بحث هذه المدونة الإلكترونية
الثلاثاء، 20 أغسطس 2024
آية آيات الدفتر!
الخميس، 9 مارس 2023
حضور ذهني: نقطة الآن والمكان!
أبدو من الخارجِ مرحاً، ولا يخفى عن عينِ المنتبه
أنني إنساني أعيش حالةً مكثفة من القلق، ثمَّة شيء يدفعني لفعل ما أفعله، والمبصرُ
يعرفُ أنَّ بركاناً متكامل الأركان يضخُّ حِمَمَه في عروقي. هكذا أبدو من الخارجِ،
إنسانا متلاطم الوجدان، نشطٌ ومليء بالطاقة وفي الوقت نفسه ثمَّة غضبٌ شديد
مدَّخرٌ جاهز للانطلاق في الوقتِ المناسب. لم تكن حياتي سهلةً، وبغض النظر عن
الأسباب، وإن كنت أستحق ذلك، أم لا أستحق، وإن كنت أنا السبب كليا، أم كان السبب خارج
فعل أناملي كليا، أو كما هو المنطقُ أن استحقاقي لحياتي منطقة رمادية، كأي إنسان
آخر، أخطأ، وأصاب، فعل خيرا، وفعل شراً، به من حسن الخصال وسوئها حاله حال أي شخص
آخر، الحُكم بهذا الترجيح القاطع بين الأبيض والأسود طبيعة نقدية يتشابه فيها
المحب والمبغض على حد السواء.
أكملُ العام الثالثِ منذ عودتي لعُمان. من لاجئٍ
مليء بالغضب والحسرةِ والندم إلى لحظة الآن والمكان هذه! أتتبع ظروفَ هذه العودةِ
بتقصٍ دقيقٍ لما هو داخلي، وبانتباه أقل لما هو خارجي. وبقدر ما أبدو هادئا لذلك
المتأمل اللامبالي فالحقيقة أنني لست هادئا. تعرضت لما يكفي من الآلام في هذه
الحياة، هذا يكفي لكي أفقد طمأنينةَ سطر بوب مارلي الشهير [كل شيء سيكون بخير]،
كانت أياما جميلةً عندما هذا كانَ معتقدي اللاعقلاني الداخلي الذي أسير على نهجه. بعدَ
العفو السامي، قضيتُ وقتاً لا بأس به خائفاً أترقبُ، ومر العام، والعامان وكل
المؤشرات تقول لي بوضوح تام: الحكومة لا تريد بك الشر! هل تريد بي الخير! هل تريد
أن تضعني ضمن خططها مع الرأي العام؟ هل لديها نوايا! كل المؤشرات تقول: هو وشأنه،
وإن تعدى خطوط القانون فإن القانون له بالمرصاد له ولغيره، وهذا ما يطمئنني عندما
أتعامل مع هذه المنظومات التي نصها النظري كله غير شخصي، هل ينجو الإنسان من بطشِ
الشخصنة في التعامل معه؟ طبعا لا، هذا هو الاحتمال الدائم من قبل الحياة ونفوس
البشر التي تحاول تطبيق أسماء العقد الاجتماعي، مثل القانون، والسلطة، بما في ذلك
من أدوات معقدة لإنفاذه.
عامٌ كان كافيا لأعرف أن الحكومة لم تعد تريد بي
شرَّا، وعامٌ آخر كان كافيا لأفهم أنَّها لا تريد مني أي شيء، أن تكون كائنا
اجتماعياً يعني أن تعيش بعيدا عن تعقيدات الغابة السياسية، والتي هي في كل مكانٍ
غابةٌ مليئة بالصراع والتنافس، كنتُ لاعباً في هذه الساحة ذات يوم وخرجت منها
بهزائم لا تعد ولا تحصى، أبرزها خسارة الذات، وأغلاها ثمنا الخسارة الاجتماعية
التي أفرزت في النهاية مسخاً انتقامياً جاهزا للفتك بكل من يقترب منه، المسخ نفسه
الذي تزيَّن الآن بملابس جميلة، ويحاول جاهدا، وأظن بصدق نية، أن يعوَّض بعض
رزاياه بفعل بعض الأشياء الجيدة، أظنُّ ذلك عن نفسي وأتمنى ألا أكون مخطئا.
