بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كـــائــن الوقــــت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كـــائــن الوقــــت. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 سبتمبر 2024

الهجمة رقم 2

 

 

عقولنا تسمعنا! هذا ما بتُّ متأكداً من حدوثِه. أدخلُ معركةً من معارك الاعتياد. غير مستعدٍ، وبحالةٍ من اللامبالاة بالخسارات. أحارب إدماني العميق القديم، سجائر البدايات، ودخان الساعات. تنفست ما يكفي من القطران والدخان في هذه الحياة، والآن أنا غير قادرٍ على الكتابة كما عهدت نفسي. تكثر النقاطُ، وتقلُّ الفواصلُ، وأنا في وجه هذا الهجوم المباغت من قلب اللاوعي. سمعني عقلي، وفهم خطتي، ومقاومتي، وعرف كيف يهجم مبكراً. اللاوعي بكل غموضه يتأقلم مع الوعي الذي يلعب على المكشوف. والنتيجة؟ هذا العناء المقلق.

هل اختارَ الذهن العَميق الحرب مبكراً؟ يفعل ما بوسعه لإيقاظِ مستقبلاته العصبية التي اعتادت على المادة البديلة. يقول العلم أشياء معقدة عن مستقبلات الأستيل كولين، وعلاقة هذا المستقبل العصبي مع الدوبامين، والسيروتونين. علاقات معقدة بين النيكوتين والمزاج، والذاكرة، والانتباه، بل ودراسات شاحبةٌ تربطه بالزهايمر! العين تقرأ شيئا، واللاوعي يقرأ أشياء أخرى. معركةٌ بين العقل والنفس، الوعي والذهن، الرغبة في البقاء، والتصالح مع الفناء!

إن كانت الهجمة الأولى شرسةً، واقتحاميَّة، فإن هذه الهجمة تختلف. هذه الهجمة كاوية، ناعمة، تشبه المبردَ المبدئي الذي يستخدمُ في إزالة الزوائد عن المباضع التي تستخدم في الجراحة. صنفرةٌ ذهنيةٌ موجهة للتلاعب بالوعي، وتغيير بوصلة القرارات. وأنا في قلب هذه المعمعة أراقب هذا الجدال المحتدم، والأمر النهائي بيدي، هل سأنصاع إلى شلَّالٍ من الطرفين؟ الأوَّلُ يأخذني إلى نشوة الإرادة، والشعور بالقوة، والتغيير. أما الثاني فيأخذني إلى عدميةِ كُل شيء، والنهاية المحتومة للجسد البشري، والتساؤلات عن جدوى كُل هذا التعب؟

 

الهجمة الشرسة تُجابه بالصمود السلبي. الكمون في موضعٍ واحد، وجعل الوقت يمضي كما هو عليه، أما هذه الهجمة التي تحكُّ المنطق الهش الذي قمت ببنائه، فحلولها ترطيب كل هذا الكي، منعه من كحتِ هذه الطبقة من المقاومة. إن كانت الحياة عدماً، فما الذي يجعلني أكمل هذا العدم مدخناً؟ علما أنَّ الأمر يتعلق بالنيكوتين أكثر مما هو يتعلق بالتدخين. هو موضوع وقت قبل أن تتحول هذه الجرعات البديلة إلى جرعات ذات أولوية عالية، وسيأخذ الذهن العميق إدمانه الجديد إلى حالة الصراع من أجل البقاء، وسيرمي بي إلى مختلف الأنشطة، وسأرى النداءات تتعالى، وفي نهاية المطاف سأذهب بنفسي إلى هذه الورقة البيضاء، وسأقاوم، وسأحاول فهم الذي يدور وتأمله، وسأخرج ربما بطريقةٍ تعينني على هذه المعركة المؤجلة.

 

لقد سمعني ذهني وعرف خطتي. أبكرت هجماته عن الاعتيادي. قضاءُ الشهر الأوَّل في نشوة إرادة التغيير وقتٌ لم يعد متاحا. المعركة تغيرت، ووسائل المقاومة التي كنتُ أعتمد عليها تغيرت. إنها حرب منطقية، صراع مساحات، صراع إرادات، ومن يخضع الآخر في النهاية؟ لعل الأمر ليس إخضاعا، أم هو إخضاع؟ التفاوض مع الموت إخضاع، تقبله بشكل ما أو بآخر هو الانتصار الحقيقي لأي هجمة عدمية قادمة من دهاليز اللاوعي المظلمة. لم أحسم هذا السؤال بعد، هل أتفاوض مع ذهني؟ أم أقيم جدارا عازلا؟ وهل الجدار العازل يجدي؟ هو موضوع وقت قبل أن تتسرب الأفكار عبره، يجب أن أصنع آلةً عقليةً تتعايش مع هذه الإفرازات الذهنية، آلة تأخذها من أسئلة الفناء والموت إلى أسئلة الحياة وتحقيق الذات وصناعة معنى من كل هذا الحطام الدنيوي!

كلمة "حُطام" تكفي لأعرف أين موضعي من كل هذه الهجمات، لا أشعر بمتعة أي شيء، ولا بالانتماء للحياة، ولا بالرغبة في أي سعادة، النيكوتين الضعيف الذي أستبدل به ذلك الإشباع الزائد عن الحد يجعل كل شيء محتملا، لكن المعركة لم تبدأ بعد! وهذه الهجمة لن تكون الأخيرة، لكنني أعرف أنَّ هذه الورقة البيضاء ستكون سلاحي الأكبر. عرفت استراتيجية أولى! عندما تحدث تلك الهجمة يجب أن أغير اتجاه تفكيري، إلى عكس اتجاهها، إلى الكتابة عنها، وتفتيتها، وفهمها، الخطأ الشائع الذي كنت أفعله هو الهجوم في موضع آخر، وذلك الوهم الذي يسمى [تفريغ العصبية] في شيء آخر، اتجاه الهجوم خطأ! هذا يساعد الهجمات على إقناعي أنَّ الإدمان العميق للسجائر يجعلني هادئا! إن كان ثمة غضب، فليكن ضد هذه العادة، وليكن ضد هذه المادة التي أسوأ ما فيها أنها مباحة ومتاحةً، العزلة والبعد عن الجميع ليست حلولا، الإغراق في الأنشطة الدوبامينية المُشبعة ليس حلا، الحل هو المواجهة المنطقية، ويبدو أنني قد وضعت بعض أساسيات المعركة، ولتكن الشطرنج بيني وبينك يا ذهني المرهق العزيز!

 

معاوية

1/9/2024

 

 

الجمعة، 30 أغسطس 2024

مهنةٌ

 


 

أن تؤدي عملك على أكمل وجه، أمام الكاميرة، تسحب من طاقتك، ومن كل خلايا قوتك الوجدانية، من أجل لحظة انطلاقٍ، لكي تبدو مليئا بالحياة! هذا هو مأزق مهنةٍ ترتبطُ برزقك في الحياة، وإلا ما معنى أن تكون محترفاً سوى أن تدسَّ كل خيباتك في حقيبةٍ خفيَّةٍ وتلبس قناع السعادة والنشاط والحيوية بكل إتقان!

أمام الكاميرة أنت شخصٌ آخر، كتلةٌ من الصبر، يحتاجُ الأمرُ إلى عينٍ ذات قرينٍ بصير لتعرفَ من الذي يكون وراءَ تلك الهالة المضيئة. مع كل يوم يمضي، يصبح الأمر صعبا. أصبح من الشاق أن أخفي تعاستي، وخيبتي تجاه الحياة، ليس لأنها تعبر عني كليا، ولكن لأنني حالي حال أي إنسان آخر لا أخلو منها! فكرة إنكار بؤس الحياة من أجل الانطلاق في هذه السعادة المفرطة التي تشيع في الأرجاء أصبحت عبئا كبيراً، وأظنُّ أن هذا ما أعادني صاغراً مطيعا لمقدس الكتابةِ الصافي.

أمام الورقة والقلم لا تحتاج أن تخفي تعاستك، ولا خيبتك، ولا آلامك الوجودية المتراكمة، لست بحاجةٍ إلى الزعم أنَّك تقبل العالم كما هو عليه. أنت في حلٍّ من الارتماء في أحضان اللحظة المشعِّة، فكون أنت كما أنت، بكل جروحك وشقائك، بكل تعبك، تتقبل موت بعض أحلامك، وفوات جزء من عمرك، وضياع الكثير من تعبك، وفلات بعض آمالك من يديك، تتقبل إنسانيتك، ووجودك الحقيقي، وتذعن للمنطق الذي يحكم قبضته على أيام عُمرك.

أنخلعُ كُل يوم من عالمي البصري، ألوذُ بحرم الكتابة الطاهر منهمرا على حقيقتي، منسكباً على جوهري المهشم، مهشما تلك الموضوعية المعبَّأة باللحظات البرَّاقة إلى هذا المضمون الكئيب. هذه حقيقتي، وهذا أنا، ومعي كثيرون يعيشون هذه الحياة بلا سعادة تذكر، وباكتئاب حقيقي، وبشعور عارمٍ بالسخطِ تجاه الحياة. لست تعيساً بما يكفي لأتوقف عن الحياة، ولست سعيدا بما يكفي لأعلن نفسي من عشاقها المتحمسين، إنها الحياة! واجب أؤديه، فقط لأن الانتحار جُبن، ولأنها الخيار الشجاع الذي أستعين عليه بكل ما يتيسر من الحروف والكلمات.



أقتلعُ نفسي من عالم الضوء اقتلاعا، أحكم المنطق الذي أعيش به حياتي، وأؤطر ما سبق من تنازلاتٍ من الوقت والجهد لأعطيها سياقها المناسب. كنت أعلم أنني سأصاب بالسأم يوماً ما، وأنني سأعود إلى هذا الدرب الذي أنفقت فيه عُمرا كاملا. كنت أعلمُ أن هذه اللحظة ستحين، لكنني لم أكن أعلم أنني عشتها لعامين تقريبا، وأنني ذهبت إلى قراري قبل أن أعلم أنني اتخذته.



ألتقي بعالمٍ من عُلماء النفس الكبار، وندخل النقاش الاعتيادي الذي يجوب أرجاء الأذهان في مجتمعنا العتيد. يسألني عن حياة المنصات، وأن يعرفك الناس، وربما أن يحبك كثير منهم. ولأنني أمام عالمٍ حقيقي، أبوح له بحقيقة كل هذا الحطام. حطامي، وهشاشتي، وتعاستي، واضطراري المستمر لتغذية هذا الوحش النهم بالوقت، والمزيد من الوقت، والتركيز، والأيام. يرفع حاجبيه في دهشة لا تخلو من الصدمة: حقا! أتابعك دائما، تبدو سعيداً، ومنشرحا، وتحبُّ الذي تفعله!



