ربما مع العمر، ربما مع التجربة، ربما مع تغير نموذج التفكير، لم أعد أستفز بشدة عندما أرى إعلاما، أو فرداً يهزم ويلمز في القرار العماني المتمسك بالسلام ونبذ الحروب.
الانزياح التدريجي في النموذج الاقتصادي العماني يقابله انزياح آخر تدريجي في النموذج السياسي، تجلت هذه التغييرات (المايكرو) في المشاهد السياسية الأخيرة، وحدوث تحركات غير مسبوقة وفق المألوف عمانيا.
سيأتي يوم ونصاب بالقلق عندما لا نرى هجمة إعلامية على عمان. الذي لا خصم له هو الذي لا يفعل شيئا مؤثرا. وجود من يختلف معك جزء من بناء وتقوية نسيجك الداخلي، شيء لا يختلف عن التمزقات المايكروسكوبية في أنسجة العضلات، أو التهشم المصغر في أنسجة العظام أثناء تدريب لاعبي الرياضات القتالية.
التعامل بهلع مع أي رأي يختصم مع عمان موضوع وقت قبل أن يعتاد عليه الوعي الجمعي لسبب بسيط للغاية، ما دامت عمان تتحرك اقتصاديا، وتتحرك سياسيا، سوف يختصم معها كثيرون، وسوف يتحرك ضدها الإعلام الموجه، الإعلام نفسه الذي سيقدح اليوم، ثم يمدح غدا.
لا تكون الدول قوة وتأثيراً عندما تبقى غير متفاعلة ومنكفئة على ذاتِها. وبالمناسبة الهجوم الذي يبدو الآن قوياً، حتى هذه اللحظة لم يطرح عمان لا اجتماعيا ولا سياسيا وفق حقائقها، إن كنت إنسانا سهل الاستفزاز فربما عليك ألا تتابع، وهذا ما قلته لنفسي لسنوات عندما كنت سهل الاستفزاز.
اليوم، بعدما حكمت عمر الأربعين على اهتمامي، صرت أنظر للأمر من زاوية أخرى.
سوء الحظ المتتالي واصل منع عمان من انطلاقتها الاقتصادية العالمية. ولو نحسب عدد المرات التي حاولت فيها عمان ولم تنجح سواء لأسباب داخلية، أو لظروف خارجية، أو لنقص الخبرات، أو لعدم اكتمال المشهد، أو لاحتياجات تشريعية جديدة، سنجد أنها كأي مشروع لدولة تحاول بشكل مستميت لتفعيل جميع الفرص التي يمكن تفعيلها في دولة ذات سواحل ممتدة مثل عمان.
لك أن تنظر الآن لخمس سنوات متتالية من العمل الدؤوب، وقائد المنظومة السياسية نفسه كما تقول العبارة الشائعة (بيشتغل اقتصاد) يعمل بنفسه في صناعة ما يمكن من التحالفات الاقتصادية حسب حالة الجذب الحالية للاقتصاد العماني، الحالة التي سوف تتأثر كثيرا بالظروف الأخيرة بعدما أثبتت عمان أنها ليست دولة مقامرات، المستثمر يعي ذلك جيدا، ويعي أيضا ضرورة أن تكمل عمان مشهدها التشريعي الداخلي، والتحدي ليس سهلا، وسوف يأخذ وقتها، ويشهد عثراته، وقد يشهد أيضا خساراته، واضطراره للتفاوض مع المنافسين، وربما الخصوم. الدول تجذب الاستثمار بناء على من يأتي لها، تحسن وضعك الداخلي، تحسنت نوعية الاستثمار القادم إليك، وسوف ينتقل الأمر تدريجيا من المستثمر المتعطش للامتيازات، والتسهيلات، إلى المستثمر الجاهز للمغامرة والمجازفة في محيط اقتصادي يقدم له احتمالات الربح والتوسع.
ما الذي أقوله لوعيي الفردي؟ أنني جاهز تماما لكي تكون هذه قصة عمان اليومية. سيكون مقلقا ألا يكون لك منافس، هذا يدل على أنك صاحب قيمة منخفضة، بالتالي لا يعبأ بك منافس ولا يعبأ بك خصم. وجود الخصم دليل قوَّة، وجود المنافس دليل تأثير وإرهاصات نجاح أكبر.
لهذا السبب لدي وجهة النظر هذه وأدافع عنها بعناد، ما يحدث من هجوم طبيعي للغاية، والتعامل معه بهدوء، وبدون هلع هو أفضل سيناريو تسويقي ممكن لعمان، وهذا ما ينسجم مع لغتها السياسية الهادئة والواضحة والمتزنة المشغولة بإقامة الحجة أكثر مما هي مشغولة بتشويه الخصم أو المنافس ومهرجانات الصراخ والحملات الرقمية الصفراء، وأتحدث هنا عن خبرة وتجربة في الصواب والخطأ، لست هنا لأطلق أحكاما على أحد بقدر ما أريد أن أسرد هذه الزاوية.