العامُ الثاني بعد عودتي لعُمان كان عامَ الحسمِ
فيما يخصُّ خوفي مما أسميه [الغدرة]، هو خوف مستحق وفي محله وفي مكانه، هل هو
منطقي؟ كل شيء في [الما حول] يقول لي هو غير منطقي، مع ذلك، من سمات أي نفسٍ تعرضت
لصدمات مهولة أن تبقى دائما متربصة بالأسوأ، تترقب حدوثه، أستطيع أن أقول أن عامين
كانا كافيين تماما لكي أبدأ الاطمئنان لهذا الأمر، الحكومة لا تريد بي شراً، لم
أعد لاعباً متناقضا في ساحة الرأي العُماني، لا أمدحُ، لا أذمُّ وكما يقولون: كاف
خيري وشري، وملتزم بحياةٍ في سياقٍ اجتماعي لا أحيد عنه.
الذي عاش حياةً كما عشتُ من الصعب أن يتخلى عن
الدروع والأسلحة، وهذ المرَّة ليست بحُكمِ وجود معركة تتربص به، فلدي أعداءٌ قادرون
وأقوياء، بعضهم مسلحٌ بالحقدِ الغاشم، وقليلٌ منهم لا يكلُّ ولا يملُّ ويغلي غضبا
في كل لحظةٍ أبتعدُ فيها عن حلم اليقظة الذي حققته له، عندما قلتُ بكل جنون [بيدي
لا بيدك يا عمر] وبدأت رحلتي الطويلة في تحطيم كل ما يتعلق بمعاوية في مجتمعِه، كم
هو مؤسف أن تنهار تحت وطأة الضغط حتى تحقق أنت بنفسك، ودفعةً واحدةً ما يتمناه
المبغض لك. وقتها كان كل ذلك مبرراً ومنطقيا، البحث عن الخلاص دفعة واحدة، والتخلي
الكلي عن أي حضور اجتماعي، حتى ذلك الذي يشمل حقوقي العادية، والمنطقية،
والقانونية والتي تشمل حقي في عدم الاعتداء عليَّ لفظا، أو إهانتي، ناهيك عن
الحقوق الاجتماعية المتعارف عليها، مثل حقي في ألا أهان أو أتعرض للاستهزاء من قبل
السفهاء، والغرباء، وهؤلاء الذين يتغذون من مآسي الآخرين ولا يعرفون القوَّة سوى
على هؤلاء الذين أثقلتهم ضربات الحياة حتى طرحتهم في التراب والطين.
هذه هي نهاية كل الأفكار اللاعقلانية التي تتحول
في نهاية المطاف إلى تصرفاتٍ اجتماعية، وفي عمان، وبالذات في عُمان، وبالتحديد، والتخصيص،
والإجمال، والتعميم، والتنميط، بالذات في عُمان مثل هذه الحالة الذهنية، وما تتحول
إليه من سلوك، يتحول كل شيء إلى مأساة تمشي على قدمين، وهذا ما حدثَ، كاتبٌ لمع
نجمه لبعض الوقت تحوَّل إلى مدمن مخدرات زائغ العينين، متربصا من كل شيء، ومن
هبَّ، ودبَّ، ومن له حق، ومن ليس له حق قادر على الإساءة له بكل سهولة. وكأنني
خلقتُ لتحقيق أمنيات المبغضين تواصلت رحلتي الطويلة في الانتقام مع ذاتي، ووقتها
أجمعُ رصيد الكراهية الذي أجهزه للانتقام، ربما كنت أبحث عن المظلومية بكل جنون
لكي أتحول في نهاية المطاف مسخاً قادرا على إيذاء إنسان، وفعلا حدث ذلك، وأدركت
أنني لستُ طيباً، وغفوراً كما كنت أظنُّ في نفسي. دائرةٌ مريرةٌ من التراكم أصبحت
تُمارس بوعيٍ مرضي مسبق، قم بإيذائي، وواصل ذلك، ووقتها لا ضمير يوقفني عن إيذائك
بلا توقف، هو نصابٌ من الجنون عشتُه بما يكفي لأجمع حزمة من الأعداء سنتبادل
التربص إلى نهاية العُمر، ولا أحد يهربُ من عواقبِ حياةٍ مليئة بالخصومات.