نعم! سعيد أحياناً، لكنني منشرحٌ لأنني منضبط مهنيا، أؤدي عملاً، أنفق من قلقي وإرادتي ما يكفي ليجعلني مرهقا وتعيسا. واجبٌ أؤديه ببراعةٍ أحيانا، وبشغف ماتَ منذ خمس سنوات. أن تكون موجودا، ومؤثرا، وصاحب رأي هذا شيء آخر، يختلف عن كونك صاحب منصة رقمية استحوذت على حياتك حتى أصبحتَ غير قادر على الفكاك منها. هذه المرَّة أعرف الفخَّ جيدا، وأمام ربما أقل من خمس سنوات قبل أن أهربَ منه في خلاصٍ جديد، ليس هذه المرَّة. لقد اكتسب ذلك المجنون وعيا جيدا يسمح له أن يعرف متى يتوقف، وكل هذا الانهمار يستحق ورقةً بيضاء. أمَّا الذي يحدث هُناك، فهو يحدث هُناك، لا يختلف عن تلف خلايا الجسد، مهنةٌ أخرى، لقمة عيش، وتعاسةٌ أخفيها، وسعادة أدَّعيها.

 

أنا بخير، ولكنني لست سعيدا. بخير، ولست تعيسا. لقد سئمت من كل شيء. أنسحب بهدوء تامٍّ وأبقي ما للقمة العيش للقمة العيش، وما للكتابة للكتابة. التعاسة ليست مهنتي، ولا السعادة مهنتي، حياتي سلسلة لا نهاية لها من السطور، وآلاف الصفحات، وأحلامٌ كثيرةٌ بأوراق مطبوعة. لم أعد أعبأ بأي شيء، ولا أبالي بحدوث أي شيء، أكوِّن ما يكفي من الشر لأحمي نفسي، وما يكفي من الحياة لأكمل رحلتي الأخيرة قبل الاختفاء القسري، والموت الذي لا أعلم كيف سيأتي، تدريجيا أم مباغتا. أشعر بالتعب الشديد، كل شيء حقيقي عندما تحين لحظة الكتابة، وهذه الحقيقة التي أختارها، وأقبلها، أمَّا كل شيء آخر، وكل زخارف الضوء تلك، فهي مهنة ظريفة، ولطيفة، ولا تخلو من السلوان أمام هذا الانهيار الجسيم للسياق البشري، وهذا العالم الجديد الذي لا أعلم كيف وجدت نفسي فيه! يوماً ما. كل شيء تغير ما عدا خيارات الكتابة، يوما ماً كان خيارا صعبا، واليوم هو أيضا خيار صعب، ما أتعس الذين يكتبون، السعداء منهم لا يطيقون ذهاب الوقت، والتعساء منهم لا يطيقون قضاء تعاستهم بدون حبر. دون هذا الحبر، أكتب لأنني أكتب، يوما ما سأعرف إجابة كل ذلك الطنين الغامض، وهذا الشقاء الذي يجعلني أكتب ما أكتبه الآن. السعادة مهنتي، وأنا أتقنها، لكنني لا أحبها، ولا أنتمي لها. المجد لكل التعساء الذين يجعلون العالم جميلا، عسى أن أكون منهم ذات يوم! لا أقصد التعساء، وإنما الذين يجعلون العالم جميلا!

 

معاوية

30/8/2024

 

إدمانات عميقة!

 

 

إنَّه يومي الثاني بلا تدخين. تغيرت العادة فقط ولم تتغير المادة الإدمانية. الذي كان يغزو الجسد عن طريق الرئة أصبح يستأذنه عن طريق الفهم. منتجات بديلة، طبية وأخرى شعبية، وكلها تصب في الهدف نفسه، إيقاف استهلاك الرئة، وإدخال الدخان إليها. وماذا عساك أن تدخن؟ السجائر؟ أو تلك الإلكترونية التي لا تخلو من أخطارها الأخرى. تدهشك بتجمع سوائل في الرئة فتضرب الأخماس في الأسداس وتتساءل: ما الذي جعلني أتقبل هذا الموت البطيء طوال هذه السنين؟

 

واقعيا، ومنطقيا قد أكون دخلتُ منطقة الخطر الأخير دون أن أعلم، قد تكون جينات الرئة قد تغيرت، لا أعرف هل هي الجينات أم الكروموسومات، أم شيء ما له علاقة بالحمض النووي الوراثي، الذي أعرفه وليست لدي رغبة الآن في [جَوْجَلَتِهِ] هو أنَّ التغييرات التي تؤدي للسرطان قد تحدث، وقد تؤدي إلى السرطان حتى بعد الانقطاع عن التدخين بسنوات، إن كنت تريد معرفة الحقيقة فوفّر عليَّ ذلك وابحث عنها بنفسك عزيزي القارئ، لست هُنا لكتابة نص علمي مُتقن، هُنا أنحت مفهوماً شخصيا، شيئا يساعدني لاحقا على مواجهة الهجمات العدمية، وتلك المفعمة بالاستخفاف بالعواقب، تلك التي ستأتي بعد شهرين من الآن. إن نجوتُ من العودةِ إلى التدخين لشهرين، وقتها سيبدأ التحدي الصعب، وأسئلة الإدمان العميق!

 

هل هناك حقا إدمان عميق وإدمان سطحي؟ يخيِّل لي هذا وأنا أنظر إلى عدة عوامل مختلفة بين إدمان وآخر. هل يمكنني أن أقول عن إدمان الكوكايين أو الشبو إدمانا عميقا! لا يبدو عميقا، يمتد لسنوات، وقد يحدث ذلك في ظروف خاصة جدا، هذه الإدمانات غير القانونية والتي تحيط بها العواقب من كل حدب وصوب قد تصيب الجهاز العصبي في مقتل، تصيبه بتلف دائم، لكن هل هي عميقة عُمق إدمان مسموح؟ إدمان القهوة مثلا؟ إدمان دوبامين الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي؟ أيهما أعمق حقا! يأخذني عقلي إلى الاستنتاج أنَّ إدمان القهوة أعمق بكثير، وأكثر تغلغلا من إدمان المورفين حتى! كم عساك أن تدمن المورفين، أو الهيروين قبل أن تصل إلى نقطة الخطر! حتى إدمان الحشيش، لا أتذكر أنَّه كان عميقا لهذا الحد، يعطل الحياة اليومية، يلفت الانتباه، يغير طريقة التفكير، لعله أعمق من الإدمانات الأخرى، ولكن هل هناك إدمان أعمق من القهوة؟ والشاشات؟ والنيكوتين؟ لا أظن! التدخين إدمان عميق للغاية! ولذلك محاربته تحتاج إلى تجهيزات فكرية ومجادلات دفاعية، فالهجمة لا تحدث الآن.

 

إنه السنة الخامسة لي وأنا أدخل حالة الإرادة هذه، أنجح وأخفق. أحاول تحويل فشلٍ متعدد الأركان إلى نجاح تعويضي، هذا ما أفعله مع جسدي الذي أرهقته بسنوات من سوء الاستخدام. تعافيت بنجاحٍ مُرضٍ من استخدام طويل المدة لمخدر الحشيش. عادات كثيرة تغيرت، صرت رياضيا، تغيرت أشياء كثيرة بي، عدت للدراسة، فعلت أشياء جيدة كثيرة، وبقيت هذه العادة الملعونة التي تعبر عن فشلي الرئيسي الذريع في هذه الحياة. كنت أعلم قبل عشرين سنة أنني سأندم كثيراً على دخولي عادة تدخين السجائر، كنت أعلمُ وأنا أورط نفسي بمادةٍ هجومية متوحشة متغلغلة يدعمها شيطان رأسمالي جعلها مباحة قانونيا أنَّ اليوم الذي أندم فيه وأحاول التخلص من هذه العادة سيأتي. كم محاولةً حتى الآن؟ عشر؟ عشرون! لا أظنها تقلُّ عن العشرين! وفي كل مرة أتعلم شيئا جديدا، طريقة جديدة لزيادة عدد الأيام الأولى. ودائما النهاية نفسها تحدث!

 

لدي خبرة كبيرة جدا في الانقطاع عن التدخين لمدة شهرين أو ثلاثة. لهذا أنحت الآن هذا المصطلح الذي لم أبدأ النبش عنه حتى الآن، لعله يستخدم في سياق آخر في أدبيات علمية أخرى. أميل إلى تسمية استهلاك النيكوتين عبر الرئة بالإدمان العميق! لأنَّه حقا متغلغل، مثل سوسة النخيل التي صنعت مساراتها في جذع النخلة! هل ستقطع جذع النخلة فقط لأن السوس قد هجم عليها؟ ستتركها، ستحاول رش مناطق العدوى، ستفعل الكثير، لكنك لن تقطع جذع النخلة! تشبيه قد لا ينطبق كثيرا على هذه العادة المباحة، ومن يعلم حياة المدخن غير المدخن؟ الحياة المُضافة، النشاط الإضافي، الاستيقاظ السريع، الهجمة السريعة على القلق، والاكتئاب، التخلص من عناء يوم مرهق، القراءة مع السيجارة، القهوة مع السيجارة، الكتابة مع السيجارة، هل عرفت لماذا أسميه بالإدمان العميق؟ لأنه يتغلغل ويرافق العادات مثل الآفة الضارة التي تضع بيوضها وتنمو يرقاتها في أنسجةٍ أخرى. وتمضي السنوات، وتتكاثر هذه اليرقات الفكرية في عقل المدخن، فيقبل السرطان، ويقبل ضعفه، ويقبل المصير النهائي المحتمل للمدخن، ومع ذلك، يبقى يلف ويدور ويضرب الأخماس في الأسداس، يقطعُ لبعض الوقت ثم تهجمُ عليه هجمات التفكير العدمي فيعود لعادته السابقة مفتقدا حياته المضافة، ذلك المنشط الكيماوي الذي تدخل في سلوكيات كثيرة في حياته.

 

أيشعر شارب القهوة المتطرف بهذا الشعور عندما يصاب بالقرحة مثلا؟ أن إدمانا عميقاً منحه حياةً مضافةً يُسحب من حياته. لا أجد إدمانا شبيها للسجائر مثل إدمان القهوة، أو إدمان الشاشات هذا الذي يجعلنا بهلعٍ نفتح [الواتساب] بذعرٍ شديد وكأننا نخاف أن يفوتنا شيء ما. منصات رقمية مصممة بعناية، مثل السجائر، لنستخدمها فنعود مشبعين بشيء ما، شيء ما من القلق المختلط بالراحة، من الانتباه المختلط بالشعور بالحياة الاجتماعية، أننا نرى الحياة من شُرفة تُطل على الكوكب كاملا! وتغرس العادة نفسها لسنوات وسنوات، يرقات الأفكار/الآفة تصنع مساراتها في جسد فلسفة الحياة، فنقبل هذا القلق العارم، ونتصالح معه، بل ونتصالح مع هاتف سخيف للغاية لا يحتمل يومين دون أن تفرغ بطاريته فيعيدنا رغما عن أنوفنا إلى مدنية الكهرباء، خاضعين، مذعنين، نقبل هذا الشتات، ننفصل عن حرية الطبيعة، نخترع الطرق التي تأخذنا إلى رحلةٍ صغيرة، مصطحبين بنوك الطاقة، ووسائل الشحن، ونحن في هذا الذعر، والرعب من فوات أي شيء، يدخل هذا الكابوس لكي يمنحك وسيلة راحةٍ من هذا القلق العالمي! إدمان عميق لتهدئة قلق إدمان عميق آخر، وهكذا دواليك، ننهرس تحت وطأة هذه العادات التي جعلتنا ما نحن عليه من كوكب فرداني متنصل، لكل إنسان صوت، لكل إنسان رأي، لكل فردٍ حياته المنعزلة وفي الوقت نفسه المتفاعلة مع كل ما يشبهه، ومن يشبهه في فضاء البسيطة الملغوم بالحروب والنزالات الفكرية!

