بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 7 ديسمبر 2025

مدون في المكسيك

 أجمل درس لي في المكسيك، هي الدروس الحقيقية اللي تعلمتها من سلسلة من الأزمات المتتالية اللي شفتها تصير. الظروف الصعبة تجعل القرار الصعب بيد من؟ بيد القائد فقط!

خلوني أخبركم عن تجاربي مع كل قائد في مجاله.


القائد الأول: بلا شك هو مدرب المنتخب، الذي لظروف كثيرة، منها حجز التذاكر، والسفر، الطويل، وعوامل مختلفة منها فقدان لاعب رئيسي، أفضل لاعب في العالم في نسخة كأس العالم سوكا مسقط 2024م. المعتصم الشهير بلقب (بوب). في النهاية أنت قائد ومدرب منتخب، لديك قائد في الميدان هو الكابتن. النقاشات العميقة التي كنت أخوضها مع نصر الوهيبي كانت فاتحة عيون على عالم شاسع كنت أجهل عنه كل شيء.

تجربة الجلوس في الدكة وحدها كانت تجربة عجيبة، وأيضا كيف تم اختياري لتقديم جلسة تحفيزية للشباب، هذا في حد ذاته فخر عظيم، أن أخاطب فريقا فاز بكأس العالم. 

أهم درس اكتسبته من نصر الوهيبي، أن البطولة ليست فقط مبارياتك، هناك التعرف على تقنيات كل الفرق. بعد خروج فريق من البطولة ينتهي عامل (التنافس) ولا يوجد حسد، كل فريق يتعلم من الثاني طرقه، وطاقمه، والأشياء الفنية التي فعلا تعلمتها من مدرب المنتخب. 

بولندا التي أخرجت المنتخب وصلت للنهائي، ومن المحتمل أن تحصل على اللقب، خسارة وليست هزيمة، ولا أحد يجب أن يشعر بالذنب، المباراة كلها تحسم بهدف واحد، لم ينهر الفريق. وفي نهاية المباراة محلل الأداء مباشرة ذهب لمدرب منتخب سوكا السداسي وقال له: أريد أجلس معك، أريد أفهم كيف أغلقتم علينا المجال تمام الإغلاق. ولذلك التجربة مستمرة، أثناء التنافس، والمعرفة بدون تنافس أوسع وأعظم! لذلك لم أشعر بنهاية البطولة هي مستمرة حتى هذه اللحظة الأخيرة.


القائد الثاني: محمد الهاشمي، الذي يعمل في وظيفة عجيبة غريبة في بنك صحار اسمها (نائب مدير عام الالتزام) شيء من هذا القبيل، كلما يشرحها لي أهز رأسي لأني فاهم عشان فكرة إني مثقف وإنسان فاهم ما أخسرها. لكن ما هذا موضوعنا. 

يمثل محمد الهاشمي الفكرة التي كتبت عنها قبل عام وأكثر، أن الرياضة تقوم فقط عندما القطاع الخاص يتوقف عن كونه القطاع القاص. عندما يستثمر في المجتمع، لذلك استثمر بنك نزوى عبر هذا الإنسان وزملاء له "في سلسلة من الأحلام" كما وصف أحد المعلقين في تويتر. من البراعم، براعم بنك نزوى. صنع محمد الهاشمي فريقا قويا، ولعدة سنوات كان ينال الوصيف، فاز في بطولتين لسوكا في عمان، الأولى بطولة الشركات، والثانية هي بطولة عام سوكا. 

