وذهبت أيام
كرستيانو رونالدو. الدون كما يسميه المهووسون بنجومية هذا الاستثنائي الفارق في
عالم الرياضة، ربما ليس فقط من زاوية لعبه، وإنجازاته، وقصته، وأهدافه، وبداياته،
وانتقالاته، وكل السياق الهائل الكبير الذي جعله نجماً يفوق تأثيره خارج الملعب
إلى التأثير خارجه. رغم كل شيء، وأي شيء، يبقى حاله حال أي لاعب، ما يحدث داخل
رقعة اللعب هو المنبع الأصل لكل ما يحدث خارج تلك الرقعة، بدونه كل ما فات ليس
أكثر من تأثير منسحب تدريجيا، لا ينمو، زخم كافٍ ليجعلها نجما، لكنه لا يتزايد أو
يتضاعف لكي يصل إلى تلك المكانة الاستثنائية التي حققها منافسه الآخر العظيم هو
الآخر كرويا، ليونيل ميسي، الذي حتى خصومه التاريخيون فرحوا لفوزه بكأس العالم، ما
أجمل أن ترى أسطورة تتحقق، وأيضا، ليس من السهل أن تفقد أسطورة صديقة لذاكرتك بهذه
السهولة!
أنا أحد هؤلاء
الذين سمحت لهم أعمارهم بحضور مسيرة كرستيانو رونالدو من بدايتها حتى نهايتها في
المبارة الأخيرة بين أسبانيا والبرتغال في كأس العالم العجائبي الأمريكي في عام
2026م. كأس عالم ترامب الغرائب. وأعلم جيداً أن السجال هائل بين نجومية ميسي،
ونجومية كرستيانو ولكل قيمته وشأنه ونشأته. المتحيزون لصالح ميسي لا يقبلون بهذا
الكلام، والموضوعية لن تكون سيدة أي موقفٍ بينهما، كشأن المتحيزين صالح كرستيانو
رونالدو. كوجهة نظر شخصية، لا أقصد بها صداماً، أقول رأيي الشخصي الفرد، بكل حذر،
أن الذي لا يحترم أحدهما فهو ينتقص من شأن كرة القدم ومرحلتها هذه التي جمعت هذين
النجمين، الأول الذي انتهى في خسارةٍ مع أسبانيا، والثاني الذي حتى لحظة كتابة هذا
المقال، قد يفوز مجددا بكأس عالم مفاجئ، لا أحد يعلم حتى من فرط التوقعات إن كان
سيخرج من كرة القدم لكي يكون رئيسا للأرجنتين أو شيء آخر من هذه العجائب التي لا
يمكن توقعها من هذا العالم!
الدون! حكاية
إرادة وكفاح. قصة ملهمة في من يصنع نفسه بالنحت بإزميل الزمن. التدريب المتواصل،
الالتزام، والسعي المهووس للتنافس والنجومية. يدافع مشجعوه دائما عن تصرفاته
المزعجة قليلا، الذاتية المفرطة، الرغبة في إرضاخ الفريق كاملا لكي يلعب من أجله،
الهالة التي تجعل من يتابعه يشعر وكأنه يتصرف كأنه الحل الوحيد. وفي فترةٍ كان
يحقق فيها كل هذه التوقعات، كان منتقدوه يسكتون أمام مسيرته اللامعة مع ريال
مدريد، وتألقه غير المسبوق، وعاش معه مع الوقت الكؤوس، والجوائز ذات الأسماء
الغريبة، الحذاء الذهبي، الذي يركل الكرة الذهبية، هذا غير الجوائز التي تحشر
نفسها في عالم اللاعبين لأجل ما تجود به الرأسمالية من أرباح الفعاليات والحضور
وفلاش الكاميرات اللامع. الذي يتابع الدون، يشعر بأنه في وهمٍ ما منطقي (يمكنه أن
يكون الدون) ويمكن للاعب آخر أن يكونه، بالتدريب، والنحت، والصقل، والالتزام
الخارق، والتركيز.