 

هذه معركتي، التي عشتها مع السكّر، والقهوة، وتويتر، والفيس بوك، والآن مع إدمان النيكوتين العميق! أصعب ما في الإدمانات العميقة هذه أنَّها مباحة قانونيا، واجتماعيا. هل اتصلت بالشرطة ذات يوم لأنَّ مدمن سكَّريات طلب عشر كعكات من [الدونات] وبدأ يأكلها بشراهة أمام عينيك؟ لن تفعل ذلك ربما، وإن كنت مهووسا بإطلاق الأحكام قد تطلق تعليقا متنمراً، وإن كنت إنسانا طيبا قد تنصحه بشكل ما أو بآخر. هذه معركتي! وأواجهها مضطراً، ولا أعرف متى كان يجب أن أنتبه إلى أنني أصنع مشكلات عويصة تتفاقم مع تقدمي في العمر. قطعت شوطي الأوَّل في مواجهة الإدمان المباشر، لا حشيش في حياتي، لكنني هل أستطيع أن أقول ذلك عن إدمان الإنترنت؟ تحايلت على الأمر وحولته إلى مهنةٍ، كان هذا كافيا ليفقد الحضور الرقمي متعته، ولتتحول الأيام التي أقضيها بعيدا عن تغذية هذه المنصات الجشعة، والشرهة بالمحتوى، والكتابة، والتفاعل مع الناس! إن كان ولا بد أن أغذي عقلي دائما بشيء ذهني تفاعلي، فليكن الكتابة، وإن كان ولا بد أن أغذي هذه المنصات بمحتوى تفاعلي فلتكن مهنةً. لم أصب بالتعب، لكنني أصبت بفقدان الشعور تجاه جماليات جِدَّة كل ذلك. كيف لمدونٍ محترفٍ أن يتعايشَ مع عاديةِ الإنترنت، التي كانت يوما ما ثورية، وتغييرية، وصرخة في وجه تشابهات العالم وكثبانه الجمعية!

 

والآن ماذا؟ أعيش الفقرة الأخيرة في كتابِ الزمن الجديد. أعيش امتدادَه وما أخذته منه ليكون معي في خريف العُمر، الواقع الافتراضي في الطريق. سيكون صديق أوقات الفراغ الشحيحة. وماذا بعد؟ الذكاء الصناعي؟ أصبح أداة جيدة توفر وقت [الجوْجَلَةِ] المحيرة بين المصادر والنسخ المتعددة من الحقيقة الواحدة. في هذه التي اسمها "الأربعين" أدخل لليقين الجميل أنه ربما لن أعيش أكثر مما عشت، وخلال عشر سنوات، أو عشرين إن كنت محظوظاً قد أتدهورُ ما لم أتخذ قرارات حاسمة تجاه صحتي، التدخين قرار أوَّلي، إدماني العميق، معركتي التي يجب أن أنتصر فيها إن أردت التفرغ لباقي المعارك الصغيرة. سيدفعني إدماني العميق للحيرة، وسأضرب الأخماس في الأسداس، سيهاجم وقت الكتابة، ووقت الأفلام، ووقت الفراغ، ووقت الحديث مع الأصدقاء، سيضرب ضرباته بضراوة، سيرفض حياةً ناقصة، وستهجم، بعد شهر، أو شهرين! وأنا حائر، حائر ولا أعرف متى سأخفف من بدائل النيكوتين، وماذا سيحدث لي مع كل تخفيف؟

 

ستكون معركة منطقية هذه المرة، لن تحل بالنسيان، ولا بالتجاهل، ولا بالانشغال القلق بألف شيء، وأخشى أن أكتشف منطقة جديدة أستسلم فيها، أو أن يصدق الكلام أن الإدمان جينات لا يمكنك أن تتصدى لها، وأن القهوة، والنيكوتين، أو التدخين، والجلوس على المنصات الرقمية جزءٌ من المشهد الكبير، هل سأنتقل من إدمان الرياضة إلى إدمان الجلوس على الألعاب؟ أدمن المذاكرة؟ ثم أدمن النجاح؟ ثم أدمن الهرب، وهكذا دواليك، لأن الأمر أعمق من فهمي، لا أعرف! أشعر بطمأنينة لأنني عدت للكتابة، هكذا بلا مؤثرات تعينني على إطالة ساعاتها قدر الإمكان، أشعر بطمأنينة لأنني عدت لها دون أن أدمر حياتي الخارجية، وأصنع منها كل ما يجعل عزلتي ملاذا، فعلت هذا من قبل، ولا أعرف ما الذي أفعله الآن. أريد أن أكتبَ، والحياة لا تسمح لي بفعل ذلك بسهولة، ومع ذلك أكتب، ويوما ما لن أضطر إلى توظيف الكتابة لترميم الدمار الذي عشته في حياةٍ شاقَّة، ومضنية. يوماً ما، سأكتبُ وأنا أعلم أنني أترك رسالتي الأخيرة في هذه الحياة. يوما ما، سأكتبُ وأنا أشعر أنني لن أحزن لو تركت الكتابة بعدها، يوما ما قد يكون قريبا أو بعيداً، سأترك بصمتي التي لن أخشى بعدها من الموت، ولا أعلمُ كيف سأرحل عن الحياة، بجلطة، بحادث، بنيزك، بمرض عضال، بموت سريع، بموت بطيء، هذه معركتي، في هذه الحروف، وما التصدي لشيء سخيف من أشياء الحياة كالسجائر إلا واحدة من وسائل المقاومة لصناعة نهاية جميلة تعطي معنى أجمل لكل هذا الوباء الذي اسمه حياة، وهذا الكابوس الذي اسمه: الدنيا!

 

معاوية الرواحي

30/8/2024

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

معي لوحة مفاتيح!

 

 

إلى البدايات سر! ولا شيء آخر. لسببٍ ما أكتبُ بلا توقُّف، ولسببٍ آخر أستمرُّ. تسير بي الحياة حيث لا أعرفُ. لسببٍ ما أواصلُ السير. تغيرتُ كثيراً عبر هذه السنوات. قناعاتٌ نُحتت نحتاً، وأخرى تناثرت أجذاذا في أرجاء المفازة الرقمية. مع ذلك، كما بدأتُ، معي لوحةُ مفاتيح، ولا أريد لهذه الغواية نقطة نهاية. إلى البداية سِرْ.

 

اكتشافُ شيء كبيرٍ تغيَّر بكَ وأنت تكتب يشبه اللحظة نفسها التي تسير فيها في مكانٍ مليء بالغيوم فتنتبه فجأةً إلى قناعةٍ جديدة تكوَّنت لديك. تلك الأشياء التي تؤمن بها! أليس كذلك؟ والحكايةُ الطويلة مع الكتابة، ووظائفها، وما تفعله، وما تغيره. أبسط الأمثلة هذه الورقة البيضاء الخالية من الضغوط. لا بشرَ في هذه الورقة، ولا آخرَ ينتظرُ فرصةً لينتزع حقَّه الرقمي فيكتبُ ما يشاء، يختلفُ، وينصف، ويظلم، أو ينشر شيئا عشوائيا، لا روبوت هُنا لكي يمارس حيل الخوارزميات في الزمن الجديد، هُنا ورقة بيضاء في محرر النصوص النبيل بما فيه الكفاية ليحافظ على ما كُتب فيه حتى وإن انطفأت الكهرباء فجأةً. شاشة بيضاء، وكل الذي معي، لوحة مفاتيح!

 

ثمَّة شيء اختلفَ بين هذه المرَّة وتلك المرَّات السابقة. كنت في السابق أعود إلى مدونتي مندفعا، ثائرا، غاضبا على بديهيات الزمان الجديد، رافضا التأقلم مع ظروف الكتابة الجديدة. أقضي ساعاتٍ جيدة وأنا أكتبُ. أنصت بمللٍ بالغٍ إلى تنظير الذين يكتبون ساعتين في الأسبوع عما يجب عليَّ فعله ككاتب. أتفاعل مع مثقفٍ لديه مختلف أنواع الآراء عن الكتابة الصواب، والكتابة الخطأ، أضطر للتعايش مع الذين يفكرون بشكل جمعي، والذين يغرقون في الفردانية حدَّ ظنهم أنهم يعيشون في جزيرة نائية. مهرجانٌ من البشر، والقناعات. وأنا في قلب تلك المعمعة أحاول أن أنحت مساحةً للكتابة! كانت صفقة عادلةً تلك التي بيني وبين التدوين، منحته أجمل سنوات عُمري، ومنحني أجمل تجارب الحياة! الضريبة الوحيدة التي لا أريد أن تصل بي الحماقة للتعايش معها هو أن أبقى دائما وأنا أكتب بجانب البشر!

 

ثمَّة حماقاتٌ كثيرة يمكنني فعلها، تعريف الكتابة ليست واحدة منها. والإنصات إلى تعريف إنسان آخر عن الكتابة حماقةٌ أخرى، وهذه المرة أعرف أنها حماقة من المستحيل أن أفعلها. أكتب لأنني أكتب، رغم أنفِ العُصابيين الغارقين في قلقهم اللازوردي، رغم أنف سُميِّة مثقف في العشرين تعشعش النرجسية في رأسه، ويظنُّ أنَّه يعرف كل شيء، لا يكتبُ لكنه لا يجد مانعا أن يحدد لمن يكتب ما الذي يجب عليهم فعله! ذلك المهرجان الذي عليك أن تنجو منه لتعود إلى لوحة مفاتيحك سالما. تلك التجربة شرطٌ لتفهم ما تيسر من العالم، وهذه النجاة شرطٌ لتكتب تجاربك في قالبٍ ملائم لقارئ متعطشٍ سواء لقراءتك، أو للقراءة بشكلٍ عام.

عامُ 2006م بدأت الرحلة بلوحة مفاتيح، وعام 2024م أعود إلى هذه البداية. حدث الكثير خلال هذه الفترة، عُمرٌ كاملٌ يحتاج إلى عُمر آخر ليُكتب. ألعب القمار مع ظروف الجسد وصحته. أسأل نفسي بالعامية العُمانية: "أواحي؟" أأنال الوقت الذي أطمح إليه؟ فأكتبُ؟ واجبي يُختصر الآن في الاستمرار على الكتابة، والحفاظ على هذه المهارة في الانهمار السريع والوفير، وانتظار اللحظة التي يعطيني فيها ذهني الضوء الأخضر ليقول لي أنني جاهز لكتابة خامة الذاكرة الرئيسية، وخلاصات المنطق المُحكمة، أو على الأقل آخر التحديثات التي ترسبت بعد تيارات الشكوك التي لا نهاية لها.

 

أرحل تدريجيا من ورطتي الرقمية. الزحام الذي في تلك المنصات كان يفوق طاقتي منذ أن بدأت. كنت أحتاج إلى هذه المنصات طوال مساري السابق في الحياة، ذلك الذي كان يهمني فيه بشدة أن أكون فاعلا في التأثير الاجتماعي المباشر على جميع الأحداث. نظرت للأمر من باب التدريب على الكتابة، ولاحقا تمرين الذهن على استيعاب تلك الخطابات الاجتماعية، خرجتُ بخلاصة جيدة من هذا العالم الذي لا نهاية له، أشعر بالرضا على النتيجة النهائية، وهذه المرَّة لا قرارات حدية. لست بصدد الانقطاع عن العالم الرقمي، ولا عن غواية صناعة المحتوى الرقمي، ولا عن إدارة المنصات، ولا عن التفاعل مع الناس، الذي أعزله عن كل ذلك الزحام هو آلة الكتابة هذه.

