، أخطأ، وأصاب، فعل خيرا، وفعل شراً، به من حسن الخصال وسوئها حاله حال أي شخص آخر، الحُكم بهذا الترجيح القاطع بين الأبيض والأسود طبيعة نقدية يتشابه فيها المحب والمبغض على حد السواء.

أكملُ العام الثالثِ منذ عودتي لعُمان. من لاجئٍ مليء بالغضب والحسرةِ والندم إلى لحظة الآن والمكان هذه! أتتبع ظروفَ هذه العودةِ بتقصٍ دقيقٍ لما هو داخلي، وبانتباه أقل لما هو خارجي. وبقدر ما أبدو هادئا لذلك المتأمل اللامبالي فالحقيقة أنني لست هادئا. تعرضت لما يكفي من الآلام في هذه الحياة، هذا يكفي لكي أفقد طمأنينةَ سطر بوب مارلي الشهير [كل شيء سيكون بخير]، كانت أياما جميلةً عندما هذا كانَ معتقدي اللاعقلاني الداخلي الذي أسير على نهجه. بعدَ العفو السامي، قضيتُ وقتاً لا بأس به خائفاً أترقبُ، ومر العام، والعامان وكل المؤشرات تقول لي بوضوح تام: الحكومة لا تريد بك الشر! هل تريد بي الخير! هل تريد أن تضعني ضمن خططها مع الرأي العام؟ هل لديها نوايا! كل المؤشرات تقول: هو وشأنه، وإن تعدى خطوط القانون فإن القانون له بالمرصاد له ولغيره، وهذا ما يطمئنني عندما أتعامل مع هذه المنظومات التي نصها النظري كله غير شخصي، هل ينجو الإنسان من بطشِ الشخصنة في التعامل معه؟ طبعا لا، هذا هو الاحتمال الدائم من قبل الحياة ونفوس البشر التي تحاول تطبيق أسماء العقد الاجتماعي، مثل القانون، والسلطة، بما في ذلك من أدوات معقدة لإنفاذه.

عامٌ كان كافيا لأعرف أن الحكومة لم تعد تريد بي شرَّا، وعامٌ آخر كان كافيا لأفهم أنَّها لا تريد مني أي شيء، أن تكون كائنا اجتماعياً يعني أن تعيش بعيدا عن تعقيدات الغابة السياسية، والتي هي في كل مكانٍ غابةٌ مليئة بالصراع والتنافس، كنتُ لاعباً في هذه الساحة ذات يوم وخرجت منها بهزائم لا تعد ولا تحصى، أبرزها خسارة الذات، وأغلاها ثمنا الخسارة الاجتماعية التي أفرزت في النهاية مسخاً انتقامياً جاهزا للفتك بكل من يقترب منه، المسخ نفسه الذي تزيَّن الآن بملابس جميلة، ويحاول جاهدا، وأظن بصدق نية، أن يعوَّض بعض رزاياه بفعل بعض الأشياء الجيدة، أظنُّ ذلك عن نفسي وأتمنى ألا أكون مخطئا.

العامُ الثاني بعد عودتي لعُمان كان عامَ الحسمِ فيما يخصُّ خوفي مما أسميه [الغدرة]، هو خوف مستحق وفي محله وفي مكانه، هل هو منطقي؟ كل شيء في [الما حول] يقول لي هو غير منطقي، مع ذلك، من سمات أي نفسٍ تعرضت لصدمات مهولة أن تبقى دائما متربصة بالأسوأ، تترقب حدوثه، أستطيع أن أقول أن عامين كانا كافيين تماما لكي أبدأ الاطمئنان لهذا الأمر، الحكومة لا تريد بي شراً، لم أعد لاعباً متناقضا في ساحة الرأي العُماني، لا أمدحُ، لا أذمُّ وكما يقولون: كاف خيري وشري، وملتزم بحياةٍ في سياقٍ اجتماعي لا أحيد عنه.

الذي عاش حياةً كما عشتُ من الصعب أن يتخلى عن الدروع والأسلحة، وهذ المرَّة ليست بحُكمِ وجود معركة تتربص به، فلدي أعداءٌ قادرون وأقوياء، بعضهم مسلحٌ بالحقدِ الغاشم، وقليلٌ منهم لا يكلُّ ولا يملُّ ويغلي غضبا في كل لحظةٍ أبتعدُ فيها عن حلم اليقظة الذي حققته له، عندما قلتُ بكل جنون [بيدي لا بيدك يا عمر] وبدأت رحلتي الطويلة في تحطيم كل ما يتعلق بمعاوية في مجتمعِه، كم هو مؤسف أن تنهار تحت وطأة الضغط حتى تحقق أنت بنفسك، ودفعةً واحدةً ما يتمناه المبغض لك. وقتها كان كل ذلك مبرراً ومنطقيا، البحث عن الخلاص دفعة واحدة، والتخلي الكلي عن أي حضور اجتماعي، حتى ذلك الذي يشمل حقوقي العادية، والمنطقية، والقانونية والتي تشمل حقي في عدم الاعتداء عليَّ لفظا، أو إهانتي، ناهيك عن الحقوق الاجتماعية المتعارف عليها، مثل حقي في ألا أهان أو أتعرض للاستهزاء من قبل السفهاء، والغرباء، وهؤلاء الذين يتغذون من مآسي الآخرين ولا يعرفون القوَّة سوى على هؤلاء الذين أثقلتهم ضربات الحياة حتى طرحتهم في التراب والطين.

هذه هي نهاية كل الأفكار اللاعقلانية التي تتحول في نهاية المطاف إلى تصرفاتٍ اجتماعية، وفي عمان، وبالذات في عُمان، وبالتحديد، والتخصيص، والإجمال، والتعميم، والتنميط، بالذات في عُمان مثل هذه الحالة الذهنية، وما تتحول إليه من سلوك، يتحول كل شيء إلى مأساة تمشي على قدمين، وهذا ما حدثَ، كاتبٌ لمع نجمه لبعض الوقت تحوَّل إلى مدمن مخدرات زائغ العينين، متربصا من كل شيء، ومن هبَّ، ودبَّ، ومن له حق، ومن ليس له حق قادر على الإساءة له بكل سهولة. وكأنني خلقتُ لتحقيق أمنيات المبغضين تواصلت رحلتي الطويلة في الانتقام مع ذاتي، ووقتها أجمعُ رصيد الكراهية الذي أجهزه للانتقام، ربما كنت أبحث عن المظلومية بكل جنون لكي أتحول في نهاية المطاف مسخاً قادرا على إيذاء إنسان، وفعلا حدث ذلك، وأدركت أنني لستُ طيباً، وغفوراً كما كنت أظنُّ في نفسي. دائرةٌ مريرةٌ من التراكم أصبحت تُمارس بوعيٍ مرضي مسبق، قم بإيذائي، وواصل ذلك، ووقتها لا ضمير يوقفني عن إيذائك بلا توقف، هو نصابٌ من الجنون عشتُه بما يكفي لأجمع حزمة من الأعداء سنتبادل التربص إلى نهاية العُمر، ولا أحد يهربُ من عواقبِ حياةٍ مليئة بالخصومات.

