بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 يوليو 2026

ميسي! ذلك العادي غير العادي!



اليوم هو تاريخ 12/7/2026م التاريخ الذي حبس فيه مشجعو الأرجنتين أنفاسهم في مباراةٍ قاسيةٍ نفسياً على أي مشجع، بدأت رتيبة، مملةً، تبدو وكأنها ستحسم بتضييع الوقت، وبالهجمات الباردة، وبكل ما يخيف من تأكيد شكوك المؤامرات، وبكل ما يحاول العالم تبرئة ميسي منه، أنه ضمنَ شيء مشكوك في أمره، مع إجماع الجميع أن ميسي ليس لاعبا خارج الملعب، حتى وإن حاول أحدهم إشراكه في ألاعيب ومؤامرات يحلو لنا أن نضع افتراضات صوابِها، بينما أيضا يجب علينا أن نحافظ على سلامة عقولنا من انطباق السرديات على الواقع، السردية مجرد سردية، مقنعة، قابلة للانطباق على الواقع، لكن هل هي حقيقية؟ قطعا لا!


أعترف لك عزيزي القارئ، كنت أتابع المباراة بأعصاب هادئة تماماً، هذا يشجع سويسرا، وهذا يشجع الأرجنتين من أجل ميسي، وهذا يشجع ميسي من أجل الأرجنتين. وأنا كنت هناك، مع صديقي الذي يشجع ميسي والأرجنتين في وقت واحد، بأعصاب محروقة، ومشدودة. كنتُ أشجع كرة القدم فقط، جمالها، تبرئتها من الشبهات، كنت أشجع هذا الأسطورة الذي يجمع الخصم والصديق أنه لا يتكرر. كانت مباراةً تمنيت لو كان حسمها ميسي، كنت أنتظر شيئا ما يوقظ ذلك الشعور القديم باحترامي لهذا الأسطورة.


شيء يلفت الانتباه ذلك الإيمان الهائل من فريق ميسي به. الكنز الحقيقي أن تكون عاديا، أن تكون ميسي. ليس لاعب تصريحات نارية، ولا لاعبا ذاتيا يجعل كل شيء يدور حوله، هذا هو الفارق الهائل بينه وبين الذي كان يقارن به يوما ما، الدون الذي أعلنت الحياة نهايته بعد أن تسمم بما يكفي، بعد أن اعتمد على اللعب خارج الملعب، في الإعلام، وفي التصريحات. الكرة الأخيرة، ورغم الفوز، ورغم حلاوة أن يسجل هدفا في كأس العالم، كان يبحث عن من؟ كان يبحث عن نجمه الذي يؤمن به إيمانا غير قابل للشك.

هذه الميزة الهائلة في ميسي، العادي بشكل غير عادي. يبدو مثل الجميع في العالم، هادئا، بسيطا، لا يخلو من غرابة أطوار، لكنه قطعا يخلو من تلك الذاتية المستفزة التي كانت تتعاظم وتتعاظم مع كريستيانو رونالدو كلما اقتربت منه أيام الهلع الكبير، نزول مستواه، أخطائه، عدم تمركز العالم حوله، عدم اعتباره مركز الحسم والحلول. لست ضليعا في كرة القدم لأحكم بكل ما قلته أعلاه، أعتمد على هؤلاء الذين أظن بهم الخبرة. 


لا أشجع الأرجنتين بما يكفي لكي أطير فرحا بهذا الفوز، ولا أشجعها بما يكفي لتحترق أعصابي حيال مباراة مثل هذه، الذي أشجعه هو كرة القدم الجميلة، ومباراة الأرجنتين وسويسرا، كانت مثالا على كرة القدم الجميلة، التحكيم الذي أعطى طردا في محله، هكذا يبدو، هكذا يبدو عادلا وحقيقيا، والتعادل الذي أحرق أعصاب مشجعي الأرجنتين، ومشجعي ذلك العادي غير العادي، ميسي الذي جعل هذا الكأس يدور حوله، وجعل النقاش يدور حول فرضيتين، هل يفوز به ميسي؟ أم لا يفوز به ميسي؟ ماذا عن بطل العالم الآخر؟ هو أيضا مجرد جزء من السردية الكبيرة، سردية العادي غير العادي، سردية ميسي، الذي تدور حوله هالة بحجم التاريخ، هالة تنسحب عليه في كل كرة، حتى مع فريقه، حتى مع لاعب فريقه الذي في انفراده في اللحظات الأخيرة كان يبحث عن أسطورته، عن بطل فريقه، كان يبحث عن الحسم الاعتيادي مع أن الحسم ملتصق بقدميه. لا عجب أن يعشق الناس كرة القدم، لا عجب أن يحبوا هذا المهرجان العاصف من اللعب، والتصريحات، والتكهنات، وكل شيء يمكن أن يرتبط بشيء اسمه (كأس العالم).


شيء يستحق الانتباه والمقارنات، بين الذي يسميه محبوه بالدون، والذين يسموه محبوه (ميسي)، يفتح لك آفاقا للتأمل عن العلاقات البشرية، وقوتها، وتعاظم التضحية فيها، والتعلق، والارتباط، بل وحتى اشتعال العقل الفارق في اللحظات الفارقة، إن كنت أنا الذي لا يشجع ميسي أنتظر لمسةً منه، أنتظر شيئا ما، نجاح تمريرة، مرور واختراق للدفاع وتسديدة، كنت أنتظر شيئا ينفي عنه كل ما قيل في مباراة مصر ذات النهائية المؤلمة، والمليئة بالشكوك. 

حتى في هذا المباراة، كان ميسي عاديا أيضا، عادياً كأسطورة يريد أن يبقى عاديا، كان لاعب فريق، يحاول، يساعد، يفعل كل ما بوسعه لكي يفوز الفريق، وهنا الثبات الانفعالي، وصدق الانتماء إلى رقعة الملعب. كل إنسان لديه تصوره، ووصفه لميسي، الذي أستطيع أقوله، أنه العادي غير العادي، ولا أحد يعلمُ ما الذي سيحدث في المباراة القادمة، وهل سنرى دموعه، أم سنراه يرفع كأس العالم. متأكد أن المشجع الأرجنتيني كان يحتاج لهذا الفوز، لذلك الشعور أنها مباراة حقيقية، حتى ولو كانت التكهنات السابقة حول (ما يدور وراء الأكمة) مجرد أوهام، الذي يؤكدها كالذي ينفيها كلهم لديهم حدس لا أكثر، الحقيقة هي ما يظهر في الإعادات. مباراة تفتح تأملات كثيرة، عن البشر، وعلاقاتهم، وعن الناس، وعن سحر الأبطال، وعن سبب نشوء الأساطير، وعن العادي جدا الذي اسمه ميسي، الذي جعل كل شيء في كأس العالم غير عادي بعدما أحرزه للمرة الأولى، والآن، ثمة شيء في القلوب يقول: "يستحق ختامه المجيد" عزيزي القارئ، قد أكون مخطئا في كل كلامي، قد أكون مصيبا في بعضه، أكتب هذا المقال بعد نهاية المباراة فورا لذلك تذكر، هذا الفيض من الحماسة، سببه كأس العالم، وجنونه، وكل مفارقة فيه تجعلك تشعر أن مباراةً مثل هذه، بين الأرجنتين وسويسرا يوما ما ستتذكر متابعتك لها على الهواء مباشرة، وما الذي نريده من كرة القدم أكثر من ذلك؟ 





الاثنين، 4 أغسطس 2025

رجل يساري مؤقتا!