كلما كتبت تدوينةً أشعرُ برغبةٍ دوبامينية في نشر وصلتها في منصة تويتر، تلك التي بها مائة وخمسون ألف حساب يُتابع، وعلى أقل تقدير عشرون ألف إنسان يقرأ. أقاوم هذه الرغبة بشراسة وأقول في نفسي: هذه المدونة يبحث عنها من يريد أن يصل لها. هذه مساحتي الخالصة لذهني، الخالية من ظلِّ وجودي في مجتمعي، المُسلمة كليا للحظات الكتابة الطويلة، المستسلمة لوحي الذهن المحمي من تدخلاتي. لا منطق اجتماعي هنا، لا منطق تأثير، لا علاقة لكل الذي يحدث في هذه المدونة بشيء يحدث في الإطار الضيق السريع للأحداث المرحلية سريعة الرحيل.

 

أنسحب تدريجيا من حياةٍ عشتُ فيها خمس سنواتٍ تقريبا. حياة النجم الرقمي كثير الحضور. اختبأ الكاتبُ وراء هذه الحياة واحتال عليها ليحتلها، وفعلا! أكتشف أنَّه كان يحفر لعامين كي يستحوذَ على حياتي مجددا. ذلك النداء الغامض العميق انتصرَ، هل تعرف لذة الاحتفال بهزيمتك أمام كائنك الكاتب؟ أجمل الهزائم التي يمكنك أن تحتفل بها، أنَّك اخترت الكتابة رغم كل مغريات هذا الزمان الجديد بكل نجوميته المهنية! نعم! النجومية مهنةٌ يمكنها أن تصنع لك رزقا لا بأس به، ما دمت تعملُ، وتلتزم بها، وتشتغل على صناعة تلك المنصات التي ستصنع واقعك الرقمي الموازي هي مهنة لا بأس بها. مهنة للأسف عدوةٌ للكتابة، وللوقت، ولراحة البال. مهنة أؤديها بإتقان لا بأس به، لكنني لا أحبها مطلقاً. أنا أشد تعاسةً من أن أكونَ هذا الشخص، هي لقمة العيش وما تفرضه عليك! وما أشد إكراهات الحياة مرارةً على النفس الحرة الباحثة عن الصفاء بين الكلمات والحروف والسطور والجمل والفقرات والفصول والكتب!

 

أعود مطمئنا هذه المرَّة، عازلاً الكلمة عن الضوء، نازلا بكل حماستي على الورقة البيضاء، مؤمنا بكل لحظةٍ أسترقها من الزحام لأكتب. آمنت من قبل أن النص الجيد يصنع طريقه بنفسه، وأعود إلى هذا اليقين مؤمنا بالأمل، أنَّ القارئ على قيد الحياة، وأنَّ الكتابة على قيد الحياة، وأن كل الذين يضعون قوانين الكتابة والقراءة هم حقا في حالة ضياع حقيقي، فالكاتب الذي يحب أن يكتب، يكتب! والقارئ الذي يحب أن يقرأ، يقرأ، بكل هذه البساطة الفادحة، السطور ستأخذ ترتيبها وشكلها المعتاد، والفقرات ستطول، ومهمتي أن أصنع الظروف التي تجعل لحظات الكتابة هذه مسالمةً، وصافيةً، وخالية من كل التعقيدات الأخرى التي صنعتها خياراتي في هذه الحياة. عدت إلى هجرتي الأولى. أنا هُنا لأمكثَ، لست هاربا من شيء، لست لائذا بشيء، جئت لأكتب ومعي تجربةٌ في هذه الحياة، ومعي لوحة مفاتيح!

 

معاوية الرواحي

27/8/2024   

 

 

 

الأحد، 16 أبريل 2023

ربما لأنَّه معاوية!


 

 أكملُ [21] سنةً منذ أو وطأت أناملي لوحةَ مفاتيحٍ في موقع إلكتروني. كان ذلك عام [2002] ووقتذاك الإنترنتُ هو الوعدُ الذي سيجعل العالم قريةً صغيرة. وما الذي نراه الآن؟ إرهاصات عصر الذكاء الصناعي، والأنظمة التي قد يصل بها الحال إلى الاستماع لضربات قلبك، وربما فحص دمك بساعة تخزك برفق، وغير ذلك من الأحلام، أمَّا في عام 2002 فالدهشة كانت هي وجودُ المكان الذي تكتبُ فيه بسقفٍ أعلى نسبياً من ذلك الموجود في الصحف والمجلات، ولن أفتح باب الكلام عن الرقيب لكيلا يتلف هذا المقال ويتحول إلى مهرجان من الحزازات التي لا أستطيع لجمها مهما حاولت.

تركتُ عالم الكتابةِ في الجرائد سريعا. وبعدها تركت أيضا التقديم في الإذاعة. أوَّل صدماتي مع نشر أوَّل قصيدة لي في ملحقِ شرفات. غيِّرت كلمات في القصيدة دون الرجوع لي! منها أدركتُ في أيِّ وضع رقابيٍّ أعيش. لم يثر حفيظتي وجود ما يُقنن أو ما يراقب، فحتى عندما بدأت تجربتي في الكتابة في الإنترنت بقيت لمدة عشر سنوات كاملةٍ متماسكا. أكتبُ ما هو مرفوض نقديا، أو ثقافيا، أو موضوعيا، هل كتبت ما هو غير مسموح قانونيا؟ أخذت عشر سنواتٍ منذ دخولي إلى عالم الإنترنت قبل أن أتحول من معاوية ذلك الكاتب المتلعثم، التائه، الذي لا يعرف ما الذي يريدُه، إلى تلك الشخصية الاجتماعية التي يُكال تجاهها الكراهية وتحيط بها الشكوك، ويدور حولها عالمٌ من الغموض والتأويلات.

تمنيتُ أن يكون دخولي للسجن بطولياً لكنَّه ويا للأسف لم يكن كذلك. هممم! دخلتُ السجنَ في قضيةِ سبٍّ وشتم. هذه كانت نهايةُ مسيرتي الطويلة في النأي بنفسي عن الدخول في مشكلة مع القانون في عُمان. لأصف بعض جوانب تجربتي، لقد امتلأت بمختلف الكتابات التي هوَت في قلب السقوط الأخلاقي والقيمي بالمعايير العُمانية. ومقابل ذلك الشاب الذي حافظ على رباطة جأشه، وثباته، وإدراكه لماهية الممكن وغير الممكن في الكتابة في عُمان، برزَ مسخٌ قبيحٌ في سماء الكتابةِ العُمانية، وأيضا استطاع هذا المسخُ الثبات لسنوات دون أن يخالف القانون، ولكن هذه المرَّة لم يستطع الثبات أكثر من عامين أو ثلاثة قبل أن ينزلَ على الساحةِ في عُمان بصدمةٍ جديدة من صدماتِ شخصيته المشوهة، وحالته المضطربة. 

لستُ بصدد لا الاعتذار ولا التسبيب، ما حدث قد حدث، ولماذا؟ وهل أنا معذور؟ وإلى أي درجة أنا معذور! هذا أيضا ليس محور الحديث، ما حدثَ قد حدث، حدثَ ما يخالفُ كل المعايير العُمانية للأخلاق، والدين، والعرف الاجتماعي. كنت أعودُ بين الفينة والأخرى لصوابي، ولكنَّ الوقت لا يطول حتى تتمكن الكراهية التي أتلقاها، والتي أرسلها من إدخالي للدائرة نفسها، شهور متتالية من الكتابات المضطربة، ومن ثمَّ مواجهة دونكيشوتية إما للسلطة، أو للدين، وكذلك ضمن تجربتي في الكتابة الإلكترونية، ومشاركتي في اليوتيوب وصل بي الحال إلى تهديد إنسان بالقتل، فضلا عن مهرجان من الشتائم، كان ذلك مؤقتا أيضا، ليس أكثر من ستة أسابيع من عامي الذي عادةً أكتبُ فيها بهذا المنطق تقريبا. 

شئتُ أم أبيتُ أنا جزء من الساحة العُمانية. عشرون سنة من النشاط في النت في دولة قليلة السكان، ونشاط كتابي هائل، وشخصيةٍ مشوهة بمعنى الكلمة، لا عجبَ أن أكون جزءاً [منتشراً] في الساحة العُمانية، وتفاوتت الصفات التي أوصف بها على حسب حالاتي الحقيقية. كاتبٌ منطقي تارةً، مدمن مخدرات شاطح ويهذي، مريض نفسياً لا يسيطر على اضطرابِه، وشخصية قبيحة في حالات، وإنسان جميلٌ قليلا بين فترة وأخرى. رغم كل ذلك الشوق الذي يأخذني للعودة إلى عالم الكتابة لم أستطع العودة، فقد علقت في دائرة فوق طاقتي، وكنت أعيش معركتين داخلية وخارجية، وحكايتي تملأ النت، ولقاءات اليوتيوب لو كنت تشعر بالفضول تجاهها عزيزي القارئ.

 

كنت قد أكملتُ 14 من دخولي عالم الإنترنت، عندما بدأت بذاءتي في الكلام والكتابة بالانتقال بي من المسخ الاجتماعي المشوَّه المليء بالأمراض الخلقية والنفسية والقيمية، إلى السجين داخل وخارج عُمان. لم يكن هناك أي طريق يمكنه أن يوقف مأساتي عن الحدوث، والحمد لله الذي أنعم علي بالسجنِ خارجَ عُمان، أيضا في قضيةٍ جانبياً لها علاقة بالكتابة، ورئيسيا أيضا له علاقة بالموضوع الرئيسي [السب، والشتم]. هل من المؤلم أن أصفها ببساطة السجن بتهمة [قلة الأدب]. ظننتُ أنني وصلت لأبعد ما يمكنني الوصول له ككاتب مشاغبٍ. كنتُ أحنُّ، وأحنُّ للعودة لكتابة الأدب، ومع الوقت لم يبق لي إلا الشعر، والقليل والشحيح منه، والنثر، هذا النثر التأملي الغزير الذي ساعدني على علاجِ نفسي بالكتابة. 

ظننتُ أنني وصلت إلى أقصى مدى من البذاءة، بعد سجني في الإمارات في سجن الوثبة تحديداً، انتصرَ الحنينُ للكتابة، فقمت بكتابة روايةٍ عن الموضوع. تمنيت نشرها في عمان، ومنذ أن قدمتها للنشر، سنوات، وسنواتٌ وهي لم تنشر، ولم أجد ردا، فلا هي مُنعت، ولا هي نُشرت، ولا عرفت ما الذي بها لأعدلها. شعرتُ وقتها أنَّ العالم كلَّه يريدني أن أتقبل مصيري، أنا من؟ معاوية؟ من يكون؟ ذلك الكاتب الذي يدهشك أحيانا بدأبه في الكتابة، وصبره، وكثرة محاولته، وهو أيضا تلك المأساة الاجتماعية المليئة بالبذاءة. لا أنا برواية أنشرها، ولا بشعر أكتبه، والمثير للأسى أن كل كتبي التي نُشرت كنت وقتها في السجن.