أبدو مرحاً وسعيداً بصورةٍ غير منطقية. لعل نعمة ثنائية القطب تلعب في صالحي بعد الشيء بعد أن استقرت ظروف الحياة حولي، فالاكتئاب أصبح يورث الحكمة والعزلة بعد أن كان يورث الاعترافات المخزية بما فعلتُ وبما لم أفعل، والهوس الطفيف أصبح يورث لحظات الحضور الاجتماعي، وتلك الكاريزما التي يحسبها البعض من خصالِي الأصيلة، طاقة ثنائي القطب التي تتسرب بسهولة إلى الآخرين رافعةً من وجدانِهم، ومانحةً إياهم شعورا بالبهجة الهرمونية التي تبثها النواقل العصبية في أدمغة ثنائيي القطب. العبور من وإلى تلك المأساة أخذ خمس سنوات، فهل الظاهر هو الحقيقة؟ قطعا لا. الظاهر هو جزء منها، أما آثار تلك السنين من الريبة والخصومات فقد تركت أثرها، لا أتوقف عن بناء الدفاعات، وفي أبسط المواقف لا أرعوي عن الدخول في عدائية من التحذير المتتالي، لم أصنع خصما جديدا بلا سبب، ولم أصنع عدواً جديدا، ولم أسمح لصداقة أن تنهارَ حدَّ تحولها إلى معركة. هل أنا جاهز لذلك؟ للأسف الشديد نعم، جاهزٌ لرمي كل شيء وراء ظهري من أجل انتقامٍ من ندٍّ يظنُّ أنَّ الكراهية لم تعد في دمي. كم هو مؤسف أن يعيش إنسانٌ كل هذه النعم وداخله اللاعقلاني مهيأ للأذى والتدمير لهذا الحدث. المحزنُ حقاً أن تكون واضحاً مع فهمك لذاتك، وتقوله للآخرين ومع ذلك يأتي بعض الأغبياء للمجازفة باختبار تحول ذلك لحقيقة، وقتَها، طريق اللاعودة جاهز للذهاب إلى نهاية الشر.

أعيش دقائق الضوءِ وما يأتي معها من أعباء وتبعات. حياةُ النجم الاجتماعي هذه التي أقومُ بها كوظيفةٍ اضطرارية، يجدر بي الاستمتاع بها، والعيش في نشوتها. هل أفعل ذلك؟ قطعا لا. أحيطُ نفسي بأصدقائي الذين أتعلقُ بهم، ولا أجازف بالدخول في صداقات جديدة إلا في أضيق الظروف، مع أصدقاء أصدقائي، بعدَ تأملٍ واستقصاءٍ، بل وأحيانا اختبارات لا داعي لها، فقط لأطمئن، هذه الطمأنينة التي تفوق قيمة السعادة لدي. محزنٌ أن تصل لهذا الحد من الخوف، أن تفسد على نفسك الشعور باللحظة بسبب كل ما دفعته من ثمن بعد تصديقها.

يغضبُ وضعي الجديد البعض، ولا أجد غضاضةً، ولا أشعر بالانزعاج والأذى عندما يكون هذا الغضب ممن أسأت لهم يوما ما. تدهشني رحمة الله الذي يبثُّ الغفران في قلوبٍ بعضها جرحتُه بشدة، ويدهشني ذكاء إبليس عندما أجدُ غريباً لا علاقة له من قريب ولا من بعيدٍ بخطايا لم تكن في حقه أو حق من يحب وهو يتفنن في الاحتقان تجاهي. لكل من أسأتُ له يوما ما نصابٌ ما من الإيذاء، إن أراد حقُّه فلا أنكره، وأؤديه، وإن أراد اعتذاراً ولم يكن يدين لي بمثله كان له ذلك، أمَّا من أراد انتقاماً، فكأنني أبحث عن ذلك اليوم الذي أعودُ فيه إلى شرّي الداخلي، واستعدادي للتطاولُ في الأذى، كم هو محزن أن يبهجك اقتراب أحدهم لك بسكين، ربما لأنك ادخرت ما يكفي من السيوف والمقاصل جاهزاً لاختبارها على خصم أرعن! هذا محزن! محزن فحسب!

لقد انحصرت حياتي في التفكير في كيفية التصرف تجاه ظروف الحياة. أما كيف أشعر! فكل ما أفعله هو التجاوز، تجاوز الشعور بالأسى، تجاوز الشعور بالسعادة. تحولت حياتي إلى حالةٍ عمليةٍ موغلةٍ في السببية، وكأن الذي يعيش هذه الأحداث هو شخصٌ آخر. شخصٌ آخر بالمصادفة أعيش داخل عقله، وأتولى اتخاذ قراراته نيابة عنه. ما زلت غبياً، لساني تسبقني، ولا أخلو من صفات الهبالةِ والتغابي المستمر. أصدقائي يعرفون ذلك عني، وعائلتي تعرف مشاكلي فلماذا أعبأ بالغرباء؟ بعد سنواتٍ من التأمل والعلاج الداخلي قطعت الشوط الأخير في استعادة الرأس الصماء، عندما يفقد الكلام قيمته، ويبقى كل شيء محصورا في التصرف المناسبِ تجاه الاعتداء غير المبرر. قراءة هذا النص تكفي لكي يوضح التفكير اللاعقلاني الضمني الذي يحركني خارج وعيي، لا إنسان يسيطر كليا على وعيه ولا وعيه، وهذه حقيقة مثبتة علميا، كل ما أستطيع هو الانتباه، الانتباه لا أكثر إلى هذه الألاعيب التي يغدقها الذهنُ على طين ولحم يسكنها بقدر ما تسكنه.

لن أعتذرَ لأحدٍ أنني أحاول الحياة. لقد انتقلت حياتي من القلق تجاه ردات فعل السلطة تجاهي، أو الخوف من السجون، أو التحقيقي إلى قلق عاديٍّ بمعنى الكلمة، المثير للسخرية في هذه الحياة أن تجنب الاحتكاك بالسلطة أسهلُ بكثير من تجنبِ الخصومات الاجتماعية. كلا الأمرين مؤذٍ، وأكثرهما تأثيرا هو ذلك الذي يبدأ بالتربص بمحيطك العائلي، أو بالأصدقاء. بينما يغرقُ البعضُ في التأويل زيادة عن اللازم، أغرقُ أنا في ترميم حالتي الاجتماعية، وفي ذلك الشعور الجميل الذي أصادفه من عائلتي، ولا سيما صغارها الذين صرت في هذه الأربعين من العُمر أخشى كل الخشية أن يكون خالَهم مصدر عارٍ، أو خجلٍ، أو تعيير لهم. بينما يحلل البعضُ زيادة عن اللازم تصرفاتي، وما أنوي عليه، وهذا يربطني بالسلطة، وذلك يربطني بأحقاده الداخلي، وذلك يعاملني بحسن الظن الفائق، وذاك يقرؤني بسوء الظن الفائق، كل ما أفكر به هو هذه الحياة الاجتماعية التي أريدها أن تكون هادئة قدر الإمكان، ومحمية إلى أقصى حدٍّ ممكن. أبدو هادئا للغاية، ومرحا، وقد أبدو جميلا بعض الشيء، وقد أبدو خيّرا، الحقيقة هي أن كل ذلك هي لإنسان كان يائسا، وذميما، وعاش ما يكفي من القبح لكي لا يجعله هذا الجمل يغفل عن معركةٍ أخيرة نهايتها الموت، قد تفرضُ نفسها عليه، وقد يؤجلها الله برحمته فينجو من خسارةِ كل شيء فقط لأنَّ عدوا لئيما قد كفَّ الله شرَّه وشغله بمن يشبهه. رغم كل هذا الجمال والنعمة التي أسأل الله أن يستقر في قلبها شكرُها وأداء جميلها، هذا الإنسان الذي يكتب هذا الكلام عاشَ حياةً أقبحَ من أن يغفل بسبب هذا الجَمال، عن كل القبح الذي نفسه، وعن كل القبح الذي في العام وفي نفوس البشر.

