بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

بقعة سوداء في الذاكرة!

 من أمراض الأجيال، والسجال بين المازوشية، والسادية، ذلك الافتتان المبالغ فيه بفكرة الضرب وكأنها هدف في حد ذاته، وليست وسيلةً تربوية.


يمكنك تقبل الضرب في المدارس عندما كانت عمان تعيش روح القرية، الجميع يتعارف، وذلك المعلم الذي يوجه "لطشات" خفيفة موجعة من حيث ما تسببه من حرج ومن خجل أمام المعلم.

هل نحن نعيش في ذلك الوضع من الألفة؟ أم المعلم الآن قد تغير أيضا، صلته بالناس تغيرت، وايضا لا ننسى، هناك من أصبح يمارس التعليم كوظيفة، الجميع يعرف الإجابة ويعرف أن هذه المهنة بها ما بها من تغييرات، وروح المدن التي جعلت الناس غرباء عن بعضهم البعض جزء من انزياح الثقافة المألوفة التي يدافع عنها البعض كأن معطياتها باقية.

نعم، لو كان الضرب بهذه الطريقة، ضمن سياق متكامل، باقٍ، تحافظ عليه قرية كاملة، ومجتمع كامل يربي، والمعلم يكمل هذا الدور، نعم سنقول أن الدفاع المستميت وذلك الحنين إلى أيام زمان البسيطة، وقلة عدد السكان، ودهشة التطور المفاجئ الذي يصيب المجتمع، والانتقال من الدراسة (بسيارة البيك أب) إلى المدارس الحديثة، كل هذه الانزياحات لا تجعل السياق مثلما هو، وترد على من يرددون (بالعمياني) نداء الماضي كأن معطيات الماضي موجودة.

الضرب ليس هدفا، وأيضا ليس امتيازا لكي يتحسر المعلم العظيم الذي لا يجيد السيطرة على طلابه بفقدانه عصاه، ولا سيما المعلم الذي أيضا نال نصيبه من التعليم لدى الادعاء العام، ذلك الذي كسر فكَّ طالب، وذلك الذي أصاب رأسه عشوائياً، وذلك الذي يصاب بالهياج الشخصي جدا وكأن الفصل مساحة لتفريغ انفعالاته، وعجزه عن التواصل مع الذين يسمون "طلابا" ..

هذا ليس معلم يستحق الدفاع عنه، هذا إنسان لديه مشكلة، ولو ظهرت ملامح العنف عليه مرة ومرتين، فالنظام لديه مشكلة، ووجوده في ساحة الفصل مشكلة، والسكوت الاجتماعي عنه مشكلة. والدفاع عن "الضرب" بحجة أنَّه يصنع القوة والصبر! ثمة ضرب يجعلك تصاب بالحرج، وبانزعاج معقول، وثمة ضرب مهين، ومؤذي، وثمة ضرب باختصار تام يقدم للعملية التعليمية معلما لا يستطيع السيطرة على أعصابه! هذا ليس معلم، هذا خطأ كبير في التوظيف، وخطأ كبير في الإشراف، وخطأ ثقافي واجتماعي كبير، ولذلك الذي يأخذ مثل هذا الإنسان الهائج الذي لا يسيطر على أعصابه للمحاكم ليس فقط يستحق الدفاع عنه، يستحق الشكر لما يرفعه عن الأبرياء من أذى متوقع لو ترك له الحبل على غاربه.

أنا شخصيا، أرى أن الضربَ الذي يمكنني إغماض عيني عنه هو فقط ذلك الضرب تجاه عنف في لحظته وفي آنه، من قبل طالب ويمد يده على شخص آخر، وهنا ضربٌ دفاعي فقط، ضرب يذيق من يستخدم القوة طعم القوة، وبعد عشرات العوامل القانونية والنفسية. يعني فقط في هذه الظروف المعقدة جدا سأسكت وأقول: المعلم وجد طالبا يضرب طالبا آخر، كف يده بالضرب وبعصا لا تترك أثرا دائما، شيء يمكن التغاضي عنه ما دام المعلم "ينقذ" طالبا آخر. هذا أقصى تصالح لي مع فكرة "الضرب في المدارس" كما يردد البعض بحسرة.

ضربنا معلمون لنا، بعضهم يتابعني الآن، وأقبل رأسهم، وأكن لهم الود، لم يكن ضرب إهانة، ولم يكن ضرب إنسان مختل يشعر أنه فوق المساءلة، وفوق القانون، وفوق الكرامة، وفوق الإنسانية، ضربونا بالعصا الخفيف، وأصبنا بلطشة في الكتف، وأحيانا ببعض الضربات المعقولة على راحة اليد، ولا نكن تجاههم حقدا، ولا غضبا.