عُدت لعُمان، قضيت بعض الوقت، ثم قررت الذهاب للنيبال. قررت في قلبي أن أهب كل أيام حياتي للكتابة، ولكن هيهات! ذلك الدماغ المفعم بالمخدرات، والصدمات النفسية، والاضطرابات، وأخطائي الكثيرة وما تركته في نفسي جعلتني أدرك أي مسخٌ تحولت إليه. حتى مع مقاومتي الشديدة ورغبتي الهائلة في العودة إلى عالم الكتابة المنطقية والهادئة، فشلتُ، ثم فشلتُ، ثم فشلتُ مرارا وتكرارا. أدركتُ أن بقائي في عمان وفق تلك الظروف يعني موضوع وقت قبل أن أدخل السجنَ في إحدى حالات الانفلات، لست أعرف تشخيصي الطبي، أعرف أنني أعاني من نوبات، وأعرف أن لدي اضطرابا في الشخصية، وكل هذا الإطار غير مهم، أعرف أن لديَّ مشكلةً جسيمةً بمعنى الكلمة، قررت الهجرة وقلتُ: فلتكن حرية الكتابة كما أريد!

أن تكون حرَّا في الكتابة يختلف عن أن تكون مقيدا. الحريةُ مفهوم داخلي. في بريطانيا لم أعرف ما الذي أريده بالضبط. النتيجة هي خيبةُ الأمل. إن كنتُ بذيئا مؤقتا في عُمان، أصبح حالي في بريطانيا هو بذيء بدوامٍ كامل. لعامٍ أو ربما أكثر كانت مهمتي في الحياة هي البذاءة. لاحظ عزيزي القارئ، لا أتكلم في سياق ندمٍ أو حسرةٍ، إنما أصفُ ما حدث كما حدث، قد يكون بعض ما بدر مني يقع ضمنَ تعريف [الجهرُ بالسوء لمَن ظُلم] لكن قطعاً هذا لا ينطبق سوى على بعض ما كنت أقوله. ماذا فعلت الحرية لمعاوية؟ جعلتني أفهم كل الذي يدور في لا وعيي الذي لم أكتشفه إلا بعد أن أخرجته للعالم، ومع أن تلك التجربة كانت مؤلمة، لكنها ويا للعجب! ساهمت في تبصيري بمشاكلي كلها دفعةً واحدة، وعندما حان وقت مراجعة الذات عرفت ما الذي عليَّ مراجعته. توقفت بذاءاتي منذ سنوات، بدأ هذا التوقف وأنا في بريطانيا في السنةِ الأخيرة لي هناك، نجحت في الخروج من الإدمان، وتغيرت المعادلة من البذاءة بدوام كامل، إلى البذاءة بين الفينة والأخرى، وكما هي هذه اللغة التي أكتب بها الآن، اللغة التي أنا شخصيا أرتاح لها وأستطيع الاطمئنان لها، عدت للقدرة على الكتابة. 

لم أكن أكذب عندما نويت تغيير حياتي السابقة، أنا حقا تغيرت، إنها السنة الرابعة لي وأنا في حياتي الجديدة الهادئة، هل هناك ترسبات سيئة! نعم، هل بي طبائع سيئة؟ نعم. هل هي المنتصرة الآن؟ هنا أقف بكل فخرٍ وأقول: الغلبةُ لذلك الجزء الذي بين الذي يقاومها. لم أشتم أحداً منذ أربع سنين! ولم أخالف قانوناً، سنةٌ من العمل الشاق للتخلص من الإدمان، ثم شاء رحمة الله أن أعود إلى عُمان، وهُناك تغير أسئلة الحياة والحريَّة.

أنا أحد منبوذي الوضع العام في عُمان. الوسط الثقافي يحتقرني لسوابقي وخياراتي السابقة. الوسط الحكومي لا يضمن جانبي نتيجة انقلاباتي وشدة خوفي منه، ومسارعتي إلى التشكيك بنواياه حتى وإن كان يريد مساعدتي. حياتي الشخصية تسير على ما يرام، وضعي العائلي مستقر، وصداقاتي القريبة مني جدا تساندني في رحلتي. إن كنت شخصا مشوها، قبيح الأفعال مثل حالتي فمن الحماقة أن تنصت إلى كلامِ الناس. يحسن كثيرون الظنَّ بي، وأنا لست كما يحسنون الظن بي. يسيء كثيرون الظنَّ بي، وأنا لست بالسوء الذي يظنونه، أو يتمنونه. الحقيقة الواضحة، أنني شخص مختلف حوله، الجميع يتفق أن بهذا الإنسان [الذي هو أنا] بضعة قذرة بمعنى الكلمة، ولكن أيضا هناك اتفاق ما أن هذا الإنسان [الذي هو هذا الذي يكتب هذه السطور] يرفض تلك البضعة القذرة، ضمن كل التأويلات وسياقِها، بقيتُ وأبقى مرفوضاً ومشكوكاً بي، إن فعلتُ حسَنا فهو موضوع وقت قبل أن أسيء، وإن فعلتُ سيئا فهو [أنا]. 

أكثر شيء أضحكني في حياتي هي تلك العقوبة القدرية أن أصنَّف ضمن [المشاهير] في عُمان. يا إلهي! وكأنني بحاجةٍ إلى عقوباتٍ أخرى. هذا الإطارُ الذي سُجنتُ فيه، واضطررت للتعايش معه لسببٍ واحد، هو أنني أحتاج إلى مصدر للدخلِ بعد عودتي لعُمان. نداء الكتابة، والحنينُ لها لم يتوقف، ولذلك مع ضرورة أن أركز على المنصات ذات الدخل الرائع مثل [سناب شات] أو منصة مفيدة تجاريا مثل [الانستجرام] بقيت لمدة عامين ملتصقا بتطبيق [تويتر]. ليس من السهل أن تكون بقبح أفعالي السابقة فتعود بكل سهولة للوسط الثقافي، كما قلت لك أعلاه عزيزي القارئ، أنا أحد منبوذي عُمان، من قبل النخب الثقافية المُجمعة تقريبا على أنَّ معاوية لا يستحق فرصةً ثانية مهما حاول.

هُناك شيء أحترمه كثيرا في نفسي، وضوحي التام. سعيتُ لكل إنسان أسأت له لأعتذر إليه. وناديت مرارا [من كان له حق من معاوية فليدلِ بحقه] وما كان له سأؤديه. صنع لي هذا الوضوح مساحةَ حياةٍ مريحة، فكما أنني أحترم وضوحي هُناك أيضا شيء ما أكرهه في نفسي، وهو حقدي، وعدم قدرتي على التجاوز والغفران. يؤسفني أنني إنسان لا يسامح، حتى وإن استطاع أن يهدأ لفترةٍ من الزمن، ما لم يجمعني مع خصمي عهد متفق عليه من الطرفين، فهنا معاوية القبيح الذي ينتصر، ذلك المتأهب للدفاع عن نفسه مهما كانت الخسارات. نعم قلت أعلاه أنني تغيرت، ولكن هذه طاقتي على التغيير، لم تصل إلى حدِّ إعادة تشكيل أطباعي، هناك ما سأتعايش معه حتى نهاية العُمر، وأحقادي التي تعاود الهياج هي واحدة من هذه المشاكل.

أحاول أن أفعل الأشياء الخيَّرة، والحق يقال، أن الصحبة مع الأنقياء تطهر النفس وتعطي شعورا جميلا بالحياة. هذا الذي يجعلني ألتصق دائما بالذين يفعلون الخير، مع علم أنَّ كثيرا منهم لا يطمئن لي. اندمجت مع دور النجم الاجتماعي، أو [المشهور] كما يقولون! وأكملت العامَ، والعامين، والثلاثة، والأربعة وأنا في حالي في أوضاع الكتابة في عمان، أكتب مثلما يكتب الجميع، وفق السقف المتاح. سؤال لقمة العيش حاصرني، ودفعني دفعا للمكوث في الإنترنت وفي عالم المنصات المؤقتة، ولم تكن ظروف العودة للكتابة متيسرةً مطلقاً وقتَها. بالجهدِ والعمل الشاق والساعات الطوال أسستُ لنفسي مخبزاً صغيراً متعلقاً بالإعلانات في المنصات الرقمية. انضمَّ لي الأصدقاء، وبدأنا نحلمُ سويا بفعل شيء ما متعلقٍ بصناعة المحتوى الرقمي، تغيرت بعض الأشياء، ولم تعد فكرةُ الكتابة بعيدة المنال، دخلت عالم الدراسة الجامعية، حققت معدلا جميلا للغاية، وها أنا أكتبُ مجددا.

بعد أن تقضي سنوات لا بأس بها في الحالات العامَّة. ويختلطُ وجودك الاجتماعي، بالكوميديا، والضحك، والبداهة، ويرتبط بماضٍ من الشتائم والسب، وغيرها. يفهم القارئ الحقيقي أنَّك قد توقفت عن كل ذلك وبدأت حياةً هادئة، ويدرك المتابع الحقيقي أنَّ المنطقَ العام الذي تمارس به إنتاجَ النصوص والمواد المرئية قد استمسك بعروةِ المشي وفق الممكن، ذلك الذي لا يذهب بالحياة إلى جهنمِ الخسارات. وفي جانبٍ آخر أنا ذلك الشخصُ الذي تجوب مقاطع الفيديو الشاطحة التي قطعها البعض ويعيد نشرها الهواتف والمنصات، لأنني معاوية، حتى وإن كتبتُ ما هو متوافق كُليا مع الكتابة، وتحليلها، ورؤيتها، واجتهدت، هُناك ما هو خارج النص يجعلُ الآخر يقرؤ الواضح من كلامي بطريقته الخاصَّة، ويصنعُ معناه بطريقته.

 

جرِّب يوما ما أن تعيد صياغة شيء مما كتبتُه، واعرضه على بشرٍ كثيرين، ثمَّ قل لهم هذا المقال لمن وستفهم الذي أقولُه. قبل قليل وأنا أكتب هذا المقال، تجلَّت ظاهرة [ربما لأنَّه معاوية] مجددا. بعد كل الدق والحطيم الذي دارَ حول موضوع حرية التعبير الجديدة في عُمان. كتبت مقالا بكل المعايير الصحفية يعتبر ملائما لكل اشتراطات المؤسسة الإعلامية، ومع ذلك ماذا كان سبب الرفض: لأنه مرتبط بكتابات أخرى لي؟ أي أن هناك رقابة خارج النص! وهذه الرقابة تجاه من؟ تجاه الشخص. لم يحزنني ذلك كثيرا لأنني منتبه لهذه الظاهرة منذ زمن بعيد، هناك شيء ما يتعلق بمعاوية يسمحُ لكثيرين بفعل ما لا يمكن فعله لغيري. التحيز، ومجددا هذا طبيعي جدا، لا أشتكي منه، لكنني أقدم مجادلة فقط لكل ذي لب يريد أن يكون منصفا، التحيز انفعالات غير منطقية عادةً، وحزازات، وعندما يُمارس تجاه شخص في غير موضعه، لا حلَّ لذلك لأنه من الأساس: الموضوع شخصي، لأنه معاوية، هذا هو السبب عادة.