ما هو أسوأ شيء يمكن أن يصاب به كاتب؟ ألا يستطيع الكتابة. هذه كوابيس الكتاب الذين ألفوا الكتابة، والتفكير بالكتابة، والتذكر بالكتابة، والسرد بالكاتبة، ونسج عواطفهم في القصائد، وكتابة أفكارهم وتأملاتهم في المقالات. الكتابة قبل كل شيء تحدث في الذهن، أما الأدوات فهي كثيرة جدا. 

أن تكتب بشيفرة مورس، أو تنقر على الجدران فتعطي قبضة اليد قيمة (10) ونقرة الإصبع قيمة (1) وتملي الجمل عبر حائط، أو تكتب حتى بدخان الهنود الحمر، أو شيفرة مورس، أنت تكتب عندما تكتب، بيد أو بدون يد، حتى بلغة الإشارة.


أعادني مقال سليمان المعمري الحياة بيد واحدة إلى ذكرياتٍ أخذت حياتي إلى مسارٍ مختلفٍ تماما. هيثم البوسعيدي يسدد كرةً إلى مرمى فريق المازن السداسي، تتلقاها يدي منثنية، ويحدث ذلك الكسر الفارق الذي جعلني أعيش هذه التجربة وأنا طالب في الإعدادية، يبدو حدثا عادياً، لكنه لم يكن كذلك. ترك هذا الكسر آثاره العصبية على يدي، ومن يومها وأنا أعاني في الكتابة بالقلم، وخطي السيء من الأساس تلقى ضربةً موجعةً للغاية. بالكاد أكمل ساعة ونصف الساعة قبل أن أصاب بآلامٍ مزعجة تجعل الخط سيئا أكثر وأكثر.


مرَّ عامان لأبدأ بعدها حُلمي الطفولي أن أصبح كاتبا. وضعت خطةً أنني لن أبلغ الثلاثين من العُمر إلا ويكون لي كتاب، ذلك الشبح في ذاكرتي لكاتبٍ عُماني كان يوقّع كتابه في معرض الكتاب بقي يلاحقني طوال سنوات النشأة. يجب أن أكون كاتباً يوما ما. اضطررت لكتابة الشعر فقط لهذا السبب السخيف. لأنني وجدت عناءً هائلا في كتابة السرد. كنت أكتب، وأكتب، وأكتب، وكان الوقت يمضي لأكتشف بعد عدة ساعات أنني كتبت ثلاث صفحات فقط.

حاولت أن أكتب بعض القصص مستخدما جهاز تسجيل، ولكن من هذا الذي يفرّغ ما كتبته (بصوتي) وبقي هذا الحلم مستحيلا. جاء عام 2002، ودخلت جامعة السلطان قابوس، واستطعت عبر بطاقة الائتمان التي كان يمنحها بنك مسقط بصفة مؤقتة لطلاب الجامعة شراء أول حاسب آلي لي، سميته (أفلاطون) وقضى معي سنوات وسنوات هو وشاشته الضخمة. 


عرفت عن شيء اسمه (برامج الطباعة السريعة) بالصدفة، أخذت نسخة مقرصنة من البرنامج، وقضيت الليالي الطوال وأنا أحاول تحقيق ذلك الحلم، سرعة الكتابة، ذلك العطش القديم الذي جعلني أعيش ألما هائلا وأنا أحلم بكتابة السرد القصصي، والرواية، والعائق الكبير تلك اليد البطيئة للغاية، والآلام التي أدفع ثمنها الآن وأنا أدرس في الجامعة. 


كسر اليد، قادني إلى هذه المهارة المحورية التي صنعت في حياتي الكثير، ومع نصحي الدائم لكل من يعشق الكتابة أن يمنح ربع ساعة في اليوم لهذه المهارة إلا أن داوود الذي كان يقرأ زبوره كان أكثر حظا مني في إقناع أحد ما أن يسلك هذا الطريق. ما توفره من وقت، ومن عمر، ومن قدرات لاحقا تتحول مع الوقت إلى فن من الفنون القديمة يمكن التدريب عليه، الكتابة داخل الرأس. 


من الصعب شرح هذه الفكرة لمن هو من الأساس راض للغاية بأداته الكتابة، الورقة والقلم والمبالغة في مديحهما لا يختلف عن تقديس عشاق القهوة لطقوسهم. لا مفاضلة بين لوحة مفاتيح وقلم إلا ربما لكاتب لا يخلو من بعض التسلط في اعتبار طقوسه واجبا على الجميع. أن تكون لوحة المفاتيح في رأسك يشبه تماما برامج الرياضيات للأطفال الذين يؤطرون على أنهم (موهوبون) والحقيقة لا علاقة لها بالموهبة، هم مُدربون بشكل جيد. الآلة الحاسبة الخرزية الصينية، تلتقص بالرأس لاحقا وتصبح أداة حساب، ومن باب العادة يستخدمون أصابعهم لملاحقة التذكر المادي ويحققون ذلك الذي يبدو مبهراً، وموهبةً بينما هو في الحقيقة عملية تدريب واستمرارية.


من كسر اليد هذا أخذت حياتي بأكملها مسارا مختلفا. تساءل الجميع يوما ما عن سر السرعة الهائلة التي كنت في عمري الشاب أمتلكها، تدوينات بعشرات الصفحات عدة مرات في اليوم، كم يقضي هذا الإنسان في كتابة ما يكتبه؟ الحقيقة، مجددا، ليست موهبة، وليست عبقرية، وليست ذكاء، إنها مهارة تشبه مهارات كثيرة في الحياة، لا تختلف عن تنس الطاولة، ولا تختلف عن أي شيء آخر نقضي فيه ما يكفي من الوقت لكي نتقنه ويصبح جزءا من حياتنا.