ربما هذا ما يقوله الراسخون في علوم الكرة عن
اللاعب الفرنسي (امبابي) ولكن ما أدراني عن هذه الحيثيات، كاتب هذا المقال متابع
عادي في كرة القدم يتحدث من زاوية ذاكرته أكثر مما يتحدث من زاوية كرة القدم
نفسها. رونالدو ليس مثل ميسي، الجميع يعلم أن ميسي حالة فارقة حتى الجينات تلعب
دورا فيها، ولعل هذا ما يشاع عن طيفٍ توحدي مزعوم تجاهه، وقدرات على قراءة رقعة
اللعب، وهيئته، وعدم تفاعله، وما يبدو عليه من بعض غرابة الأطوار يغذي هذه
الفرضيات غير المثبتة ويجعلها سرديات جميلة قابلة للتصديق. الدون! يشعرك أن الجميع
لديه خارطة شبيهة، وما عليه سوى أن يتبعها ويتمنى ألا يخذله الزمان فيصاب، أو
تخذله الظروف فيفشل في فرقٍ تطمره للأبد.
شهدتُ في مقهى
ما من مقاهي مسقط اليوم الأخير لرونالدو، ويبدو أن أيامه الأخيرة أيضا في ناديه
العربي النصر قادمة قريبا. كمشجع غاضبٍ من ذلك السلوك الغريب الذي حتى على شخص في
حالتي لا يفهم من كرة القدم الكثير يشعر بالضيق البالغ من استمرار ذلك السلوك
المستفز. التمركز الذي يجعله في موضع الحسم والحل، استأجر قطعة أرض زراعية خضراء
بجانب دفاع الخصم وكأنه مراقب أداء (فريلانسر) جاء ليدرس دفاع منتخب أسبانيا. ما
قاله المنتقدون وليس المتحيزون يتحول مع الوقت إلى صحةٍ مرئية. يمكنك أن تغفر
الكثير من الذاتية ولفت الانتباه لرونالدو فقط عندما يسجل، عندما يكون حلا، من
الأساس من الذي لديه رغبة في مجادلة فائز؟ فليفعل ما يفعل أليس كذلك؟ فليكن
طفوليا، فليطلق تلك التصريحات التي تكشف مع الوقت عن اهتزاز داخلي يمكن أن يفترضه
البعض منطقيا، وأن يربطه منطقيا بما حدث لاحقا من المشهد المأساوي عندما تحول الحل
إلى عبء، وتحول الحسم إلى لاعبٍ آخر، لم يعد يُغفر له تصرفاته المتكررة التي أصبحت
تثير الامتعاض، نعم يحق للدون ما لا يحق لغيره، فقط عندما يفوز.
يتابع محبو
كرة القدم من بعيد (زي حالاتي) كرة القديم من خلال اللقطات والإعادات. عدا تلك
المباريات التي تملأ المقاهي، هذا هو
نصيبهم من التحليل التراكمي لحالة لاعب. كأس العالم شيء آخر، ترى فيه لاعبا
مثل كريستيانو وهو يتضاءل تدريجيا، يحرج نفسه بالموقف تلو الآخر، يصرح عدة تصريحات
عن روح المؤامرة، وبدا كمن يعيش في ذاته الداخلية أكثر مما يركز على الذي يحدث في
الخارج. ليس معجزة جينية تبتكر الحلول من العدم، وقطعا، ليس هو نفسه اللاعب الذي
أظن ظالما وغاشماً أن اهتزازه مع تناقص مستواه البدني قد أتى على ما تبقى من اتصاله
الصحي بفريقه على الأقل، قبل أن يتصل بكرة القدم، وبلحظات كرة القدم المهمة، والتي
منها بلا شك هذه المباراة في كأس العام، هذه المباراة التي انتهى فيها رونالدو.