هناك معلمٌ واحد فقط في ذاكرتي، أسأل الله أن يكون قد انتقمَ منه شر انتقام وأن يكون عاش حياته في كمدٍ وضيق.

ليس معلما، هو خطأ وجودي، وفجوة في نظام العدالة في الحياة. ليس معلما بل إنسان مختل بمعنى الكلمة. يصل للفصل، ثم يطلب من الجميع دفاتر المادة التي يدرسها! وبعملية دراماتيكية وكأن تعلمها من روايات ستفين كنج، يأخذ الطلاب الثلاثة أو الأربعة الذين جلبوا دفاترهم، ويطلب منهم الجلوس في الطاولات الأمامية كمتفرجين لنهجه التربوي العظيم، ثم يبدأ ذلك المختل فصله الدراسي. أربعون دقيقة من الدرس، يصف الطلاب طابورا، ثم يبدأ بالضرب عشرين ضربة لكل طالب. حصة كاملة تذهب، فلا الذي جلب دفتره درس، ولا الذي لم يجلب دفتره درس.

ضرب يجعل اليد يتورم ليومين، ولا يكتفي بذلك، لو أزال طالب يده وفاتت الضربة، يعيد العد من البداية، سلوك لا يوصف سوى بالتعذيب المتعمد!

كنت في تلك الأيام للتو قد نزعت جبيرةً لكسر يد أصبت به، وكان ذلك الخسيس يضرب، وأقول له "اضرب اليد اليسرى" ويصر هو على "العدالة" وبتلك الضحكة القميئة القذرة يقول "ما يستوي، اليد اليمين تزعل" وأقول له "يدي مكسورة، نزعت الجبيرة قريبا اضرب اليسار" وهو لا يعبأ، وردة الفعل العصبية جعلتني مرارا أسحب يدي، لأن اليد مكسورة، وليس لأن الضربة فوق طاقتي. وهو يبتسم ويعيد العد من الصفر وكانه "يشجعني على النجاح في المهمة" ويتحدث بلطفٍ أقسم بالله لا أذكر قماءة في ذاكرتي تفوق تلك الكلمات التشجيعيةالتي يثبتني بها فقط لكي أكمل "ما كتبه الله عليه" من رسالةٍ يكمل بها العشرين ضربة! فقط تخيل، إنسانا يكلمك بلطف كأنه "مجبر على ما يفعل" ويشد من أزرك لكي تتحمل، وكأنه يقول لك "هانت هانت" أتمنى لك التوفيق، أتمنى ألا تسحب يدك مجددا لأنني حقا أشفقت عليك، تحمل ضرباتي. يا إلهي!!! أي ذاكرة قذرة يشكلها هذا الإنسان في ذكرياتي!

يا إلهي على مستويات التلاعب التي كان يمارسها، تخيل أن تكون طفلا وتعيش هذا المشهد! تقول لي هذا معلم يرثي له أحد لو نسفه ولي أمر حقيقي وذهب به للسجن!!! لعنه الله ليوم يبعثون!

إن كنت لا تستطيع أن تمسك غضبك فلا تكمل حياتك كمعلم، هذه المهنة لمن لديه من الحلم وثبات الأعصاب ما يكفي لكي يحافظ على إنسانيته. ويدفع الطيبون الثمن، أما المختلون الخارجون عن السيطرة، فيفسدون سمعة مهنة شريفة مقدسة فقط لأن مجموعةً من هواة المازوشية الثقافية يدافعون عن سلوك الضرب كأنه حقا يصنع إنساناً.



مدرس خائن للأمانة، خائن للرسالة، يتجرع المال الحرام بالحصة التي أتلفها في ممارسة سلوكه السادي المختل. فلا هو درّس حصةً، ولا ترك رسالة، وترك ما تركه من آثار في طلاب عمرهم (11) سنة. هل هذا مدرس يشعر إنسان بالأسى عليه؟ هل هذا مدرس أم ببساطة هو مختلٌ يندس في العملية التربوية لكي يشعر أنه فوق القانون والمساءلة، يتستر بأستار الثقافة الاجتماعية التي ترى الضرب "تأديبا" وليس حقا وامتيازا يمارس بلا سبب.

المشكلة في من؟ ستقول لي الصف نفسه؟ نعم، هناك من ذوي الأخلاق السيئة من يجعلون كل مدرس في الحياة يشيب شعره، ولكن هو الفصل نفسه به الطلاب نفسهم، مع هذا المدرس يحترمونه، وينصتون له، ولا يجرؤ أحد منهم على الفوضى أو التقليل من الاحترام.