بكسر في اليد دخلت عالم الكتابة السريعة مضطرا. والذي يريد دخول هذا العالم عليه التعامل باحترام مع لوحة المفاتيح، الطباعة العوجاء، وعدم استخدام زر (Shift) الذي أترجمه بزر (الطبقة الثانية) هو الذي جعل عالما كاملا بطيئا للغاية. مشاهدة الكلمات وهي تتكون أمام عينيك هو الهدف المرجو، وكذلك إيقاف دائرة المقاطعات التي يحتاج لها من ينظر للوحة المفاتيح، ثم يصعد بعينه ليتأكد مما كتب ويعاود هذه العملية، هذه ليست كتابة هذا اسمه (حرق أعصاب). مهارة عادية، يمكن اكتسابها بربع ساعة في اليوم ومع الشهور والسنوات حياتك ستدربك على أن تكتب بما يوفر لك الوقت والعمر.


أعاد لي سليمان ذكريات كثيرة. وربما ما يمكن أن أسميه عقدة حقيقة في حياتي، دفعت ثمنها في وظيفتي، ودفعت ثمنها في دراستي الجامعية لكنني رفضت دفع ثمنها في حياتي ككاتب. والنتيجة النهائية، مهارة يحتاج لها كل إنسان يقضي مع لوحة المفاتيح أكثر من ثلاث ساعات يوميا.


أعاد الله لك أناملك بصحة وسلامة يا سليمان، وأرجو أن تأخذ نصيحتي الصادقة لك من القلب، في لوحة المفاتيح ما يكفي لكي تصنع الوقت من الوقت، لكي تكتب دون تضحية هائلة من حياتك الطبيعية، لكي ترى الكلمات تتكون في رأسك إلى الحد الذي يجعلك تنفصل عن لوحة المفاتيح وتكتب في خيالك، والوصول إلى لوحة المفاتيح ليس أكثر من لحظة تنفيذ.


تخيلت هذا المقال في رأسي، ترتبت فقراته في رأسي وأنا أقود السيارة في الطريق إلى قضاء الوقت مع ابني (الملهم بن معاوية) هو الآن بجانبي يحاول استنتاج صوت النقرات من أين جاء، ويتأمل الوجود بعين متسائلة. لم يأخذ التنفيذ أكثر من ربع ساعة، أما التخيل، فيأخذ وقتها تماما، كنت تكتب بسرعة، أو ببطء. على أية حال، آن لهذا المقال أن ينتهي، وربما حان لسليمان أن يدخل هذه العقدة الجميلة، فيكتب بتلك السرعة التي تعوضه عن هذا الفقد الذي جعله رجلا يساريا مؤقتا.


معاوية الرواحي 

الأربعاء، 18 سبتمبر 2024

الجريمة مزيفة والعقاب حقيقي

 

 

 

إلى أي درجة كبشر نذهب في الدفاع عن موقفنا، وعن أخطائنا؟ تقدم التجربة العامة لجميع البشر في هذا الكوكب العجيب شكلاً متشابهاً من التجارب عندما يتعلق الأمر بالخطأ! ابتداءً من الموقف الواضح السهل. سين، يخطئ في حق صاد، يعتذر سين، يوضح أسبابه، ويتعهد بعدم تكراره، يطرح فكرة التعويض، ويوضحُ مسار الطريق الذي يصنع الطمأنينة في الطرف صاد. وانتهت الحكاية، وأخذت شكلها البسيط، والذي قد يتعقد ويأتي بصورة مغايرة.

 

 سين يخطئ في حق صاد، يبتكر صاد مختلف الأعذار، يأتي بهيئة معتذر لكنه حقا لا يعتذر، وكأنه يقول لصاد، هذا أقصى ما لدي، تصرَّف واقبل حدود كبريائي التي تسمح لي بالاعتذار. لقد جئت (لأخبرك فقط) أنني سامحت نفسي على خطئي، وأنني أخطأت لأنني قررت ذلك، أما أنت فلا تلمني (أنا لا أُلام) وعليك أن تقبل هذا الوضع، فكرة أن يكون لصاد موقف مضاد تعني بالضرورة أنَّ أصبح فجأة مخطئا، وتتعقد المسألة كلما ذهب سين إلى تبرير الخطأ ولوم ردة الفعل وكأنه خطأ جديد في حد ذاته، وهكذا تفسد العلاقات بين الناس للأبد، طرفٌ يقول: "لقد اعتذرت، ما به هذا!" والطرف الثاني يقول: "هل حقا يظن أنه اعتذر، ما به هذا" وفي غياهب الغموض، تصنع العداوات، وتفسد الصداقات ونتعلم كبشر تجارب الحياة المختلفة، وقد نكون مكان سين، أو نكون مكان صاد، ومن التجربتين سوف نتعلم.

 

عندما تخرج الأشياء عن كونها تحدث بين شخصين، إلى حدوثها في محيطٍ عامٍّ كبير، هُنا يكون الكون طرفا ثالثا في الخصومة بين طرفين، الكون ممثلا بالمجتمع، أو بالجنس البشري كاملا، ممثلا بعائلة، أو قبيلة، أو قرية، أو مدينة، أو جهة عمل، أو مؤسسة دراسية. يحدث الخطأ علنا، يعلم عنه الجميع، طالب يخطئ في حق معلمه، أو معلم يخطئ في حق طالبه، يعتذر من أدرك خطأه، ويتقبل الطرف الثاني الخطأ، وتنشأ حكاية اجتماعية حقيقية: الفلانان قاما بحل الخلاف بينهما. زميلا العمل حلَّا الخلاف بينهما؟ ماذا حدث؟ أخطأ فلان، وأدرك خطأه واعتذر. ماذا فعل الطرف الثاني؟ قبل الاعتذار، وكما يقولون: سقط الحطب من سماء الكون وأصبح رمادا.

 

هل التعاملات البشرية تكون بهذه السهولة؟ ليت وألف ليت، وإلا كنا سنعيش حقا في المدينة الفاضلة التي يحلم بها الفلاسفة والرومانسيون. عندما يكون المجتمع طرفا ثالثاً في الخصومة بين طرفين، عائلتين، هُنا تبدأ حروب السرديات، والسرديات المضادة. سلوك شائع يقوم به الناس، وقد يقوم به الفرد الذي لم يحسم ملف خصومة معلَّقة. سردية الابن الضال، سردية الزوج المقصر، سردية الموظف الساخط، سردية جهة العَمل الظالمة، سردية السجَّان المخالف للقانون، سردية الخصم هو الذي بدأ. هُنا يأخذ صراع السرديات شكلا اجتماعياً لا يخلو من الافتراء، والقبح، والمكابرة، والظلم، بل والصراع وتحطيم المصداقية، وقد يتجاوز ذلك إلى ما يتحول إلى معركة بقاء، نهاياتها مروَّعة في حالات كلها بدأت من خلاف عائلي تحول إلى مهرجان مسلح بين قبيلتين، والسبب في ذلك؟ صناعة السرديات التي تكفي لحرف مسار التاريخ المصغر لفردٍ أو عائلة، أو قبيلة!