حضوري في الساحة العُمانية يُقرأ من عدة جهات. هناك قارئ منصف، ومتلقٍ منصف، يأخذ المادة التي قدمتُها ويناقشها، ولست بصدد سرد المدارس النقدية، وجدلية موت الكاتب، وحياة النص، السؤال لا يتعلق الآن بقبولك أو رفضك لمادة، السؤال يتعلق بأشياء كثيرة، لحياة اجتماعية، لحقوق، لماذا يستمرئ البعض أن يتجاوزَ منظومة القيم التي يؤمن بها فقط [لأنَّه معاوية] الذي يكمل سنته الرابعة وهو [ماشي جنب الحيط]، حتى على الجانب الرسمي لم أسلم من قراءة معاوية خارج النص، خارج كلامِه، وإذا بموظف رسمي يتصل بمذيع ليقولَ له [معاوية مريض نفسي، ونخشى أن تتهم من قبل المنظمات الحقوقية الخارجية باستغلال المرضى النفسيين] وهُناك كنت مستعدا للحرب، وسأبقى مستعدا لها إن تم استخدام هذا الملف من الشخص غير المختص، نتحدث عن [أهلية إنسان] ولكن مجدداً ربما لأنه معاوية يتجرأ أحدهم ويتدخل في ملفه الطبي، وتشخيصه، مجددا [ربما لأنه معاوية!].

لقد وصلت للخلاصة التي تسبب كل هذا، لماذا أُقرأ خارجَ النص، لأنني لا أُقرأ مضمونا، وإنما شكلا. المتلقي العُماني العام [عادةً] يقرأ انفعالي، أو اندفاعي. قلت لصديق ذات يوم، اسمع مضمون الكلام، دع عنك صوتي الصارخ، أو الهادئ! ومن يومِها انتبه إلى هذه الظاهرة، والتي ربما تدور حول كثيرين، ولكن [لأنني معاوية] أُقرأ حتى بما لم أقل، كما كانت أيام ما، أحاسبُ وأُكره على ما فعلت، وأُحاسبُ وأُكرَه على ما لم أفعل. لا ألوم نفسي مطلقا في شيء، أنني تحولت للكراهية، ووجدت في الكراهية والغضب ما يكفي من عزة النفس لكي أرفضَ الحب المشروط، والحق المشروط بالقبول الشخصي، حياتي لم تكن سهلة يوما ما، ولن تكون سهلةً، الذي أعرفه أنني سأقاوم حتى النهاية.

 أنا معاوية! أعرف قيمتي، وأحترمُ نفسي، وقضيتي، وبذلت السنين في الإيمان بحق الكتابة للجميع، وحللت، وكتبت، ومهما حاول أحدهم الانتقاص من جهدي وتعبي في هذه الحياة، أحترمُ نفسي بما يكفي لأواصل المحاولة، أنا لا أتعبُ، ولا أكلُّ، ولا أملُّ ولا أتوقفُ عن الإيمان بقضية الكتابة، وقضية رفع سقفها الإبداعي في عمان، وقضية التصدي للرقيب المزاجي، كتبت آلاف الصفحات، وأكتب عشراتها في ساعةٍ واحدة، مرنت نفسي على الكتابة لسنوات طويلة، واشتغلت على نفسي، وإن كان هناك من يرفضني فلا يهم، أحترمُ ما آل إليه حالي من منطق وهدوء، وأنطلق من رمادي دائما، أنا الذي لا يقفُ عن الكتابة، لماذا؟ لأنني معاوية!

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 14 مارس 2023

العموم الكبير والواسع!

 

 

 

كتابةُ المقالاتِ فنٌّ ممتع قبل أن يكونَ فنَّا إبداعيا. غيرَ قدرتِك على سردِ وجهة نظرك الخاصَّة يمكن لكتابة المقالات أن يكون فنَّا [تَثْقيْفِيَّا] وهذا ما يفعله بعض الكتاب المبدعين في كتابة الملخصات النافعة والمفيدة والتي تقدم مقاربةً وصفيةً شارحةً لا تخلو ضمنياً من رأي شخصيٍّ ما. لعبةُ الربطِ العلمية، والبحثيةِ التي يتقنها البعضُ. على الجانبِ الآخر، جزءٌ من قيمة المقال مرتبط بقيمة أو مكانة كاتبِه، المقروئية تلعب دوراً في تقليل المجادلات والإقناع، فضلا عن العلاقة الشعاعية بين الكاتب والمتلقي [القارئ]. في عالم العموم الواسع، تنتقل من الكونيٍّ، والفلسفي، ووجدان الفرد، إلى الحافلة التي دهست رولان بارت. لكل شيء مصطلح، لكل شيء وضوح، وتعريف الأشياء مستمد من عمومِها الكبير، ذلك الذي إن قُرئ في ألمانيا بالألمانية فلن يختلف فهمَه إن قُرئ في أمريكا الجنوبية بلغة المستعمر الإسباني. العموم الواسعُ المريحُ، رحلة تعليمية، وتثقيفية، تمرنك على فهمِ الأشياء، وعلى ضبط سياقها، وتجعل رحلة المعرفة سهلةً وجميلة، تشبه الخيال الإبداعي الذي تعيشه في كتابة رواية، فالمفكرون والمؤرخون هم أبطال الرواية، والتاريخ الإنساني، وحركته، وسكونه، وتناقضه، وصراعه هي الأحداث. هذه المتعة التي يعيشها الكاتب المُثَقَّف، والخبرة التي يكتسبها الكاتبُ المُثَقِّف. وما أجمل راحة البال هذه.

إن كنت من محبي نكد الدنيا، فضع في مقالِك لفظةٍ واحدة تكفي لقلب الطاولة على رأسك. ضع كلمة [الوطن] أو ضع كلمة [الدولة]. كل ذلك السردُ السلسُ يتحول إلى حقلِ ألغام، وتضطر وأنت تكتب منطلقاً من الإرث الذي اطمأن عقلك له واللغة التي تعايشت مع مصطلحاتها، ووضوحها إلى منطقةٍ جديدة تضطر فيها لنحتِ المصطلحات، والمفاهيم مع عملية تعديل مستمرة لذلك الإرث التراكمي الإنساني، الممتع، والواضح، والتاريخ الذي انتهى. ظرفُ المكان جزءٌ من التحدي، والآخر هو ظرف الزمان، دخول الحاليِّ، والراهن إلى مقالٍ يضيفُ بعض الإضافات الظريفة، فأنت في حقل ألغام، وثمة رصاص متناثرٌ ينزل من وحي اللحظة، أضف عاملا اجتماعيا، وهناك تتحول هذه الاستعارة المعقدة إلى حقل ألغام، برصاص متطاير، في الليل حيث غموض النفوس الجماعية، وامض مع التشبيه كما تشاء، أضف الحالة النفسية للكاتب، واصنع عاصفةً، وأضف الإسقاطات، واصنع قمرا يعكس الضوء، وأضف عامل الريح لتصف ميل الأفكار، أو تأثرها، وأضف عامل الرمل لتصفَ صفاء رؤية الكاتب، وأنت وما تشاء، كل هذه الأحكام [ما بعد الكتابة] تُستمد بعد كتابة مقالٍ واحد، وهذا هو الصداع الذي أقرر فعلَه في هذا المقال، أن أضع كلمة عُمان، وأضيف هذه التدوينة إلى تصنيف: [شؤون عُمانية]. هنا يختلف كل شيء.

تتخالف الكلمات التي تصف الكتابة عن الشؤون العُمانية، وتتآلف. بين ما هو عضوي، أو تخصصي، أو موجَّه، أو سطحي، أو إنساني، أو كوني، مصطلحات قادرة على لطم بعضها البعض حتى يوم القيامة. قضية تخصصية في فن كتابة المقال، ويجيد الأكاديميون ضبطَ الكلمات في مواضعها المتفق عليها ضمن تراكم العلم التجريبي، واتفاق أقطابِه، وصناع لغته، بقليل من التواطؤ والتساهل مع صنعة اللغة، وإرثِها الذي لا يخلو من المرونة. أن تضيف كلمة [عُماني] إلى مقال فأنتَ تعقِّد كل شيء، وانتهت رحلتك الهانئة في حقول المعرفة، وتوقَّف حوارك الداخلي، مع جميع المؤلفين الكبار الذين تحبهم وانتقل إلى مكانٍ جديد، يوصف في المشهد السردي الوارد في الفقرة السابقة.

العمومُ الواسعُ يفرضُ عليك طبيعته، وتناقضه، وما يتوسله العقلُ الفردُ الذي يتعمَّد التأثير في محيطِه العام هو الوصول إلى صورةٍ شاملةٍ تمتدُ منها خيوطٌ عديدة تلتف حول بعضها البعض لتصنع منطقا متينا. هذا الذي يحدث لك عندما تكتب عن عُمان وشؤون عُمان، ولا سيما شؤون عُمان الثقافية، أو تلك المتعلقة بصراعات الرأي العام، أو المنطوق به، الكتابة عن المسكوت عنه هذا عالمٌ آخرٌ يختلفُ تماماً عن هذه الرحلة الشخصية اللطيفة والدمثة والخالية من الخطورة كما يحدث في هذه المقالة، العموم الواسع منطقة مريحةٌ، تحتاج إلى التفات كمِّي أكثر مما هو نوعي، وانتباهٌ من وحي الخبرة، والرصد الذاتي، أكثر من التنظيرِ والسعي إلى تغيير الواقع بقوَّة السلاح! وأعني بالسلاح النقد والتحليل. الأسلحة الأخرى السريَّة والتي يحدثُ فيها التنظير المؤثر سيكون لها نصيبها في نهاية هذا المقال الذي أصابني بالصداع وأنا لم أنجز نصفَه بعد!

العموم الواسعُ في عمان هي تلك المساحة المُتاحةُ بعد قيود القانون. كل ما يمكنك أن تقولَه دون أن يكون مصيرك السجن، أو مواجهة السلطة، أو التعرض للسين والجيم الذي يدخلك ضمن قائمة الكتاب المغضوب عليهم، أو الملاحقين بالأحكام القضائية. هذا ما أقصده بالعموم الواسع. ثمُّ يأتي العموم الكبير، وأقصد به المساحة التي يُمكن تحويل الأفكار إلى كلماتٍ بعد تجاوز خطر الرقيب الاجتماعي، والديني. يمكن تسميتها رياضيا [المساحة]، أو إن شئنا إعطائها تشبيها آخر [السقف] أيا ما كانت الشركة الراعية لاستعاراتك المفهومية، نتفق على هذه التشبيهات حتى نهاية المقال، العموم الكبير هو آخر المساحات الباقية لك، هو ما يمكن نشره في الجرائد، وما يظهر ببذخ ووفرةٍ في وسائل الإعلام المرئية، والمرمية، والمسموعة، والموجوعة، والمفلوعة على الرأس بمختلف ما تطرحه من نماذج بشرية عظيمة ورائعة ومضحكة ومبهرة ومبشرة وناقدة وفارقة ومفيدة وتافهة وضحلة وأيا ما كانت أحكامك، التي قد تحكم بها مثل ميسي، أو انطباعاتك التي تمسكها كالختم لتلصقه في كل شاردة وواردة، وخالدة، وبائدة، مما يقوله الآخرون ويقع على حواسِّك التي يحولها دماغك، ثم ذهنك إلى إدراك.