كل ما أحلمُ به في هذه الحياة، هي حياة جميلة، غير مسيّسة، لا أضطر فيها إلى الرد على قبح نفوس الغرباء بقبح ما في نفسي، إلى حياةٍ أغادر فيها كل الصداقات التي آذتني، وأغادر فيها كل الظروف التي تجعلني مؤذيا. لن أعتذر لأحد لأنني أحلم بهذه الحياة، ولن أغفر لأحد يحاولُ أن يجعلها ساحة صراع فقط لأنه خسر دميةً كان يمرّن ضغائنه عليها. مختصر كل شيء قالَه شاعرٌ يعلم ماهية الحياة: "فإمَّا حياةٌ تسرُّ الصديق، وإمَّا ممات يغيظ العدا"

 

معاوية

الجمعة، 24 يونيو 2022

القتلةُ الذين يعيشون بيننا!

 

 

يُصدمُ الإنسانُ اليوتيوبي، ذلك المشغول بمعايير الكمال، والمثالية عندما يعلمُ أن قتلةً وإرهابيين يعيشونُ حياةً عاديةً في مجتمعٍ طبيعي. إزهاقُ النفس البشرية نهايةٌ لإزهاقٍ نفسٍ أخرى، نفس القاتل التي استمرأت لغةَ الموت، فلم يعد يعبأ من الذي يموت على يديه. وتشيعُ في هذه الحياة صورٌ مختلفةٌ لأشكال القتلِ والدمار، منها ذلك الذي يقوده الغضب المؤقت، وفقدان الأعصاب، وحتى هذه لا تأتي بلا مقدمات، إنها نفسٌ تركت حتى تراكمَ عماها عن الواقع، وتأزمت رؤيتها للحياة، وفقدت الأمل، والحب، وتحولت إلى قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة إن وضعت في الظروف المناسب، وعاشت الحصار الذي يعيشه القاتل، الراغب في القتل من أجل القتل.

شكلٌ آخر من أشكال الإرهاب، والذي نعم قد يكون لأسبابٍ دينية، مثل متطرفٍ ساخطٍ يعيش وسط التجمع البشري، ولا يعلمُ الناس الذي يجول في عالمه الداخلي من غضب وشر، وخطط، وخيالات، وأحلام يقظة، وربما متابعةٍ سريةٍ للمواد التي تحرض على العنف والتطرف، قد يكونُ هذا إنساناً في ظاهرِه مدافعا عن الدين، وينسى بعض التفاصيل الرئيسية، مثلاً أن إقامة الحدود ليست شأنا فردياً، سينقل لك الكثير من التبرير والذي سيلف ويدور حتى تصلَ إلى اضطرابِه البيِّن، إنه مشروع قاتل، لا علاقة له بدين ولا بغيره، إن لم يقتل باسم الدين سيقتل غدا فقط لأنَّ أحدا استفزَه زيادة عن اللازم، زناد مسدس، وحادث سيارة بسيط، ولحظة خاطئة، ويصبح الإنسان قاتلا، هذا ليس حدثا بادئا، هذه نهاية متوقعة لكل هؤلاء الذين اتخذوا من الموت والقتل والدمار لغةً للتعامل مع الحياة، قضيةٌ أخرى من القضايا "الحيَّة" التي أساس التعامل معها هو الموت، أو إقامة الحدود باستسهال بالغٍ، فقط لأنَّ شخصية مضطربة رفضت أن تعترف بمشاكلها.

حوادث القتل التي كثرت مؤخرا، من قبلِ رجالٍ قتلوا فتياتٍ بريئات، إرهابٌ فرديٌّ فيه لغة الموت هي التي تتعامل مع الأحياء، لا تختلف في قبحها وفي عنفها وفي شراستها عن الحوادث الشبيهة، لتلك المرأة التي أحرقت خيمة كاملة في عقد قران زوجها من زوجتها الثانية، ولا تختلف عن القتلة الغامضون الذين يرمون ببندقية قناص أناسا أبرياء ويختفون، تتفاقم حالة الإنسان القاتل بعد أن يجرب طعم الدماء، ولكن إلى أن يجربه فهو يعيشُ في دائرةٍ داخليةٍ مليئة بالغضب، وقد يبدو غير مفهومٍ للآخرين، حتى تفوح منه كلمة واحدة تدلُّ على أنَّه قادر على القتل، بل وقادر على الإقدام عليه، اعتادَ عصرُنا الحاضر على وضع القتل الفردي ليكون دائما لأسباب دينية، ولكن لا يوجد منطق يُخرج ذلك ليجعله في يد التدين فقط، هُناك قتلٌ لأسباب وظيفية، عندما يمسك موظف غاضبٌ رشاشَها فيفتك بشركةٍ سابقة كان يعمل بها، وهُناك قتلٌ نتيجة الجهل وتراكم الاضطراب، كأن يؤمن شابٌ أرعن مهووسٌ بالانتحار بأنَّ إقامة الحدود الشرعية أصبح بيديه، وبالتالي فهو المفتي، والجلاد، والمنفذ، والهيئة القضائية، وهو الاستئناف وهو كل شيء، مضطربٌ يظنُّ أن نصا واحدا يكفي لكي يذهب إلى أقصى أقاصي الجريمة، القتل بدمٍ بارد أو فائر، لا فرق فالضحية ستموت بغض النظر عن تبرير قاتلها.

مشاريع القتلة هؤلاء يعيشون بيننا. بعضهم يرى في لغة الحدود القانونية والدينية تبريرا لكي يقوم بذلك بيده، والبعض الآخر لأزمة عاطفية، وآخر لأزمة نفسية، وأخرى وثالث، وثالثة، ورابع ورابعة لصدفة في غير موضعها. هذه الإنسانية ليست نزهة في المحبة والسلام، العنف جزء من تكوين العنصر البشري في كوكب الأرض، وشئت أم لم تشأ، هؤلاء القتلة يعيشون في كل مكان، بين الناس، لا يفصلهم عن الحدث الأوَّل الذي يقتلون فيه سوى موقف واحد! وبعدها، يتذكر البشرُ حقيقة هذا الكائن البشري، الغامض، والمليء بالشر، والخير، والحب والكراهية في وقت واحد.

 

معاوية الرواحي

السبت، 4 يونيو 2022

رسالة محبة إلى أعزائنا العقلاء

 أسوأ شيء في التعامل مع الحالات النفسية، الظن أنَّها ستحل فقط بمجموعة أدوية. وكأن عصا سحرية سوف تحول المرض إلى حالة طبيعية فيزول الاضطراب.