هل رأيت الفكرة كيف مهمة؟ الآن بنك نزوى مستحيل يتراجع عن دعم فريق دائم له، لأنه ذاق طعم الكؤوس والبطولة؟ وماذا يحدث، الآن لدينا مؤسسة تصنع فريقا، وفي النهاية تصنع دخلا للاعبين، ومع الوقت، ومع شدة التنافس، تُصنع الوظائف لأن هذا السوق الرياضي يكبر، اليوم الشركات تدفع لفريق، غدا البطولات تنال رعايات، هكذا يكبر السوق الرياضي، ليس بالدعم الحكومي، لأن الدعم الحكومي غير استثماري، فقط يساعد ويدفع بالبدايات، الباقي يجب أن يكون سوقاً، وتنافسا، وعرض، وطلب، ورعايات، ووقتها نقول، رياضات الهواة بخير. لماذا؟ لأن سوكا مصممة كنموذج فعاليات وسوق مصغر في كل ولاية، وملعب قابل للنقل وأتمنى حقا أن يتم شراؤه بشكل دائم لمجموعة شركات متنافسة. الصديق وليد العبيداني دائما يقول (ليش تتمنى لنا منافسين) نعم، من منظور اجتماعي وفائدة اجتماعية، يجب أن يكون لصناع الرياضة منافسين، هي الأسم الأبرز في سوكا، وهي الوكيل الحصري له، لا خوف عليها، لكن لكي يصنع السوق ويستفيد الجميع يجب أن يتصالح المتنافسون، لا أن يتقاتلوا.

محمد الهاشمي قدم لي النموذج الذي كنت أتمنى رؤيته في الشركات العمانية، شغوف يبحث عن النجاح، وأيضا يبحث عن ربح البنك ففي النهاية هذا سوق، وبزنس، ويجب أن يكون مربحا للراعي لكي يكون لاحقا مربحا للاعب، والمنتخب، لعل حلمي في (مهنة اسمها لاعب) وتدخل وزارة العمل رسميا، مع تأمين طبي، وتأمين على المهنة والمخاطر، ربما كل هذا يحدث مع الوقت. سوق الهواة أقل تكلفةً من المنتخبات الكبرى، بمبلغ تنفقه في منتخبات كبرى، سوق الهواة يصنع لك زخما في محافظة كاملة، وبطولات مشتعلة، والإعلام الخاص والتواصل الاجتماعي من اسمه (مجتمعي) من المجتمع وإليه كما يقول وليد العبيداني. جزيل الشكر لمحمد على كثير من الاشياء تعلمتها منه، وبالتوفيق له في رسالة الدكتوراة، جمعنا الهم الدراسي المشترك طوال فترة البطولة والنقاشات التي بها.


القائد الأخير: وليد العبيداني


أصبحنا أصدقاء، وتغير واقع الحال والأمنيات، ومنذ أن أصبحت مستشارا لصناع الرياضة، والأمور تأخذ طابعا مختلفا. القرارات الصعبة التي اتخذها، مشاكل الحجز، وتذاكر السفر، والرحلة الفلكية التي تعبر محيطا كاملا. سلسلة جديدة تضاف لمنحنى تعلم صناع الرياضة، الذي أتعلمه من هذا الإنسان يتجاوز التجربة المهنية بل وحتى إلى التجربة الإنسانية. أستغرب من ذلك الهدوء التام. لا ينفعل، هادئ دائما. إنسان نظيف بمعنى الكلمة، ويمضي في مشروع صناع الرياضة منذ سنوات والحلم الذي لديه يتسع ويتحقق مع الوقت.

كلي ثقة أن سوق الهواة، وصناعة وظائف للاعبين، ولفريق فني، ولتنافس عماني يعيد كاس العالم لمنتخب السلطنة السداسي سيحدث مع الوقت. 

كانت رحلة المكسيك رحلة واسعة وشاسعة، مليئة بالدروس والتجارب، والصداقات التي نشأت بداياتها، وستكمل مسارها، لاحقا. 




للعلم ليس لدي علاقة رعاية مع بنك نزوى، أو أي صفقة إعلانية لهم، وأتعمد أن أذكره ليل نهار عسى أن (أغايظ) باقي الشركات لكي تحذو حذو البنك في رعاية رياضات الهواة. أؤمن برياضات الهواة لأن غرس الفسائل أهم بكثير من زراعة الأزهار التي تذبل سريعا. نعم، هناك من يهتم بغرس الزهور، الفسائل هي التي تبقى، وقد لا نحصدها نحن في جيلنا، ولا ننال فضلها، للآن أتذكر رئيس هيئة الشباب والرياضة لو كنت أتذكر اسمها بشكل صحيح، محمد بن مرهون المعمري، هل تتذكرونه الآن؟ ربما قليل من يفعل، لكن هذا المنتخب الذي أفرز الأمين وعماد الحوسني نشأ من هناك، من ذلك الاستثمار، هُنا يتغير الحال والواقع. 


