بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيكولوجي تقريبا!. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيكولوجي تقريبا!. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 25 سبتمبر 2025

الإجابة سيكومترية مبدئيا

 من الأمور التي تدعو للتفاؤل لكل إنسان يعاني من غربة علم النفس وفهمه. أن اختبار توماس للسمات الشخصية سيتم تطبيقه على مستوى واسع جدا جدا في عُمان، أتحدث عن أكثر من ستين مؤسسة.


اختبار سيكومتري يطبق في عُمان! لي ثلاث سنوات وأنا أخطط بشحوب لأنطلق في هذه الفكرة على محيطي الشخصي الضيق، وبعد عامين من الحصول على رخصة توماس الدولية كانت الخطة أن أنطلقَ في هذا المجال بعد التخرج!

تجري الرياح أحيانا بأجمل ما تشتهي السفن! من جانب لا أود مطلقا أن يفوتني تنفيذ هذا المشروع، ومن جانب أتمرن في الشركة المنفذة له، ومن جانب لدي تناقضان بين عالم الدراسة والعالم المهني، وأهلا وسهلا بالتكييف الجديد للسلوك. تحدي بإذن الله سأعبره بخلاصاته.

الذي أحبه في اختبار توماس هو معقوليته. أولا هو اختبار علمي طوّر لأربعين سنة من الدراسات والتطبيق، والشيء الآخر قابلية تنفيذه على نطاق واسع ممكن للغاية. صارم علميا، ولكنه معقول للأفراد والمؤسسات، ليس مثل تلك البرامج المخصصة التي تتجاوز قيمتها آلاف الدولارات، يمكن للفرد الحصول عليه بقيمة معقولة، وطبعا المؤسسات تحصل عليه بقيمة رائعة للغاية لا يحصل عليها الفرد.

إن أجبت على الاختبار بصدق فهذه ليست فرصة لقياس نفسك فحسب، هي فرصة لجهة عملك أن تختار لك الموقع المناسب لك. ومتأكد أن نتائج توماس ستلعب دورا رائعا في تدوير الموارد البشرية، وفي إزاحة وإزالة مناطق الخلل في الدوائر، أو الإدارات. وهذه المرة ليست وفق رأي بشري قابل للتحيز.

التحديات أمام هذا المشروع واسع النطاق كثيرة، ولكن في الوقت نفسه البدء بالتفكير بهذه الطريقة الموغلة في الحداثة الإدارية هو الأمر الذي يدعو للتفاؤل، ليس فقط لإنسان مهتم بالإدارة ورفع الإنتاجية، أيضا لكل إنسان مرتبط بعلم النفس.

أدعو جميع زملائي إلى النظر بجدية بالغة في هذا المجال الواسع والشاسع، من زاوية مهنية إنتاجية. جاءت من الله! يمكن لأي إنسان الحصول على رخصة دولية في اختبار توماس، وأن يقيم وبنجاح تام، لا أريد نشر رسائل غير دقيقة، لكن أن تكون خريج علم نفس، لديك مجال آخر لتطبيق مهاراتك في جوانب أخرى في وظيفة واحدة.

أتمنى حقا أن أرى الأخصائيين النفسين يعملون في سوق العمل، ليس كما يظن البعض، يعالجون القلق الوظيفي، وهذا نعم دور مهم، لا يمكن التخلي عنه في مهن كثيرة أبسطها العسكرية، والطيران. لا أقصد الجانب العلاجي، ما يمكن لأخصائي نفسي، أو لاستشاري سلوكي أو غيرها من التسميات أن يفعله في شركة صغيرة سيحقق نتائج مع وجود الأدوات المختلفة، والعمل بطريقة علمية وإزاحة التحيز البشري.

وجود أخصائي نفسي يجيد استخدام مجموعة من الأدوات السيكومترية (الكمية/الحسابية) وفي الوقت ذاته مع القدرة (النوعية) يصنع مستشارا للإدارة العليا، وأدوات لقياس إنتاجية الفرق، وزاوية داخلية مرتبطة بالسلوك والسمات الشخصية، فضلا عن ما يمكن فعله للتغلب على عوارض أخرى لها علاقة ببيئة العمل، ومستوى الضغط الذي به، بل وحتى معدات السلامة، وقياسات أخرى ضمن العوامل البشرية.

أتمنى حقا أن ينضم خريجي علم النفس لسوق العمل، بدلا من هذا المسار التقليدي المبني على العلاج ثم العلاج. وهو مجال يكفي لإنشاء حياة جيدة ومربح أيضا. خريج علم نفس في وزارة يساعد على حل مشكلات الفرق وتقييم الأداء (ليس برأيه الشخصي) وإنما بمنتج متفق عليه ومعتمد عالميا توماس مثال واحد على أدوات أخرى كثيرة لها استخدام آخر.

خريج علم نفس في شركة، وخريج علم نفس في مصنع. حداثة إدارية تدعو للتفاؤل، ستعطي أثرها مع السنين، وتصنع نمطاً يصوب مسارات كثيرة، ويشخص مشكلات إنتاجية، ويصنع أنماط عمل مختلفة، وأيضا يتحقق من السلامة النفسية في بيئة العمل. وهذا فقط غيض من فيض لما يمكن أن يفعله خريج علم نفس في سوق العمل فقط لو فُهم دوره الصحيح.

أكثر من ستين جهة سوف تطبق اختبار توماس لجميع موظفيها!!! يبدو الأمر مثل حلم يقظة لم أتوقعه يوما ما! سيبدو كلامي الآن غير مفهوم، النتائج سوف تتتحدث، ليس الآن، مع الوقت، وبعد تجاوز التحديات.

أتمنى حقاً أن تبدأ شركات ووزارات بدور ريادي في تفعيل هذا الجانب، الأدوات موجودة، والمؤهلون موجودون، هي فقط غربة علم النفس ودراسته وتطبيقه الحاجز الأكبر الذي يمنع كثيرين عن فهم الدور الإنتاجي الذي يمكن لأخصائي أن يفعله في مؤسسة. ليس (لعلاج) الموظفين، ليس ليفتح مكتبا من أجل (الفضفضة) كما يتوهم البعض، ليس لأنه (يعالج) بل لأنه يقيم، ويوضح، ويشخص، ويدرس، ويدير أنظمة، ويستخدم أدوات مع امتياز الدراسة الأكاديمية والتخصص، وربما لاحقا الدورات المرتبطة بمحيط عمله. استثمار لا يخيب فقط في حال تحقق الثقافة المناسبة التي تستوعب وتفهم جيدا دور أخصائي نفسي في مصنع، أو في وزارة، أو في شركة صغيرة أو كبيرة.

تسمية (أخصائي) نفسي لعلها بحاجة إلى تغيير، ولكن لا تهم التسميات، المهم هو أن يفهم العالم أن هذا العلم لا يتعلق فقط بالعلاج، وأن استخداماته هائلة وشاسعة، وهي رحلة قضية مستمرة للنفسانيين، لا تتوقف، ولن تتوقف.

اعتماد اختبار سيكومتري لعشرات الآلاف من الموظفين! هذا ليس خبرا رائعا فحسب، ليس انطلاقا إداريا لتفكير حديث، بل هو أيضا إزالة لغربة طويلة للغاية عاشها كثيرون وهم في حالة غيظ من عدم فهم العالم لهم!

جاءت من الحياة هذه المرة، لم أشعر بغربة أقل كطالب يتخصص في علم النفس مما أشعر بها في هذه اللحظة. وهي توافيق إلهية بحتة غير مخططة، أكتشف كل هذا فقط وأنا أقدم للتدريب في الشركة المنفذة لكل هذا المشروع الشاسع!

كلها أقدار، والله يكتب لي حسن النية وحسن التنفيذ.

والحمد لله على كل حال

الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

فهمت بعد حين!