أبدو مرحاً وسعيداً بصورةٍ غير منطقية. لعل نعمة
ثنائية القطب تلعب في صالحي بعد الشيء بعد أن استقرت ظروف الحياة حولي، فالاكتئاب
أصبح يورث الحكمة والعزلة بعد أن كان يورث الاعترافات المخزية بما فعلتُ وبما لم
أفعل، والهوس الطفيف أصبح يورث لحظات الحضور الاجتماعي، وتلك الكاريزما التي
يحسبها البعض من خصالِي الأصيلة، طاقة ثنائي القطب التي تتسرب بسهولة إلى الآخرين
رافعةً من وجدانِهم، ومانحةً إياهم شعورا بالبهجة الهرمونية التي تبثها النواقل
العصبية في أدمغة ثنائيي القطب. العبور من وإلى تلك المأساة أخذ خمس سنوات، فهل
الظاهر هو الحقيقة؟ قطعا لا. الظاهر هو جزء منها، أما آثار تلك السنين من الريبة
والخصومات فقد تركت أثرها، لا أتوقف عن بناء الدفاعات، وفي أبسط المواقف لا أرعوي
عن الدخول في عدائية من التحذير المتتالي، لم أصنع خصما جديدا بلا سبب، ولم أصنع
عدواً جديدا، ولم أسمح لصداقة أن تنهارَ حدَّ تحولها إلى معركة. هل أنا جاهز لذلك؟
للأسف الشديد نعم، جاهزٌ لرمي كل شيء وراء ظهري من أجل انتقامٍ من ندٍّ يظنُّ أنَّ
الكراهية لم تعد في دمي. كم هو مؤسف أن يعيش إنسانٌ كل هذه النعم وداخله
اللاعقلاني مهيأ للأذى والتدمير لهذا الحدث. المحزنُ حقاً أن تكون واضحاً مع فهمك
لذاتك، وتقوله للآخرين ومع ذلك يأتي بعض الأغبياء للمجازفة باختبار تحول ذلك
لحقيقة، وقتَها، طريق اللاعودة جاهز للذهاب إلى نهاية الشر.
أعيش دقائق الضوءِ وما يأتي معها من أعباء وتبعات.
حياةُ النجم الاجتماعي هذه التي أقومُ بها كوظيفةٍ اضطرارية، يجدر بي الاستمتاع
بها، والعيش في نشوتها. هل أفعل ذلك؟ قطعا لا. أحيطُ نفسي بأصدقائي الذين أتعلقُ
بهم، ولا أجازف بالدخول في صداقات جديدة إلا في أضيق الظروف، مع أصدقاء أصدقائي، بعدَ
تأملٍ واستقصاءٍ، بل وأحيانا اختبارات لا داعي لها، فقط لأطمئن، هذه الطمأنينة
التي تفوق قيمة السعادة لدي. محزنٌ أن تصل لهذا الحد من الخوف، أن تفسد على نفسك
الشعور باللحظة بسبب كل ما دفعته من ثمن بعد تصديقها.
يغضبُ وضعي الجديد البعض، ولا أجد غضاضةً، ولا
أشعر بالانزعاج والأذى عندما يكون هذا الغضب ممن أسأت لهم يوما ما. تدهشني رحمة
الله الذي يبثُّ الغفران في قلوبٍ بعضها جرحتُه بشدة، ويدهشني ذكاء إبليس عندما
أجدُ غريباً لا علاقة له من قريب ولا من بعيدٍ بخطايا لم تكن في حقه أو حق من يحب
وهو يتفنن في الاحتقان تجاهي. لكل من أسأتُ له يوما ما نصابٌ ما من الإيذاء، إن
أراد حقُّه فلا أنكره، وأؤديه، وإن أراد اعتذاراً ولم يكن يدين لي بمثله كان له
ذلك، أمَّا من أراد انتقاماً، فكأنني أبحث عن ذلك اليوم الذي أعودُ فيه إلى شرّي
الداخلي، واستعدادي للتطاولُ في الأذى، كم هو محزن أن يبهجك اقتراب أحدهم لك
بسكين، ربما لأنك ادخرت ما يكفي من السيوف والمقاصل جاهزاً لاختبارها على خصم
أرعن! هذا محزن! محزن فحسب!