يجادلُ النشطون في هذا العموم الكبير بلا كلل أو ملل عن خطورةِ الثقافة، وعن مأزق الوعي، ففي عُمان الكلام الحقيقي لا يقال علنا، والآراء لا تقال علنا، وحتى تلك الممكنة قانوناً لا تقال علنا. الأسباب كثيرة وأبسطهاً صراع الأقطاب في الساحة العُمانية، واضطرار المرء للاصطفاف، مثل هذا المقال من ينتبه له؟ لا أحد، هم عشرات القراء والذين يشاركون كاتب المقالة/ التدوينة بعض الهموم. أما في عالم العموم الكبير فيشيع التحذير، والتبرير، والتطبيل، والتهريج، والهذيان، والفضفضة، والسردُ، والتوثيق، والدعاية بمختلف أشكالها، من الصعب أن يصمد النص المنضبط فكريا في هذه المعمعة، وعندما يتعلق الأمر بعُمان فإن كل حساسيات الأكوان العلوية، والسفلية، والمجرات المجاورة سوف تخرجُ بكل خلاياها المناعية لكي إمَّا تتقين من خلوِّ هذا النص من المخاوف الوطنية الكُبرى، مثل أن تحاول لا سمح الله غسيل دماغ المجتمع بالفكر الحداثي، أو خلوِّه مما قد يجعلك مثقفا، مشاغبا، محرضا، لديه وجهة نظر تجاه السلطة. من الملحوظَ أن خطاب السخط، أو التبخيس من بعض الأحداث العامَّة قد أصبح ممارسا بصورة ملحوظة، فضلا عن ارتفاع سهل الرصد في تناول بعض الشخصيات الرسمية العامة بمن هم في مرتبة وزير أو وكيل. طبعا هذا لا يشمل كل الوزراء، وكل الوكلاء، وتمايز مفهوم ما هو سيادي، وما هو كما نقول في اللغة العُمانية: تابع للخدمة المدنية، حاضرٌ بشدة في الأذهان، هو ضمن مساحة العموم الواسع، وضمن مساحة العموم الكبير على حد السواء ويبقى الخيار الفردي هو المُحتكم إليه عندما يعبر المرء في مقالٍ ما عن شيء من أشياء عُمان، رأي! لا سمح الله! وقد يزعلُ منه البعض بالضرورة. أو حسب شخصية كاتبه قد يكون هُناك زعلان باعتبار ما سيكون ومصيره إن قال حقا أو باطلا واحد، سوف ينزعج منه الخصوص النخبوي [في سياقه العام] أو العموم في سياقه الخاص والعام، ولا داعي أن أعدد التباديل والتوافيق التي تخرج من ذلك.

العموم العُماني الكبير مساحةٌ يتم التدخل فيها حسب حجم تأثيرها، وخارج ما يمكن لعضو مجلس الشورى فعله. هذا العموم يلعب دور مكبر الصوت الذي يوصل هموم المجتمع، يلعب بعض أفراد هذا العموم دور العدسة المكبرة، وهؤلاء الذين يخرجون من العموم الكبير إلى العموم الشاسع، كما أفعل في هذا المقال، يُنشر علنا، لكنه ليس جزءا من التداول الذي يحدث في المجتمع، ولا جزءاً من الجدالات الفكرية والتي ما يحدثُ منها علنا ليس أكثر من استنساخ لقالب العموم الكبير، محاولة لإقناعِ الناس بأنَّ طائفةً ما تنوي غزو أخرى بقوة السلاح، وطبعا أقصد بالسلاح، التفكيك، والإدانة، والتبخيس، ولا ننسى هذا الجدال الظريف جدا بين المحافظين، واليسار الثقافي، ومجادلات تويتر وغيرها. العموم الكبير لا يخلو من تناقلِ مكانه مع العموم الشاسع، ولكن حتى هذا من النادر أن تجده خارج المقالات الرصينة، تمتلئ رفوف المكتبات بالدراسات النوعية، ويبدو أن معظم الناس في عمان [مستكاودين] هذا النوع من المعارف، ويفضلون الكتابة عن المواضيع [الترينداويَّة] من طراز خمسة إلى سبعة رختر، مثل الدكتور الذي يفلعُ بركة الماء المحافظة بحصاة، والرد عليه بفريق جماعي يمارس هواية [الفلع] فيما هو شخصي، وما هو اجتماعي، بل وحتى يصل الحال إلى ما له علاقة بالأصول، والعرقيات، والقوميات. نعم، كل هذا يحدث في العموم الكبير والواسع في عُمان. إن كنت عمانيا، أظنُّ أن جولةً لك في يومٍ من أيام الرأي العام الإلكتروني العُماني، وقراءة جريدة، ومتابعة التلفاز، والاستماع إلى إذاعة من الإذاعات المؤثرة، وتتبع بعض الشخصيات التي لديها احترافية عالية في الانتقال من العموم الواسع، إلى العموم الكبير، فستجد البيان التفصيلي لك لما كُتب في هذه المقالة الوصفية والتي لا تخلو من إطلاق الأحكام من جانب كاتبها بطبيعة الحال.

إن كنا نتكلمُ بهذه الفداحة عن شؤون الكلام والتعبير عن الرأي في عُمان، أين يحدث التنظير؟ وأين يتداخل أصحاب العقول مع بعضهم البعض، ومن الذي يتولى التنظير لكل الأحداث التي تطرأ على المجتمع، ومن هذا الذي يحاولُ الوصول إلى مقاربات، لن أقول من الحلول، ولكن سأقول مقاربات تضع بعض النقاط على الحروف، وتفتح الباب لفهم المشاكل العُمانية الكبيرة. أين يحدث كل هذا؟ فالذين يتناولون شؤون عُمان في العموم الكبير لا يفصلون كثيرا، ويتجنبون الخوض في التفاصيل، فضلا عن سهولة إساءة فهمِ من يفعل ذلك. كل هذا يحدث في عالمٍ بعيدٍ عن العموم، العالم الحقيقي للثقافة في عُمان، حيث يتجالسُ المثقفون مع بعضهم البعض، وتفتح طاولات الحوار بحريَّة، ويربو الكلامُ حتى يخسر زبدَها وما يمكث منه يتحول في الضفةِ الأخرى المقابلة لضفة المجتمع، يتحول إلى قرارٍ، أو تغييرٍ، أو ربما خارطة طريق ما في مشكلة ما من مشاكل عُمان. هذا هو واقع الحال في عُمان، وهكذا تتفاعل العقول العُمانية مع مشكلاتِها، الأكاديمي غير مشغول بالوسط الإلكتروني والإعلامي، والوسط الإلكتروني والإعلامي مشغول بملاحقة نفعية الزيارات، واللايكات، والإعلانات، والوسط الإعلامي الرسمي مشغولٌ بتهدئة الناس وبثِّ الأمل في خواطرهم إن استطاع الإعلام الرسمي لذلك سبيلا. التأثير الحقيقي يظهر كفعلٍ لاحقٍ، ويدخل حيز العلن بعد أن يتمَّ في دوائره الضيقة، والصغيرة، والبعيدة عن الناس.

الذي يسبب لي الإحباط في هذا الوضع هو أثر ذلك على التأجيل المستمر لدخول عاملِ الثقافةِ كأحدِ أدوات طرح الأسئلة، والتحليل على صعيد المجتمع. سأتجنب بشكلٍ متعمدٍ كل ما له علاقة بتغيير السلطة، والصدام معها، ولن أدعو لما هو مع توجه السلطة، أو ضد توجه السلطة لأنني أريد الحفاظ على هذه المساحة بعيدا عن المنغصات. الذي يسبب الإحباط لي هو أنَّ استمرار الوضع الراهن يعني استفحال هذه المشكلة التي حولت عالم الإنترنت العُماني إلى عالم [نصف النص، نصف الكلام، نصف الموقف] شيوع الاختصار في كل مكان، والاصطفاف بحكم الضرورة، وحكاية الزعلان باعتبار ما سيكون، أو الزعلان باعتبار ما كان أصبحت جزءاً يوميا من أدبيات التلقي في عُمان، تويتر خير مثال على ذلك، والسخطُ، والشعور باليأس وقلة الحيلة، كل ذلك مردُّه إلى شُحِّ المحتوى الرصين في عالم الإنترنت، والرقابة الإعلامية التي تمتدُّ كل يوم إلى ركن من أركانِ المحيط الإلكترونية تُساهم أكثر وأكثر في تفريغِ الإنترنت من مضمونه، وتتركه نهباً لكل الظواهر التي تحذرُ منها في منصاتِها الرسمية! حالةٌ أخرى من الحالات التي تجعل المرء يحارُ في تقاطع المؤسسيِّ مع الفردي! النقاشات المؤثرة في عمان لا تحدثُ علنا، وأي فارقٍ هذا بين الجيل القديم الذي كان في عصر ثورة الإنترنت، وثورة المودم الصغير، وثورة الهاتف الذي يسمح لك بدخول وصلة لمقال، وثورة الكتابة اليومية للرأي الاجتماعي، إلى مرحلة التسعين ثانية، والتسعين كلمة، والنص القصير، واختصار كل شيء.

ما الذي أفعله الآن! أعبر عن قلقي، وعن يأسي، وعن تفاؤلي في وقت واحد. قلقٌ لأنَّ امتيازات كثيرة كانت تقدمها الإنترنت قد أصبحت تتراجع بفعل الإنترنت نفسه، يائسٍ من أنَّ طاولة الحوار المُعلنة ستحدث بسرعة في عُمان، وتعنت النخب المؤثرة في كل جماعاتها سيؤخر ذلك أكثر، متفائل لأنَّ هذا الوهم هو الذي يسمح لي بالكتابة. إلى متى سيستمر هذا الوضع! لست أدري، أعبر عن تفاؤلي، وأملي في هذه الحياة بأن أكتب عن هذه الشؤون العُمانية التي أتمنى أن أقرأ إنسانا [فيه بارض] يكتب بهذا التفصيل، إنسان تخصص في نقدِ الخطاب الاجتماعي، أو ربما لا سمح الله، لا سمح الله، أكاديمي ينفق بعض زكاة علمِه في تتبع هذه التحولات الاجتماعية بكل ما فيها من ضخ المحتوى، وانحساره، وحركة الجيل الجديد في التعامل مع المعلومة، وآلية استقائها، والمعرفة، والتنظير الاجتماعي الذي يقودُه الآن مجموعةٌ منتقاةٌ بعناية من كل طائفة فكرية أو رسمية.