درست في فصول مثل هذه، بعضها أخذ للشرطة عدة مرات بسبب التخريب، كردة فعل على مدرس كان يهينهم بالكلام، وكان يتفوه عليهم بكلمات سامة وانتقاصية. ولا أنسى ذلك المدرس السخيف الجاهل الذي ينفق الوقت في الحديث عن سيارته، وكيف أن الإنسان الذي لديه حلم يجب أن "يحاول أن يفعل مثله" فهو إنسان ناجح!!! لولا ظروف النقص العددي الشديد لما كان مثل هذا الضحل معلما! يشرح لطالب لماذا "أبوه فاشل لأنه لم يدرس" ويعود للاختيال عن سيارته التي كان يحلم بها! عندما أستعيد ذاكرة (القلة) من هذه النماذج أصاب حقا بالدهشة أن هذا فعلا حدث، وعاشه كثيرون، وبعضهم الآن يدافع عنه كأنه طبيعي!!! الصف نفسه الذي يذهب للشرطة بسبب جنوحه، هو الصف نفسه الذي ينضبط احتراما لمعلم يعرف معنى أن يكون معلما!

99% من المعلمين الصادقين، الحقيقيين، ويأتي هؤلاء الأقل من (1% ) لكي يفسدوا احترام المعلم، ويصنعون كل هذا القبح وأحيانا العنف الذي بلا عذر وبلا داعٍ. إن كانت معاقبة هؤلاء القلة واجبا، فلن يكون ذلك فقط من أجل الطلاب أولا، وإنما من أجل المعلم الصامد، المتعب، الذي يدفع من جيبه من أجل رسالته، الذي يتحمل الحصص الثقيلة، المعلم الذي يستنزف نفسه مع مختلف الأجيال، وتفاوت أخلاقهم، ومع مختلف الطلاب، وتفاوت فرصهم وتربيتهم في المنازل، إن كان يجب أن يوقف معلم مختل دخل العملية التربوية بخطأ وجودي، أو بخطأ في النظام، أو بتواطئ وصمت عنه، فيجب أن يوقف أولا من أجل حماية المعلم الحقيقي، ذلك الذي يعيش رسالته ويرى مثل هذه النماذج شبه البشرية تكسر فك هذا الطالب، وتكسر يد ذلك الطالب، وتمارس القبح والسمية والعنف والوقاحة وعقد النقص على طلاب أبرياء.

والحمد لله الذي جعل تلك المرحلة تمضي، وهؤلاء الذين كانوا في العشرين من العمر، قضوا ثلاثين سنة في التعليم، وتقاعد بعضهم عظماء في الذاكرة. لم يصبحوا مختلين، ولم يفقدوا أعصابهم، ولم يجعلوا العنف وسيلة تربوية!

التعليم رسالة مقدسة نعم، المعلم ليس مقدسا، ولا فوق المساءلة، ولا فوق القانون، له قانون يحميه عندما يخطئ أحد في حقه، وعليه قانون يسائله إذا قرر أن يجعل غضبه حقا من حقوقه، والتستر عنه بحكم هذا الدفاع الثقافي ليس أكثر من وسيلة صناعة للعنف. لن تؤمن بالعنف وأنت مخطئ، والمعلم الذي يضربك أثبت مرارا أنه يريد مصلحتك، ونصحك مرارا، وضربك "لطشة خفيفة" تحرجك أكثر مما توجعك لأيام. هذا معلم لن تحقد عليه.

المعلم الذي تحقد عليه، هو ذلك الناقص للقيمة الداخلية، والتربوية، الفاشل في السيطرة على فصل معلم غيره يسيطر عليه بالكلمة الطيبة. هنا السؤال، لماذا المعلم سين لا يمسك عصا في يده، ويحترمه أسوأ الطلاب، ويخجلون من ممارسة سفالتهم عليه، والمعلم صاد يدخل الفصل وكأنه ضبع خائف! ليس لديه سوى لغة العنف والضرب لكي يكون "شبه بني آدم محترم" هل هذا معلم يدافع عنه أحد؟


درسنا أستاذة عظماء، لا يخرجون من الذاكرة، منهم من ضربنا، ومنهم من لم يضربنا، نسامحهم ليوم يبعثون. ودرسنا أيضا ذلك الأستاذ المختل، الذي لحسن الحظ واجه مديرا يقظا ونفاه من ذاكرتنا وحياتنا، نفاه كما آمل كل من عرفه في هذه الحياة. أسأل الله أن يكون قد عاش حياةً مؤلمة تعيسة، ولا أعرف أين مصيره الآن! الذي أعرفه، هو أنني لا أسامحه حتى يرث الله الأرض ومن وما عليها.

ويكفي!