 

 

#لحظة_إدراك:

 

فهمت أخيرا سرَّ الحالة التي كنت بها لأسبوعٍ كاملٍ منذ أن بدأت الدراسة في السنة الرابعة والأخيرة من رحلة التخصص في علم النفس! هل تعرف ذلك الشعور (إنه شيء غلط) وإنك ما قادر تفهم تغيير ما كبير بك، وضع اختلف؟ مشاعر اختلفت، حالة نفسية اختلفت؟ والآن فقط عرفتُ السبب.

بقيت غاضباً على قراري بالعودة للدراسة لعامين كاملين! شخص يعمل في مجال الإعلانات، ويعيل عائلةً، ويقرر أن يخفف نشاطه الرقمي إلى مستوى كبير ليذهب لدراسة تخصص لا يعلم لاحقا أي مسار مهني سيتخذه بعد تخرجه! ضرورة التخصص من جانب، ولعنة الشهادة من جانب آخر، وعقلتها وتوكلت وبدأت الدراسة.

في العام الرابع، أفهم كيف أن هذا كان أفضل قرار اتخذته. وأن جميع ما حدث لي على صعيد مهنة التسويق، والإعلانات، والتغطيات، وغيرها ليس أكثر من تأجيل لشيء أفضل. أقضي أيامي في المنطقة الآمنة، في قسم علم النفس، مع زملاء علم النفس، وتلك منطقة ناصعة النقاء تختلف تماما عن العالم الخارجي.

لديك مشكلة؟ لا أحد يطلق عليك أحكاما، ليس في قسم علم النفس! وإلا لماذا تدرس هذا التخصص إن كنت تنوي أن تكون تافهاً؟ أول فكرة تخطر في رأس كل زميل: كيف أستطيع المساعدة؟ كيف أستطيع الفهم؟ كيف أساعده على الفهم؟ هذا ما يخطر في بال طالب علم النفس تلقائيا بعد أن يتجاوز المرحلة التي يخرجُ فيها من ثوب الحياة الخارجية إلى عقلية هذا العالم الذي فكرة مساعدة وفهم الآخر تكاد تستحوذ عليه كليا!

من جانبٍ آخر، عدت لأرض الميدان، العملي، والتجاري! وهناك أرضٌ مختلفةٌ تماماً، تختلف عن منطقة النقاء التي أعيشها مع زملائي في الكلية! منطقة تنافسية، تحتاج إلى حدة ذكاء، وانتباه، وحذر، وباختصار أسميها (غابة) الحياة. كل إنسان يسعى، ويبحث عن النجاح، والربح، والحياة، ويحاول تحقيق أحلامه. منطقة المجتمع والأحكام التي يطلقها. وشتان بين المكانين، في قسم علم النفس أنا طالب في الأربعين يكن له زملاؤه الكثير من الود، يساعد الجميع، ولديه خبرة في الحياة والكتابة، واسمه في لوحة الشرف منذ أن دخل هذه الكلية. في الحياة أنا لست ذلك المعاوية؟ أنا معاوية الآخر بكل تاريخه، المعارض السابق، المدمن السابق، صاحب الصولات والجولات، والشخصية الغامضة الغرائبية التي لكل إنسان تفسير لها. أن أبدل موضعي بين العالمين هذا ما صنع لي كل هذه اللخبطة.

خرجت مبكرا من قراري بتأجيل قراري تجاه مساري المهني في علم النفس بسبب التدريب العملي، ويبدو أنه كان سيخرجني في كل الأحوال من هذا القرار. لستة فصول كاملة تركيزي منصب على الفصل نفسه، ويتوقف عند نهاية الفصل، ويبدأ مع الفصل الذي بعده. هذه المرَّة اختلف الحال عليَّ، لديَّ مسار مهني أسلكه، وخبرة أطورها، ومعارف عملية جديدة، وتحدث أين؟ في عالم الحياة بكل ما فيه من صعوبة وتحديات! وأي التحديات التي في وجهي! يا إلهي! ما أصعب أن تكون معاوية في بلاد اسمها عُمان!

 

على أية حال، على الأقل فهمت كيف هذا الوضع المزدوج بين الدراسة والتدريب العملي والعودة للعمل التجاري وما فعله بي. وسأتعامل معه بأفضل صواب سلوكي ممكن، بما يحقق النتائج، ويقربني من الهدف، ويحقق لي جزءا من الآمال التي أضعها تجاه حياتي.

السبت، 9 أغسطس 2025

من المريض حقا؟

 أستاذ هاشم، أنت من بين القلائل، إن لم تكن الوحيد، ممن يجعلونني أهرع إلى لوحة المفاتيح بعد أن أكاد أهشِّم هاتفي في الحائط من فرط ما تطرحه يوميا من أسئلة إمَّا عميقة، أو صادمة، أو شرسة أحيانا!

هذه التغريدة لك فتحت ألف بابٍ في عقلي، وألف جرحٍ مرتبط بغربة النفسانيين، هؤلاء الذين يدرسون داخل الحقل، ويتلقون تعاليمه، ويكتشفون مع الوقت خطر تحيزاتهم، بل وفداحة الاستخدام اللغوي لوصف ما يسمى بالمرض النفسي.


المرض النفسي، كحال مرض السكري، مرض الضغط، هو مرض، ويرتبط أو لا يرتبط بعالم الشر، السوء، الجريمة، الظُلم.


لذلك مثل هذه الجملة لا تخلو من آثار مضللة بعض الشيء. فالمريض مريض، يمكنه أن يكون خيرا، أو شريرا، ظالما، أو مظلوما.

سأعطيك مثالا:

شخص في حالة غضب يهشم رأس طفل صغير لأنه رمى حجرا على سيارته! هل أفترض معاناته من مرض؟ سيرتكب الجريمة، ويندم، ويتقطع ندما في طريقه لحبل المشنقة، هل أسميه مريضا؟ وهل أسميه إنسانا طبيعيا؟

هو إنسان به خصال الخير، وخصال الشر.

طيب، هل أبرر لإنسان يعاني ومشخص رسميا من ثالوث الشر المظلم؟ (الميكافيللية، النرجسية، السيكوباثية) لكنه لم يقتل أحدا (ليس بعد) هُنا تبدأ الأشياء تدخل في مناطق رمادية ليس من الحكيم أبدا الانهزام اللغوي أمام مصطلحاتها.

هذا قتل، وذلك قتل، ما علاقة المرض بالمسألة؟

هذا نرجسي سام، ومريض باضطراب الانتباه، أو بالوسواس القهري، هل ألوم الوسواس القهري على باقي حالته؟ واكمل النموذج فقط لأن التعريف الاجتماعي للمرض النفسي مرتبط بشكل لصيق بعمومية إطلاق الحكم والتحيزات التي تأتي مع المصطلح الذي اكتسب معناه مع الوقت من ضياع معناه؟ تلك الميوعة في الوصف التي جعلت كلمة "مريض نفسيا" كلمة متقلبة في المعاني؟


الإنسان به شر، والسياق هو الذي يتحكم في استخدامنا للمعايير. جندي يدخل حربا في الدفاع عن وطنه، يقتل العدو بكل ما لديه من إقدام. وجندي آخر يدخل الحرب نفسها، ويستمتع بكل ثانية وهو يبحث عن (العدو).

في استماراة تشخيص علمية، سيسمى ذلك الثاني (مريضا) ويسمى الأول طبيعيا؟ لأن السياق مهم للغاية في فهم العلاقة بين المرض النفسي والشرور.


ثمة حالات علمية مثبتة لأشخاص لديهم خصال حقيقية من خصال مثلث الشر، لكن لم يمارسوا الشر، ربما ليس بعد، لا يوجد أي رابط بين المرض وبين فكرة (الظالم/ الضحية) وإنما معاملتهما بانفصال وفق المسؤولية الفردية هي ما يحتكم إليه أولا وأخيرا.