لقد انحصرت حياتي في التفكير في كيفية التصرف تجاه
ظروف الحياة. أما كيف أشعر! فكل ما أفعله هو التجاوز، تجاوز الشعور بالأسى، تجاوز
الشعور بالسعادة. تحولت حياتي إلى حالةٍ عمليةٍ موغلةٍ في السببية، وكأن الذي يعيش
هذه الأحداث هو شخصٌ آخر. شخصٌ آخر بالمصادفة أعيش داخل عقله، وأتولى اتخاذ
قراراته نيابة عنه. ما زلت غبياً، لساني تسبقني، ولا أخلو من صفات الهبالةِ
والتغابي المستمر. أصدقائي يعرفون ذلك عني، وعائلتي تعرف مشاكلي فلماذا أعبأ
بالغرباء؟ بعد سنواتٍ من التأمل والعلاج الداخلي قطعت الشوط الأخير في استعادة
الرأس الصماء، عندما يفقد الكلام قيمته، ويبقى كل شيء محصورا في التصرف المناسبِ
تجاه الاعتداء غير المبرر. قراءة هذا النص تكفي لكي يوضح التفكير اللاعقلاني
الضمني الذي يحركني خارج وعيي، لا إنسان يسيطر كليا على وعيه ولا وعيه، وهذه حقيقة
مثبتة علميا، كل ما أستطيع هو الانتباه، الانتباه لا أكثر إلى هذه الألاعيب التي
يغدقها الذهنُ على طين ولحم يسكنها بقدر ما تسكنه.
لن أعتذرَ لأحدٍ أنني أحاول الحياة. لقد انتقلت
حياتي من القلق تجاه ردات فعل السلطة تجاهي، أو الخوف من السجون، أو التحقيقي إلى
قلق عاديٍّ بمعنى الكلمة، المثير للسخرية في هذه الحياة أن تجنب الاحتكاك بالسلطة
أسهلُ بكثير من تجنبِ الخصومات الاجتماعية. كلا الأمرين مؤذٍ، وأكثرهما تأثيرا هو
ذلك الذي يبدأ بالتربص بمحيطك العائلي، أو بالأصدقاء. بينما يغرقُ البعضُ في
التأويل زيادة عن اللازم، أغرقُ أنا في ترميم حالتي الاجتماعية، وفي ذلك الشعور
الجميل الذي أصادفه من عائلتي، ولا سيما صغارها الذين صرت في هذه الأربعين من
العُمر أخشى كل الخشية أن يكون خالَهم مصدر عارٍ، أو خجلٍ، أو تعيير لهم. بينما
يحلل البعضُ زيادة عن اللازم تصرفاتي، وما أنوي عليه، وهذا يربطني بالسلطة، وذلك
يربطني بأحقاده الداخلي، وذلك يعاملني بحسن الظن الفائق، وذاك يقرؤني بسوء الظن
الفائق، كل ما أفكر به هو هذه الحياة الاجتماعية التي أريدها أن تكون هادئة قدر
الإمكان، ومحمية إلى أقصى حدٍّ ممكن. أبدو هادئا للغاية، ومرحا، وقد أبدو جميلا
بعض الشيء، وقد أبدو خيّرا، الحقيقة هي أن كل ذلك هي لإنسان كان يائسا، وذميما،
وعاش ما يكفي من القبح لكي لا يجعله هذا الجمل يغفل عن معركةٍ أخيرة نهايتها
الموت، قد تفرضُ نفسها عليه، وقد يؤجلها الله برحمته فينجو من خسارةِ كل شيء فقط
لأنَّ عدوا لئيما قد كفَّ الله شرَّه وشغله بمن يشبهه. رغم كل هذا الجمال والنعمة
التي أسأل الله أن يستقر في قلبها شكرُها وأداء جميلها، هذا الإنسان الذي يكتب هذا
الكلام عاشَ حياةً أقبحَ من أن يغفل بسبب هذا الجَمال، عن كل القبح الذي نفسه، وعن
كل القبح الذي في العام وفي نفوس البشر.
