بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 17 مايو 2026

ألا تطلب اعتراف أحد!

 

 

أن تكون كاتبا لا يطلبُ اعترافَ أحد! ويحترقُ السؤال في علاقاتِه المتشابكة مع الواقع. وهذا الذي أفعله الآن في لغتي المقالية بكل التراكيب المألوفة في لغة المقال بشكل عام. لغة المقال العماني على الأقل؟ ما الذي غير كل ذلك؟ ما الذي جعلني أكتب بهذه الطريقة؟ وما الذي يجعلني بهذه الرسمية وكأنني أكتب لكتابٍ لاحقاً، لجمهورٍ عربي. كل الذي تغيرَ هو موقع الكتابة. تغيير جذري حقيقي لا أعرف لماذا له ألف سبب. كنت أكتب في محرر النصوص المرتجل في منصة (X) هذه التي كانت تسمى يوما ما تويتر. هذه التي كانت منبرا للحرية، وللدهشة، والتي غيرت معادلات كثيرة، أجملها قدرة الفرد على أن يوصل صوته، وأن يكتشف أن صوتَه مدهش ويستحق القراءة، والثانية عندما وصمت القراء بتسمية (المتابعين) القميئة للغاية.

 

لا أتخيل أن أصف قارئا لي بكلمة (متابع). طبَّع الناطقون دلالات هذه الكلمة، وأصبحت شأنا آخر مشوهاً من شؤون أيام الكتابة. (متابع!) تبدو صفةً لإنسان يراقبك. ليست صفةً لإنسان يقتسم معك العملة الأهم في حياته. عملة الوقت! وتأتي هذه المنصات العنيدة في إعطاء ما تكتبُ وقتا زمنيا مقيدا. مشغولةٌ هذه المنصات بتغيير المواضيع، بجذب انتباهك، تدمج بين الشخصي، والنفسي، والإعلامي، والمتع، والكراهية، والحب، والصدامات في صفحةٍ واحدة مشتتة مبعثرة تجعلك أيضا أنت ككاتب تُطبِّعُ مع الشتات. شتَّان بين ما أكتبه هذا في صفحة (الوورد) البيضاء، وما أكتبه ارتجالا في محرر النصوص في تويتر. شيء ما يجعلني عندما أكتبُ هنا أكثر تنظيما، وأعطي اللغة حقَّها، وأتجنب العاميَّة كل التجنب. السبب هو السياق، وليس المكان! وهذا هو الفرق الجوهري بين الكتابة في مدونة تتعامل مع قارئ، والكتابة في حساب في تويتر يتعامل مع مئات من القراء، وآلاف من المتابعين.

 

الفروق بين القارئ والمتابع هائلة. كالفرق بين الكاتب والمغرد. لذلك قامت الضرورات باشتقاق كلمة (كاتب محتوى) للهروب من هذا الخلط. محاولةٌ أنيقة للغاية الواحدة، وللغايتين. الجمع بين الكتابة والمنصات الرقمية ذات المعايير المرنة جدا. لاحق نجاح هذه المنصات، وهيمنتها الصناعية على المنابر الكاتب في فترة نشأته وتكوينه. مهما كان المرء كلاسيكيا وعنيداً، سيبقى انعزاله عن هذه المنصات موقف ضغط على الذات، وعلى الواقع، لكي ينجحَ بدونها. وكيف يُعرف نجاحه؟ ووصوله؟ ستعرف أيضا بشكل ما أو بآخر عبر هذه المنصات. العالم رقمي، يمكنك أن تنعزل عنه، جزء من اعترافه بك، وجزء من تحقق هدف وصولك، ووصول ما تكتبه إلى عقول البشر سيكون رقميا، لا فكاك من هذه المعضلة حتى لو كنت تعيش في كهف وترسل ما تكتبه بالحمام الزاجل، ستصلك قراءة نقدية مكتوبة في موقع إلكتروني، وستصلك مجموعة من التغريدات التي أعجبت بكتابك. حاول إن استطعت أن تنعزل حقا عن ما يفرضه العالم عليك! حظا موفقا.

 

 

أؤمن أن فرصة الكتابة هي حقٌ من حقوق جميع البشر. لا أعرفُ في أيِّ عمر فقدت الاهتمام بنيل الاعتراف من أحد. بدأ كل ذلك مع بدايتي في التدوين، انعزالي التام عن كل شيء، لا شيء لدي سوى مكتبتي، واشتراك الإنترنت اليومي بريال واحد، واليوتيوب الجديد وقتذاك. وأنفقت آلاف الساعات أمام لوحة المفاتيح.