جزيل الشكر لكل من دعم المنتخب في مشاركته، اليوم فريق بولندا الذي أخرج المنتخب يلعب مع منتخب المكسيك الذي يستضيف البطولة، صراع جبابرة حقيقة ومباراة من الصعب أن تنسى. 


كذلك أوجه جزيل الشكر للصديق معاوية الرواحي على حماسته في تغطية سوكا، وعلى كامرات (الأوزمو) وعلى إيمانه بهذه القضية، ومعه اشكر فريق ميزان الذي تعب مع فارق التوقيت لكتابة التغطيات والنقاش حولها في الهزيع الأخير من الليل. 


نلتقي في مسقط قريبا

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

خارج منطقة الأحلام!

 الخامسة فجراً وكل شيء مختلطٌ في عقلي. طنينٌ ساحقٌ يحاولُ إيجاد الحلول لكل هذه التحديات الجديدة التي أعيشها. آخر مرة كنتُ أعيش فيها هذا الضغط النفسي الشديد كانت في عام 2019م أشد فترات تأزمي أيام المكوث العابر في بريطانيا. كل شيء غير واضح، ومتداخل، ومع ذلك كل ما كان يحدث كان يتحدث باسم الغدِ الغامض وأسئلته.


والحاضر! يتشابه في العملة الناقصة عن الجميع، تلك التي يتساوى فيها البشر ولا زيادة لبشريٍّ فيها على آخر، عملة الوقت التي يجيد الأذكياء فقط فهمَ نقاطها المتراكمة، وتوزيع جرعاتها الشحيحة، وأنا لست من هؤلاء للأسف على الرغم من محاولاتي المجنونة لأكون منهم! واليوم تفشل إحدى هذه المحاولات، ليس فقط في إدارة الوقت وإنما في إدارة القلق والضغط أيضا.

أستيقظ مفزوعاً. كل أسئلة الغد تحاصرني. رحلتي الدراسية تمخر عباب الوقت، والساعات المعتمدة، وشهرٌ كاملٌ يمرُّ من هذا الفصل الدراسي المشحون بالأشياء الجديدة. أين أذهب بنفسي لا أعرف! أحاول التماسك قدر الإمكان، وتوزيع وقتي بطريقة معقولة. أصطدم بجدار وراء جدار، وفي النهاية وقت النوم هو الضحية الاعتيادية، اللعب الخطر بالصحة، وإتلاف شمعة العُمر من أجل نجمة المستقبل.

أحاول بكل قوتي وطاقتي على صناعة حياة ونجاحٍ مُرضٍ لي ولمن أحب في عُمان. لكن الأمر ليس بتلك السهولة، ليس ولديَّ ذلك الماضي المجيد الذي يسحب عنقي بحباله، ليعيدني إلى كل آثاره المستمرة والمزمنة. وعندما أتعب، هذا الماضي هو الذي ينسف طمأنينة نومي لأراه في أحلامي، وكوابيسي. لقد تيقنت في رحلتي السابقة لتدمير الذات أن أجعل كل شيء صعبا، وأن أسد الطريق ببراعة بالغة في وجه المستقبل، وقد نجحت نجاحا بالغاً في ذلك.

أردت ذلك الدمار، وحصلت عليه، وأريد هذا البناء، وأسعى للحصول عليه. وماذا أبني؟ صروحا من الوهم؟ رغبةً في الخلود؟ أو تنظيراً عظيماً للبشرية؟ لا شيء من كل هذا، هي حياة إنسانٍ واحد يودُّ أن يكمل رسالته كربٍّ لأسرة، وكابن لعائلة، وكفردٍ لمجتمع يؤمن به. كائن مرهق للغاية يتحدى وجوده السابق بوجود جديد، ويدعو الله من قلبه أن يحميه من شر الناس أولا ثمَّ من شر نفسه. كل شيء متداخل، مختلط، والماضي يحل على هذه اللحظة بكل قوته!