كل ما أحلمُ به في هذه الحياة، هي حياة جميلة، غير
مسيّسة، لا أضطر فيها إلى الرد على قبح نفوس الغرباء بقبح ما في نفسي، إلى حياةٍ
أغادر فيها كل الصداقات التي آذتني، وأغادر فيها كل الظروف التي تجعلني مؤذيا. لن
أعتذر لأحد لأنني أحلم بهذه الحياة، ولن أغفر لأحد يحاولُ أن يجعلها ساحة صراع فقط
لأنه خسر دميةً كان يمرّن ضغائنه عليها. مختصر كل شيء قالَه شاعرٌ يعلم ماهية الحياة:
"فإمَّا حياةٌ تسرُّ الصديق، وإمَّا ممات يغيظ العدا"
معاوية
الجمعة، 24 يونيو 2022
القتلةُ الذين يعيشون بيننا!
يُصدمُ الإنسانُ اليوتيوبي،
ذلك المشغول بمعايير الكمال، والمثالية عندما يعلمُ أن قتلةً وإرهابيين يعيشونُ حياةً
عاديةً في مجتمعٍ طبيعي. إزهاقُ النفس البشرية نهايةٌ لإزهاقٍ نفسٍ أخرى، نفس
القاتل التي استمرأت لغةَ الموت، فلم يعد يعبأ من الذي يموت على يديه. وتشيعُ في
هذه الحياة صورٌ مختلفةٌ لأشكال القتلِ والدمار، منها ذلك الذي يقوده الغضب
المؤقت، وفقدان الأعصاب، وحتى هذه لا تأتي بلا مقدمات، إنها نفسٌ تركت حتى تراكمَ
عماها عن الواقع، وتأزمت رؤيتها للحياة، وفقدت الأمل، والحب، وتحولت إلى قنبلة
موقوتة ستنفجر لا محالة إن وضعت في الظروف المناسب، وعاشت الحصار الذي يعيشه
القاتل، الراغب في القتل من أجل القتل.
شكلٌ آخر من أشكال
الإرهاب، والذي نعم قد يكون لأسبابٍ دينية، مثل متطرفٍ ساخطٍ يعيش وسط التجمع
البشري، ولا يعلمُ الناس الذي يجول في عالمه الداخلي من غضب وشر، وخطط، وخيالات،
وأحلام يقظة، وربما متابعةٍ سريةٍ للمواد التي تحرض على العنف والتطرف، قد يكونُ
هذا إنساناً في ظاهرِه مدافعا عن الدين، وينسى بعض التفاصيل الرئيسية، مثلاً أن
إقامة الحدود ليست شأنا فردياً، سينقل لك الكثير من التبرير والذي سيلف ويدور حتى
تصلَ إلى اضطرابِه البيِّن، إنه مشروع قاتل، لا علاقة له بدين ولا بغيره، إن لم
يقتل باسم الدين سيقتل غدا فقط لأنَّ أحدا استفزَه زيادة عن اللازم، زناد مسدس،
وحادث سيارة بسيط، ولحظة خاطئة، ويصبح الإنسان قاتلا، هذا ليس حدثا بادئا، هذه
نهاية متوقعة لكل هؤلاء الذين اتخذوا من الموت والقتل والدمار لغةً للتعامل مع
الحياة، قضيةٌ أخرى من القضايا "الحيَّة" التي أساس التعامل معها هو الموت،
أو إقامة الحدود باستسهال بالغٍ، فقط لأنَّ شخصية مضطربة رفضت أن تعترف بمشاكلها.
حوادث القتل التي كثرت
مؤخرا، من قبلِ رجالٍ قتلوا فتياتٍ بريئات، إرهابٌ فرديٌّ فيه لغة الموت هي التي
تتعامل مع الأحياء، لا تختلف في قبحها وفي عنفها وفي شراستها عن الحوادث الشبيهة،
لتلك المرأة التي أحرقت خيمة كاملة في عقد قران زوجها من زوجتها الثانية، ولا
تختلف عن القتلة الغامضون الذين يرمون ببندقية قناص أناسا أبرياء ويختفون، تتفاقم حالة
الإنسان القاتل بعد أن يجرب طعم الدماء، ولكن إلى أن يجربه فهو يعيشُ في دائرةٍ
داخليةٍ مليئة بالغضب، وقد يبدو غير مفهومٍ للآخرين، حتى تفوح منه كلمة واحدة
تدلُّ على أنَّه قادر على القتل، بل وقادر على الإقدام عليه، اعتادَ عصرُنا الحاضر
على وضع القتل الفردي ليكون دائما لأسباب دينية، ولكن لا يوجد منطق يُخرج ذلك
ليجعله في يد التدين فقط، هُناك قتلٌ لأسباب وظيفية، عندما يمسك موظف غاضبٌ
رشاشَها فيفتك بشركةٍ سابقة كان يعمل بها، وهُناك قتلٌ نتيجة الجهل وتراكم
الاضطراب، كأن يؤمن شابٌ أرعن مهووسٌ بالانتحار بأنَّ إقامة الحدود الشرعية أصبح
بيديه، وبالتالي فهو المفتي، والجلاد، والمنفذ، والهيئة القضائية، وهو الاستئناف
وهو كل شيء، مضطربٌ يظنُّ أن نصا واحدا يكفي لكي يذهب إلى أقصى أقاصي الجريمة،
القتل بدمٍ بارد أو فائر، لا فرق فالضحية ستموت بغض النظر عن تبرير قاتلها.