 

صناعةُ السرديات سلوك نفعله كأفراد، ونساق وراءه كأعضاء في جماعة، قد يفعله قائد جماعة يدير مصالحها، وقد يفعله فردٌ تجاه جماعة تنصل من مبادئها الجمعية. العالم مليء بالسرديات السياسية، ونحن أيضا لا نخلو من تصديق أحدها بشكلٍ ما أو بآخر. تُسمى السردية بذلك لأنها من شؤون السرد، من شؤون صناعة الحدث الخيالي، وهذا الحدث يأتي مع تفسيراته، هذا ما يحدث في العالم الكبير والمعقد، ماذا عن عالمنا الصغير؟ ألا نتقبل أحيانا صناعة سرديات صغيرة ترفع عنا الحرج الاجتماعي؟

تقصر في شأن حيوان أليف فيموت؟ تصنع سرديةً أنَّ كلاب الجيران قد هاجمته! يبدو كل ذلك بريئا أليس كذلك؟ نعم، حتى اجتماع جمعية الجيران، وتجدُ أحد جيرانك يلطمك بسرديتك، في حضور الجار صاحب الكلاب، وهنا تتعقد الأشياء، وتجد خصماً شرساً سيحاربك دائما، وتخسر جارَك لأنه أمام عينيه لا يراك إنسانا تدافع عن قطةً نسيت وضع الطعام لها، أو نسيت فتح الباب لها فماتت في الشمس، خطأ قد يحدث لأي إنسان، أنت هُنا جارٌ شانئ، يخترع الإشاعات، وكسبت دون أن تدري عداوة فقط لأن السردية التي أردت منها أن ترفع عنك حرج كونك مربي حيوانات أليفة رديء، أصبحت جارا رديئا كذاباً ولديه جار صاحب كلاب يكره رؤيته لأنه أشاع عنه أنه مربي كلاب غير مسؤول، وبهذه الطريقة، رميت اللوم على غيرك وأنت لا تعرف حجم المصائب التي صنعتها لنفسك ولصورتك الاجتماعية.

لعبة السرديات في العلاقات سلاحٌ خطر للغاية، وعندما يكون المجتمع طرفا ثالثا فيها، فهنا منشأ حروب. السردية البريئة التي تتمنى بها أن يخفف عنك اللوم، تصنع لك عداوة عنيفة وأنت لا تدري، والسردية المحكمة قد ترفع عنك عداوةً أخرى. جارك السكران، يخطئ فيصدم سيارتك، هل أنت ملزم أن تقول الحقيقة؟ جارك جاء، واعتذر، وصوت الاصطدام ليلا والجيران الذين أطلوا برؤوسهم من النوافذ عرفوا بالحادث، لم يعرفوا بتفاصيله. هل ستذهب وتفضحهم عند الجميع؟ سيخترع هو سردية أنَّ السيارة تعطلت، وأنت ستؤيد هذه السردية من باب الستر، وانتهى الكلام، من يهتم بصناعة نمائم اجتماعية من مكافح تالفة قادت لحادث بين جارين كلاهما تفاهم مع بعضه البعض، هكذا تُخمد التأويلات، والإشاعات، ويحدث الستر! وقد يحدث الموقف الغبي بتضاد السرديات فيعلم عقلٌ فضولي أنَّه ثمة خطبٌ بين الجارين، ولذلك يسمع أحدهما أشاعة أن جارا حاول دهس جارٍ آخر، لا تصب بالدهشة أن الذي فعل ذلك إنسان بريء للغاية شعر أن تضارب السرديات بين الجارين معناه خطب جلل، وأكمل بخياله الباقي، وانتقلت حكاية الجار السكران الذي قام بإصلاح سيارة جاره إلى جارٍ يضمر الضغينة للجيران، وعندما تسير الإشاعة في تخوم القرية الصغيرة، يضرب الفرد الأخماس في الأسداس عن حب الناس للإشاعات! بعض الإشاعات ليست مبتكرة لأنها مستهدفة في حد ذاتها، بعضها نتيجة سرديات غير محكمة، وهذه نتائج التلاعب بالسرديات أمام العقول الممحصة.

السردية الأخيرة التي بها عنوان هذا المقال، ما يحدث عندما يتم لصق تهمة اجتماعية بإنسان يتلقاها بصدر رحب، ربما ليدافع عن شخص آخر. نعرف كيف يدافع الإنسان عن نفسه بصناعة سردية تؤذي إنسانا آخر، فما بالك لو كان هذا الشخص الآخر يساهم في صناعة هذه السردية، لأنه يبرئ ظالمه بشكل ما أو بآخر، الجريمة مزيفة، والعقاب حقيقي، وثمة شيء بنا كبشر يجعلنا نجتمع على عقاب شخص قررت الظروف أن سرديةً ما يجب أن تنسج بشأنه، الفتاة التي تلصق القسوة في أبيها، بينما الحقيقة أنها في حالة غضب قفزت عليه بسكين فضربها، أو العكس صحيح، الأب الذي صنع سردية الطفلة الضالة، والحقيقة أنه في حالةِ سكر هجم عليها بسلاح فضربته! هُنا تصنع السرديات المزيفة بإتقانٍ، وتقدم القرابين لأفواه الناس التي تحب أن تنهش هذه الأخبار، والعلوم، وما يمكن تداوله من أحكام عن حياة الآخرين الخاصَّة.

 

ما هدفي من هذا المقال عزيزي القارئ؟ هدفي أن أسلط الضوء على كائن سردي يتكاثر في العقول كالفيروس، أن تفسيرك وعذرك الذي يبدو لك بسيطا ولا ينتقلُ، له نسخة أخرى في نسختك الجمعية في أذهان الآخرين. إن لم تستطع أن تحكم السرديات البيضاء، البريئة، كحكاية الجارين، قد تجد نفسك ظالما أو مظلوما، ظالماً في سردية تبتكرها أمام طرف أضعف منك، تصنع جريمة مزيفة عقوبتها حقيقية، أو مظلوما لأن السرديات تلاحقك من قبل طرف غاشمٍ لن يعترف أنه أخطأ، يحتاج إلى قربان يفسر ما حدث، قربان يفسر ردات فعله غير المنطقية، وهكذا تنتهي الحياة الاجتماعية لإنسان، بسبب سردية، وبسبب الطبيعة البشرية، فإن لم تكن قادرا على عيش حياة السرديات، والسرديات المضادة، عليك أن تدرك لماذا الصدق رغم صعوبته منجاة، هذه إحدى ملامح النجاة بالصدق، الذي رغم صعوبته، لا يصنع نسخا مزيفة عديدة من سرديات التأويل، أو إكمال النموذج الغائب، الوضوح حياة صعبة، الأصعب منها أن تكون شبحاً يصنع في سرد الغرباء وخيالهم، هذه حقا حياة لا تطاق!