الصدمة الحقيقية هو انجلاء السياق على حقيقته. رحلة البحث عن المعنى في هذه الحياة، وفعل شيء ما بهذا العمر. كنت أظنُّ أن الصعبَ هو ما كان والسهل هو ما سيأتي. يتضح أنني كنت مخطئا بشدة! كل ذلك الاندفاع رغم ضرائبه كان أسهل بكثير. اليأس أسهل بكثير من حياة يدفعها الأمل، والشتات، والضياع، والهرب من كل شيء ليس هو الاختيار الثقيل. الثقل الحقيقي هو أن تعتنق مسؤوليتك عن نفسك، وعن غيرك وتمضي بذلك. دهشةٌ معرفيةٌ تبقى دائما متناقضة عندما تصل، عشت أحد الأمرين قبل الآخر، ستحاصرك تلك الدهشة لأنك لن تعيشهما معاً مهما حاولت!

الخامسة فجراً، ليس لدي ما أحتفل به اليوم. حتى بهجة الاستيقاظ المبكر هذه لم تعد أكثر من واجبٍ دماغٍي أؤديه بأناقة وإتقان. أحتاج إلى جلسةِ كتابة حقيقية أتأمل وأرتب فيها كل هذا الشتات. أفهم دوافعه، أحدد موقفي منه، وأعرف بعدها فقط كيف أستخرج نفسي من كل هذا الضغط النفسي. كل هذا الشعور الثقيل حلوله صغيرة. فجواتٌ بين الآمال والخطط، وسلوكٌ يغير هنا وهناك. ربما لهذا السبب أيقظني ذهني، ربما لأنَّه سئم من هذه التداخل العنيف بين السياقات، ربما لأنني بحاجة لبعض الكتابة، وللكثير من التأمل، والتفكير، وربما بعض الموسيقى. ربما! وربما! وربما!





الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

فهمت بعد حين!

 

 

#لحظة_إدراك:

 

فهمت أخيرا سرَّ الحالة التي كنت بها لأسبوعٍ كاملٍ منذ أن بدأت الدراسة في السنة الرابعة والأخيرة من رحلة التخصص في علم النفس! هل تعرف ذلك الشعور (إنه شيء غلط) وإنك ما قادر تفهم تغيير ما كبير بك، وضع اختلف؟ مشاعر اختلفت، حالة نفسية اختلفت؟ والآن فقط عرفتُ السبب.

بقيت غاضباً على قراري بالعودة للدراسة لعامين كاملين! شخص يعمل في مجال الإعلانات، ويعيل عائلةً، ويقرر أن يخفف نشاطه الرقمي إلى مستوى كبير ليذهب لدراسة تخصص لا يعلم لاحقا أي مسار مهني سيتخذه بعد تخرجه! ضرورة التخصص من جانب، ولعنة الشهادة من جانب آخر، وعقلتها وتوكلت وبدأت الدراسة.

في العام الرابع، أفهم كيف أن هذا كان أفضل قرار اتخذته. وأن جميع ما حدث لي على صعيد مهنة التسويق، والإعلانات، والتغطيات، وغيرها ليس أكثر من تأجيل لشيء أفضل. أقضي أيامي في المنطقة الآمنة، في قسم علم النفس، مع زملاء علم النفس، وتلك منطقة ناصعة النقاء تختلف تماما عن العالم الخارجي.

لديك مشكلة؟ لا أحد يطلق عليك أحكاما، ليس في قسم علم النفس! وإلا لماذا تدرس هذا التخصص إن كنت تنوي أن تكون تافهاً؟ أول فكرة تخطر في رأس كل زميل: كيف أستطيع المساعدة؟ كيف أستطيع الفهم؟ كيف أساعده على الفهم؟ هذا ما يخطر في بال طالب علم النفس تلقائيا بعد أن يتجاوز المرحلة التي يخرجُ فيها من ثوب الحياة الخارجية إلى عقلية هذا العالم الذي فكرة مساعدة وفهم الآخر تكاد تستحوذ عليه كليا!