القاتل المدان في السجن يستحق العلاج النفسي، ليس لأنه قتل، بل لأنه يصاب بالمرض النفسي بشكل طبيعي، أو كان مصابا به، سواء كنا نميل لسينمائية وصفة بالنرجسي السيكوباثي الميكافيللي، أو من الأساس كان شخصا ينتقم من حادثة فردية (مثل عامل محطة البنزين الذي قتل ثلاثة) الاحتمالات واردة.



علم النفس يعطي للمصطلح أولوية صارمة للغاية لكي لا تميع معاني مقاربات المساعدة، والعلاج، والردع، والعون. وقطعا، هو علم اجتماعي، فلسفي، قانوني، ونتيجة كل هذا التداخل احتاج الأمر كل هذا التراكم العلمي، والمؤسسات التي تضبط إيقاع عمله كوكبا بأكمله ليصل إلى ما وصل إليه من فتوحات علمية تساعد الناس وتحميهم، وأيضا تحمي الناس من أنفسهم.


النتيجة النهائية لإنسان أناني، ناقم، حاسد، تختلف عن النتيجة النهائية لإنسان يعاني قهريا من هذه الأفعال. النتيجة النهائية لإنسان باضطراب هرموني قابل للعلاج يقوده للغضب، يختلف عن الشخصية المتلاعبة الخالية من التعاطف التي تسرق أموال المتقاعدات كبيرات السن. 


عندما كتبت مقالا ذات يوم وخلطت فيه بين المرض والشر، تعرضت لتأنيب هائل من معلمين رئيسيين لي في تخصص علم النفس. ومع الوقت، بدأت أنتبه إلى هذه الممايزة. 


ما ألاحظه من العالم أن هناك تاريخ صلاحية، وتاريخ انتهاء لأي مصطلح يصف الحالات النفسية، يلف ويدور قبل أن يعود إلى الوصمة الأزلية التي هي جزء من غربة النفساني الأقصى في هذه الحياة.


اكتمال صفات الشر والتلاعب وفقدان التعاطف في إنسان لا يعني بالضرورة تحوله لشرير، وربما يكمل حياته وهو لم يرتكب فعلا شريرا واحدا، وهو من الأساس بلا تعاطف مطلقا. 


ووجود إنسان طبيعي نفسيا تماما، ومستقر هرمونيا، وعصبيا، لا يعني غياب احتمال ضلوعه في الشر، سواء المبرر في السياق كالحرب العادلة، أو غير المبرر في السياق كعامل محطة البنزين الذي قتل ثلاثة أشخاص في مشاجرة.


المريض النفسي يمكن أن يكون ضحية

المريض النفسي يمكن أن يكون ظالما

المريض النفسي يمكن أن يكون خيرا

المريض النفسي يمكن أن يكون شريرا.


وقس على ذلك، الخيّر يصاب بالمرض النفسي

الظالم يمكن أن يصاب بالمرض النفسي.

الضحية يمكن أ، يصاب بمرض نفسي.

الشرير يمكن أن يصاب بمرض نفسي.


الاكتئاب يصاب به الخير والشرير، اضطرابات المزاج يصاب بها الخير والشرير، القلق المرضي، فقدان الانتباه، النشاط الزائد. الأمراض المتعلقة بالشهوة الجنسية، وفرط الرغبة، هذا يتحول لمغتصب وذلك يتحول لمتزوج من أربع زوجات، إن كان السبب مرضيا، فهو مرض، هو جزء من الوجود (جزء من وجوده) لكن هناك من لديه رغبة جنسية عارمة، وهو أيضا قابل للتحول لمجرم، هذا لأسباب عصبية وهرمونية، وذلك لأسباب طبيعية لها علاقة بالتوجه والبيئة والتجربة الشخصية.


المرض مرض، هو جزء من ذات الإنسان وليس ذاته نفسها. قد يؤثر على باقي الذات ويستولي على جزء كبير منها لكنه ليس الذات كاملة، وهناك ما هو مكتسب، وهناك ما هو موروث، وحكاية دماغية، عصبية، هرمونية، وتجربة، وتربية، وبيئة، وعوامل السياق، وعوامل الصدمات، والمرض المؤقت، والمرض الدائم، والمرض تحت السيطرة، والمرض خارج السيطرة.


إخراج كلمة مريض من سياقها الحقيقي، الذي كل البشر تتفق عليه، مريض السكري هل هناك وصمة ضده؟ هل يوما ما وجدت أحدهم يغضب على أحدهم ويقول له (هذا لديه مرض السكري). السياق الطبيعي موجود، لكن التلاعب بلغة النماذج الجاهزة، والتحيزات، ومغالطات الاستعجال المعرفي، وغيرها مما شاع كفاية ليكون شبه حقيقة، انهزام لا داعي له.


الذي يزور العيادة ظالم وضحية، شخص يعاني من وضع نفسي به اضطراب ما بدأ يؤثر على حياته. وصف المرض لأجل التعامل معه، وحماية الشخص من نفسه، أو من غيره، أو حماية الناس منه، أو حمايته من الناس، وقس على ذلك.



عموما، هذه آراء طالب، يتخصص مع الوقت في هذا التخصص الإشكالي المبهر والصادم. 


لا يزور العيادات ضحايا المرضى النفسيين، ولا يزورها المرضى النفسيون بالضرورة، يزورها من يحتاج لمساعدة، أو يحتاج لإجابة، أو يحتاج لدواء، أو يحتاج لحماية، أو يحتاج لفهم. 


وأذكر القارئ العزيز: هذه آراء طالب، قابلة للخطأ، وربما كانت قابلة للمنطقية كما آمل.



مودة وسلام

الاثنين، 16 ديسمبر 2024

ربما لأنني ساخط!

وهمٌ كبير للغاية، أنك أنت فقط من يدفع ثمن الغضب، أو السخط، أو الاستحقاق المبالغ فيه والخيبة التي تأتي عندما يتعامل العالم مع استحقاقك (كما هو متوقع) بدون اقتناع.
غضبك ينعكس على غيرك، ذلك الذي يفقدك مع الوقت، يراك تغلي، ولا يعرف كيف يتعامل معك، منهم من يخاف منك، منهم من يبتعد عنك، هذا فضلا عن الانفجارات التي قد تكون مؤذية، أو عنيفة. تغلي، وتغلي، وأنت لا تعرف كم يطيش منطقك، وكم تتسع دائرة صوابك بالتبريرات، ولو كنت تعيش في واقع عنيف، أو مسلح، هذه وصفة جاهزة لكارثة حقيقية.
سخطك ينعكس على غيرك، على أحلامهم، عندما تكون الكلمة الطيبة بعيدة عن لسانك، تتحول إلى ذلك الإنسان الذي يقول له شخص: "لقد قبلت في كلية التربية" فيرد عليك بسخطه (المنطقي) الذي يراه صوابا: هذيلاك، آلاف الناس متخرجين تربية وما محصلين وظائف!

سخطك مشكلة، ليست مشكلتك فقط، عندما تستخف بأحلامك، أو تحتقن بسبب استحالة حدوثها، أو ربما لأنك ظلمت، يجب أن تعال هذا السخط، سخطك من الواقع، سخطك من ظلم الحياة، سخطك من حقيقة أن الحياة غير عادلة؟ ماذا ستفعل؟ ستوجه طاقتك للمحظوظين في هذه الحياة؟ تنتقص منهم، تكرههم، تحسدهم، تشعر أن الذين نجحوا فعلوا ذلك بالحظ؟ بدون جهد؟ وماذا عن الذي ورث مالا طائلا؟ هل ستكرهه؟ 
ثم تنتقل، مع الوقت، من الذي لديه مال، إلى الذي لديه حال، وتتآكل بالحمض الكاوي للسخط. أو بالجمر الحارق للغاضب، بينما تلك الطاقة كان عليها أن تتجه إلى ترميمك، إلى إعادتك لمنطقة التحدث، وتحقيق الذات، والسعي من أجل ذلك.