حيثما وليت وجهك في عمان سترى بذور وفسائل، وسترى محاولات مع الإصرار لا شك أن عددا منها سوف يحقق اقتحاما ناجحا لمنطقة النجاح الاقتصادي العالمي، متى سيحدث ذلك؟ لا أحد يعلم، هنا تلك اليد الغامضة للاقتصاد المتلاطم عالميا هي التي ستحدد متى ستنجح فرصة تبدأ بتثبيت أقدام النموذج الاقتصادي العماني المحدث.
كل هذا سيأتي معه تغيير فكري، وتغيير اجتماعي، وتغيير إعلامي، وتغيير تشريعي، وكل هذا التغيير لن يحدث إلا بعد أن تبدأ تلك البذور والفسائل العديدة بالتحول إلى واقع حقيقي يخرج من الاستثمار ومغامرته ومخاوفه إلى الربح والنجاح وإدارته وتوسعته.
والمتابع سيرى بسهولة هذا المشهد مجتمعا في تناثره على هيئة أخبار متتالية، تخص القطاع اللوجستي، تخص الشحن البحري، تخص البنية الرقمية، تخص العمران والتخطيط المدني، تخص التغييرات التشريعية في القانون التجاري، تخص تعديلات في السلك القضائي، تخص بيانات الطيران العماني وجهاز الاستثمار، كل هذه الأخبار المتناثرة تجمع مشهدا كلياً يدل على نوايا عمان الاقتصادية، فضلا عن ما يمكن رصده بسهولة من تغيير نماذج التفكير الريعي، والبدء في الدفع دفعا بالابتكار، والتنافسية، وإدارة التنافس، وأيضا اجتذاب الخبرات والمهارات الخاصة، ولنا في تعيين سعادة يعرب في مكتب صاحب السمو نائب رئيس الوزراء خير مثال في ذلك.
هذا هو المشهد العام في عمان، ونعم قد يحلو لأي إنسان مُحبِط، أو يتغذى من الإخفاقات أن يجد ما يحلو له من محاولات لم تنجح، كما قد يجد إنسان مليء بالأمل والطموح ما يكفي من الطمأنينة أن المحاولات مستمرة بصبر وبعناد وبجلد، أما الذي يرفع عقيرته ويقول كل شيء ناجح، كل شيء كاسح فهذا ليس أكثر من إنسان يتحدث بلغة أمانيه التي كلنا نتمنى لو ستصبح واقعا.
إن كان ثمة تسمية لهذه المرحلة التمهيدية في عمان ربما يوما ما ستسمى مرحلة المحاولة الدؤوبة. هذا هو المشهد العام في عمان ضمن سياقها الداخلي.
الآن نأتي لسياقها الخارجي، بناء على السرد أعلاه، هل تتوقع أن يمضي كل هذا سلاما سلاما؟ هل تتوقع أن يرحب بك المنافسون؟ سوف يمد يد العون والتحالف من يريد أن يربح معك، ويكسب معك، ويستفيد من إمكانيات عمان ولا سيما الإمكانيات البحرية التي لم يعد هناك خيار سوى تفعيلها، ويد أخرى ستمتد للتنافس، ولسحب الامتيازات، ولتقديم خيارات أفضل، هذه سنة التنافس، وهناك من يلعبها بعدالة، وهناك من يلعبها بشكل ملتوٍ، وتعدد أشكال التنافس وطرقه بعدد أنفس الخلائق.
لهذا السبب، أدافع بعناد عن وجهة النظر هذه، غياب من ينتقدك ويختصم معك هو المقلق. وجود من ينافس ويختصم سيكون جزءا يوميا وطبيعيا من حياة اقتصادية قادمة لعمان، لهذا السبب، لا يوجد داعي للهلع، أكاد أبالغ وأقول ما يحدث من اهتمام بعمان ولو كان سلبيا هو جزء من التسويق المجاني للمشروع العماني، وجزء من إثبات وصوله للساحة، وما يبدأ اليوم سياسيا غدا يصبح اقتصاديا.
ولكي يفهم البعض ما أريد قوله، لست هنا لأبالغ وأفرش الأرض وردا أمام المشروع العماني الصعب والمليء بالتحديات، إرهاصات ما يحدث تدل على وصول عمان للطاولة الكبيرة، وماذا سيحدث بعد هو رهن ظروف متشابكة ومعقدة، وربما كانت قصة عمان ستكون أسهل بكثير لولا ما فعله ترامب ونتنياهو من تأجيج للمنطقة ولولا ما فعلته إيران من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي العالمي والخليجي، كعادة عمان كل شيء أمامها أصعب، مثل نفطها الأصعب استخراجا، مثل أرضها الصخرية العنيدة، ومثل طبيعتها الحضارية المشحونة بالصبر والدأب والعناد في المحاولة.