 يجب أن يعترف كثيرون، أن المشكلة أحيانا أن المريض لا يعترف بمرضه، أو أنَّك أنت تتنصلُ من واجبك تجاهه. إذا عجزت فابتعد، أحسن من حضور مضر.
كل ما أتواصل مع أصدقائي الذين شُخصنا في وقت متقارب بأمراضٍ عقلية بعضها جسيم. هذا أخذ ست سنوات ليستقر، وآخر أخذ عشر سنوات، وبعضهم أخذ سنتين. الدماغ البشري يصنع روابط مادية وسلوكية، وتغيير ذلك لا يحتاج إلى صبر فحسب، يحتاج إلى وعي، وأمل كبير جدا جدا بالتحسن.
ودائما السؤال الكبير: سؤال الحياة؟ كيف يعيش؟ أتمنى من من المؤسسات التدريبية حل هذه المعضلة. المصابون بأمراض عقلية، يرسمون، يعزفون، يكتبون، ينحتون، ولديهم مهارات وقدرة على وضع ساعات هائلة في تطويرها. بدلا من أن تتمنى أن يُعالج ويصبح موظفا نمطيا، استثمر في إبداعه، فهو خلاصه ونجاته.
وكلمة مريض هذه لا يجب أن تستخدم بسهولة بالغة! وكأنها ختم نهاية مصير إنسان. المريض يضطرب، ويستقر، ويتعب، وينتج، ويعود لوضع يناسب قدراته. يعوضنا الله دائما بما لا ينتبه له العقلاء. داون: النقاء والمحبة. الوسواس: الدقة والإتقان. ثنائي القطب: الكتابة والإبداع. الفصام: الخيال والصبر.
ولا ينفصل ذلك عن ما هو أهم. هل يُعالج المصاب بمرض عقلي من أجل نفسه؟ ونوعيَّة حياتِه؟ ليحقق ذاته؟ أم فقط يُعالج ويُطمس من أجل الآخرين؟ بعض الأمراض عويصة جدا، ومرتبطة بالجريمة، والقتل، والاغتصاب، والأسلحة، أما شخص يصرخُ في المكتب، فلا تقارنه بشخص يطوف وفي جيبه سكين!
وإن كنت تعلم في نفسك أنك تعاني من مشكلة، أعانك الله. لا ألوم كل من يخفون مشاكلهم، ولا هؤلاء الذين يخافون الاعتراف بها، بعضهم لأسباب وظيفية، ومعظمهم لأسباب اجتماعية. العقلاء جعلوا الحياة شاقَّة على الجميع بسبب تفاهة المثاليات الرائجة، وسوء فهم العقل والنفس والذهن لأجل السلوك فقط.
والبشر سلوكيون، وأين المظلة التي ستحميك؟ المطلوب منك هو السلوك فقط. وماذا يحدث في سبيل ذلك؟ ظلمٌ شديد، في ظلم شديد، في ظلم شديد، في ظلم شديد. فتاةٌ تدخل حالة انهيار عصبي، فتمنع من الدراسة، موظف يصرخُ فجأة في جهة عمله لأنه يرى ضلالات بشرية ويسمع أصواتا، فيمنع من العمل. حرام حرام!
وماذا يفعل الناس في مجتمعنا؟ يجدون قصة تعويضية؟ فلان مصاب بالسحر؟ فلان أصيب بالجان؟ لماذا؟ لأن هذا التفسير الخاطئ للدين، ومخلوقات الله من الطاقة [رأي شخصي] يسهل السلوك الاجتماعي، نعم هو أسهل، لماذا تهلك نفسك تبحث في الوثائقيات عن تفسير الفصام؟ خليها جن وعفاريت، أسهل لك يا عاقل!
والعاقل أحيانا قليل أدب، وحمار، وأناني. يتخذ هذه القرارات نيابةً عن المجانين فقط لظنه العلم بما هو أنفع لهم. المهم هو المجتمع، وكلام الناس، والمهم هو ظن الآخرين به، ماذا عن ذلك المربوط بالسلاسل في المنزل؟ أو المرمي في مستشفى المسرة منذ ست سنوات؟ لا يهم! عاقل أناني ومنحط!
بعض الأمراض العقلية تحتاج لعلاج سلوكي مدته سنوات وسنوات، وحتى هذا لا يضمن حدوث الانتكاسات. والعاقل [يتنطط] ليس لديه سوى خرافات، أو تنصلات الأنانية: خلاص خذ دواك. انظر لكلمة [مغيَّب حبوبه] الشائعة في المجتمع، وباء العقلاء، وتصوراتهم الغبية عن عالم الجنون! حمقى! وحمير!
وحتى هذا العاقل، إن أصيب بحالة هبوط ثلاثة أيام أطلق عليها صفة [اكتئاب] إن كنت تعلم ما هو الاكتئاب الحقيقة وعشته لعامٍ متواصل ستتأدب عن هذا الوصف. يظن العاقل أنَّه سليم عقليا، وهذه هي المشكلة، التناسب بين العقل والجنون نسبي. يعني ممكن تكون مستقر، لكنك أناني وقليل أدب وحمار!
وخليك عاقل، كما تحب وكما تشاء لكن افعل الشيء الصواب، ما لازم شغل البقر في التعامل مع المرضى عقليا، ما لازم تُعلن نفسك وصي عليه باستسهال بالغ، ما لازم تطمسه وتربطه بسلاسل وترميه في المصحات وتحرمه من أبسط شكل من الحياة الطبيعية لأنك حمار وأناني وجبان وهمك صورتك الاجتماعية فقط!
وعزيزي العاقل، عادي والله العظيم تعترف إنك حمار، وجاهل. التعامل مع المرض العقلي صعب ويحتاج لموارد هائلة، ولفريق كامل يدرس كل حالة على حدة، أثبت العلم الحديث إنك لن تصاب بجلطة دماغية لو اعترفت إنه شيء ناس ثانيين أولى بعلاجه من نظرياتك عن الجن والحسد، أو بالربط والضرب بخيزران.
وليس للمفؤود سوى أن ينفث. أعترف لك عزيزي العاقل إني اليوم حاقد عليك، وأحقد أكثر مع كل خبر يصلني عن تدمير مستقبل إنسان، لأنك تافه وأناني، شخص يرسم مالك ومال مرضه؟ مهمته يرسم ويصمم، شخص يعزف مالك ومال وسواسه القهري؟ شخص يراجع لغويا؟ مالك ومال فصامه؟ خليك مهني وعطيه حقه يا تيس!
أمراض كثيرة لا تؤثر على مهارات صاحبها. هذي ما مهمة العاقل النحرير إنه يحددها، عادي أن تخور كأي بقرة جاهلة وتترك الأمر للتشريع، وللقانون، رأيك الشخصي العتيد مهم فقط في عالم الحمير التي تشبهك، في عالم حقوق المرضى عقليا، انهق في قطيع الحمير، جنبهم اعتبار رأيك حقائق دامغة، يا غبي!
ولما ننظر لحقيقة المجتمع الذي نعيش فيه، انظر لهم في الشوارع، انظر كيف ربيت أطفالك في التعامل مع المجانين يا عاقل يا منحط! انظر ماذا يحدث لهم في المصحات، لأنك عاقل وجبان وأناني وما قادر تربي نفسك من الأساس! انظر للرعب الذي سببته بسبب إنك دجاجة وخايف من كلام الناس، يا عظريط!
وخلي الباصر ينفعك يا عاقل، يا ملك العقول، يا عبقري العوالم الموازية، نعم، ابتكر قصة عن السحر، وعن مس الجان، وانشرها في المجتمع، لأنك عقلك بحجم عقل الدجاجة. خليك جبان، ما يكفيك أن تطمس حقوق مريض آخر، بعدك ظلمه أكثر وأكثر عسى جهنم تولع بك في دنياك وآخرتك يا سطحي يا رخيص!
وختاما عزيزي العاقل، هذا حديث ودي بحكم أخوتنا وزمالتنا في كوكب واحد. أوصيك أن تعترف دائما إنك حمار وجاهل، وتخلي شأن المرض النفسي لشخص غيرك، ولو كان الباصر واجد مهم في حياتك، روح وخليه يركبك حمار ويطوف بك على ستين شارع، يمكن تشفى من أنانيتك وهربك من الاعتراف بابتلاءات الله.