الناس تشفى، وتتغير، تشفى من الغضب، وتشفى من التعاسة، والذي كان غاضبا على عدم حصوله على وظيفة يحصل عليها بعد حين، والذي كان غاضبا بسبب تأخر زواجه، يتزوج بعد حين، والذي كان غاضبا بسبب عدم إنجابه للأطفال يحصل على الأطفال بعد حين، وهكذا دواليك، ثمة مشاكل تُحل لكن السؤال ما هي ضرائب تجنبك للتراكم الهائل من الغيظ، والحنق؟ هي الخسارات، لأنك حتى إن شفيت بعد غضبك، الآخر الذي صببت جام غضبك عليه (ربما) لن يتجاوز، والذي ملأت رأسه بسخطك من استحالة كل شيء، واستحالة الحياة، وظلمها، ماذا ستقول له بعد أن تثبت أنت لنفسك أن الحياة ليست مستحيلة، وأن الاجتهاد مع الظروف المناسبة يمكن أن يحقق بعض الأحلام وإن كانت صغيرة؟

إن كان غضبك ظرفيا، أو كان سخطك مرحليا، وتجاوزته، عليك أن تتقبل أن بعض العلاقات كسرت، ولن تعود، وأنك خسرت بكل بساطة، تتقبل أنك خسرت، ما لن يعود، وإن عاد سيعود مكسورا لدرجة أنك لن تتقبل الاستمرار فيه. 
الاستحقاق يختلف عن الحق، وغضب المظلوم يختلف عن سخط الحالم، وكلنا كبشر نمر بهذه المراحل، فقط ربما علينا أن نعترف أنها مشكلة، علينا الانتباه لها، وعلاجها، وإن لم نستطع علاجها على الأقل الاعتراف بها، وصناعة الظروف التي تحمينا من المزيد من الخسارات بسببها. 

بعد أن تشفى من السخط، بسنوات وسنوات، وتتحقق أحلامك، ماذا ستجد نفسك؟ إنسانا لم يقل كلمة طيبة يوما ما، عاش غاضبا، ساخطا، حانقا، ألا يكفي من تراه حولك من نماذج؟ كيف طاشت كل تلك الأيام عن يدهم، وكيف كبر من كبر، وشاب من شاب، وهم يظنون أن تلك (طبيعتهم).

اسمها مشكلة، ولكل مشكلة علاج، لو تقبلت أنك بحاجة لعلاج، ومساعدة، وقليل من التوجيه، والإرشاد، وتعريف الشيء بمسماه. هذا خير لك من أن تكون ذلك الإنسان الذي لا يذكر أحدا بخير، ينتقص من الجميع بلا توقف، لا يقول (مبارك) ولا يقول (شكراً) ولا يفرح لفرح أحب من يحبهم، يتتبع الأحزان، والوفيات، والمصائب، وليس على لسانه سوى (فلان مريض، فلان مات، فلان أصيب بالسرطان). كلنا نعلم بوجود هذه النماذج حولنا، وربما لا نملك شجاعة لنقول لهم سبب ابتعادنا. 

خلاصة كلامي، السخط، الغضب، الإحباط الذي يحول الأمل إلى حقيقة، الضيق الدائم، كلها لها حلول، سلوكية، علاجية، تأملية، كلها تؤثر على المدركات، والسلوك، كلها ليست (ضريبتك وحدك) كلها ستتسرب بشكل ما أو بآخر إلى الخارج، إن لم يكن الآن، فمع التفاقم والزمان. وكلها يجب أن تتعامل معها كمشكلة تحتاج إلى حل، وليست كطبيعة توجه بوصلة ذهنك إلى التأقلم معها ..

الأربعاء، 16 أكتوبر 2024

 لما تتعرض للكثير من الضغط، وربما الرفض، وبعض التقليل من مكانتك، ومهاراتك، وتواصل الصراع لفترة طويلة جدا فقط لتثبت أبسط الأشياء، البديهية، والتي من حقك، منطقيا، وإنسانيا، ولكنك تتعامل مع مجموعة من الناس، أو مؤسسة، أو مجتمع، أو شخصيات نافذة، أو ربما تكون جزءا من أقلية تتعامل معها دول نافذة بالإقصاء والتهجير، والشر.

لما تكون فرض تتعرض للإلغاء من قبل ناس قادرين على صناعة سرديات محكمة حولك، وحول حقوقك، وحول حقيقتك.

نعم، الحق معك، نعم أي شخص موضوعي غير منحاز يعلم أن الحق معك، ولكنك هل تعلم معنى أن تتحول إلى إنسانٍ حاد للغاية، من فرط ما أُلغي أصبح هو نفسه إلغائيا، يعيد توجيه الجروح التي تعرض لها بشكل موجه، أو عشوائي إلى الآخر الذي يعرفه؟

رب أسرة، يتعرض للإلغاء في عمله، يحرم من الترقيات، يساء له في تقديرات عمله، يظهر له زميل يحسده، ينشر عنه الإشاعات في العمل، أو امرأة عاملة في مدرسة، تريد أن تحصل على بعثة (تستقعد) لها مديرتها. تظلمها، والجميع يعلم أنها مظلومة، وقس على هذه الأمثل ما يكفي لكي تعرف القصد.

قد تكابر وتقول: لم يفت هذا كله في عضدي. كل هذا الرفض، والتشنيع، والتشهير، والسرديات التي تحاك حولي لم تغيرني. لكن هل حقا لم تغيرك؟

هل أصبحت حادا؟ شرسا؟ مستعدا للفتك بأي شخص يبدي لك أي ملاحظة ولو كانت بسيط جدا عن سلوكك؟
هل أصبحت لا تفرق بين الشخص الذي يهدي إليك عيوبك ليصلحها؟ والذي ينبش عن عيوبك لكي يسلط عليها الضوء؟
هل أصبحت كاسرا، عاصفا، مستعدا لإلغاء أي شخص يقترب منك، أو من خبرتك، أو من مهارتك، أو من حقيقتك؟ بأي شكل من أشكال الإلغاء أو تحجيمها بجهل منه؟

هذه أسئلة يجب أن تطرحها على نفسك إن الضغط الذي تعيشه في مهنتك، أو في الحقل الذي تعمل فيه، أو في مجتمعك قد تراكم إلى الحد الذي جعل سلوكك مع من يحبك وتحبهم مليئا بالدفاعية، شرسا، جاهزا لقرع طبول الحرب.

وقد لا تفعل ذلك، ربما تصبح ساخطا، توزع الأحكام يمنة ويسرة، فاقد الطمأنينة الذي لا يعطيها، فاقد التوكيد الذي لا يمنحه، فاقد الكلمة الطيبة الذي لم يعد يجد وسيلة لقولها. وربما لا تشعر بذلك، من فرط انشغالك بالحرب التي تواجهها، سواء كانت الحرب الناعمة، أو تلك اللامبالية عندما يسيء تقديرك رئيسك في القسم، أو رئيسه، أو رئيس رئيسه، قد لا تنتبه إلى ما أصبحت عليه بسبب تلك الضغوط.

ومتى ستستيقظ من تلك المعركة؟ أو الغفوة؟ أو الغفلة؟ عندما يعود حقك - هذا إن عاد- لتجد نفسك قد حولت كل المحيط الذي حولك إلى معركة من الإلغاء، والتسلط، والسخط، والدفاعية المفرطة، وربما عقّدت أبناءك، أو إخوتك، أو أصدقاءك، أو زوج، أو زوجة، أو مرؤوسين لا ذنب لهم فيما تتعرض له!