من جانبٍ آخر، عدت لأرض الميدان، العملي، والتجاري! وهناك أرضٌ مختلفةٌ تماماً، تختلف عن منطقة النقاء التي أعيشها مع زملائي في الكلية! منطقة تنافسية، تحتاج إلى حدة ذكاء، وانتباه، وحذر، وباختصار أسميها (غابة) الحياة. كل إنسان يسعى، ويبحث عن النجاح، والربح، والحياة، ويحاول تحقيق أحلامه. منطقة المجتمع والأحكام التي يطلقها. وشتان بين المكانين، في قسم علم النفس أنا طالب في الأربعين يكن له زملاؤه الكثير من الود، يساعد الجميع، ولديه خبرة في الحياة والكتابة، واسمه في لوحة الشرف منذ أن دخل هذه الكلية. في الحياة أنا لست ذلك المعاوية؟ أنا معاوية الآخر بكل تاريخه، المعارض السابق، المدمن السابق، صاحب الصولات والجولات، والشخصية الغامضة الغرائبية التي لكل إنسان تفسير لها. أن أبدل موضعي بين العالمين هذا ما صنع لي كل هذه اللخبطة.

خرجت مبكرا من قراري بتأجيل قراري تجاه مساري المهني في علم النفس بسبب التدريب العملي، ويبدو أنه كان سيخرجني في كل الأحوال من هذا القرار. لستة فصول كاملة تركيزي منصب على الفصل نفسه، ويتوقف عند نهاية الفصل، ويبدأ مع الفصل الذي بعده. هذه المرَّة اختلف الحال عليَّ، لديَّ مسار مهني أسلكه، وخبرة أطورها، ومعارف عملية جديدة، وتحدث أين؟ في عالم الحياة بكل ما فيه من صعوبة وتحديات! وأي التحديات التي في وجهي! يا إلهي! ما أصعب أن تكون معاوية في بلاد اسمها عُمان!

 

على أية حال، على الأقل فهمت كيف هذا الوضع المزدوج بين الدراسة والتدريب العملي والعودة للعمل التجاري وما فعله بي. وسأتعامل معه بأفضل صواب سلوكي ممكن، بما يحقق النتائج، ويقربني من الهدف، ويحقق لي جزءا من الآمال التي أضعها تجاه حياتي.

السبت، 30 أغسطس 2025

لحظة جديدة!

 #لحظة_إدراك:


كنت أمشي اليوم على جانبِ شارعٍ من شوارع مسقط! كان يوما عاديا من أيام الوقت! لا شيء مهم، ذهني شاردٌ في التفكير بسنةِ التخرج، وإذا بي أمر بتلك اللحظة العجيبة التي أحدق فيها بدهشة إلى هذه الحياة كما لو كنت شخصاً آخر يسكن في جسدي!
أكمل ستَّ سنواتٍ الآن منذ أن قررت أن أعيش حياةً طبيعيةً. عُمري الحقيقي في هذه الحياة ست سنوات + 18 سنة في طفولةٍ جيدة للغاية في سمائل. سلَّمت سمائل مسقط طالباً متفوقاً، دخل كلية الطب، وعندما أمسكت زمام أمري، لم أكن مطلقا أعرف ما أنا، وما أكون، ولم أعرف لسنوات وسنوات من الأساس ما الذي أريده.