الاثنين، 18 أبريل 2022

نقاط على حروف الجزء رقم ألف

 أكثر ما أكرهه في نفسي، أعرفه عن نفسي. وعشت سنوات غافلاً لم أفهم لماذا أفعل ما أفعله، ولماذا أتصرف ما أتصرفه. تحملت الكثير من الأذية، والغدر، قبل أن أتحول إلى شبح مؤذ، قذرٍ ولا أخلاقي، أفجر في الخصومة، ولا أمايز بين الذي يكرهني، والذي يريد أن يضرني، حدث الكثير قبل أن أعلم ما أكون.

ابتلاني الله بفئة من الناس، يظهرون الصداقة والود. يدقون صدورهم أمام المجتمع والناس [إذا تريد شيء من معاوية كلمني]، انتهازيون، منهم من سرقَ مالي، ومنهم من تسلق على كتفي، لمصالحٍ تافهة. كنت أظن أنهم الرفاق، والأشاوس الذين يحمونني من بطش الناس، ومن كراهيتهم لقذارتي المُعلنة وسفالتي.
وهم يعلمون وضعي جيدا، فهم أصدقاء الملحد العربيد، الذي لا يمر وقت ووقت إلا ويشتم الشيخ أحمد الخليلي، أو يجدف في الذات الإلهية، أو ينزل في الدين، والناس. كاتب برتبة بلطجي. ولكن الله يعاقب الظالم بظالمٍ مثله، والحمد لله، ابتلاني الله بمن هو أقذر مني، فأذاني حتى تلقنتُ درسي.
وأنا إنسان كثير الكذب على من لا أثق به. وأيضا كثير الكذب على من لا يثق بي. كنت أستغربُ دائما، لماذا يصدق بعض هؤلاء الذين التصقوا بي أي شيء أقوله. أي خطيئة، أي كذبة. ثم بعدها بسنوات فهمت ذلك الفخ الاجتماعي، والسجن الذي كنتُ أعيشه. شخص ممقوت اجتماعيا، وهم وسطاؤه مع الناس.
وبدأت أفتح عيني عن عالم الغفلة تلك. وخرجت وكسرت دائرة العزلة، واختلطت مع الناس رغم صعوبة ذلك علي. ملحد، عربيد، زنديق، لا تعرف له قرارا، ولا تعرف ساسه من راسه. يشتم والده، وعائلته، ويشتم نفسه. كل الذي كنت أفعله مع كل سافلٍ أذاني، صرت أفعله علنا. والغريب أنني أفعل ذلك بهدوء تام.
ثم اكتشفتُ الذي يدور عني، والذي يقال. لم أكن أعبأ بأي شخص يعرف عني كذبة قمت باختراعها، الذي صرت أعبأ له هؤلاء الذين ثرثرتهم كانت الحصار الحقيقي. كان يجب أن أبقى في ذلك الوضع، نافعا لهم، متعلقا بهم، هم الأصدقاء مع الضريبة. ولذلك صارت أخباري تملأ الثرثرات في كل حدب وصوب.
وكما أنا شخص غريب! لم أنشغل بدمار حياتي الاجتماعي بقدر ما انشغلت بهوس المعرفة، وهوس التجربة.كانت تجربة اجتماعية عظيمة تعلمت منها الكثير. وتورطتُ بذلك المحيط، كان الخروج منه صعبا للغاية،وعندما اكتشف من يظن أنه يعرف عني كل شيء،أنه مخدوع بإنسان كذوب،يجيد التخفي والأقنعة. بدأ القتال.
ثم أدركَ كل من أذاني أنني سأؤذيه، وجهز دفاعاته. كان البعض أشد مني ذكاء، وغلبني البعض بحقارته. ولك أن تتسمع الكلام عني لتجد تناقضه الشديد. مرَّة شاذ جنسيا، وقذر، وساقط، مرَّة زير نساء، مرَّة حفّار قبور، مرَّة شخص يقرأ كتب السحر، وكثير وكثير من الإشاعات، كثير منها من تأليفي وكلامي.
كنت أنوي الهجرة، ووقف في وجهي الذي يعلم جيدا أن هجرتي ستكون وبالا على رأسه، وما فعله بي وبالناس. كنت أعلم أن إحراق قيمتي الاجتماعية والسياسية هي التي ستحررني، لكن دخول الحمام ليس مثل خروجه، كان يجب أن أدفع الثمن المر. ودفعته من عُمري، ومن مستقبلي، ومن عقلي. دفعت ثمن قذارتي.
ما زلت أذكر رعب رافق الإلحاد مني ذهاب للعمرة. كل ظنهم أنني سأكون الذي يهاجمهم، وربما سأفضح هوياتهم، ولم أفعل ذلك [ولن] أفعل ذلك. حتى هذا الذي يشتمني ويكرهني، لن أؤذيه. لكن الذي يقترب مني، ويمثل دور الصديق، وهو ينوي الضرر، هذا الذي لن أفلته من انتقامي، وما صرت إليه من حقارة.
وأخذت وقتا من الزمن حتى أعرف من يستحق أن أكون حقيرا تجاهه. حياتي صارت كذبة كبيرة، وصرتُ تساؤلا غامضا من قبل الذي يحبني، ومسخاً متناقضا من قبل الذي يكرهني. لم أعبأ بالطرفين وقتها، كنت أعبأ بالعدو الذي خدعني، والحقير الذي قررتُ أن أعامله بالمثل. وفعلا، صرت مسخاً، ولسنوات.
لعبت شخصيتي الانتقامية والمضطربة دورا كبيرا. فكبار الذين أذونني حموا أنفسهم جيدا، أما صغارهم، فإذا بي أفعل مثلهم. قريب، وصديق، ومتعلق بهم شكليا، وبشكل مزيف. ألف وأدور حتى أجد المقتل، ثم أضربُ بكل قسوة، علنا، وسرا. حياةٌ من المكائد، والقسوة، والقذارة، والكيد.
وبدأت سياسة الرد بالمثل، ولاحقا تحولت إلى الرد بالضعف. والبعض كان ضحيةً بلا سبب، ضحية ردة فعل دفاعية في غير موضعها. أما هؤلاء الذين نلتُ منهم الأذى، فلم يسلم منهم أحد. الذي يجعلني أشعر بالذنب، هم هؤلاء الذين لم يفعلوا أكثر من أن يكرهونني. وهذا حقهم، وقد أذيت بعضهم بلا وجه حق.
وهزمت في معارك كثيرة، مع خصوم أقوى مني بكثير. وسايرتُ كثيرين حتى وجدت الوقت المناسب، لم يهمني مطلقا الفضائح، ولم أهتم مطلقا لسمعتي، كل همي كان الانتقام من هؤلاء. ولاحقا الانتقام من نفسي. كنت جاهزا إما لإزهاق روحي، أو للرحيل بلا عودة. صرتُ مسخا لا ينجيه إلا الله من نفسه.
ولم أعرف إلى ماذا سيؤول حالي؟ إلى الجنون في مصحة نفسية، أم إلى السجون، أم إلى أن أصبح قاتلا أو مقتولا. كان الوضع معقدا للغاية، وكنت أختفي، وأختفي، وأختفي، وأصبح شبحاً حتى اختفيت عن نفسي. كل ما بقي مني هي كتلة من الحقد، والقذارة، والاستعداد للانتقام بكل حقارته الممكنة.
وأنا أكتب هذا الكلام، ثمَّة نفوسٍ تغلي. كما كنت أغلي، كما كنت أشعر أنني خُدعت، وأنا أكتب هذا الكلام ثمة أعداء لا يؤذيني ضميري مطلقا عندما أذيتهم، في السر، وفي العلن. لقد ظهر في العلن والسر كائن قذر وانتقامي، وظنَّ أنه سيكون كذلك للأبد، وتقبل مصيره المرَّ، ومعركته القذرة.
وفعلا كانت معركةً قذرة،من الجانبين. يمكنك أن تؤذيني بالكلام، وأن تكرهني، وأن تشتمني، والله لن أرد عليك بأكثر من الشتم بالمثل، وربما لن أفعل، وسأعتزلك مليا. لكنَّ هذا الذي لعب دور [صديق معاوية المخلص] وأذاه، وغدر به، أو سرق ماله، كان صراعا قذرا وحقيرا من الطرفين. حياتي لم تكن جنة.
وكشفت الأوراق، وأصبح المجهول معلوما. وتحول ذلك الشاب الذي انتظر الجميع أن يكون كاتبا، وأديبا، أو إعلاميا مفيدا إلى [معاوية] القصة المحزنة لشاب كان طيبا، وكان خلوقا، وأصبح مسخاً خطرا. كان الألم فوق طاقتي، وعدما انتهى صبري، صرت أسبب الألم فوق طاقةِ خصمي، بغتةً دون أن يتوقع.
كنتُ الكلب النبّاح الذي أصبح يعضُّ. من سلم من لساني؟ والله لا يؤنبني ضميري إلا على الأبرياء منهم، هؤلاء الأنقياء الذين سببت لهم درساً مؤلما لا ينساه من تعرض له. أما هؤلاء، الذين لم تجمعني بهم سوى طاولات الخمر، وجلسات المخدرات، فكان لي معهم التصرف الأنسب، والأقذر، والأخطر.