 

 

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

أأ

الجمعة، 30 أغسطس 2024

إدمانات عميقة!

 

 

إنَّه يومي الثاني بلا تدخين. تغيرت العادة فقط ولم تتغير المادة الإدمانية. الذي كان يغزو الجسد عن طريق الرئة أصبح يستأذنه عن طريق الفهم. منتجات بديلة، طبية وأخرى شعبية، وكلها تصب في الهدف نفسه، إيقاف استهلاك الرئة، وإدخال الدخان إليها. وماذا عساك أن تدخن؟ السجائر؟ أو تلك الإلكترونية التي لا تخلو من أخطارها الأخرى. تدهشك بتجمع سوائل في الرئة فتضرب الأخماس في الأسداس وتتساءل: ما الذي جعلني أتقبل هذا الموت البطيء طوال هذه السنين؟

 

واقعيا، ومنطقيا قد أكون دخلتُ منطقة الخطر الأخير دون أن أعلم، قد تكون جينات الرئة قد تغيرت، لا أعرف هل هي الجينات أم الكروموسومات، أم شيء ما له علاقة بالحمض النووي الوراثي، الذي أعرفه وليست لدي رغبة الآن في [جَوْجَلَتِهِ] هو أنَّ التغييرات التي تؤدي للسرطان قد تحدث، وقد تؤدي إلى السرطان حتى بعد الانقطاع عن التدخين بسنوات، إن كنت تريد معرفة الحقيقة فوفّر عليَّ ذلك وابحث عنها بنفسك عزيزي القارئ، لست هُنا لكتابة نص علمي مُتقن، هُنا أنحت مفهوماً شخصيا، شيئا يساعدني لاحقا على مواجهة الهجمات العدمية، وتلك المفعمة بالاستخفاف بالعواقب، تلك التي ستأتي بعد شهرين من الآن. إن نجوتُ من العودةِ إلى التدخين لشهرين، وقتها سيبدأ التحدي الصعب، وأسئلة الإدمان العميق!

 

هل هناك حقا إدمان عميق وإدمان سطحي؟ يخيِّل لي هذا وأنا أنظر إلى عدة عوامل مختلفة بين إدمان وآخر. هل يمكنني أن أقول عن إدمان الكوكايين أو الشبو إدمانا عميقا! لا يبدو عميقا، يمتد لسنوات، وقد يحدث ذلك في ظروف خاصة جدا، هذه الإدمانات غير القانونية والتي تحيط بها العواقب من كل حدب وصوب قد تصيب الجهاز العصبي في مقتل، تصيبه بتلف دائم، لكن هل هي عميقة عُمق إدمان مسموح؟ إدمان القهوة مثلا؟ إدمان دوبامين الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي؟ أيهما أعمق حقا! يأخذني عقلي إلى الاستنتاج أنَّ إدمان القهوة أعمق بكثير، وأكثر تغلغلا من إدمان المورفين حتى! كم عساك أن تدمن المورفين، أو الهيروين قبل أن تصل إلى نقطة الخطر! حتى إدمان الحشيش، لا أتذكر أنَّه كان عميقا لهذا الحد، يعطل الحياة اليومية، يلفت الانتباه، يغير طريقة التفكير، لعله أعمق من الإدمانات الأخرى، ولكن هل هناك إدمان أعمق من القهوة؟ والشاشات؟ والنيكوتين؟ لا أظن! التدخين إدمان عميق للغاية! ولذلك محاربته تحتاج إلى تجهيزات فكرية ومجادلات دفاعية، فالهجمة لا تحدث الآن.

 

إنه السنة الخامسة لي وأنا أدخل حالة الإرادة هذه، أنجح وأخفق. أحاول تحويل فشلٍ متعدد الأركان إلى نجاح تعويضي، هذا ما أفعله مع جسدي الذي أرهقته بسنوات من سوء الاستخدام. تعافيت بنجاحٍ مُرضٍ من استخدام طويل المدة لمخدر الحشيش. عادات كثيرة تغيرت، صرت رياضيا، تغيرت أشياء كثيرة بي، عدت للدراسة، فعلت أشياء جيدة كثيرة، وبقيت هذه العادة الملعونة التي تعبر عن فشلي الرئيسي الذريع في هذه الحياة. كنت أعلم قبل عشرين سنة أنني سأندم كثيراً على دخولي عادة تدخين السجائر، كنت أعلمُ وأنا أورط نفسي بمادةٍ هجومية متوحشة متغلغلة يدعمها شيطان رأسمالي جعلها مباحة قانونيا أنَّ اليوم الذي أندم فيه وأحاول التخلص من هذه العادة سيأتي. كم محاولةً حتى الآن؟ عشر؟ عشرون! لا أظنها تقلُّ عن العشرين! وفي كل مرة أتعلم شيئا جديدا، طريقة جديدة لزيادة عدد الأيام الأولى. ودائما النهاية نفسها تحدث!

 

لدي خبرة كبيرة جدا في الانقطاع عن التدخين لمدة شهرين أو ثلاثة. لهذا أنحت الآن هذا المصطلح الذي لم أبدأ النبش عنه حتى الآن، لعله يستخدم في سياق آخر في أدبيات علمية أخرى. أميل إلى تسمية استهلاك النيكوتين عبر الرئة بالإدمان العميق! لأنَّه حقا متغلغل، مثل سوسة النخيل التي صنعت مساراتها في جذع النخلة! هل ستقطع جذع النخلة فقط لأن السوس قد هجم عليها؟ ستتركها، ستحاول رش مناطق العدوى، ستفعل الكثير، لكنك لن تقطع جذع النخلة! تشبيه قد لا ينطبق كثيرا على هذه العادة المباحة، ومن يعلم حياة المدخن غير المدخن؟ الحياة المُضافة، النشاط الإضافي، الاستيقاظ السريع، الهجمة السريعة على القلق، والاكتئاب، التخلص من عناء يوم مرهق، القراءة مع السيجارة، القهوة مع السيجارة، الكتابة مع السيجارة، هل عرفت لماذا أسميه بالإدمان العميق؟ لأنه يتغلغل ويرافق العادات مثل الآفة الضارة التي تضع بيوضها وتنمو يرقاتها في أنسجةٍ أخرى. وتمضي السنوات، وتتكاثر هذه اليرقات الفكرية في عقل المدخن، فيقبل السرطان، ويقبل ضعفه، ويقبل المصير النهائي المحتمل للمدخن، ومع ذلك، يبقى يلف ويدور ويضرب الأخماس في الأسداس، يقطعُ لبعض الوقت ثم تهجمُ عليه هجمات التفكير العدمي فيعود لعادته السابقة مفتقدا حياته المضافة، ذلك المنشط الكيماوي الذي تدخل في سلوكيات كثيرة في حياته.

