بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون عمانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون عمانية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 13 مايو 2026

تأملات لغوية

 وتبقى مشكلة واضحة في الكتابة العمانية المعاصرة. تتبع التطوير، والتغيير في عمان حتى هذه اللحظة يحمل حساسيات هائلة جداً لجدة تغيير العهود في عمان.

تأسست الدولة المدنية الحديثة على يد السلطان قابوس. الوعي العام بأكمله متأسس، مترسخ على كلمة "التأسيس" .. النهضة الأولى، وتبلور الدولة التي كادت أن تتقسم، وكادت أن تنشطر، وذهب بها الفقر والجوع والغربة. كلنا نعرف قصة عمان؟

طيب، قصة عمان مستمرة، متصلة، فقط يبقى هذا الحاجز اللغوي الذي يجعل توثيق قصة عمان كما حدثت ناقصاً.

المقارنة بين حاكم وحاكم: من الأساس؟ لماذا؟ لا وجه للتشابه ولا للتطابق واختلاف الزمان والمكان سنة بديهية.

المقارنة بين نموذج ونموذج: هنا يبدأ الممكن من الكتابة، وقد يكون لأسباب تأريخية. ماذا عن الذي يريد الكتابة عن عمان الآن؟ ويريد توثيق ما يحدث؟ ويريد أن يضطلع بهذا الدور؟ هل يبقى متوترا فقط لأن جدة فكرة تغيير الحكم في عمان قد أخذت قرابة خمسين سنة، كم جيل وراء بعض؟ وفجأة صار انتقال للسلطة! نعم الوضع محير ولا سوابق له إلا من تاريخ بعيد كانت له أيضا ظروفه المغايرة جذريا.

دولة حديثة، شغر فيها منصب السلطان، النظام الأساسي للدولة ومادته حددت مسار انتقال السلطة، وثبت مجلس الدفاع السلطان الذي أشير له وفق مادة دستورية.

نقارن بين نموذج ونموذج؟
مرحلة ومرحلة
هل يخدم هذا الهدف الأكبر، أن يسرد الجميع زاوية من قصة عمان؟ بكل الآمال العالية والأحلام؟

الحل الجذري هو مقارنة عُمان بعُمان ..
هنا يخرج كل شيء من كل الحساسيات والمقارنات.

قارن عمان بعمان ..

ولذلك لو كان كلامي في محله، ستجدون تلقائيا الأغلبية يقارنون عمان بعام 2020 فقط .. لأنه مترسخ لدينا في وعينا الداخلي نموذج ثابت (الحاكم المؤسس).

وهذا لبس في التفكير ينعكس على اللغة، وهذه (اللخبطة) لو ترصدون كتابات كثيرة ستشعرون إنه البعض يكتب وهو فعلا ما عارف نموذج، لأنه البلاد تأسست، وانتقال السلطة تم سلميا، وبدأت مرحلة جديدة.

هنا أعتقد دور الثقافة أولا وأخيرا، نحت لغوي، ابتكار، رصف وسائل تعبير، وتراكيب جمل، وصياغات متعددة الجوانب.

ليش أتكلم متقين من ذلك؟

ارتفاع سقف الكتابة يدل على نموذج في التعامل مع الصوت الشعبي كمحرك تغيير، وكرقيب ربما، وكوسيلة ضبط جودة، كلها مفاهيم إدارية أيضا تتخلق مع الوقت. هذا فهمي الشخصي، ربما أكون مخطئا. المؤشر الذي أستمد منه هذا اليقين، هو الاستجابات المتتالية للصوت الاجتماعي، وكيف أصبح شيئا طبيعيا أن جهة حكومية تنشر (توضيحا) يقر بالرأي الاجتماعي.

لم يعد الموضوع (نهيب والملاحقة القانونية) ..

بالتالي من المهم أن يكون حراك الكتابة واعياً لكل هذه التفاصيل الصغيرة والمملة، وهي فعلا مملة بمعنى الكلمة وقليل من الناس يحبون الخوض فيها لأنها خالية من اللمعان البرّاق للكتابة.

أفترض هذا الافتراض (قد أكون مخطئا)

أن الدولة تريد أن تسمع الناس، وأنها أصبحت نتيجة تغيير نماذجها الإدارية والاقتصادية وذهابها لنموذج تطوير مستمر، بالتالي تتعامل بشكل براغماتي مع ثروة مفيدة للغاية، ثروة الآراء، والرصد، والتتبع، والنقد البناء، وأيضا بعض الرقابة والمقارنة بين ما تقدمه المؤسسات الحكومية من تقارير، وما يدور عنها في المحيط العام، وسائل دراسة ذلك كلها وفيرة وكثيرة، ما دام: "لديك ناس تكتب وتعبر" ..