كُل ما أردته في هذه الحياة هو الانكفاء على الكتابة، وظننت أن الحياة يمكنها أن تسمح لي بعيش جنوني بالطول وبالعرض كما أشاء!
الظن الذي ستنسفه الحياة دائما وأبدا في اللحظة التي يخرج فيها الجنون من الإبداع، والفوضى الخالقة للكتابة، والشعر، والمسرح، إلى الفوضى التي أمامك مجتمع شرس يقف ضدها، وقانون، ودولة، وأشخاص.
مفاهيم من الصعب على شاب جامحٍ في العشرين أن يعيها، ولأنَّه أصرَّ أن يتعلمها بالتجربة، عاش حياتَه الغرائبية تلك، بكل أفراحها، ونجاحاتها، وبكل إخفاقاتها، ونكساتها. مع أنني أكتب دائماً ضمن لحظات التجلي هذه، وحالة الإدراك المفاجئة هذه التي تخطر على وجداني، لكنني حقا حتى هذه اللحظة لم أعرف بالضبط دافعا واضحا لكل تلك الفوضى التي اكتنفت حياتي، ولماذا كنت من الأساس مندفعا للإضرار بنفسي بشتى السبل الممكنة.
الذي يعرفني في الواقع يجد إنسانا لطيفا للغاية، خجولا بعض الشيء، لا يخلو من القلق والتردد، ومن النادر أن يقتحم مساحات الآخرين بسوء. غالباً، ما عدا حالات نادرة، عشت ربما حتى عُمر الثامنة والعشرين بهذه الطريقة.
تناقضات غريبة لم أفهمها يوما ما، أحفظ القرآن من جانب، وأصمم برامج لحفظه، وأهيم عشقاً به، لكنني مصر أن ألعب دور الملحد المبتدئ الذي يتمنى الاحتراف في دوري الدرجة الأولى، هل كنت ملحدا؟ لا أظن أنني اقتربت من الأساس من الإلحاد الحقيقي، ولكن؟ طريقة سهلة للغاية لإيذاء نفسك أليس كذلك؟ فلأسلكها! وهكذا فعلت.
عُمان دولة متسامحة بشكل حقيقي، متسامحة مع أشكال كثيرة من الجنون غير الضار، ووجود شخص لا يخلو من غياب واضح للاستقرار العقلي لم يكن ظاهرة غريبة كثيرا في عمان. راهب كتابة، يكتب، يعيش حياة إلكترونية، وعندما تلتقي به في الواقع كان ألطف مما يبدو عليه، وعلى أية حال لطفي كان حقيقيا يوما ما، بعد أن عشت تجربتي لا أستطيع أن أسمي لطفي الآن أكثر من قناع تعايش، واضطرار للحياة لكي لا أتعرض للضرر من أي شخص آخر. عندما تفلت حياتك من يدك، وتصبح مشاعاً، هذا قرارك، وهذا كان قراري، وهذه كانت أخطائي، قررت الوقوع فيها، وقررت إصلاحها. هذه الحقيقة التي أواجه بها نفسي دائما لكي لا أمرض مجددا بشعور الضحية. لم تخل حياتي من الظُلم كأي إنسان، ولكن إن كنت ضحيةً لأي شخص يوما ما، أنا ضحية نفسي، والأضحية التي لم أفهم يوما ما دافعي الجنوني لتحطيمها بكل ضراوة.
أظن أن دافع الانتحار الذي رافقني لسنوات وسنوات كان عاملا عميقا للغاية في قطعي لكل آصرةٍ قد تجعلني أحب الحياة. أظن بشكل كبير للغاية أن ذلك الاكتئاب، والعدمية التي رافقته، والعبثية البوهيمية التي ظننت أنها نمط حياة يمكن أن يستمر قد لعبت أدوارا عميقة في قلبي، وفي الاختيارات الخاطئة التي كان التخلص منها صعبا للغاية، ولا سيما الأشخاص المحوريين الذين علقت مع دائرتهم الاجتماعية السقيمة!

لم أكن أواجه السلطة الدينية، كان يجب أن أواجه سماحته مباشرةً، واكتفى هو بتجاهلي طويلاً بعد أن نُقل إليه حقيقة ما كنت أمرُّ به. أعود للحياة لتناقضي، نزعة إيمانية قوية أتعامل معها كما لو كانت وصمة عارٍ في عقل إنسان يود أن يكون ماديا متجردا تماما من كل ميتافيزقيا الأديان كما كان يحلو لي أن أسميها. لم أكن أواجه السلطة السياسية، كان يجب أن أختار أقوى المؤسسات القادرة على إيذائي حقاً، وبدأ الأمر تدريجيا، ولم أعرف من الأساس دافعاً حقيقيا لي، لماذا كنت أكتب؟ أتحدث عن أرشيف تجاوز عشرة آلاف صفحة! طاقةٌ كنت أرهنها مجانا لمن هبَّ ودبَّ وعذري أمام نفسي: لا أعرف ما الذي أريده! كل ما تمنيته وقتها هو الموت شابّا، وأترك مدونة مليئة بالأسئلة وظننت أن هذا ممكن!