لا يتعايش الجميع مع ضغوط الإلغاء، والسرديات، والتهميش المتعمد، وسطوة الحاسد عليه، أو التسلط، بعضهم يتحول إلى ساخط ينثر الزجاج الحاد، ويرميه في آذان من يحبونه، وهو لا يعلم أن الظُلم يمكنه أن يجعل من المظلوم ظالما.

نعم، أنت مظلوم، وكل إنسان مظلوم في شيء ما، لكن هل تستطيع أن تتصور أنك عندما تصل لحقك تجد نفسك في صدمة حقيقية، أنك ربما عشت لسنوات متتالية وأنت في حالة سخط ستجعل مشوارك للعودة إلى حياة هادئة أصعب بكثير؟

السؤال الكبير: هل ستراجع نفسك التي تغيرت تحت الضغوط؟ أم ستكابر مكابرةً هائلة وتقول: أنا معذور، كنت مظلوما؟

هنا السؤال الجوهري الذي إما يجعلك تعترف بأنك تحتاج إلى بصيرة جديدة تجاه صدماتك وجرحك، أو أن تعلقها في شماعةِ فاتورة الذين ظلموك.

البعثة التي حرمتَ منها في عملك، قد تأتي، لكن ابنك أو ابنتك الذين دفعوا ثمن أعصابك المحترقة طوال سعيك للدكتوراة لن تعوضهم سعادتك وأنت تسافر تاركا ذكريات سيئة في أناس جعلتهم يظلمون معك.

باختصار، أن تكون رحيما والعالم لا يرحمك، هذه من أشق الابتلاءات على نفس الإنسان!
مع ذلك
القسوة ليست حلا!
فما الحل!
لا أعرف!
الحل هو أن تعرف أن هذا يحدث، أما كيف ستعالجه! هُنا حكاية أخرى مختلفة للغاية..


الأحد، 29 سبتمبر 2024

فهم/تغيير/إصلاح/تطبيق/ نمو!

 

 

 

يؤسفني أنني أعي شيئا ما تمام الوعي، ومع ذلك لا أطبقه بالمنهجِ الصوابِ الذي يجب أن يكون عليه. لماذا أقول [يجب] لأسباب كثيرة، معظمها قراراتٌ تتبع الحقل النفسي، لم أتخذها، وليس بيدي أن أتطاول عليها بتكوين موقفٍ فردي خاصٍّ بي أمام تراكمها المهيب والشامخ. أعي، أنَّ الكتابةَ النفسيةً الإعلاميةَ يجبُ أن تُفصلَ عن الكتابةِ النفسية المتعلقة بسيرة التجربة الشخصية، هل بمقدوري أن أفعل ذلك؟ ربما نعم، ربما لا، لكنني لا أفعل ذلك لأنَّ حكايتي الشخصية النفسية قد أصبحت بدون قرارٍ منِّي مُلكاً لعمومٍ كبير. جانبٌ اجتماعيٌّ منها يرتبط بحياتي، والأحكام التي أتعرض لها، والمواقف المتخذة معي أو ضدي، وجانبٌ قانوني منها مرتبط بالمحاكمات والقضايا وأسابيع الحبس التي تعرضت لها، وجانبٌ نفسي يتعلق بالتشخيص وعلاقته بحياتي الرقمية العامَّة، ولاحقاً حياتي العامَّة ككل التي وجدتُ فيها نفسي بتسمياتٍ كثيرةٍ لا يخلو بعضها من التأثير على المحيط الاجتماعي، بشكل جيد أو سيء.

أمام كل هذا، ارتبطت حكايتي الشخصية بحكايتي النفسية، مبكراً. متى بدأت حقا؟ لعلها بدأت من اللحظةِ الأولى التي بدأت فيها أتلقى التشخيصات المتتالية والمختلفة من الأطباء عن حالةٍ مرضية أعاني منها، حالةٌ مزمنة كما يبدو. مزيجٌ من اضطراب المزاج، والنوم، والنشاط الزائد، والاكتئاب، ومزيج آخر مرتبطٌ بالخصال الشخصية، وتصرفاتي وسلوكياتي التي لا تخلو من اضطراب بيِّن. هُنا كانت بداية حكايتي الشخصية مع علم النفس، كمعارضٍ لهؤلاء [الحمقى] الذين يتوهمون أنَّه يعرفون عقلي أكثر مني! بهذه الحماقة والضحالة من شابٍّ عشريني، أعلن تمردي على هذا الحقل كاملاً، وظني أنني أرفض التشخيص، وبالتالي، حسبما أتوهم أنَّه تأطير عنجهي لإنسان ذي وجود متكامل، رفضت أيضا تلقي المساعدة المناسبة، وقررت من وحي رأسي أنني لا أعاني من أي شيء ذي بال، إنها مجرد "حالة" ما عابرة! ولكن هل هذا الذي حدث حقاً؟

 

بمعايير ومقاييس كثيرة، حكايتي الشخصية سهلة للغاية، علاجُ اضطراب المزاج أسهل مما يتوقع المرء، ولا سيما إن كان لم يقض فترةً كافية من الاضطراب والتفاوت العالي في المزاج. يستقر دوائيا، وبعدها يبدأ التحدي الآخر المتمثل في أسئلة الوعي، وفهم الحياة. يكون خبرةً ما في هذه الحياة تسمح له أن يكون بخير، وأن يفهم ما هو الصواب النفسي، وما هو السلوك الصحي، ويعبر في مراحل الحياة وهو يكتسب النضج من تجاربه، وأخطائه، والنصائح التي يفيض بها الحقل النفسي عليه. هل فعلت أنا ذلك؟ للأسف الشديد، قررت أن أكون معالج نفسي، وطبيب نفسي، وقضيت سنواتٍ لا بأس بها وأنا أظن أنني شبه مستقر، لم أكن أعلمُ أن الانهيار الكبير بانتظاري، وأنَّه لن يكون بسيطا، ولن يكون سهلا، وأن حياتي كاملةً سوف تتحطم، وسوف أنكسر نفسيا مع ذلك الانهيار. وحدث ما حدث، وعشتُ الجنون الحقيقي، والانفصال عن الواقع، والمرض، والخروج عن السيطرة، ووضعاً لا يمكن وصفه سوى بالمأساوي، فضلا عن وجود صدامات اجتماعية، ومؤسسية، وقانونية، وشخصية جعلتني في حيص بيص، من الذي يستطيع الشفاء في مثل هذا الوضع؟

 

بداية التغيير الحقيقية في وضعي كانت بتغييرٍ إدراكٍ ما كنت أحتفظ به في ملفاتي الذهنية الداخلية، أن الحياة بأدوية وصمة عار! كيف لا؟ وحتى الأمثال الشائعة تغدق الوصمة تلو الأخرى. (فلانٌ مغيَّب حبوبه) هذه الجملة التي نسمعها منذ الطفولة تكفي لنعرفَ لماذا نكون مقاومة هائلة لفكرة الدواء. كنت في بريطانيا وقتها، الوصمة الاجتماعية كانت آخر همومي، وكنتُ على وشك خوض أهم قرارات حياتي بالحياة دون مواد مخدرة من أي نوع

كنت أظنُّ وقتها أنَّ سبب التغيير هو العلاج، الآن وأنا أراجع الوقائع المتعلقة بكل هذا، أرى بجلاء تام، السبب لم يكن الدواء. السبب كان حقا أنني طلبت المساعدة، وأنني كونت المرحلة الأولى من الثقة بوجود علاجٍ ما، وبالتالي الثقة في وجود شخصٍ يساعدني.

في بدايةِ رحلتي لطلب العلاج الدوائي مررت بقصة سخيفة للغاية بسبب اختلاف الثقافات بين عمان وبريطانيا. عوملتُ معاملة المتوهمِ، والمدمن الكذاب الذي يقول دائما أنَّه: يريد أن يتغير!