مشاريع القتلة هؤلاء
يعيشون بيننا. بعضهم يرى في لغة الحدود القانونية والدينية تبريرا لكي يقوم بذلك
بيده، والبعض الآخر لأزمة عاطفية، وآخر لأزمة نفسية، وأخرى وثالث، وثالثة، ورابع
ورابعة لصدفة في غير موضعها. هذه الإنسانية ليست نزهة في المحبة والسلام، العنف
جزء من تكوين العنصر البشري في كوكب الأرض، وشئت أم لم تشأ، هؤلاء القتلة يعيشون
في كل مكان، بين الناس، لا يفصلهم عن الحدث الأوَّل الذي يقتلون فيه سوى موقف
واحد! وبعدها، يتذكر البشرُ حقيقة هذا الكائن البشري، الغامض، والمليء بالشر،
والخير، والحب والكراهية في وقت واحد.
معاوية الرواحي
السبت، 4 يونيو 2022
رسالة محبة إلى أعزائنا العقلاء
أسوأ شيء في التعامل مع الحالات النفسية، الظن أنَّها ستحل فقط بمجموعة أدوية. وكأن عصا سحرية سوف تحول المرض إلى حالة طبيعية فيزول الاضطراب.
الاثنين، 18 أبريل 2022
نقاط على حروف الجزء رقم ألف
أكثر ما أكرهه في نفسي، أعرفه عن نفسي. وعشت سنوات غافلاً لم أفهم لماذا أفعل ما أفعله، ولماذا أتصرف ما أتصرفه. تحملت الكثير من الأذية، والغدر، قبل أن أتحول إلى شبح مؤذ، قذرٍ ولا أخلاقي، أفجر في الخصومة، ولا أمايز بين الذي يكرهني، والذي يريد أن يضرني، حدث الكثير قبل أن أعلم ما أكون.
الأربعاء، 30 يونيو 2021
لماذا أهذون؟
مرَّ ما يكفي من العُمر دون
أن أسأل هذا السؤال؟ ما الذي يا تُرى يجعلني مهذوناً؟ قبل استرسالي في السرد،
والتداعي الهذوني دعني يا عزيزي المتلقي أضع بعض النقاطِ على حروفها. لستُ ألتزم
بتفسيرك لهذه الكلمةِ، لديك الحق في تصوراتك المسبقة عن ماهيَّة الهذيان، هذا هو
استحقاقك النقدي المقدَّس والذي، بلا شك، تتمسك به بشراسة. الهذونة كلمةٌ تخصُّني،
أصفُ بها هذا الذي تقرؤه الآن، والذي تشاهده أحياناً في اليوتيوب، ليس دائما، فقط
عندما أنفصل عن كائني الاجتماعي إلى هذا الكائن المعنوي [المهذون] المتمسك بمعناه،
وبخياراته.