كنت أمرُّ بحالاتٍ من التعقل المؤقت، وأحاول التمسك بحياةٍ اجتماعيةٍ ما، وفي اللحظة التي أختار فيها بين الكتابة وبين الحياة الاجتماعية أعود فوراً إلى نزعتي الهوسية في تحطيم الذات. ونعم، أن تصل إلى حالةٍ من التخلي التام عن الواقع الاجتماعي ستصل إلى أقصى تجلياتٍ يمكنك فيها أن تكتب كل ما يخاف البشر حتى عن التفكير به! ولكن بأي ثمن؟ الثمن هو بقاؤك وحيداً، ترفض كل شيء، ويرفضك كل أحد. حياة بدون تنازلات، هي تنازل عن الحياة، هذه الحقيقة التي خلصت إليها.

لا أعرف كم من الوقت قضيته اليوم وأنا سارح الذهن، أستعيد مئات الأحداث والمواقف والحوارات والنقاشات. وكيف أصبحت حكايتي عامَّةً، وكيف فقدت خيوط وجودي واحدا تلو الآخر. وبعدها بدأت هوايتي في الاصطدام العبثي بالسلطة! طيب لماذا؟ مجددا لا أعرف، ثمَّة أمر غامضٌ لا يمكنني سوى ربطه بإتلاف الذات، لعل هذا يجنبني أن أكمل الحياة الطبيعية، هذه التي يتضح لي أنها أصعب بكثير وأثقل من حياة العبث. حقيقة أخرى من حقائق الحياة تعلمتها، طريق العبث أسهل، ولا يخلو من التنصل من الواجب الثقيل للحياة. لم يكن يوما ما الخيار الأصعب.

وتمضي سنواتٌ، وبدأت محاولاتي للفلات من تلك الدائرة المجنونة، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن دخلت عالم الإدمان، والجنون، وصرت شبحاً. كنت بارعا للغاية في تحطيم فرصي للعودة للحياة الطبيعية، وكنت أيضاً بشكل غامض للغاية أحتفظ بحبل النجاة الأكبر الذي تمثل في علاقة قوية مع عائلتي، التي أيضا لم تسلم من محاولاتي لتحطيم الصلة بها، لكنها لم تكن محاولات بارعة في الهدم كم كنت بارعا في هدم أشياء أخرى.

وبدأت الرحلة، خطوة بخطوة، التخلص من الإدمان، الإشراف العلاجي المكثف، التصالح مع العائلة، ومع الوقت إعلان السلام التام على كل الأصعدة. السياسة، ليست أداة ضغط وإنما حالة رأي، الدين حالة شخصية، الثقافة كتابة، وباقي ما تعلّق من الماضي أتركه كما هو لا أقترب منه ولا يقترب مني.
بالغ كثيرون في إثارة الشك (المعقول جدا) في اعتبار أن حياتي الهادئة هذه لن تستمر أكثر من عدة شهور، والبعض كان يقولها علنا: معاوية موضوع وقت فقط!
تمسكت بحياتي الجديدة، واستشعرت قيمة ما تبقى منها، وبدأت أبني إنسانا جديداً. الشكوك تحيط بي من كل مكان، هل حقا ذلك العاصفة الرقمية سوف يهدأ أخيرا؟
والحق يقال، لم يكن كل هذا ممكنا بسهولة. لولا ذلك العفو الحليم الذي صدر بشأني من جلالة السلطان. عشت عامين من الخوف الشديد وأنا أنتظر ضربةً قاصمةً تنسف عمري في عمان. ومن يلام على قلقه تجاهي؟ أنا نفسي كنت خائفا من نفسي! وخائفا للغاية من غموض ندائي الغامض نحو تدمير الذات.

الذي حقا لم أحسب حسابي له هو حجم الآثار النفسية التي سأخرج منها من تجربتي. السجن الانفرادي لمئة يوم! هذا كانَ في حد ذاته انصهارا للذات، ولا كلمة أخرى تصف تلك الأيام التي حتى هذه اللحظة ليست لدي لغة لأصفها. أيام الهجرة! يا إلهي! كانت صدمة صعبة للغاية عندما اكتشفت أن ميدان الكتابة متاح، متاح لأقصى سقوف الكلام، ولكن هل ذلك كان ميداني؟ أم مكاني الحقيقي ككاتب هُنا في عمان. تفقد الأشياء طعمها! وبدلا من الهجرة، عشت في عمان أكثر، ملتصقا بلوحة مفاتيح، كل يومي في عمان، وأخبار عمان، وأنسى نفسي أحيانا وأكتب وكأنني في عمان.