أعرف أن الموضوع صعب للغاية، بس انعكاساته هائلة حتى على لغة البحث العلمي، واختيارات البحوث. لأن موضوع حاكم أفضل من حاكم، ومقارنات أساسها الخطأ المنهجي في السؤال: لماذ من الأساس المفاضلة؟

لذلك أقول، المقارنة هي مقارنة عمان بعمان، المنجز بالمنجز، النظر لما تطور، النظر لما توسع، النظر لما تغير، وهنا يشعر الكاتب بأريحية في الكتابة دون أن يجد تلك الحواجز المكهربة أمامه.


أنا شخصيا أخذت خمس سنوات حتى أنتبه لهذه الفكرة، وكنت أيضا حائر، تعودت لعشرين سنة عن الكتابة عن عمان، ووجدت نفسي أعاني معاناة هائلة، لأن حساسيات المقارنات أصلا غير منطقية، والكتابة بلغة التبرير وغيره لا تنصف الواقع، والتلميع الزائد من الأساس شيء أصبحت الحكومة (تستكاوده) لأنه يرفع سقف التوقعات وهي تفضل الواقعية المتفائلة في خطابها.


من أين أستمد يقيني من ذلك، من تصريح ورد فيه أن جلالة السلطان "يود أن يعرف الناس حجم التحديات التي تمر بها البلاد" مجددا، نموذج في الخطاب العام. اسمه فقط "نموذج" هكذا يوصف، وترتاح تكتب عن انتقال الخطاب السياسي إلى مدرسته الجديدة بارتياح بدلا من الوقوع في حيرة، كيف تكتب عن هذه التغييرات.

فعلا الوضع ما سهل، أنا أصلا من مواليد جيل النهضة، يعني أصلا ما موجود في خيالي ولا كتابتي أي نموذج سوى دولة التأسيس. أسمي الدولة الحالية دولة الاستدامة ودولة الاستمرار حتى ما عارف بالضبط كيف أسميها لأنه ما شيء أصلا مفهوم في عقلي سابق ممكن، لذلك الكلمة المريحة هي كلمة "العهد" الجديد.

العهد الجديد كلمة جميلة، فقط أحيانا نقولها ونكتبها ولكن نحن نتحدث عن "التأسيس" .. وعشان كذاك تلقى نفسك تتلخبط، لأنه تو هناك تأسيس للاقتصاد مثلا، لمفاهيم عالمية جديدة، لسياسة تتحدث بالصوت العالي، لمواقف ثابتة، لكن تقدر تقول: "تأسيس من أول وجديد"...

لاحظتم كلامي صح؟ ورطة لغوية أعتقد كلنا يقع فيها.

أظن اللي أكتبه هو ضمن محاولة لغوية فقط عشان تكتب بسلامة موضوعية، وأيضا لتضمن إنه ما تنحاز أو تنساق وراء قوالب أحيانا ما صارت توصف الواقع العماني.

شيء مفاهيم جالسة تتغير، ومفاهيم تتطور، ومعها مفاهيم إنه عمان دولة جديدة من الصفر جالسة تنسحب.

بس لاحظوا خطابنا، متعودين على عمان التي (تؤسس من الصفر) ومتورطين في المفهوم فنحن لا نعرف غيره.

عشان كذاك، الحديث يدخل ورطة أخرى لطيفة:

ملاحظين كيف كثرة الكلام عن الديون، وكيف كانت عمان، نفس اللوعة مالنا على عمان قبل السبعين، بس نتورط!!! صح كانت ديون، والوضع صعب، بس البلاد أيضا بخير وما منهارة؟ وواصلت السلامة والنجاة رغم كل الظروف.

هذا تفسيري إلى لجوء كثيرين لهذا القالب المريح، قالب الخروج من أزمة وجودية، وأنا شخصيا كنت أفكر كذاك إلين شفت المنطق قبل فترة وجيزة وقلت لنفسي!
لحظة!
ما كأني أيضا أحاول أرجع للنموذج اللي اعتدت عليه، عمان كانت قبل السبعين كذا، وبعد السبعين كذا؟
صرت تلقائيا أكتب أن عمان كانت قبل 2020 هكذا، وبعد 2020 هكذا.