واكتملت أركان الشبح. بغبائي أضفت إلى معاركي صداما مع الدولة والنظام ومؤسسات الدولة. الحجة الأقوى التي مكَّنت الأذى، ولاحقتني الفضائح، وابتكرت ما يكفي منها لأظهر الضعف، لم تكن مشكلتي مع الدولة هي ألأبرز. فهي كيانٌ يردعك عندما [تتبلعس به]، كانت مشكلتي اجتماعية من الطراز الأول.
والغبي الذي له ألف عدو، يصنع المزيد منهم. الخصوم الكبار كانت مهمتهم سهلة جدا، افتراس إنسان بلا دفاعات، لم يكن قذرا بما فيه الكفاية ليخافوا من ردة فعله، وظنّوا به الهزيمة والضعف. تلك الجمرة لم تخمد، كانت بحاجة لريحٍ تذكيها. لكن الغبي، حارب كل شيء، حتى عائلته، وأباه، ومن أحبه.
وهذه حقيقتي، وحياتي. صدقني أيها الإنسان الذي تظن بي الظنون، الخيّرة، والسيئة. لقد قاتلت كل شيء، وقاتلت نفسي، لأنني أحلم أن أكون إنسانا خيّرا. جننت الجنون الأكبر، وأنا أحلم أنني سأكون إنسانا نافعا. وخسرت مستقبلي وكل شيء. ودخلت حالة انتقامٍ صنعت مسخاً عُمانيا لا يشبهه سوى قلة.
وهؤلاء المسوخ يولدون من العدم مجددا. بعضهم باسم السياسة، وبعضهم باسم الدين، وبعضهم باسم الفكر. لكن هل شابه قبحي أحدا؟ لا أظن. كنت أعلم أني بي بذرة صغيرة، كنت أحتاج إلى أن أسقيها بالحب وبفعل الخير، وتلك البذرة هي التي أعيشُ بسببها الآن. وأظن أن الله رحمني بها.
وهذه حياتي، وحقيقتي المرة. أنا إنسان لا يخاف، وأخطر ما يمكن أن تفعله به هو أن تلوي ذراعه. أقول لكل إنسان:لا تقترب مني. لكنني أعرف نفسي جيدا،لا أخون من لم يخن، ولا أؤذي من لم يؤذني، وإن فعلت، لا أستنكف أن أقتص له من نفسي. معاوية من أشرار عُمان القلة الذين يمقتون فعل الشر ويفعلونه.
وأنا شخص سياسيٌّ من الطراز الأوَّل. واكتملت تجربتي بالسجون، وبالجنون. وعندما سعيت لأتصالح مع كل شيء، تصالحتُ فقط مع الذين ظننت أنهم يستحقون الصلح. وبنيتُ حياةً جديدة، بلا سياسةٍ، دون أن أكون أداةً، أو أكون مروجا للهزيمة، وبدون أن أكذب على نفسي وكأنني انتصرت في شيء. أنا عدمٌ كبير!
وهل تعرفون ما المحزن؟ عندما كنت أقذر من أن تحترمه! وألعب اللعبة فوق اللعبة، كنتُ محترماً،وكان من الصعب أن يتعرض لي إنسان، ووجدت من يشبهني في القذارة. أنا كثير الكلام. كنت أهددُ ولا أفعل. ثم صرت كمن أذاني.ألتصق بعدوي، أتيقن من غدره، وبعدها للأسف الشديد: أطعنه طعنة نجلاء لن ينساها.
والذي يجعلني أحتمل نفسي هو شيء واحد. أن حياتي حقيقية، وأنا أعرفها، وقلة من الصالحين والشهود يعلمون ماهيتها. أعيش وأبتعد عن الأذى،أدافع عن نفسي، وأردع نفسي عن الظلم ما استطعت. أنا كتلة من الجحيم، ونار حارقة،وقذارة جاهزة للانطلاق، وتحتاج لقذر واحدٍ فقط كي يذكيها، فأستهدفه بكل مكري.
وأنا ماكرٌ، ولئيم. وما يجعلني أتحمل نفسي، هو أنني أعرف ذلك، وأبذل جهدا لكي أوقف نفسي عند حدودها. ولذلك أعيش هذا الصلح، وهذا السلام مع كل شيء. حياتي ليست سهلة، وأعدائي خطرون بمعنى الكلمة، ومسلحون بالكذب، وبالقذارة، بل وبعضهم لديه مصداقية اجتماعية عالية، وهو أقذر مني بألف مرة.
أنا مسخٌ ضعيف، يرهقه ضميره مع الأبرياء. وأنا مسخٌ قذرٌ لا يعرف الضمير، ولا الأخلاق،ولا القانون، ولا الدين، ولا العرب. أعامل عدوي بمثل أدواته، ولاحقا، صرت أعامله بأدواتٍ جديدة. ما أقبح عندما يعاديك من يطمئن إلى أخلاقك في الخصام. لقد تمزقت كل تلك الأخلاق دفعةً واحدة. أنا مسخٌ ضعيف.
ولذلك أعيش هذا التجاوز الكبير. وأهزأ بمن جاء لكي يكرهني متأخرا! أين كنتَ عندما كنتُ في أشد حالات حقارتي! أنا أكره معاوية وكل ما كان يمثله، وأكره جانبي القبيح وكل ما يمكن أن يفعله. ولكن أين كنت عندما كنتُ ما كنتُ عليه؟ آلآن؟ وأنا مسالمٌ، ومتصالح مع الحياة؟ آلآن جئتَ بأحكامِك؟
وأنا لست خيّرا، ولست طيّبا، لكنني توقفت عن الشر. لم يتوقف الشعر عن كونه طبيعة من طبائعي، لكنني أوقفه عند حده. لا أعادي أحداً، ولا أقبلُ أن أكون الكلب الذي يعضُ تحت الطلب، ولا أقبل أن يتم استغلالي. ولا أقبل الذي يدعي الصداقة ولديه أجندة. ولا أقبل أصدقاء الأمس، والرجس.
وقد رحمني الله. أنجاني من المأزق تلو المأزق. والحمد لله على عقابِه، درسي في الحياة كان قاسيا. لدي قسوة خطرة جدا جدا، ولولا الإيمان لكنت أخطر الناس. لذلك، أنا لست متصالحا مع نفسي، أنا متصالح مع ذاكرتي، وكل يوم يمضي، أحارب لوثاتها، وأحاول النجاة من نفسي بالصالحين والناصحين.
ولا أعرف من هؤلاء الذين يروق لهم حالي السابق.أعاملهم كخطر. ولا هؤلاء الذين يحاولون جرجرتي للصدام مجددا، ولا موقعو الفتن، ولا شجعان طاولات القهوة. كل هؤلاء لا يساوون لدي سوى بعرةِ بعير.أعرف أنني أحتقر المسخ الذي بي، ولا أقبل أن تحتقرني إن كان بعيدا عنك، سلمتَ منه، فاسلم بنفسك مني.
وأنا أكتب هذا الكلام، بمنتهى البرود والجمود. كحقائق مجرّدة، كنقاطٍ تتبلور في الذاكرة فتتحول إلى لغة. كمستندٍ علاجي أعود له عند الحاجة، كتذكرة لمؤمنٍ، كمكاشفةٍ للحياة، كتوضيح للأبرياء، وكرد اعتبارٍ لنفسي وحقيقتها، وللآخر الذي ظُلمَ مني. بعض الحقوق لا تسترد، وبعض الغفران لا يجدي.
وهذه حياتي. أضع نقاطها على حروفها. أسأل الله أن يوفقني لما فيه الخير، لأسرتي، وللناس، ولأصدقائي، ولنفسي. أسأل الله أن يوفقني لأفعل صالحا، أسأل الله أن يقيني شر نفسي. أسأل الله ألا أتحول إلى ظالم انتهازي، أو شبحٍ جديد. لا أعداء جدد لي، أما من سبق، فلا سلام، ولا كلام، ولا غفران.
فأمَّا من ظلمني، فابتعد عنّي.وأما من ظلمتُه، فلتأتِ، فإن أردت اعتذارا سأعتذر، وإن أردت تعويضا سأفعل المقدور عليه، أما إن أردت انتقاما فلا فرق بيننا، وليعترك المسخ بالمسخ، وليحدث ما يحدث. إن أردت أن تنتقم ممن يريد أن يردَّ لك حقك، فأنتَ تبحث عن العداوة، لا حقك، أنت من فصيلتي. مسخ.
وأسأل الله العلي القدير أن يعوَّض كل من ظلمتهم، وأن يعرفوا، أن الله يعوضُ المظلوم، ويذيق الظالم عذاباته. من له حقٌّ عليَّ فليسعَ إليه منِّي. أمَّا إن كان همّك الناس وكشف حقيقتي! أي حقيقة بالضبط؟ تلك التي من تأليفي؟ أم من تأليف خصمي؟ أم من تأليف أمراضي؟ أم من تأليف المحب الأعمى؟
ولتكن أقدار الله، ولتكن مشيئته في عبادِه. أحمد الله على الخير والشر، وأسأل الله أن يحميني من أن أظلِم، ومن أن أُظلم. فما بيني وبين الله، بيني وبين الله، وما بيني وبين الناس دينٌ، فما لي لا أتنازل عنه، وما عليَّ أؤديه. فمن أراد حقا فله حقُّه، ومن أراد رد الظلم بالظلم، فله العدوان.
وسلام الله على الجميع، كانت معكم الفقرة الدورية لاعترافات معاوية الرواحي. أستئنف صلاحياتي كمهذون أكبر بعد هذه التغريدة متمنيا لكم حياةً هجلية خالية من كل هذا البؤس، والحقد، والكراهية والانتقام. نعود إلى موضوع برشلونة وريال مدريد، وفقكم الله لما فيه هجل القلوب والعقول.