وما دامت نماذج كثيرة تتغير، أظن أنه حان الوقت أيضا لتغيير نموذج ردة الفعل تجاه أي اهتمام خارجي بعمان قادم من الخارج، الحساسية العالية هذه ستخف بشكل تلقائي عندما يصبح هذا مشهدا يوميا، ثمة ما يمكن أن يحقق نفعا أكبر لعمان عند التعامل مع هذه الخطابات، وهو تسويق المشروع العماني، وامتيازات هدوئها السياسي، والجواذب التي يحققها ذلك للعالم. ليس حزب السياسة فقط هو الذي يتابع هذا الشد والجذب. هناك حزب الاقتصاد، ومستقرؤو الواقع السياسي ومؤشرات طمأنينته.
لهذا السبب، أظن أنه يمكن الخروج بشيء بنّاء من هذا الطرح الإعلامي الذي يسوق للسلطنة مجانا، وهو إقامة الحجة على الطريقة العمانية وفي الوقت نفسه استثمار هذا الاستحضار لعمان في المحيط الإعلامي لإعادة تأكيد الخطة العمانية الكبيرة التي تطمح أن تكون مصدر جذب عالمي، وقصة نجاح عربية خليجية جديدة.
هناك شيء أهم بكثير من فقط الرد لمجرد الرد، هناك سياق آخر متكامل يمكن لأي شخص أن يكون نافعا فيه بصوته الفرد فقط عندما يستحضر كل هذا في ذهنه، لن ينافسك أحد وأنت دولة كل همومها بناء مستشفى ومكافحة محو الأمية وشن حملات ضد التراخوما، لن ينافسك أحد وأنت في بدايات المدنية الحديثة تلاحق الزمن بمناهج جلبت من قطر، لن ينافسك أحد وأنت في بدايتك، ولكن وأنت تهيئ نفسك للمشهد الاقتصادي الكبير، سوف ينافسك الجميع، وسواء ربحت أو خسرت، ستشهد انتصارات وستشهد هزائم، وستعيد النظر في استراتيجيتك مرارا، هذه هي طبيعة النموذج الاقتصادي الديناميكي، وسوف تكون جزءا من قصة حياتنا في قادم الوقت وعسى أن يمهلني العمر لكي أقول: تذكروا كلامي عام 2026م.
وكلمة اجتماعية أخيرة:
فليشهد كل إنسان مقبل على الخمسين الحياة في غربة حقيقية عن كل المبادئ التي نشأ عليها، والسرعة التي تعود عليها، والزحمة التي كان يتعايش معها، عشرات الدول التي كانت في المرحلة الانتقالية العمانية مرت بالشيء نفسه، أيضا قم بتهيئة نفسك لكي تكون مثل غيرك الذي قيل له: لن تعيش زمانك وزمان غيرك.
القادم هو زمان الجيل الجديد من مواليد (2000) بكل حماستهم، وشغفهم، وديناميكيتهم، وتشربهم للغة العالمية، واستعدادهم للاندماج مع العالم، شئنا أم أبينا، الأجيال تتوارث الرسالة، وعندما يحدث كل هذا، ما يبدو اليوم جديدا و مستغربا على عمان سيصبح غدا جزءا من قصتها الكبيرة.
هل يحتفل أحد الآن بالمستشفيات والمدارس؟ أصبحت جزءا من الواقع اليومي لعمان، الاحتفال اليوم بالمشاريع الكبيرة الجديدة، وأخبار الأرباح وتحقيق الوصول الاقتصادي الخارجي. في هذا المشهد المتكامل من يدعو للأمل والأمنيات العميقة بأن يتم كل هذا بنجاح.
وفي هذا المشهد التكامل أيضا وعد بالكثير من القلق والمغالبة، والمسايسة، والتحرك المرن سياسيا لتمكين الوصول الاقتصادي لعمان للطاولات الاقتصادية العالمية الكبيرة، كل شيء يحدث بشكل متوازٍ. وكما تحمل الأخبار كل يوم البذور والفسائل، عسى أن تحمل الأخبار الأشجار والحدائق والبساتين، في نهاية المطاف الذي يصنع نجاح الدول والاقتصاد هو الفائض، والوفرة، وإعادة وتصويب المسار بشكل مستمر، والأهم: إدراك أن وجود المنافس ليس خطراً، لا يمكنك تقوية نفسك بدون أن تتعايش مع ذلك كجزء من حياتك الطبيعية اليومية.
هذا ظني بما يحدث، وعسى أن يحدث ما هو أجمل من ذلك. في الختام، كل هذا الذي يحدث هو زخم المحاولة المستمرة والتي أسأل الله أن أكون في عمرٍ جيد لأعيش قصة تحققها.
معاوية الرواحي