أظن إنه هذا هو السبب اللي يحاصر تفكيرنا، ونحت واشتقاق نماذج جديدة عاد هنا شطارة الثقافة، والكتابة، والإعلام، وأحيانا النقد للخطاب إلى أن يهتدي الفرد العادي كما حالتي إلى اللغة الأكثر دقة في وصف الواقع.

ليش أكتب هذي التدوينة مع إنها فعلا صعبة؟
لأنني أؤمن أن الكتابة مهمة، وهي جزء لا يتجزأ من التفاعل الاجتماعي لأي كائن كاتب، وإنه لها دور، وإنه دورها (ككتابة منفصلة عن كاتبها) يتفاعل مع العالم تفاعل حميد وغير حميد، ويمكن أن تقود إلى نفع، وتبصير، وتوضيح مفاهيم.

ليش أختار هذا الجانب الممل جدا؟

لأنه بصراحة الجانب البراق لو جلست أشطح فيه أتوقع الجميع يعرف النتيجة إلى أين ستذهب، أحسن لي أجلس هنا، في اللغة، والقضايا الاجتماعية، والتدوين عن عمان لأنني حقا لا أتصور لي حياة بدونه! عشرين سنة من يوم بدأت مدونتي إلى اليوم يوميا! وإن عجزت عن الكتابة فيديو، هذا شخص فعلا القضية الاجتماعية صارت جزء من تكوينه ولا أستطيع أن أكون معاوية آخر وفجأة أهتم بقضايا أخرى!

أشعر بقدر جيد من الطمأنينة لهذه الخلاصات، خمس سنوات بصراحة وأنا أحاول أفهم نفسي، ليش مع إنه سقف التعبير ارتفع لكن جزء من الكتابة عن قصة عمان وتوثيقها وتدوينها واجد صعب، صعب لدرجة إنك تلقى نفسك في هذاك المأزق، إنه كلمة تكتبها توديك لمقارنة بين العهود، وبين الحكام، ومفاضلات، وندخل في منطقة اللي يريد يدخلها هذا شأنه واختياره وهو يتحمل نتائج ذلك، بس اللي يريد يكتب خارج لغة المناكفة السياسية، سيجد حقا صعوبة.

عسى إنه كلامي يحقق بعض النفع لكل من كان يعيش هذه الورطة اللغوية ويشعر إنه نموذج الكتابة الوحيد اللي تعود عليه جالس الواقع يغيره. على أية حال الإنسان كائن متأقلم، مصيره اللغة المتفق عليها بين الناس ستتخلق عبر مرشحات ثقافية كثيرة، وعبر اتفاق معنوي غامض الأركان، ككل ما يحدث للبشر، وككل ما يحدث للظاهرة الإنسانية، وعاد عمان واختلافها العجائبي، وحدها تحتاج لغة خاصة بها بس عشان تفهم هذي البلاد اللي تحبها ومهما حاولت ما تقدر تفهمها وتكشف سر اختلافها الواضح، مع إنه كل شيء بها يبدو عاديا وطبيعيا، بس الجميع يعرف إنه ليس كذلك! هذي البلاد حقا فيها سر ما، ما لأني عمان، يبدو أن العالم كله متفق إنه هذي البلاد حقا لديها سر ما!

معاوية الرواحي

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

نبؤات وأمنيات

 ربما مع العمر، ربما مع التجربة، ربما مع تغير نموذج التفكير، لم أعد أستفز بشدة عندما أرى إعلاما، أو فرداً يهزم ويلمز في القرار العماني المتمسك بالسلام ونبذ الحروب.


الانزياح التدريجي في النموذج الاقتصادي العماني يقابله انزياح آخر تدريجي في النموذج السياسي، تجلت هذه التغييرات (المايكرو) في المشاهد السياسية الأخيرة، وحدوث تحركات غير مسبوقة وفق المألوف عمانيا.

سيأتي يوم ونصاب بالقلق عندما لا نرى هجمة إعلامية على عمان. الذي لا خصم له هو الذي لا يفعل شيئا مؤثرا. وجود من يختلف معك جزء من بناء وتقوية نسيجك الداخلي، شيء لا يختلف عن التمزقات المايكروسكوبية في أنسجة العضلات، أو التهشم المصغر في أنسجة العظام أثناء تدريب لاعبي الرياضات القتالية.