الأربعاء، 30 يونيو 2021

لماذا أهذون؟

 

 

مرَّ ما يكفي من العُمر دون أن أسأل هذا السؤال؟ ما الذي يا تُرى يجعلني مهذوناً؟ قبل استرسالي في السرد، والتداعي الهذوني دعني يا عزيزي المتلقي أضع بعض النقاطِ على حروفها. لستُ ألتزم بتفسيرك لهذه الكلمةِ، لديك الحق في تصوراتك المسبقة عن ماهيَّة الهذيان، هذا هو استحقاقك النقدي المقدَّس والذي، بلا شك، تتمسك به بشراسة. الهذونة كلمةٌ تخصُّني، أصفُ بها هذا الذي تقرؤه الآن، والذي تشاهده أحياناً في اليوتيوب، ليس دائما، فقط عندما أنفصل عن كائني الاجتماعي إلى هذا الكائن المعنوي [المهذون] المتمسك بمعناه، وبخياراته.

الهذونة شكلٌ من أشكالِ التدوين، ألا يكون لك هدفٌ براغماتي من كلامِك، أن يكون هدفك هو التعبير عن اضطرابك وحيرتك، وأن تتمسك بحقك في اللامبالاة، وفي السخرية من هذا العالم، وفي الهذيان عنه، في تحويلِه إلى عالم متخيَّل تهاجُم فيه الأشباح التي ترعى في خيالِك أكثر من الأشباحِ التي تَسكن الواقع. الهذونة مسٌّ من الذهان، هو كيان لغوي منظَّم الشكل عبثي المضمون، المهذون هو ذلك الذي يهذي ويبحث عن نور الحكمة في جنونِه، هذه هي الهذونة في تعريفها الخاص بي، أن يكون لك تعريفك الخاص فلا بأس في ذلك، حاول ألا تحشرني في علبة الكبريت التي تبادرت إلى ذهنك عندما ارتطمت عيناك بهذا المصطلح العبثي، وما دمنا قد اتفقنا على أن نختلف، أعود إلى سؤالي غير الإشكاليِّ، لماذا أهذون؟