ست سنوات لم تخل من بعض المنغصات، وأيضا لم تخل من بعض المواقف التي أثبتت لي أنني آمن في بلادي، وأنه حقاً من يعتدي أولاً يُردعُ ردعا حقيقيا، لماذا؟ لأنني ببساطة لا أعتدي على أي كائن بشري، أعيش في حالي، وملتزم بحياة اجتماعية بحتة، لا نظرية سياسية لي الآن لأنني من الأساس لم تكن لدي نظرية سياسية، حالة من الاندفاع المطلق والرغبة لجعل الكلام بلا سقف! تنازلٌ من التنازلات التي أقبل بها لأعيش في عمان. يمكنني أن أعيش بدون الاعتداء على الذات الإلهية، ويمكنني أن أعيش بدون جعل مواضيع حساسة للغاية موضوع (أفّيه) كوميدي، ويمكنني أن أعيش بدون اختيار أقوى أجهزة الدولة لأستفزها، ويمكنني أن أعيش بدون أن أنضم لحزبٍ ما، اجتماعي، أو عام. وهنا لا أعتبرها تنازلات، وإنما قرارات واعية تمسكت بها حتى أصبحت الآن هي حياتي.

لست نادما، ولست محتفيا، ولا أشعر بأي شيء تجاه ذلك الماضي إلا كعجينة لمادة خام تساعدني على الفهم. مضى ما مضى، وتغير حال البوهيمي الذي لا يأخذ أي شيء بجدية بما في ذلك نفسه. قطعت شوطاً جيدا، وأنعم الله عليَّ بالهدوء، ووفيت بالعهد الذي قلته يوما ما للشخص الذي وضع ثقته بي.

لست قنبلةً موقوتة، ولست مشروع فوضى ولست أي شيء أكثر من إنسان أشبه ملايين الناس الذين يعيشون حالهم وحال سبيلهم. لست أكثر من رب أسرةٍ، وأبٍ، وإنسان يسعى لبناء حياته. هذا ما حماني من خصوماتي التي لا يخلو بعضها من الخطورة. وقد سعيت كل السعي للاعتذار وتعويض من ظلمته، فالذي قبل اعتذاري كان بها، والذي لم يقبل اكتفيت بالابتعاد عنه، والذي رفض الأمرين معا وجعل الأمر موضوع أذى لم يجعل الأمر صعبا عليَّ أن أردَّ عدوانه إن كان هو البادئ. لا يوجد شيء يحميك أكثر من ألا تكون من ضرب اللكمة الأولى، ولكن إن بدأ الشجار، ليس بيدي سوى أن أكمله! ومن قال أن الحياة بعد كل تلك المعمعة ستكون سهلة؟ لا أحد يعيش حياة سهلة مهما كان!

وكأنني أتحدث عن هيكل قديم، أو كائن يثير استغرابي. هذا الذي أكتبه الآن هو حقا حياتي! أنا ذلك الإنسان الذي كُنتُه، وفي الوقت نفسه لست أنا! كيف أشرح ذلك لا أعرف!
لكل حكاية نهاية. وانتهت قصة عبثي تصعلك بما يكفي. من أنا الآن؟ طالبٌ على وشك دخول سنة التخرج. إنسان في الأربعين يقاوم مرض السكري، ويحاول تهدئة نسبة الكوليسترول في دمه. أسعى للحياة، وللنجاح، ولكسب الرزق، وأسعى لتأسيس شركة صغيرة في مجال التسويق (أهيس وأقرز) فيها منذ سنين. أعرف أصدقائي، وأعرف أعدائي، ولا أعتدي على أحد. لحظة الإدراك، أن هذه هي حياتي الآن، وأنها بعيدة كل البعد من تكرار الظروف التي قادت إلى آلامٍ بعضها لن أشفى منه لنهاية العمر، أكمل العمر ببقاياي، وأنا راض عن ما تبقى، هذه البقايا تكفي وتزيد لأكمل الباقي من سنين العمر، لأؤدي واجب كرب أسرة، وأفعل ما بوسعي لعائلتي.

وأولا وأخيرا:
جزاك الله كل الخير أيها السلطان هيثم بن طارق.