التعامل بهلع مع أي رأي يختصم مع عمان موضوع وقت قبل أن يعتاد عليه الوعي الجمعي لسبب بسيط للغاية، ما دامت عمان تتحرك اقتصاديا، وتتحرك سياسيا، سوف يختصم معها كثيرون، وسوف يتحرك ضدها الإعلام الموجه، الإعلام نفسه الذي سيقدح اليوم، ثم يمدح غدا.

لا تكون الدول قوة وتأثيراً عندما تبقى غير متفاعلة ومنكفئة على ذاتِها. وبالمناسبة الهجوم الذي يبدو الآن قوياً، حتى هذه اللحظة لم يطرح عمان لا اجتماعيا ولا سياسيا وفق حقائقها، إن كنت إنسانا سهل الاستفزاز فربما عليك ألا تتابع، وهذا ما قلته لنفسي لسنوات عندما كنت سهل الاستفزاز.

اليوم، بعدما حكمت عمر الأربعين على اهتمامي، صرت أنظر للأمر من زاوية أخرى.

سوء الحظ المتتالي واصل منع عمان من انطلاقتها الاقتصادية العالمية. ولو نحسب عدد المرات التي حاولت فيها عمان ولم تنجح سواء لأسباب داخلية، أو لظروف خارجية، أو لنقص الخبرات، أو لعدم اكتمال المشهد، أو لاحتياجات تشريعية جديدة، سنجد أنها كأي مشروع لدولة تحاول بشكل مستميت لتفعيل جميع الفرص التي يمكن تفعيلها في دولة ذات سواحل ممتدة مثل عمان.

لك أن تنظر الآن لخمس سنوات متتالية من العمل الدؤوب، وقائد المنظومة السياسية نفسه كما تقول العبارة الشائعة (بيشتغل اقتصاد) يعمل بنفسه في صناعة ما يمكن من التحالفات الاقتصادية حسب حالة الجذب الحالية للاقتصاد العماني، الحالة التي سوف تتأثر كثيرا بالظروف الأخيرة بعدما أثبتت عمان أنها ليست دولة مقامرات، المستثمر يعي ذلك جيدا، ويعي أيضا ضرورة أن تكمل عمان مشهدها التشريعي الداخلي، والتحدي ليس سهلا، وسوف يأخذ وقتها، ويشهد عثراته، وقد يشهد أيضا خساراته، واضطراره للتفاوض مع المنافسين، وربما الخصوم. الدول تجذب الاستثمار بناء على من يأتي لها، تحسن وضعك الداخلي، تحسنت نوعية الاستثمار القادم إليك، وسوف ينتقل الأمر تدريجيا من المستثمر المتعطش للامتيازات، والتسهيلات، إلى المستثمر الجاهز للمغامرة والمجازفة في محيط اقتصادي يقدم له احتمالات الربح والتوسع.

ما الذي أقوله لوعيي الفردي؟ أنني جاهز تماما لكي تكون هذه قصة عمان اليومية. سيكون مقلقا ألا يكون لك منافس، هذا يدل على أنك صاحب قيمة منخفضة، بالتالي لا يعبأ بك منافس ولا يعبأ بك خصم. وجود الخصم دليل قوَّة، وجود المنافس دليل تأثير وإرهاصات نجاح أكبر.

لهذا السبب لدي وجهة النظر هذه وأدافع عنها بعناد، ما يحدث من هجوم طبيعي للغاية، والتعامل معه بهدوء، وبدون هلع هو أفضل سيناريو تسويقي ممكن لعمان، وهذا ما ينسجم مع لغتها السياسية الهادئة والواضحة والمتزنة المشغولة بإقامة الحجة أكثر مما هي مشغولة بتشويه الخصم أو المنافس ومهرجانات الصراخ والحملات الرقمية الصفراء، وأتحدث هنا عن خبرة وتجربة في الصواب والخطأ، لست هنا لأطلق أحكاما على أحد بقدر ما أريد أن أسرد هذه الزاوية.

حيثما وليت وجهك في عمان سترى بذور وفسائل، وسترى محاولات مع الإصرار لا شك أن عددا منها سوف يحقق اقتحاما ناجحا لمنطقة النجاح الاقتصادي العالمي، متى سيحدث ذلك؟ لا أحد يعلم، هنا تلك اليد الغامضة للاقتصاد المتلاطم عالميا هي التي ستحدد متى ستنجح فرصة تبدأ بتثبيت أقدام النموذج الاقتصادي العماني المحدث.