الهذونة شكلٌ من أشكالِ
التدوين، ألا يكون لك هدفٌ براغماتي من كلامِك، أن يكون هدفك هو التعبير عن
اضطرابك وحيرتك، وأن تتمسك بحقك في اللامبالاة، وفي السخرية من هذا العالم، وفي
الهذيان عنه، في تحويلِه إلى عالم متخيَّل تهاجُم فيه الأشباح التي ترعى في خيالِك
أكثر من الأشباحِ التي تَسكن الواقع. الهذونة مسٌّ من الذهان، هو كيان لغوي منظَّم
الشكل عبثي المضمون، المهذون هو ذلك الذي يهذي ويبحث عن نور الحكمة في جنونِه، هذه
هي الهذونة في تعريفها الخاص بي، أن يكون لك تعريفك الخاص فلا بأس في ذلك، حاول
ألا تحشرني في علبة الكبريت التي تبادرت إلى ذهنك عندما ارتطمت عيناك بهذا المصطلح
العبثي، وما دمنا قد اتفقنا على أن نختلف، أعود إلى سؤالي غير الإشكاليِّ، لماذا
أهذون؟
أهذونُ لأنني أتمردُ عن قصدٍ
على نظرية المكانةِ التي ارتبطت بالكتابةِ في هذا الكوكب. لا شيء مميز في أن تكون
كاتبا، ولا شيء مهم، أو وضيع في أن تكون كاتبا. هذه الحروف ظلٌّ للكلام، إحدى
تجلياته التي استطاعت أن تبقى بعد أعمارنا، نحن نقدُّس إناء الكتابة أكثر من
الكتابة نفسها، ولهذا السبب تحديدا أفضل الهذونة، هذا الارتماء الحر في مُطلقِ
الكلمات والتصورات، هذه العجينة الذهنية التي تُفلت بعض شعراتها من العجين، شعرة
معاوية إن أردت التحذلق، أو فلأقل الخيط الفاصل بين ما هو واقعي، وما هو حتمي. إنه
خياري، وقراري، وأحترمُ ابتعادك عنه، ونعم قد تمارس استحقاقك بعيدا عني، ولا بأس
في ذلك، لكنك قد تقترب لتفرض عليَّ ما أرفضه وهُنا سأختلفُ معك، سأرد عليك بتهذيب،
أو ربما إن كنتُ في إحدى لحظاتي السعيريَّة فسأشدُّ عليك، ولعلنا نتحول إلى خصوم وربما أعداء، وقد يصبح الأمر شخصيا،
هذه من المآسي الذاتية التي أعيشها في هذه الحياة، لا ذنب لك في ذلك، ولا حق لك أن
تجعلها قضيتك، فمربعي في الكلام حقِّي كما هو حقّك، وليلتزم كلٌّ منا بحقوقه في
الحياة بعيدا عن اعتبار تحيزاتنا المسبقة تجاه الآخر حقا من حقوق القمع والإخراس.
أهذون لأنني أختارُ ذلك،
فالكتابة أداةٌ يملك الجميع استخدامها، لها وظائفها الكبيرة في الحياة ولست بصدد
تعريف المُعرَّف، أستطيع أن أقول أنني خائف من نفسي، ومن كل التناقضات التي تمزقني،
وأنني رغم كثرةِ ما أبوح به للعالمِ ما زلتُ في لحظة الكلام الأولى، تلك الصافية
الشعاعية التي تكمن خلف الكلمات، وحتى الذي يشعر بها لا يملك لغةً ليشرح بها ما
يشعر به. شعاعٌ هالتنا البشرية الذي ينبلج منه الحدسُ وتشتعل به شموع البصيرة. لا
أنتمي لشيء لأنني لا أعرف ما يكفي عن الانتماء لأي شيء. عشتُ هذه الحياة كأنني
شجرة جرفها الطوفان، لستُ جافا، لكنني لستُ ثابتا، وأخاف كثيرا أن تكون الأفكار
موضوع صدام وصراع. عشتُ هذا الصراع بما يكفي لأفهمَ أن هذه الحياة لا تُعاش مرتين،
وأنني لست في العشرين من عُمري غافلا عن وجود البؤس، والشياطين وحتمية وجود الظلم،
والظالم والمظلوم. أهذون لأنني لست يائسا ولست مريضا بالأمل.
لا أعيش لأهذون، العكس هو
الذي يحدث، إنني أهذون لأعيش، لأفهم، لأبتكرَ وسيلة تقرّبني من صراع الشياطين التي
تعصف برأسي. لذلك أحاول ألا أنتمي لأي اختيار جماعي من اختيارات الحياة، وياللهول!