 

أيشعر شارب القهوة المتطرف بهذا الشعور عندما يصاب بالقرحة مثلا؟ أن إدمانا عميقاً منحه حياةً مضافةً يُسحب من حياته. لا أجد إدمانا شبيها للسجائر مثل إدمان القهوة، أو إدمان الشاشات هذا الذي يجعلنا بهلعٍ نفتح [الواتساب] بذعرٍ شديد وكأننا نخاف أن يفوتنا شيء ما. منصات رقمية مصممة بعناية، مثل السجائر، لنستخدمها فنعود مشبعين بشيء ما، شيء ما من القلق المختلط بالراحة، من الانتباه المختلط بالشعور بالحياة الاجتماعية، أننا نرى الحياة من شُرفة تُطل على الكوكب كاملا! وتغرس العادة نفسها لسنوات وسنوات، يرقات الأفكار/الآفة تصنع مساراتها في جسد فلسفة الحياة، فنقبل هذا القلق العارم، ونتصالح معه، بل ونتصالح مع هاتف سخيف للغاية لا يحتمل يومين دون أن تفرغ بطاريته فيعيدنا رغما عن أنوفنا إلى مدنية الكهرباء، خاضعين، مذعنين، نقبل هذا الشتات، ننفصل عن حرية الطبيعة، نخترع الطرق التي تأخذنا إلى رحلةٍ صغيرة، مصطحبين بنوك الطاقة، ووسائل الشحن، ونحن في هذا الذعر، والرعب من فوات أي شيء، يدخل هذا الكابوس لكي يمنحك وسيلة راحةٍ من هذا القلق العالمي! إدمان عميق لتهدئة قلق إدمان عميق آخر، وهكذا دواليك، ننهرس تحت وطأة هذه العادات التي جعلتنا ما نحن عليه من كوكب فرداني متنصل، لكل إنسان صوت، لكل إنسان رأي، لكل فردٍ حياته المنعزلة وفي الوقت نفسه المتفاعلة مع كل ما يشبهه، ومن يشبهه في فضاء البسيطة الملغوم بالحروب والنزالات الفكرية!

 

هذه معركتي، التي عشتها مع السكّر، والقهوة، وتويتر، والفيس بوك، والآن مع إدمان النيكوتين العميق! أصعب ما في الإدمانات العميقة هذه أنَّها مباحة قانونيا، واجتماعيا. هل اتصلت بالشرطة ذات يوم لأنَّ مدمن سكَّريات طلب عشر كعكات من [الدونات] وبدأ يأكلها بشراهة أمام عينيك؟ لن تفعل ذلك ربما، وإن كنت مهووسا بإطلاق الأحكام قد تطلق تعليقا متنمراً، وإن كنت إنسانا طيبا قد تنصحه بشكل ما أو بآخر. هذه معركتي! وأواجهها مضطراً، ولا أعرف متى كان يجب أن أنتبه إلى أنني أصنع مشكلات عويصة تتفاقم مع تقدمي في العمر. قطعت شوطي الأوَّل في مواجهة الإدمان المباشر، لا حشيش في حياتي، لكنني هل أستطيع أن أقول ذلك عن إدمان الإنترنت؟ تحايلت على الأمر وحولته إلى مهنةٍ، كان هذا كافيا ليفقد الحضور الرقمي متعته، ولتتحول الأيام التي أقضيها بعيدا عن تغذية هذه المنصات الجشعة، والشرهة بالمحتوى، والكتابة، والتفاعل مع الناس! إن كان ولا بد أن أغذي عقلي دائما بشيء ذهني تفاعلي، فليكن الكتابة، وإن كان ولا بد أن أغذي هذه المنصات بمحتوى تفاعلي فلتكن مهنةً. لم أصب بالتعب، لكنني أصبت بفقدان الشعور تجاه جماليات جِدَّة كل ذلك. كيف لمدونٍ محترفٍ أن يتعايشَ مع عاديةِ الإنترنت، التي كانت يوما ما ثورية، وتغييرية، وصرخة في وجه تشابهات العالم وكثبانه الجمعية!

 

والآن ماذا؟ أعيش الفقرة الأخيرة في كتابِ الزمن الجديد. أعيش امتدادَه وما أخذته منه ليكون معي في خريف العُمر، الواقع الافتراضي في الطريق. سيكون صديق أوقات الفراغ الشحيحة. وماذا بعد؟ الذكاء الصناعي؟ أصبح أداة جيدة توفر وقت [الجوْجَلَةِ] المحيرة بين المصادر والنسخ المتعددة من الحقيقة الواحدة. في هذه التي اسمها "الأربعين" أدخل لليقين الجميل أنه ربما لن أعيش أكثر مما عشت، وخلال عشر سنوات، أو عشرين إن كنت محظوظاً قد أتدهورُ ما لم أتخذ قرارات حاسمة تجاه صحتي، التدخين قرار أوَّلي، إدماني العميق، معركتي التي يجب أن أنتصر فيها إن أردت التفرغ لباقي المعارك الصغيرة. سيدفعني إدماني العميق للحيرة، وسأضرب الأخماس في الأسداس، سيهاجم وقت الكتابة، ووقت الأفلام، ووقت الفراغ، ووقت الحديث مع الأصدقاء، سيضرب ضرباته بضراوة، سيرفض حياةً ناقصة، وستهجم، بعد شهر، أو شهرين! وأنا حائر، حائر ولا أعرف متى سأخفف من بدائل النيكوتين، وماذا سيحدث لي مع كل تخفيف؟

 