كل هذا سيأتي معه تغيير فكري، وتغيير اجتماعي، وتغيير إعلامي، وتغيير تشريعي، وكل هذا التغيير لن يحدث إلا بعد أن تبدأ تلك البذور والفسائل العديدة بالتحول إلى واقع حقيقي يخرج من الاستثمار ومغامرته ومخاوفه إلى الربح والنجاح وإدارته وتوسعته.

والمتابع سيرى بسهولة هذا المشهد مجتمعا في تناثره على هيئة أخبار متتالية، تخص القطاع اللوجستي، تخص الشحن البحري، تخص البنية الرقمية، تخص العمران والتخطيط المدني، تخص التغييرات التشريعية في القانون التجاري، تخص تعديلات في السلك القضائي، تخص بيانات الطيران العماني وجهاز الاستثمار، كل هذه الأخبار المتناثرة تجمع مشهدا كلياً يدل على نوايا عمان الاقتصادية، فضلا عن ما يمكن رصده بسهولة من تغيير نماذج التفكير الريعي، والبدء في الدفع دفعا بالابتكار، والتنافسية، وإدارة التنافس، وأيضا اجتذاب الخبرات والمهارات الخاصة، ولنا في تعيين سعادة يعرب في مكتب صاحب السمو نائب رئيس الوزراء خير مثال في ذلك.

هذا هو المشهد العام في عمان، ونعم قد يحلو لأي إنسان مُحبِط، أو يتغذى من الإخفاقات أن يجد ما يحلو له من محاولات لم تنجح، كما قد يجد إنسان مليء بالأمل والطموح ما يكفي من الطمأنينة أن المحاولات مستمرة بصبر وبعناد وبجلد، أما الذي يرفع عقيرته ويقول كل شيء ناجح، كل شيء كاسح فهذا ليس أكثر من إنسان يتحدث بلغة أمانيه التي كلنا نتمنى لو ستصبح واقعا.

إن كان ثمة تسمية لهذه المرحلة التمهيدية في عمان ربما يوما ما ستسمى مرحلة المحاولة الدؤوبة. هذا هو المشهد العام في عمان ضمن سياقها الداخلي.

الآن نأتي لسياقها الخارجي، بناء على السرد أعلاه، هل تتوقع أن يمضي كل هذا سلاما سلاما؟ هل تتوقع أن يرحب بك المنافسون؟ سوف يمد يد العون والتحالف من يريد أن يربح معك، ويكسب معك، ويستفيد من إمكانيات عمان ولا سيما الإمكانيات البحرية التي لم يعد هناك خيار سوى تفعيلها، ويد أخرى ستمتد للتنافس، ولسحب الامتيازات، ولتقديم خيارات أفضل، هذه سنة التنافس، وهناك من يلعبها بعدالة، وهناك من يلعبها بشكل ملتوٍ، وتعدد أشكال التنافس وطرقه بعدد أنفس الخلائق.

لهذا السبب، أدافع بعناد عن وجهة النظر هذه، غياب من ينتقدك ويختصم معك هو المقلق. وجود من ينافس ويختصم سيكون جزءا يوميا وطبيعيا من حياة اقتصادية قادمة لعمان، لهذا السبب، لا يوجد داعي للهلع، أكاد أبالغ وأقول ما يحدث من اهتمام بعمان ولو كان سلبيا هو جزء من التسويق المجاني للمشروع العماني، وجزء من إثبات وصوله للساحة، وما يبدأ اليوم سياسيا غدا يصبح اقتصاديا.

ولكي يفهم البعض ما أريد قوله، لست هنا لأبالغ وأفرش الأرض وردا أمام المشروع العماني الصعب والمليء بالتحديات، إرهاصات ما يحدث تدل على وصول عمان للطاولة الكبيرة، وماذا سيحدث بعد هو رهن ظروف متشابكة ومعقدة، وربما كانت قصة عمان ستكون أسهل بكثير لولا ما فعله ترامب ونتنياهو من تأجيج للمنطقة ولولا ما فعلته إيران من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي العالمي والخليجي، كعادة عمان كل شيء أمامها أصعب، مثل نفطها الأصعب استخراجا، مثل أرضها الصخرية العنيدة، ومثل طبيعتها الحضارية المشحونة بالصبر والدأب والعناد في المحاولة.