لا أنسي أنني عربي، وعُماني، الحياةُ بهذين الشرطين لهما اشتراطات كبيرة تعلمتُ مع
الوقت أن أتقبلَ الممكن منها، وأن أنحازَ إلى كل ما يمنع الواقع من التدخل في
خياراتي. لست في حالةٍ تجعلني أخافُ مما أؤمن به، مطمئنٌ إلى عاديَّتي المفرطة في
النزوع إلى الحياة المتعارف عليها، لم أعد متمرداً لأنني تمردت على التمرد، ولست
تابعا، وليس لي أتباع، أي حياة أكثر منطقية من حياة المهذون؟ لهذا السبب أهذون،
لأنني لست جنديا في معركة، ولست طاغيةً يوزع أوامره ونواهيه على أتباعه، لستُ أكثر
من إنسانٍ يعيشُ في دوَّامة أسئلته دون أن يرهق العالم بها. أهذون لأنني أضعف من
أن أعيش دون الكتابة، وأقوى من أن أعيش لأجلها. وجدت نفسي في قصَّة غريبة أعيشها
كأنني شخص آخر، عشت من الجحيم الاجتماعي ما يكفيني لأتجنبَ لعبة التأثير في الناس،
أو التأثر بهم. رحمني الله بهذه البداية الجديدة وأتمسك بالحفاظ عليها، وياللغرابة
أي سخرية قدرية تجعلك تدافعُ عن العاديِّ في حياتك؟ أن تكون عاديا يعني أن تعيشَ
حياة جميلة، لست مرهقا بتلك الامتيازات الوهمية التي تؤججها الذات، والتي يشكل
فيها الآخر شرطا لازما لتكونها، ماذا عساه أن يريد الآخر منّي ولستُ أتدخل في أي
شيء يخصَّه! وأنت عزيزي المتلقي ألن تغضب وترعد وتزبد إذا تدخلت في شبر من مساحتك!
لذلك أهذون، لأقي هذه الورقة البيضاء من خطر الآخر، الغريب، ولأنني عُماني فهذا
الآخر له سلطة كبيرة، واشتراطات كثيرة، ومزايا واسعة إن انضممت إلى قانونه الضمني،
أن تكون معه ومن خلاياه المناعية، وأن تصمتَ عندما يفتري الغريب على غيرك، وأن
تحمد الله أن ذلك الذي يُجلد بالسياط ليس أنت. أن تكون عُمانيا فهذا شيء جَميل، أن
تكون كاتبا عُمانيا فهذه معركة صعبة، الناسُ هُنا في حالة النشأة، والمدنية
والثقافة الاجتماعية في حالة النشأة، وزاد العصر المعلوماتي الجديد صعوبة الخيارات،
هل عرفتَ لماذا أهذون؟ لأنني لا أريدُ أن أحدد للآخر ماهية الصواب والخطأ، لأنني أختار
أن أكتبَ لأنني أحب الكتابة، لأن الأفكار ليس أداة، لأنني لا أريد أن أكون طرفا في
صراعٍ غير منصف، ولعبة من ألاعيب الشيطنة، لأنني أخاف من نفسي، لأنني متناقض حزين
مصاب باليأس من أن يفعل شيئا في محيط الجموع، لأنني لا أريد أن أكون سجين
التعبيَّة، ولا أريد قطيعا من الإمَّعات أفكر نيابة عنه، أهذون لأنني أحب هذا الذي
يحدث الآن، قشعريرة الصفاء مع النفس، واكتشاف النداء الغامض الذي يجعلني أكتب، هذا
يكفي، يكفي كثيراً لأختار خياري، لأنعزل، لأبتعدَ عن لعبة الأثر، والإقناع،
والتأثير، لأحمد الله على عودتي إلى مربعي الخاص، وعلى نهاية عصر مريرٍ من سلطة
الغريب على خياراتي وحياتي. لم أعد ساخطا على الحياة، ولست غاضبا ولا متحسرا، آمنت
أن الله أقدرُ على كف شر مخلوقاته. في الكتابة قوَّة لكنها أيضا فخ من فخاخ النفس،
أن تشعر بقوتك فهذا أخطر عليك من أن تكتب وأنت ضعيف، شيطان النفس البشرية،
وخطاياها السبع التي لا تُفلت أحدا من براثنها، أن تهذون يعني أنك لست ضعيفا، وفي
الوقت نفسه أن ترفض استخدام العنف اللغوي، وإن رحمك الله ولم تضطر لاستخدامه في
الدفاع عن نفسك فأنت في خير كبير، ونعمة تستحق الشكر. وراء أمر [اقرأ] من يكتب،
وسبحان الله العلي العظيم.