كل شيء بدأ عندما حدثت تلك المعجزة التي صرت أسميها (القارئ الأوَّل). ذلك الغريبُ كليا، الذي لا حياة تربطك به، لا شيء أوصلك له سوى ما تكتبه من كلمات وتلقيه في الكون الشاسع لكي يتفاعل بطريقته مع العقول. ما الذي أوصل القارئ الأوَّل لي؟ كانت تلك المساحة التفاعلية الجديدة التي بدأ الوضع الرقمي العام بالسماح بها. أن يكتب تعليقاً، وأن يصلك ذلك في اللحظة ذاتها. لم تكن القصة جميلة، والاقتراب من كاتبٍ تحب كلماته شيء لا أنصح به دائما. لا أحد ينفق وقت الحياة الثمين ليكتب ما لا يحترمه، ولا قارئ ينفق من وقت الحياة الثمين ليقرأ ما لا يحب. من هناك تغيرت وجهة نظري، عن الرخصة الكتابية التي تسعى لنيلها من النخب. انزاحَت المعايير القاسية التي كنت ألزم نفسي بها إلى معايير أقل كونية، أقرب للواقع، أقرب للناس، ومع الوقت صارت مرتهنة بالمجتمع الذي أعيش فيه فقط. ليست لدي خطط حقاً لأكون كاتبا خالدا عابرا للأجيال! أحترم الذين يحاولون ذلك، والذين ينحتون في الصخر لإثراء التجربة الإنسانية، ما تفعله الكتابة في حياتي أنها تؤدي وظائف عديدة لم يعد بإمكاني التخلي عنها. أبسطها أن الكتابة وسيلتي في التفكير، والتخيل، والتأمل، والسرد، والتذكر، وإعادة تكوين المعتقدات، وتحويل الأفكار والمعاني الغامضة إلى كلمات، ودوري الاجتماعي كناشطٍ في شؤون عُمان لم يتوقف لعشرين سنة عن الاهتمام بما يحدث فيها. تغير كل شيء عندما آمن أن الكتابة من حق الجميع، ومن حقي أن أكتب كيف أشاء! ولا أعرف متى نجوت من سلطة كبار الساحة الذين كانوا يحبون أيضا فرض هيمنتهم على المجتمع الثقافي قليل العدد آنذاك.

 

لهذا السبب لا اسعى لنيل اعتراف أحد. عرفت علاقتي بالكتابة، وكيف ستكون، ووظيفتها الدقيقة في صحتي، وعلاقتي بالعالم، وتأثيري في المجتمع، وإيصالي لرسائلي. وعرفت ما الذي أريده ولا أريده من العلاقة مع المجتمع الثقافي الذي أؤمن بأهميته، وأؤمن أيضاً بأهمية أن يبقى حرا طليقاً من سلطة الهرمية القسرية التي فتتت الوسائط الرقمية أدواتها. ماذا إن رفض مدير تحرير مجلة مقالك؟ من الأساس هو الذي أصبح يتوسل الكتاب حتى من هبَّ منهم ودبّ لكي يصل إلى رضا خوارزميات محركات البحث.

 

لي حكايةٌ طويلةٌ مع قرائي عبر السنين. حكاية أريد أن أكتبها على مهل، ولهذا السبب، ولأن الوقت المتاح للكتابة الذي تسمح به حياتي قد انتهى، سأكمل في المرة القادمة أجزاءً صغيرة متناثرة عن دور القارئ في حياتي. هل صدقت الجملة المكابرة التي في العنوان؟ حيل الكتاب الشهيرة في جذب انتباهك، الحقيقة أنني أريد اعتراف أحد، القارئ، وقارئ واحد يكفيني لكي أعرّف نفسي ككاتب، وقد تحقق ذلك منذ زمن بعيد. معيار يتعامل مع الكتابة بمفهوم الحق البشري العام، لا بسلطة المعيار التي ما أن يمسك بعنقها أحد، أطلقها على الكون سامَّا يبحث عن شخص آخر يشعره بالسوء لأنه ليس سارتر زمانه. هؤلاء! تحترم عقوله المنتجة، وتمقت سلوكهم الغارق في الرغبة في التسلط، تسلط الضعيف الذي يحاول أن يكون منطقيا، الذي أقصى تبرير لديه لما يفعله هي رغبته في تنظيف الواقع من الدخلاء، وكأن الواقع لا يفعل ذلك بنفسه، عبر من؟ عبر القارئ دائما! هو الذي يحدد بقاءك، ويحدد فناءك، مهما حاول كبار الكار، ومؤسساته تكريس أحد، سيبقى كل ذلك لكي يعترف القارئ بإنسان يكتب، اعتراف لا يُنال بسهولة، ولا يناله أي أحد!



مايو 2026