أهذونُ لأنني أتمردُ عن قصدٍ على نظرية المكانةِ التي ارتبطت بالكتابةِ في هذا الكوكب. لا شيء مميز في أن تكون كاتبا، ولا شيء مهم، أو وضيع في أن تكون كاتبا. هذه الحروف ظلٌّ للكلام، إحدى تجلياته التي استطاعت أن تبقى بعد أعمارنا، نحن نقدُّس إناء الكتابة أكثر من الكتابة نفسها، ولهذا السبب تحديدا أفضل الهذونة، هذا الارتماء الحر في مُطلقِ الكلمات والتصورات، هذه العجينة الذهنية التي تُفلت بعض شعراتها من العجين، شعرة معاوية إن أردت التحذلق، أو فلأقل الخيط الفاصل بين ما هو واقعي، وما هو حتمي. إنه خياري، وقراري، وأحترمُ ابتعادك عنه، ونعم قد تمارس استحقاقك بعيدا عني، ولا بأس في ذلك، لكنك قد تقترب لتفرض عليَّ ما أرفضه وهُنا سأختلفُ معك، سأرد عليك بتهذيب، أو ربما إن كنتُ في إحدى لحظاتي السعيريَّة فسأشدُّ عليك، ولعلنا نتحول  إلى خصوم وربما أعداء، وقد يصبح الأمر شخصيا، هذه من المآسي الذاتية التي أعيشها في هذه الحياة، لا ذنب لك في ذلك، ولا حق لك أن تجعلها قضيتك، فمربعي في الكلام حقِّي كما هو حقّك، وليلتزم كلٌّ منا بحقوقه في الحياة بعيدا عن اعتبار تحيزاتنا المسبقة تجاه الآخر حقا من حقوق القمع والإخراس.

أهذون لأنني أختارُ ذلك، فالكتابة أداةٌ يملك الجميع استخدامها، لها وظائفها الكبيرة في الحياة ولست بصدد تعريف المُعرَّف، أستطيع أن أقول أنني خائف من نفسي، ومن كل التناقضات التي تمزقني، وأنني رغم كثرةِ ما أبوح به للعالمِ ما زلتُ في لحظة الكلام الأولى، تلك الصافية الشعاعية التي تكمن خلف الكلمات، وحتى الذي يشعر بها لا يملك لغةً ليشرح بها ما يشعر به. شعاعٌ هالتنا البشرية الذي ينبلج منه الحدسُ وتشتعل به شموع البصيرة. لا أنتمي لشيء لأنني لا أعرف ما يكفي عن الانتماء لأي شيء. عشتُ هذه الحياة كأنني شجرة جرفها الطوفان، لستُ جافا، لكنني لستُ ثابتا، وأخاف كثيرا أن تكون الأفكار موضوع صدام وصراع. عشتُ هذا الصراع بما يكفي لأفهمَ أن هذه الحياة لا تُعاش مرتين، وأنني لست في العشرين من عُمري غافلا عن وجود البؤس، والشياطين وحتمية وجود الظلم، والظالم والمظلوم. أهذون لأنني لست يائسا ولست مريضا بالأمل.

لا أعيش لأهذون، العكس هو الذي يحدث، إنني أهذون لأعيش، لأفهم، لأبتكرَ وسيلة تقرّبني من صراع الشياطين التي تعصف برأسي. لذلك أحاول ألا أنتمي لأي اختيار جماعي من اختيارات الحياة، وياللهول! لا أنسي أنني عربي، وعُماني، الحياةُ بهذين الشرطين لهما اشتراطات كبيرة تعلمتُ مع الوقت أن أتقبلَ الممكن منها، وأن أنحازَ إلى كل ما يمنع الواقع من التدخل في خياراتي. لست في حالةٍ تجعلني أخافُ مما أؤمن به، مطمئنٌ إلى عاديَّتي المفرطة في النزوع إلى الحياة المتعارف عليها، لم أعد متمرداً لأنني تمردت على التمرد، ولست تابعا، وليس لي أتباع، أي حياة أكثر منطقية من حياة المهذون؟ لهذا السبب أهذون، لأنني لست جنديا في معركة، ولست طاغيةً يوزع أوامره ونواهيه على أتباعه، لستُ أكثر من إنسانٍ يعيشُ في دوَّامة أسئلته دون أن يرهق العالم بها. أهذون لأنني أضعف من أن أعيش دون الكتابة، وأقوى من أن أعيش لأجلها. وجدت نفسي في قصَّة غريبة أعيشها كأنني شخص آخر، عشت من الجحيم الاجتماعي ما يكفيني لأتجنبَ لعبة التأثير في الناس، أو التأثر بهم. رحمني الله بهذه البداية الجديدة وأتمسك بالحفاظ عليها، وياللغرابة أي سخرية قدرية تجعلك تدافعُ عن العاديِّ في حياتك؟ أن تكون عاديا يعني أن تعيشَ حياة جميلة، لست مرهقا بتلك الامتيازات الوهمية التي تؤججها الذات، والتي يشكل فيها الآخر شرطا لازما لتكونها، ماذا عساه أن يريد الآخر منّي ولستُ أتدخل في أي شيء يخصَّه! وأنت عزيزي المتلقي ألن تغضب وترعد وتزبد إذا تدخلت في شبر من مساحتك! لذلك أهذون، لأقي هذه الورقة البيضاء من خطر الآخر، الغريب، ولأنني عُماني فهذا الآخر له سلطة كبيرة، واشتراطات كثيرة، ومزايا واسعة إن انضممت إلى قانونه الضمني، أن تكون معه ومن خلاياه المناعية، وأن تصمتَ عندما يفتري الغريب على غيرك، وأن تحمد الله أن ذلك الذي يُجلد بالسياط ليس أنت. أن تكون عُمانيا فهذا شيء جَميل، أن تكون كاتبا عُمانيا فهذه معركة صعبة، الناسُ هُنا في حالة النشأة، والمدنية والثقافة الاجتماعية في حالة النشأة، وزاد العصر المعلوماتي الجديد صعوبة الخيارات، هل عرفتَ لماذا أهذون؟ لأنني لا أريدُ أن أحدد للآخر ماهية الصواب والخطأ، لأنني أختار أن أكتبَ لأنني أحب الكتابة، لأن الأفكار ليس أداة، لأنني لا أريد أن أكون طرفا في صراعٍ غير منصف، ولعبة من ألاعيب الشيطنة، لأنني أخاف من نفسي، لأنني متناقض حزين مصاب باليأس من أن يفعل شيئا في محيط الجموع، لأنني لا أريد أن أكون سجين التعبيَّة، ولا أريد قطيعا من الإمَّعات أفكر نيابة عنه، أهذون لأنني أحب هذا الذي يحدث الآن، قشعريرة الصفاء مع النفس، واكتشاف النداء الغامض الذي يجعلني أكتب، هذا يكفي، يكفي كثيراً لأختار خياري، لأنعزل، لأبتعدَ عن لعبة الأثر، والإقناع، والتأثير، لأحمد الله على عودتي إلى مربعي الخاص، وعلى نهاية عصر مريرٍ من سلطة الغريب على خياراتي وحياتي. لم أعد ساخطا على الحياة، ولست غاضبا ولا متحسرا، آمنت أن الله أقدرُ على كف شر مخلوقاته. في الكتابة قوَّة لكنها أيضا فخ من فخاخ النفس، أن تشعر بقوتك فهذا أخطر عليك من أن تكتب وأنت ضعيف، شيطان النفس البشرية، وخطاياها السبع التي لا تُفلت أحدا من براثنها، أن تهذون يعني أنك لست ضعيفا، وفي الوقت نفسه أن ترفض استخدام العنف اللغوي، وإن رحمك الله ولم تضطر لاستخدامه في الدفاع عن نفسك فأنت في خير كبير، ونعمة تستحق الشكر. وراء أمر [اقرأ] من يكتب، وسبحان الله العلي العظيم.