كان هذا صحيحاً في البداية، عندما ظننت أنني يجب أن أطلب العلاج الدوائي ومن ثم يساعدني على تجاوز المرحلة الانسحابية لعادة تدخين الحشيش، إضافةً لذلك لم يصدقني الأطباء، ولم يصدقوا حكايتي، أنني إنسان مشهور في بلاده، وأنني سجنت بسبب تغريدات، وسجنت مع أجهزة الأمن، وأنني كنت أعمل في جهة سرية ومهمةٍ في الدولة. أشير إلى حكايتي الشائعة في عُمان، كل حياتي الحقيقية تحولت إلى [ضلالات وأوهام مرضية] وتخيل أن تعاني من أوهام وضلالات مرضية إضافية، ما الذي يحدث لك عندما ترى الآثار طويلة المدى لتجاهلك صحتك النفسية! الآن فقط، أعرف أن السبب الحقيقي المبدئي للدخول لحالة الاستقرار لم يكن فقط الدواء نفسه، وإنما الرغبة في الدواء، والرغبة في العلاج، والرغبة الداخلية الحقيقية في التغيير، ومن هنا بدأ التغيير.

 

الخطوة الأولى: الثقة في العلاج الدوائي

 

للعلاج الدوائي ميزةٌ حقيقية. نتائجه السريعة والتي تظهر خلال أسبوعين تعطي شعوراً واقعيا بالتعافي والتجاوز، تسرع من عمليات التفكير الداخلية التي لا تنشغل بالتعاسة، أو الغضب، أو القلق، وتبدأ في وضعنا في مسارٍ نفسي أفضل من الذي كنا عليه، هذا ما مررت به وما أعتقده عن العلاج الدوائي. ولأنني كنت أريد التحسن بكل ما في طاقتي ورغبتي في إنقاذ حياتي من معمعة معقدة للغاية، كونت إرادةً أخرى تجاه التعافي السلوكي، ربما نشأت في اللاوعي، وربما ساعدها الدواء، في كل الأحوال، كانت إرادة حقيقية وصادقة، ولهذا وللمرة الأولى بدأت تعطي نتائج جيدة، وبدأت تنعكس على استقراري، وبدأت المعادلة تتضح. استقرار، فهم، تغيير، تطبيق، نمو، وربما في الغد القادم: تحقيق للذات.

 

الخطوة الثانية: العلاج السلوكي

 

لم أثق يوما ما بالمعالجين النفسيين. ولماذا أثق بإنسان يجلس معي لطاولة ويكلمني؟ ألا أستطيع أن أكلم أحدا غيره؟ كنت كمعظم الدخلاء على الحقل النفسي أظن أن علم النفس هو [فهم علم النفس] وهذه مأزق فكري رائج، علم النفس هو ما تعرفه عن علم النفس، أما عن الجانب الآخر من الكثبان العلمية الهائلة والمتراكمة لحقل علم النفس فلم أكن أعرف عنه أي شيء. على صعيد العلاج الدوائي كل معرفتي مقتصرة أن الطبيب أقسم قسما طبيا بعدم البوح بأسرار مرضاه، وبالتالي كنت مطمئنا إلى هذه الحقيقة وبالتالي أعرف أن الطبيب النفسي يحفظ أسراري، وأستطيع أن أخبره أي شيء!

عرفتُ وأنا دخيلٌ على علم النفس هذه الحقيقة، أن الطبيب النفسي شيء، والمعالج النفسي شيء آخر. كنت وقتها قد رجعت إلى عُمان، ودخلت في حالة التعايش مع حياتي السابقة، ورحلة نفسية صعبة جديد علي، قبول أن كل ما حدث قد حدث، والتصالح مع خسارات فادحة، ومع وضع اجتماعي لن يكون سهلا، كلمة معركة كانت صغيرة أمام كل الضغط النفسي الذي كنت أمرُّ به لأصنع لنفسي موطئ قدم، وفرصا للحياة في عُمان.

لم يتوقف الوضع السابق، كنت معتمدا بشكل كبير على العلاج الدوائي فقط للمضي قدما في الحياة، ووضعي المعرفي وعلاقتي بعلم النفس لم تتغير، كنت منهم الذين يظنون أن فهم ما يقوله علم النفس هو حقا علم النفس، وأنَّ قليلا من الخطوط العريضة عن اضطرابات الشخصية، أو عن عموميات الشخصيات النرجسية، وعن شرح اضطرابات التركيز والانتباه كلها تكفي لكي أبني مقارباتي! لم أكن قد بدأت الدراسة بعد، ووصلت إلى طريق مسدود: معرفتي الذاتي، وتعلمي الذاتي، لا يكفي لكي أبدأ مسيرة النمو السلوكي، ولا تغيير طرق التفكير، أحتاج إلى مساعدة أحد ما.

 

بدأت تجاربي مع المعالجين. موقع إلكتروني معتمد، به معالجون من مختلف دول العالم، لم أكن مقتنعا حقاً أن هذا المعالج يتمكن من مساعدتي، وظننت أنه سيعرف أي شيء أستطيع أن أعرفه بنفسي. ثُمَّ بدأت أتجاوب مع واجباتهم، وما يطلبون مني كتابته، ومن ثم ما يخرجونه من كتابتي ومن كلامي ليثبتوا لي خللاً ما في طريقة تفكيري، خلل يؤدي إلى خلل آخر في السلوك، ومن هُناك بدأت دهشة العلاج المعرفي السلوكي: يا إلهي، هؤلاء حقا يفعلون شيئا يغير حياتي للأفضل!

 

المعالج النفسي يرى الأشياء من زاوية يصعب أشرحها. علم النفس بالنسبة له ليس علماً يؤطر به من أنت، أو يقرر به إن كنت مريضا، أو سيئا، أو حسنا، إنها سلوك عقلي ممنهج وله ضوابط صارمة للغاية. وعرفت فورا أن هذه الجلسات نافعة، ليس لأنها العصا السحرية التي تغير كل شيء، ولكن لأنَّها توفر علي شهورا طويلة في اكتشاف التغيير بالخطأ والكوارث. معلومة بسيطة عن بناء الحدود تكشف لك الكثير عن أخطاء لك في حياتك، معلومة أخرى عن قيمة الذات تكشف لك شيئا أهم عن الساعات التي تقضيها في تأنيب نفسك، وجلسةٌ تتعلقُ بقيمك وفهمك للحياة تكشف لك أسباب تهورك، وتكشف لك أسباب اندفاعك الخفي أحيانا، وتخفف من ساعات ضرب الأخماس في الأسداس وأنا أقول لنفسي: ماذا بك؟ ماذا بك؟ أي مصيبة في عقلك يا معاوية!

 

من معالجٍ إلى آخر، ولم أجد بغيتي بعد، وجدت معالجا ألماني الجنسية، ومنه بدأت حكايةٌ أخرى في حياتي. هل لأنه كان بارعا؟ ليس هذا السبب الوحيد، كان بارعا بمعنى الكلمة وخبيرا في مجاله، ولكن لأنني أيضا كنت مقبلا على عملية العلاج، متقبلا لواقعها التجريبية، ومستعدا لحدوث النكسات. هُنا شعرت أنَّ لديَّ "سند" حقيقي اسمه العلاج السلوكي، وشعرتُ أنني كلما واجهت أسئلة إشكالية في حياتي، تتعلق بسلوكي، أو بعلاقاتي، وجدت الملاذ الذي أذهب إليه، وأطرح أسئلتي، وأتكلم عن تجربتي، وبكل مشاعري الحقيقية. وبدأت جلسات العلاج المتتالية تعطي نتائج ملموسة، خلال ثلاثة أشهر ربما من الاتصالات المكثفة، ومن خارطة العلاج، وخارطة الطريق، ومحطات اللجوء المفاجئ نتيجة للضغط النفسي الشديد الذي أمر به بسبب الحياة.