وما دامت نماذج كثيرة تتغير، أظن أنه حان الوقت أيضا لتغيير نموذج ردة الفعل تجاه أي اهتمام خارجي بعمان قادم من الخارج، الحساسية العالية هذه ستخف بشكل تلقائي عندما يصبح هذا مشهدا يوميا، ثمة ما يمكن أن يحقق نفعا أكبر لعمان عند التعامل مع هذه الخطابات، وهو تسويق المشروع العماني، وامتيازات هدوئها السياسي، والجواذب التي يحققها ذلك للعالم. ليس حزب السياسة فقط هو الذي يتابع هذا الشد والجذب. هناك حزب الاقتصاد، ومستقرؤو الواقع السياسي ومؤشرات طمأنينته.

لهذا السبب، أظن أنه يمكن الخروج بشيء بنّاء من هذا الطرح الإعلامي الذي يسوق للسلطنة مجانا، وهو إقامة الحجة على الطريقة العمانية وفي الوقت نفسه استثمار هذا الاستحضار لعمان في المحيط الإعلامي لإعادة تأكيد الخطة العمانية الكبيرة التي تطمح أن تكون مصدر جذب عالمي، وقصة نجاح عربية خليجية جديدة.

هناك شيء أهم بكثير من فقط الرد لمجرد الرد، هناك سياق آخر متكامل يمكن لأي شخص أن يكون نافعا فيه بصوته الفرد فقط عندما يستحضر كل هذا في ذهنه، لن ينافسك أحد وأنت دولة كل همومها بناء مستشفى ومكافحة محو الأمية وشن حملات ضد التراخوما، لن ينافسك أحد وأنت في بدايات المدنية الحديثة تلاحق الزمن بمناهج جلبت من قطر، لن ينافسك أحد وأنت في بدايتك، ولكن وأنت تهيئ نفسك للمشهد الاقتصادي الكبير، سوف ينافسك الجميع، وسواء ربحت أو خسرت، ستشهد انتصارات وستشهد هزائم، وستعيد النظر في استراتيجيتك مرارا، هذه هي طبيعة النموذج الاقتصادي الديناميكي، وسوف تكون جزءا من قصة حياتنا في قادم الوقت وعسى أن يمهلني العمر لكي أقول: تذكروا كلامي عام 2026م.

وكلمة اجتماعية أخيرة:

فليشهد كل إنسان مقبل على الخمسين الحياة في غربة حقيقية عن كل المبادئ التي نشأ عليها، والسرعة التي تعود عليها، والزحمة التي كان يتعايش معها، عشرات الدول التي كانت في المرحلة الانتقالية العمانية مرت بالشيء نفسه، أيضا قم بتهيئة نفسك لكي تكون مثل غيرك الذي قيل له: لن تعيش زمانك وزمان غيرك.

القادم هو زمان الجيل الجديد من مواليد (2000) بكل حماستهم، وشغفهم، وديناميكيتهم، وتشربهم للغة العالمية، واستعدادهم للاندماج مع العالم، شئنا أم أبينا، الأجيال تتوارث الرسالة، وعندما يحدث كل هذا، ما يبدو اليوم جديدا و مستغربا على عمان سيصبح غدا جزءا من قصتها الكبيرة.

هل يحتفل أحد الآن بالمستشفيات والمدارس؟ أصبحت جزءا من الواقع اليومي لعمان، الاحتفال اليوم بالمشاريع الكبيرة الجديدة، وأخبار الأرباح وتحقيق الوصول الاقتصادي الخارجي. في هذا المشهد المتكامل من يدعو للأمل والأمنيات العميقة بأن يتم كل هذا بنجاح.
وفي هذا المشهد التكامل أيضا وعد بالكثير من القلق والمغالبة، والمسايسة، والتحرك المرن سياسيا لتمكين الوصول الاقتصادي لعمان للطاولات الاقتصادية العالمية الكبيرة، كل شيء يحدث بشكل متوازٍ. وكما تحمل الأخبار كل يوم البذور والفسائل، عسى أن تحمل الأخبار الأشجار والحدائق والبساتين، في نهاية المطاف الذي يصنع نجاح الدول والاقتصاد هو الفائض، والوفرة، وإعادة وتصويب المسار بشكل مستمر، والأهم: إدراك أن وجود المنافس ليس خطراً، لا يمكنك تقوية نفسك بدون أن تتعايش مع ذلك كجزء من حياتك الطبيعية اليومية.

هذا ظني بما يحدث، وعسى أن يحدث ما هو أجمل من ذلك. في الختام، كل هذا الذي يحدث هو زخم المحاولة المستمرة والتي أسأل الله أن أكون في عمرٍ جيد لأعيش قصة تحققها.


معاوية الرواحي