ستكون معركة منطقية هذه المرة، لن تحل بالنسيان، ولا بالتجاهل، ولا بالانشغال القلق بألف شيء، وأخشى أن أكتشف منطقة جديدة أستسلم فيها، أو أن يصدق الكلام أن الإدمان جينات لا يمكنك أن تتصدى لها، وأن القهوة، والنيكوتين، أو التدخين، والجلوس على المنصات الرقمية جزءٌ من المشهد الكبير، هل سأنتقل من إدمان الرياضة إلى إدمان الجلوس على الألعاب؟ أدمن المذاكرة؟ ثم أدمن النجاح؟ ثم أدمن الهرب، وهكذا دواليك، لأن الأمر أعمق من فهمي، لا أعرف! أشعر بطمأنينة لأنني عدت للكتابة، هكذا بلا مؤثرات تعينني على إطالة ساعاتها قدر الإمكان، أشعر بطمأنينة لأنني عدت لها دون أن أدمر حياتي الخارجية، وأصنع منها كل ما يجعل عزلتي ملاذا، فعلت هذا من قبل، ولا أعرف ما الذي أفعله الآن. أريد أن أكتبَ، والحياة لا تسمح لي بفعل ذلك بسهولة، ومع ذلك أكتب، ويوما ما لن أضطر إلى توظيف الكتابة لترميم الدمار الذي عشته في حياةٍ شاقَّة، ومضنية. يوماً ما، سأكتبُ وأنا أعلم أنني أترك رسالتي الأخيرة في هذه الحياة. يوما ما، سأكتبُ وأنا أشعر أنني لن أحزن لو تركت الكتابة بعدها، يوما ما قد يكون قريبا أو بعيداً، سأترك بصمتي التي لن أخشى بعدها من الموت، ولا أعلمُ كيف سأرحل عن الحياة، بجلطة، بحادث، بنيزك، بمرض عضال، بموت سريع، بموت بطيء، هذه معركتي، في هذه الحروف، وما التصدي لشيء سخيف من أشياء الحياة كالسجائر إلا واحدة من وسائل المقاومة لصناعة نهاية جميلة تعطي معنى أجمل لكل هذا الوباء الذي اسمه حياة، وهذا الكابوس الذي اسمه: الدنيا!

 

معاوية الرواحي

30/8/2024

 

 

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 11 مارس 2024

مساحة اسمها عالَمُك!

 

 

 

 أكادُ، بين الحين والآخر، أفقد أعصابي، وأنفجرُ في وجه هذا العالم المكتنز بالعقلاء. للعاقلِ تعريفٌ سخيفٌ في قاموسي، هو ذلك العاجزُ عن فهم الجنون! المكتفي بقمة جبل الثلج، بالنذر اليسير من الوعي الذي يوهمَه أنَّ وجودَه الواعي هو قمة جبل الثلجِ التي تبدو له طافيةً أعلى سطح ماء المحيط. العقلاء مزعجون، بمعاييرهم، وأنانيتهم، ونزعتهم للشر، وللظلم، وللبدائية، والهمجية باسم كل ما هو حضاري وعادل وينتمي أحياناً لقيمٍ مطلقةٍ يمارسها المجانين ضمن أيامهم العادية واليومية، ويقاتل العقلاء من أجلها بمجادلات معقدة، مفعمة بالحزازات، والحساسيات، والخوف من المجهول، وهذا الخوف الملعون! هذا المجهول! يسكن في دواخلنا البشرية، ويعشعش في سرائرنا، يراه المجانين بوضوح، ويعجز العقلاء عن فهمه، والمجانين، هؤلاء، هم الذين أنتمي لهم رغم كل هذا الهذيان الطافح بالمنطق الذي تجبرني الحياةُ على عيشه!

هذا ليس عالمي أنا فحسب. إنه عالمُ الجَميع. كل ما يخرجُ عن وجودنا، ووجداننا، وأفكارنا، ومخيلتنا، وأذهاننا، يتحول إلى عالمٍ آخر. جزءٌ منه هو ذلك الكبير جداً، الذي يحلو لنا أن نسميه كوكباً، وجزءٌ آخر هو ذلك الذي يحدث فيها تفاعلنا مع الوجود. وعينا أصغرُ من كوكبنا الحقيقي، كوكب وجودنا الحتمي. قمة جبل الثلج التي تبدو للبعض كافية لكي تسمى حياةً، ووجوداً، تخفي وراءَها وجودنا الحقيقي، وسواء كان ذلك المكتوم، أو المكبوت، أو الذي يجنُّ عنَّا، أو الذي لا نستطيع السيطرة عليه، نحنُ نكمنُ في تلك المنطقة المظلمةِ التي لا نستطيع السيطرة عليها، وإلا فلمَ نعجز عن السيطرة على خفقات قلبنا؟ وعلى تحركات عضلاتنا الناعمة في أحشائنا؟ نعجز عن ذلك لسبب وجيه، لأننا لا نستحقُّ أن نوجد بشكلٍ كاملٍ، لا نستحق أن نتذكر كل شيء، ولا نستحقُ أن نعرف كل ما عرفناه، نعيشُ في هذه الخدعة من الوعي ونتوهم بكامل إرادتنا العقلية، بكل ما فيها من ضمني وجليٍّ، أننا نعيش كما نريد أن نعيش!

لأكون صادقا معك عزيزي القارئ، توقفت عن الانتماء إلى عالم العقلاء منذ زمن بعيد. ولا أقصد عالم العقلاء في سياق المرض، والغفلة، والجنون الذي يوصفُ بلسان اللئام. أعني ذلك العالم المنطقي المرتهن بالمصالح، والذي تسمى فيه الأنانية ذكاء، وتسمى فيه القسوة ضرورةً. أنتمي، وأعيشُ وأكتبُ لعالمٍ آخر من المجانين هم الذين يهمني أمرهم، ويعنيني شأنهم. أكادُ أخرجُ من جلدي عندما أعيش موسماً اجتماعياً مشبعاً بالغرباء. هل أصدقك القول أكثر يا صديقي الغريب؟ كل هذا ضغطٌ يشبه المهنة، أنجو منه، هذه هي الكلمة الدقيقة. أن تنجو من الموسم الاجتماعي، وأن تنجو من كل اعتبارات الضوء والتحقق، وأن تتجاوزَ كل هذا إلى تلك الذات الحقيقية التي تعرفها تنتمي لمن، لهؤلاء الذين يحملون أوجاعهم الخفية، ويقاتلون معاركهم الداخلية، وقليلٌ من يشعرُ بهم.

أحتاجُ للكتابة دائما لأذكر نفسي، وأحتاجها أكثر لأفهم عالمي. لذلك أكتب، وعندما أخلو بنفسي إلى هذه المدونة بعيدا عن تلك المنصات المكهربة بالتفاعل السريع أتذكر أنتمي لمن. أتعلم أيضا، على صعيد هامشي، طريقةً جديدة للكتابةِ عن ذاتي بعيدا عن اللغة النمطية، أنا مجنون، لست مريضا، أنا مبدع، لست سياسيا، أنا كاتب، ولست متحدثا باسم الحقيقة البشرية. نصف عُمري ذهبَ في عالمٍ مضطربٍ، ونصف نصفه ذهب في عوالم المرض العقلي، وغياب الواقع، وبينما يبدو للبعض بسخفٍ بالغٍ أنَّ القيمةَ في تجاوز كل ذلك، أعيش عالماً مختلفاً، القيمة فيه هو مواصلة الحياة وجعلها منتجةً، ومثمرةً، ومليئة بالحب، والسلام، والعطاء، وأسعى بجنون لكي أكون خيِّراً، وأقاوم بضراوة استعدادا هائلا للشر، كيف أشرحُ لإنسانٍ رومانسي يعيش حياةً ورديةً معنى أن تكون جاهزا للشر في كل لحظةٍ من لحظاتك، وأن بينك وبين إعلان أقصى وأقسى حروبِك سلسلةٌ من المواقفِ، أو حالةٌ من العداوةِ قد تؤدي إلى رمي الشرارة في كل ذلك الجحيم الذي ينتظر سبباً واحداً فقط لتفرَّ منه كل المسوخ الحبيسة!