 

الغربة النفسية شيء ليس بالسهل للنفساني. أعيش هذا كطالب علم نفس كل يوم، وأعاني كل يوم من الدخلاء في هذا المجال، ثلة الأذكياء الذين يقرأون علم النفس في معزل عن الحقل النفسي. أن تفهم المكتوب في كتب علم النفس شيء، أن تختلط من الحقل وتعيش فيه هذا شيء آخر. قراءة علم النفس قد تكسبك خيوطا ذهبية لتطوير ذاتك، لكن هل يمكنك تطبيق هذه التقنيات بنفسك؟ لمعالجة مشاكلك؟ للنفس طريقة في إدهاشك أنك تعاني من مشكلة تشخصها بسهولة في الآخرين، ثم يلطمك المعالج بشيء: ألم تقل أن هذا مشكلته كذا وكذا؟ عندما أخبرتني عن ذلك الموقف الذي تعرضت له قبل شهرين، بم تفسر ذلك؟ فجأة تصاب بالذهول وتقول في نفسك: يا إلهي! أنا أعاني حقا من هذه المشكلة!

 

هذا ملمح واحدٌ بسيط عن الذي يحدث داخل جلسات العلاج المعرفي السلوكي، وهو بحرٌ شاسع من التقنيات، والمهارات، والمدارس، والجلسات المتعددة، وبناء الملف المتكامل، ومراجعة الملف، ومتابعة تطور العميل، وإعادة النظر في بعض التقنيات، والنظر إل وتيرة التطور في سلوك العميل، وسعادته، ورخائه، وإقباله على الحياة، وإقباله على العلاج، ومقاومته لتعاسات الحياة، وصبره على القلق، والتوتر، وأيضا احتمالات انتكاسه المفاجئ. عملية مستمرة، ودائمة، لا علاقة لها بالحلول المفاجئة، وليس بالفهم وحده يعالج الإنسان نفسه، الرعاية والعناية والمتابعة هي التي تكمل تحقيق هذه النتائج والتي قد لا تكون مبهرة وجذرية في تغييرها، لكنها مرضية وتدريجية في نجاحها.

 

هل من المجحف أن أسمي العلاج النفسي "محطة صيانة" تشبه صيانة السيارات؟ أظن أن هذا مجحف في حق الحقل ككل. يمكنني أن أسمي العلاج المعرفي السلوكي والجلسات مع المعالج النفسي علاجا يشبه ذلك الذي تتلقاه من طبيب الأسنان. هذا أقرب تشبيه لعملية العلاج. وأيضا، لم يكن هذا العلاج ليعطي مفعولا أو نتيجة لولا اقتناعي وثقتي أن هذا الذي يسمى [سيكولوجست] يستطيع مساعدتي. وبعد الثقة بالعلاج النفسي بدأت حياتي تأخذ طابعا جديداً، سلوكي بدأ يتغير، كتاباتي بدأت تتغير، وأكملت عملية التغيير هذه بأن أصبحت طالبا في هذا المجال، هل أعالج نفسي بنفسي؟ قطعا لا. دراستي في هذا المجال عجلت من وتيرة النمو الشخصي، وسهلت على المعالج المهمة، وخففت عنه الشرح. المشكلة التي كان يشخصها بي أصبح يعطيني المصادر التي تساعدني على فهمها، وبالتالي الاستفادة من وقت الجلسة في توجيه ثمارها إلى مناطق علاجية أكثر، وأوسع، ولكن قطعا، ثم قطعا، أنا لا أعالج نفسي، فهذا مجرد خطأ شائع يمارسه حتى النفسانيون على أنفسهم، وطلاب علم النفس هم عملاء مزعجون جدا! أعرف هذا الشيء، وأيضا أعرف أنني أسلم عملية العلاج للمعالج لأنني رأيت عمله، ورأيت التغيير الإيجابي الذي عشته معه.

 

تغيير بسيط، ثم تغيير في التفكير، ثم سلوك مبدئي، تجربة، تقويم، وينتهي الأمر بنمو عام، وحياة أفضل. لا يختلف عن التقويم الوظيفي للموظف، ولكن هذه المرة الموظف هو ذلك [الأنت] الذي بداخلك. ذلك الصوت الداخلي الذي يتجادل معك، فكرة تبدو عادية، وكأنك تعيشها مع نفسك كلي يوم، وجود شخص محترف يراقب التغيير، والنمو، ويعجل من عملية الاستفادة من المراحل الجديدة تجربة مختلفة، كل ما أستطيع أن أقوله عنها هو أنها غيرت الكثير، وساعدتني على تكوين وعي تجاه سلوكيات، بعضها أردت إيقافه، وبعضها أردت فعله والبدء فيه، فضلا عن نفعها في تأطير الحقوق في العلاقات، وحق النفس تجاه النفس، وحق الفرد تجاه الآخر، ومتى أعرف أنني في موضع تصرفي به خطأ، أو ضرر لنفسي أو لغيري، ومتى أعرف أنني في موضع من  واجبي تجاه نفسي أن أحمي نفسي منه.

 

معاوية الرواحي

الخميس، 26 سبتمبر 2024

هبْداتٌ ذات العواقب!

 

 

لي في تاريخي الرقمي تاريخ طويلٌ يمتد إلى 22 سنةً من الإنتاج شبه اليومي. لا أظنَّ أن يوماً عُمانياً رقمياً يمرُّ بسهولةٍ دون شيءٍ ما من مشاغب الساحة الرقمية القديم. مقالٌ عاصفٌ يجازف بالحوم حول الحمى، أو مجادلات بطائل وبلا طائل، أو هذيانٌ مرضي بلا قيمة حقيقية، أو أيام هادئة من اليوميات، وبين الفينة والأخرى مقال لا بأس به، يطرح قضيةً ما، وعادةٌ ما أدخر المادة الجيدة لجريدة الرؤية، عندما أقرر أن أكتبَ وفق القالب الرصين الذي يفرضه عليَّ المتعارف من قوالب الكتابة. تاريخٌ رقمي مليء بالأخطاء، ومليء بالصواب، وبه من الأدب وقلة الأدب، وبه من الجيد والرديء، وبه من الصواب والخطأ، كأي إنسان، ولكن بشكل منهمر، ويفيض بسرعة وعشوائية أحيانا، أو بدقة موجهة في أحيانٍ أخرى.

ومع هذا التاريخ الطويل، تأتي [هبْداتٌ] كثيرةٌ أتحفت العالمَ بها، هبدات ذات الهلاوس، وهبدات ذات المؤثرات العقلية، وهبدات ذات الظنون، وهبدات ذات الذهان، وهبدات ذات الهوس، اندفاعات كان من الخير أن تحدث في خطابي الداخلي لكنها خرجت وأصبحت ملكاً للعموم الذي أصبح يصنع منها ما يصنع من تأويلات، وافتراضات، بعضها حقائق وتشخيص دقيق لمشاكلي، وبعضها اختصاراتٌ فريق [المستكاودين] بالفطرة الذين يضعون تجربة إنسان برمتها في علبة كبريت ويقررون وضع علامة (=) سهلة توفر عليهم عناء المزيد من البحث، والمزيد من القراءة. فالحقيقة ليست مهمةً بالنسبة لكثيرين، الحكم أهم، ولذلك، لي تاريخ طويل، من الهبدات، والأحكام التي أتلقاها، والأحكام التي أطلقها، ولست بحاجة الآن إلى خوض حيثيات حدوث كل ذلك، لأنني مهما حاولت لم أصل بعد إلى الخلاصة النهائية عن كل ما كان يدور!