انتهى
رونالدو، وودع مسيرته العالمية قطعاً، إلا لو كان كأس العالم الرأسمالي القادم في
هذه الفيفا الدمية ستفضل مجددا كأس عالم النجوم، والإعلانات، والمبيعات أكثر من
كأس العالم الحقيقي الذي يغدق على المتابع بالكرة الجميلة، والصراع الحقيقي على
العروش. انتهى، وهو يتمركز باحثا عن الحسم، يتقدم طوال الوقت، نادرا ما يعود ليشكل
أي فارق في أي لمسة، انتهى وهو يتمنى لحظة تشبه لحظات دوري الأبطال، انتهى وجمهوره
الحاسم الغاشم جاهز لتسميم جميع زملاء فريقه في كل منصاتهم بالتعليقات التي تريد
أن تعيد لهم نجمهم المفقود الذي (ربما) قد يكون فقد ذاته منذ أزل بعيد، وهو في
حالة الصدمة الكبيرة أنَّه ليس النصف الآخر للعظمة في كرة القدم، هكذا كان يوصف،
وهكذا أظنُّ أيضا.
أودُّع
كريستيانو رونالدو، لا أودع الدون الذي عرفناه. كان جزءا من الذاكرة لسنوات طويلة،
واليوم هو نهايةٌ أخرى من نهايات كرة القدم، كما عشنا في طفولتنا نهاية روماريو،
ولاحقا كما عشنا نهاية رونالدو الحقيقي الظاهرة، وجاء من جاء بعده من نجوم الصف
الأول، من زيدان، ومن راؤول، ومن إيتو، ومن رونالديينو، إلى نجوم الصف الثاني
الذين لا أحفظ أسماءهم، وجاء زمان جديد، جاء زمان فينيسيوس البرازيلي، وجاء زمان
ذلك العملاء الذي هرب من مسلسل صراع العروش وجاء ليلعب كرة القدم، يسمونه في
العالم الواقعي (هالاند)، وجاء من جاء، من وجوه جديدة، أيضا ستصنع كرة قدم جديدة،
وعالمية جديدة. والباقي حتى الآن من مرحلة الثنائي المتنافسي هو ميسي، سقط جسر
كريستيانو، وحتى ميسي نفسه، يلعب في فريق أمريكي عادي للغاية، كأس العالم أتمَّ
معجزته الكروية، وهذا الكأس قد يحسمُ له ذلك التقاعد الحتمي الذي ما بعده تقاعد،
وكأنه تقاعد بيليه الذي نشأ وترعرع في فيفا ناشئة تسجل فيها الأهداف كما تسجل في
مباراة كرة سلة. لا أحد يتوقع من كريستيانو رونالدو تقاعدا من النجومية، لعله الآن
يجهز نفسه لنجومية الأفلام، والفعاليات، والمقابلات، والمحاضرات التحفيزية، لا أظن
أنه سيكون مدربا إلا لو كان العالم فعلا أصبح يمشي بعملة النجوم لا بعملة المنطق.
وداعٌ حزينٌ للاعب ربما لو أنفق بعض الوقت على
ذهنه كما ينفق على جسده، وأنصت لمن ينتقده بدلا من أن يحاول لجمه بالمستحيل، وفعل
ولو القليل لفريقه في مباراته الأخيرة في كأس العالم، لربما لم يكن هذا الوداع
حزينا بهذا الشكل، عندما يقتنع من شجعوه بأن من كان ينتقده كان على حق منذ زمن
طويل، وتلك المشكلات التي تراكمت قادت إلى هذه النهاية الشاحبة، هل الأمر نفسي؟
نعم نفسي منذ زمن طويل، كل ما في الأمر أن تلك الركلات التي أحرزت الأهداف أجلت
الحل، وعندما حان وقت المشكلة، لا ركلات الآن تزيحها عن الصورة، كل الذي يبقى هو
تهافته المثير للخجل وهو يحاول انتزاع بعض الضوء من هدف لزميله بحجة أن (ذكاءه) هو
الذي قاد لذلك الهدف، أي نهاية هذه؟ في النهاية، التاريخ ينسى النهايات، وما يبقى
هو ذلك المجد الذي ما لم يصاب بنهاية (باجيو) فربما الطريق القادم خارج كرة القدم
ممكنة لهذا النجم الذي رغم نهايته في كأس العالم، لم ينته من عالم النجومية الذي
يبدو أنه في بداية الطريق إليه، أهلا بك في هوليود ربما أيها الدون! أنت في البلاد
المناسبة وقبل أن تسافر إلى ناديك، ربما عليك أن تجري بعض الاتصالات، لعل هذا هو
القادم في الطريق منك أو إليك.
معاوية الرواحي