كاتب هذه المقالة جزءٌ لا يتجزأ من كل ما ورد أعلاه، وله تجربة طويلة جداً اختلفت فيها الضفف، وتنقل فيها من موقع لآخر، ومن القاع، للحضور، ومن الضوء، للظلام، ومن الداخل، والخارج، لا يفصل كاتب هذه المقالة نفسه عن كل ما ورد أعلاه، وبينما يكتب الآن ما يحبُّ فعله، وهو التفصيل، والتحليل، والتدوين، والتوثيق، والسرد، يعترف أنَّه يتقن العمل في العموم الواسع، وفي العموم الكبير، وكل ما في الأمر، أن عالم العموم الكبير شيء يجب عليك أن تتقنه، أما عالم العموم الواسع، فهو ما يحتاج إلى إطالة، وإلى عزلة، وإلى تقليل التفاعل الكبير، مع العموم الكبير. الطريق طويل جدا! ولكن "الآمال ولدان" لعلَ رخاء اقتصاديا عميما إن حدث فسوف تتحول شؤون الكتابة كلها في الإنترنت، وفي الإعلام، إلى تنظيرٍ عن الغد الاجتماعي، وطرق العيش، مع الحفاظ على خاصية العدسة الاجتماعية، والرقيب الفرد.

 

 

معاوية الرواحي

الاثنين، 13 مارس 2023

حضورٌ ذهني: أسئلة الاعتبار!

 

 

 يبدأ صباحي بحرب. الصراعُ مع عاداتٍ تكوَّنت في سنين متتالية، وإملاءُ اللحظة يُطلق نداءاتَه لأفتت لحظة الكتابة هذه وأحولها إلى بسكويتٍ مهشَّمٍ يتناثرُ في تويتر. عادةٌ ترسخت وغيَّرت معها شكل الكتابةِ جذريا. حتى هذه اللحظةِ وإلى أن أتجاوزُ ذلك المفروضُ على الناسِ قسراً من عددٍ للحروف، ومن اشتراطٍ للقارئ لم أعد للكتابة اعتبارها، ويبدو أن مشوار الكتابة قد بدأ بشحوب ليأخذ سنواتٍ إضافيةٍ أخرى من هذه الحياة التي قضيتُ من شطرِها الكثير وأنا أكتبُ. راهبٌ شبه عبثيٍّ، أو عبثيٌّ يشبه الرهبان، هكذا قضيتُ سنوات العشرين للثلاثين من العُمر قبل أن يُظلمَ كل شيء، وأتحول إلى قصةِ حياةٍ مليئة بالنكسات، والنجاحات، والانكسار، والنجاة، والصراع بكل ما يأتي معه من هزائم صغيرة وكبيرة، وانتصارات صغيرة وكبيرة. هكذا يبدأ صباحي، بهذا الحرب إلى حين اكتمال الفقرة الأولى، وتكوِّن الخارطة الذهنية لمادة مكتوبة، بخطِّيتها، وترتيب فقراتِها الكلاسيكي.

الآن، في هذه اللحظة. عقلي جامدٌ، وأفكاري شاحبة. اهتمامي منصبٌ على الكتابة عن الكتابة. الجمل قصيرة تؤكد هبوط المزاج، وآثار النوم المضطرب، وتأخر مفعول الكافين في الدماء. لا أعرفُ هل الكتابةُ ستعجِّل من وصولُ لحظة الانطلاق إلى يومٍ مكتمل، أم ستعطلها. هذا هو الفرقُ بين الكتابة الدوبامينية ذات الإشباع السريع في تويتر، وهذه التي سيقرؤها عشرة أشخاص بالكثير، تلك ترفعُ المزاجَ بسرعة، وتُبدأ اليوم بسرعة. هُنا يختلف الحال. تستمرُ مقاومتي لفتح الصفحة الزرقاء، تنسلُّ السطور من أناملي، وتلاحقني بعض التركيبات اللغوية المتعارف عليها بيني وبين ذهني، مع ذلك لم يعد الأمر يتعلق بلحظة الكتابة. أصبح يتعلَّق بالكتابة واعتبارِها في حياتي. الآن فقط فهمتُ ردَّ الاعتبار الذي حضرَ مصطلحُه في ذهني بداية الصباح، لا يتعلقُ بشأن خارجي، وإنما بشأن داخليٍّ بحت.

 

تجنبتُ قبل ثوانٍ كتابة جملة [أنا مسكونٌ بالخارج]. هذه التعميمات غير منطقية وتشوِّش فردية الكلام، وذاتيته، لتجعل تمرين الحضور الذهني ضمن سياقات العالم الخارجي، ونظرته لي كفرد، فأعود تلقائيا إلى لحظات الحضور الاجتماعي، وكل تلكَ المعركة الصاخبة التي اضطررت لخوضِها فقط لكي أدافع عن مربعي الاجتماعي الخاص بي. كتبت عن ذلك في نصوص سابقة، في لحظات حضور ذهني، وفي التدوينات التي أسردُ فيها علاقتي مع المعالج النفسي الألماني الداهية الذي يعلمُ كيف ينسجُ الأسئلة حول همومي ومخاوفي. نزعةٌ ما جعلتني أتجنب هذه الجملة، وتدفع بي إلى مراقبة أفكاري، بلا نزعة نقدية، وبلا حس بالتوجيه، والأهم بلا تدخل منِّي. تمرين الحضور الذهني الحقيقي تكتشفُ فيه ما تريد قولَه بعد أن تقوله، حتى هذه اللحظة ذلك العقلُ النازع للتدقيق والشك هو الذي يكتب، سينطلقُ كل شيء بعد قليل، السرعة تتحسن، والكلمات تتشكل، وهذه الجُملة كُتبت دون إدراكٍ مني.

لماذا جئت هُنا؟ لأنَّ كلمة [الاعتبار] تخلَّقت في ذهني. لعلها انعكاس المعركة الاجتماعية التي تسبب لي التوتر والربكة. لماذا أستخدم كلمة [معركة] هُناك سبب ما! لماذا لا أقول الرحلة؟ أو الحالة؟ المعركة! ضمن بقايا شخصية مليئة بالغضب! يخطر في ذهني الآن تعبير مغاير، الحسرة على الاعتبار! وفي الجانبِ الآخر، حسرةٌ على ماذا؟ أي تجربةٍ يعيشها الإنسان ليتفرغ للكتابة عدة سنوات! بدأت أفهمُ ما الذي أنجو من تلابيبه. النظريةُ الحادَّة التي يتعاملُ بها المحيط الثقافي الذي حولي مع الكتابة، تمجيد الإناء! كل ما لم يوضع في كتاب فهو لم يحدث! أها! هذا هو سبب مقاومتي للانسياق وراء نداء اللحظة المٌلق، ولدغات النحلِ اللطيفة على قشرتي المخية. إن كنت لم أؤمن يوما ما أن الكتابة هي إناؤها، وكتبت كل هذه السنين متناثراً بين الصفحات، كتبت ما وصل للقارئ، وترك أثراً، وحقق تأثيراً معقولاً في محيطٍ مقبول من القراء، فما الذي تغير عن ذلك الذي أكتبه وقتها والذي أفعله الآن؟ تغيرت بعض الأشياء، منها نفسُ الكتابة، وسعة المساحة، وإعطاء الفكرة حقها من الأخذ والرد. نعم! هذا هو الذي يحدث، من الشد والجذب، إلى الأخذ والرد، ومن التفاعل المباشر مع القارئ إلى التفاعل الداخلي بين النص ونفسه، مساحةٌ تكبرُ، ومعها تأتي امتيازات الورقة البيضاء مقارنةً بالمنصةِ الإلكترونية، والمربع الذي تضعُه أمامي. [مجددا يعود تويتر للبال] سلوكٌ انسحابيٌّ، وأبني حاليا دفاعاتٍ ضد الشحوب الذي يكتنفُ هذه الكتابة الخالية من الإشباع السريع. ما هو حكمي على هذا الذي أكتبه الآن؟ هل هو موجه للتاريخ؟ قطعاً لها! موجه للقارئ؟ ربما! ولكن أي قارئ؟ المُعالج الألماني؟ أم الصديق الذي يجد الإجابات على هموم يومٍ في أسبوع؟ أو أسبوع في شهر؟ ثمة قيمة في هذه الكتابة غير تمرين الحضور الذهني. تعديل النفس، وتهيئة النفس للإقلاع البطيء للإشباع، وبهجة الاكتشافات الجديدة في نهاية جلسة كتابة مدته ساعة ونصف في بداية الصباح.

هذه الغيمة الذهنية من الأفكار غير المنظمة تؤثر على لحظات الكتابة الأخرى. تندسُّ في السطور، وتصنع تداعيا غير محبَّذٍ وفق اشتراطات كهنة النقد الأدبي، أو القارئ الغضوب الذي يريد أن يقرأ في الموضوع فقط. هذا التمرين له فوائد فوق ما توقعت، تقضي وطرك من ذاتية الكتابة، ووظيفتها النفسية، وفوائدها العلاجية، وكونها امتيازا تأمليا. عامل الاسترسال يعملُ بكفاءة عالية، ولسبب ما أعدل بعض الجمل لتتناسبَ مع منهج الفقرة المستقلة! يبدو أنني بدأت أتعلم تحرير النصوص التي أكتبها، وأجهزُ لخطة مستقبلية مليئة بنشر الكُتب. أعود إلى الغيمة الذهنية، أكتشف فائدة جديدةً، وأقارنُ بين التدوين المتخالطُ الذي كنتُ أمارسه لسنوات، وهذا الأكثر هدوءاً الذي أمتهنه الآن. أتجنب فصل الفقرات عن بعضها البعض، ولعل قراءة واحدة لهذا النص بعد نشره ستجعلني أفهمُ أكثر، تلك لحظة أخرى! لحظة القارئ!

أتغلب على مشاعر التشويش بالتشويش البديل، إن لم تكن صفحة تويتر التي أتشتت فيها، فهي صفحة الواتساب، والمراسلات مع الأصدقاء. [كدتُ أن أشرح الواتساب، وأتداعى في ذلك وتوقفت، مع ذلك لم أتوقف عن الانتباه إلى أنني كدت أن أشرح الواتساب] طبقات من الحضور الذهني والذي لم أتوقع أن نفعَه مدهش إلى هذا الحد، جملة خارجية، ثم أخرى داخلية، ثم أخرى فوق وعي اللحظة الداخلية. الحضور الذهني بالكتابة يحتاج إلى سرعةٍ في ملاحقة الأفكار، ولحسن الحظ هذا الهبوط الصباحي يفي بالغرض، وكأن الأفكار تسبح في سائل مخاطي لزجٍ يمنعها من الحركة بحرية، هذا هو التكبيل الحميد الذي يمقته الكاتب وهو ينسجُ نصا يأمل أن يكون مبدعا فيه، ويحبُّه وهو يستخدمُ الكتابة ضمن عملية علاجية طويلة الأمد.

ذهني يتحرر بعض الشيء من خمول هذا الصباح. الحياة لا تخلو من التشويش، ظروف اجتماعية تطرأ، وأجد نفسي مضطرا لتشغيل عقلي في مكانٍ آخر. الساعة تقتربُ من العاشرة، أحتاج إلى قهوة [إسبريسو] وسأدفع بذهني دفعاً إلى حالة النشاط الذهني، يا إلهي! لدي امتحان غداً، يجب أن أنهي فصلين متتاليين، وأحفظ النقاط المتعلقة بها، حسناً، كانت لحظة لا بأس بها، وصلت إلى بعض الخلاصات، وأدت الكتابة غرضها، لا داعي للحدية يا ماريو، يمكنك أن تعتبر تخلصك من الفضفضة تلك التي يصعب الرجوع إليها في خط تويتر الزمني [التايملاين] منجزا صباحيا لا بأس به في لحظة الحضور الذهني هذه.

 

ماريو