وثمَّ من مسيرة عبثية، بوهيمية، عشوائية، وكتابة تتدثرُ بفوضى الأدب، وعبثية حياة الشعراء، والصعاليك، وحياة أساسها الإبداع بقوة الخيال، والانطلاق من تجارب الواقع إلى السرد، وإلى صناعة العوالم الافتراضية البديلة إذا بي أدق بجمجمتي في جدارٍ صعب من جدران الحقيقة، وأصبح طالباً في حرم علم النفس بكل ما به من قداسات، وقوانين صارمة! موقفٌ صعبٌ لنفساني قيد التأسيس، وبدأ التغير في كتاباتي يظهر بجلاء، ويتابعني في ذلك مجموعة من العقول المخلصة في النصيحة، المتخصصة في هذا المجال، وأنا بكل احترامٍ أتتلمذُ، وأجمع بين أيام جهلي العام عندما كان علم النفس وسيلة لتأطير الأشياء، إلى علمي العام المبدئي الذي أصبح علم النفس فيه مجموعة من المهارات، والمعارف، والمقاربات، والتعليم الداخلي، وتعديل آليات التفكير، والبدء في النظر إلى [العلم] نفسه كمنظومة أنتمي إلى تقاليدها، والأهم [قوانينها] والتي ليس من السهل أن أطلق حكما فردانيا عليها، لست الآن وأنا في مرحلة الطاعة الإجبارية لاشتراطات التتلمذ، وإلزامات التجربة التي لا يمكن الخروج من قانونها الصارم، ليس فقط من الجانب النفسي، ولكن أيضا من الجانب العلمي الذي يملأ وجدانك بالذعر، والخوف من الخطأ، وإثبات كل صغيرة وكبيرةٍ، وتثبيت كل تراكمٍ بصياغة محكمة وقانون بحثي عليك أن تقضي عُمرا كاملاً في تعلمه.

أحبُّ الكتابة، وعادةً ما أكتب عن عُمان، وأتقافز من حقلٍ إلى حقلٍ، بين الذات التي أحللها، والآخر الذي كنت أصادمه قبل أن أتخلى عن روح الصدام إلى روح الفهم والتجاوز، وعن مأساوية حياتي في عُمان بكل جدليتها، وعلنيتها والتدمير المتعمد الذي ألحقته بنفسي وأنا في أشد معامعي اندفاعا. وشاء الله أن يصوب قلبي إلى القضية النفسية، والتي أكتب فيها بكل حذر، أراجع نفسي، وأسأل، وأناقش، وأستفسر، وأبحث، وأحاول ألا أضع [هبدةً] عمياء تكلفني ما لا طاقة لي به من الاعتذار المتعب، والاعتراف المر بالخطأ. من السهل أن أعترف بخطئي، لكن أن أخطئ في موضوع نفسي، وأنا أؤمن بالقضية النفسية كناشطٍ يأمل أن يفعل شيئا ما خيرا فيها، هُنا خطئي لن يمر بسهولة، ليس وبعض العقول النفسية الحقيقية تقرأ ما أكتب، ولا تخجل أن تؤنب، وأن تقرِّع، وأن تشير للخطأ بصراحةٍ لا لبس فيها.

وحدث ما كنت أخشاه، ووقعت في الخطأ الجسيم الأوَّل. كنت طالبا في السنة الثانية، ولم أتقن صياغة مقالٍ لي، فكان من المعنى العام أن يخلط بين الشر وبين المرض النفسي، خلطٌ لا يغتفر، كنت في مقال لي اسمه [القتلة الذي يعيشون بيننا] أذكر إحصائية عن الحالات المثبتة إحصائيا عن الأمراض ذات الطابع الخطر! لسبب ما، لحماقة ما، لصياغة ما، لهبدةٍ ما وقعت في الخطأ، وربطت بين المرض والشر، وكأنني فسرت الشر بالمرض، أو فسرت المرض بالشر، وبكل صراحة، كنت أستحق كل ذلك التأنيب، والتوبيخ العلمي الشديد. لا أستطيع وصف جسامة هذا الدرس على نفسي، أدافع عن نفسي بأنني أخطأت في الصياغة، لأكتشف أن خطئي له عواقبٌ أخرى كانت غائبة عن بال طالب يدخل سنته الثانية! قرصة جميلة جدا علمتني المزيد من الحذر، وعلمتني أن أعرض أي تأملات سيكولوجية أكتبها على خبير مختص، وأن أطمئن مرة تلو الأخرى إلى خلوها من مثل ذلك الخطأ الفادح الذي ربطت فيه بين الشر والمرض، والمرض والشر، وكأنني فسرت الشر بالمرض، أو فسرت المرض بالشر، وكان خطئا لم أحسب حسابَه وأنا أمر بمرحلة طالب علم النفس الذي بدأ يجد خيوطا لتأطير الأشياء، خيوطا أولى، سيدرك لاحقا أنها ليست هي الفيصل في القضية النفسية، وأن الإطار، والتشخيص، والأحكام إضطرارات تنظيمية في هذا الحقل، ولا تمثل روح هذا الحقل التي أساسها رخاء الإنسان، وجودة حياته، وصحته، وسلامته، واعتبارات أخرى معقدة وكثيرة لا تختصر سوى في كلمة [الإنسانية] ليست فقط تلك الخيرة والبناءة، ولكن أيضا، الهدامة، والمضرة للنفس وللآخر.

 

كتبت عدة مرات عن الموضوع، موضحا، ومعترفا، لكنني لم أخرج من هذا الدرس الوخيم بلا فوائد، كسرني بعض الشيء هذا الخطأ، لأنني كنت حقاً حسن النية بمعنى الكلمة، أجتهد لأنحتَ مفهوما، أكتشف لاحقا أن هذه الفردانية المفرطة في الأدبية، والشعرية، لا مكان لها عندما يتعلق الأمر بمنظومةٍ بها ما بها، ولها ما لها، وعليها ما عليها، تختلف في أشياء كثيرة لكنها تتفق في شيء واحد، أن الشر شيء، وأن المرض شيء، وأن من المرض ما يقود للشر، وأن بالشر ما يقود للمرض، لكنهما لا يتطابقان، يتمايزان بإشارات وعلامات، واستعجال طالبٍ كان يكتب مقالا استحق عقابَه. كُل ما أشعر به الآن هو انتماء حقيقي للقضية النفسية، انتماء مُتعلمٍ، وطالب، يتتلمذ بلا توقف، ولا يستعجل أن يكون رأيه الخاص، ولا يستعجلُ أن يبني اعتراضه الشخصي، ليس الآن، ليس قبل سنوات ليست بالقصيرة، وحتى وإن حدث ذلك، لن يكونَ سوى في أشياء صغيرة، لا أظنُّ أنني سأجرؤ عن الكتابة عنها خارج السياق المتأمل، المعترف باحتمالية خطئه، الذي يضعُ ما يضعه في سياقه، الشخصي للشخصي، والاجتماعي للاجتماعي، والنفسي للمحتمل من الخطأ. درس لا أتمنى أن يمر به طالب علم نفس، وأتمنى في الوقت نفسه أن يمر به في محيط أصغر من ذلك المحيط العام في مقالٍ منشور في جريدة الرؤية، هل ستحكم صياغة كلامك بعد اليوم؟ هل ستتريث في النشر؟ وهل ستتيقن عندما تصاب بالرمادية بين منطقتين؟ كان خطأً من أخطاء التفسير الفلسفي للحياة، وفي علم النفس هذه [هبدة] لا تغتفر، هبدة ذات عواقب، كتلك [الهبدة] ذات العواقب التي خرجت منها بما يكفي من الانكسار، ورممت بها ما يكفي من الانهمار الحذر في هذا البحر المليء بالتعقيدات.

 

معاوية