لم يعد يرهقني حسن ظن الناس بي، ولم يعد يزعجني سوء ظن الناس بي. كلاهما سواءٌ لدي أمام هذا العالم الذي أعيشه. معركتي مختلفة عن ذلك الذي يبدو للإنسان الغريب الذي يعرفني منذ عام واحد. معركتي مع هذا المسخ المشوه بالآلام والصدمات، المصارعُ الأزلي للندم، والمقاوم اليومي للشر، هُنا مساحةُ وجودي التي تغنيني عن تصديق تلك المشاهد الاجتماعية المتتالية، بكل ما فيها من رغبةٍ لتصديق أفضل ما يكون عن الإنسان، أو تلك الجاهلة المرتجلة التي تضع حياة المرء في علبةِ كبريت.  أن تعرف عالمك، يعني أن تمسك بقرارات حياتك، وأن تسعى إلى خطةٍ أفضل لتعيش، وأن تعلمَ أن الحياة ستفنى وأنت في ميدان المقاومة، تحاول جاهدا الحفاظ على هذه البضعة الخيرة التي بك، وتقاتلُ بشراسة أن تؤذي إنسانا آخر بلا سبب وجيه.

لا أعرف ما الذي دفعني لكتابة هذا الكلام، ربما هو إدراكي لتلك العزلة التي تمنع العموم الكبير عن الخوضِ في هذه الكتابة التفصيلية، هل تتخيل أن الكتابة العلنية أصبحت أيضاً شكلا من أشكال العزلة. لكي تنعزل في هذا الزمان الجديد عليك أن تكتب مقالا! تخيل أي عصر تنقلب فيه معادلات الإنسان الداخلي والإنسان الخارجي. لتخرج من ذاتِك، ولتعيش مع الناس، عليك أن تخرج بتدوينة قصيرة للغاية لا تتجاوز الخمسين كلمة في منصة رقمية، ولتنعزل عن الناس ستفعل الشيء نفسه، ولكنك ستكتب ألف كلمة تشرحُ فيها فكرة شبه متكاملة، يمكن للقارئ أن يخرجَ منها بقراءة أكثر دقةً عن ذلك الذي تمرُّ به، وعندما يصل قارئك إليك، تصل الحلول، هذا غير المعالج النفسي الذي يقرأ كل حرف في مدونتي ويطلب مني بإلحاح تقليل الكلمات المحلية التي تخرج من لساني، ليسمح للذكاء الصناعي بترجمة كلامي قبل أن يعود لي بخطةٍ جديدة من دماغه الألماني العتيد! أكتبُ هنا لأنني أحبُّ عزلتي، لأن هذا هو عالم الحقيقي، أما ذلك المشحون بعشرات الآلاف من الذي أصبحوا يسمون الآن "متابعين" فلا أعرف ما الذي أشعر به حيالهم، جئت لهذه الحياة لكي أكتب، أعيش لكي أكتب، حياتي مرتبطة بكل من يقرأ لي، موهبةٌ بسيطةٌ في الوقوف أمام الكامرة لا تصنع عالما حقيقيا، ما أسخف هذه الورطة، أن تكون إنسانا مضطربا يقاوم الشر الحبيس به، يتجنب أن يكون مؤذيا وضارا، متحفزا للدفاع عن نفسه، وتجدُ نفسك في ذلك السياق الاجتماعي الذي يثقلك بالتوقعات. ورطة جميلة عندما أنظر لها من سياق القيمة العلاجية التي تحققه له، ومرهقة عندما أنظر لها من زاوية القلق الذي تسببه.

ماذا عساي أن أقول لك عزيزي القارئ، إن كنت قد وصلت لهذه السطور، فربما لأنها نشرت في كتابٍ من المقالات، سأوقعه في معرض الكتاب، على أملٍ أنني وقتها لم أضطر لخوض أشد معاركي ضراوة، وأكبر انتقاماتي شراسةً، على أمل أن كل الحياة المليئة بالأعداء التي أعيشها قد وصلت إلى تلك الهدنة العمياء، على أملٍ أنني فعلا سأعيش الحياة الطبيعية التي قد تكون أنت ممن يعيشونها، ماذا أقول لك عزيزي القارئ؟ لعلك جئت هنا لتتفرج، أو لتتعلم، أو لكي تبحث عن ثغرةٍ في منطقي، أو ربما لأنك عدو قديم جاء يقرأ واقع الحال الجديد، على أملٍ أن يعاود إيذائي، أو على أمل أن يجدَ طريقةً ما يسمم بها سعادتي المسممة وجوديا. لا أعرف ما الذي جاء بك إلى هنا عزيزي القارئ، لكننا هنا وحدنا، في عزلة عن ذلك الانتشار الجارف السريع، وفي وحدةٍ مع اللغة، نتفق على الإشارات، ونختلف في التأويل. لقد أتممت الألف كلمة التي جئت لكتابتها، سنلتقي في مقالٍ آخر أيها الصديق، وسنلتقي في حالٍ آخر أيها العدو، أيا ما كنت، شكراً لأنك قضيت بعض عزلتك في هذه الصفحة الملطخة بكل هذا السعير القلق.

 

 

معاوية الرواحي

 

 

الأحد، 19 مارس 2023

المُتلاعبون!

 

 

 

عزيزي القارئ، إن كُنتَ من معارفي في هذه الحياة، أو أصدقائي، أو أنصاف معارفي، أو أنصاف أصدقائي، أو عائلتي القريبة، أو عائلتي القريبة، أو كنت إنساناً تعرفُ أنني سمعتُ عنه، أو إنساناً التقيت به لمرَّة واحدةٍ في مناسبة اجتماعية، أرجو منك كل الرجاء ألا تجعلَ ما أكتبُه في هذه الورقة البيضاء متعلقاً بك. أرجو ألا تتبعَ مثالاً من الأمثلة، لتسقطه على نفسك، أو على غيرك، أطلبُ منك أن تفعل عكس ذلك، أن تقرأ كل هذا، وأن تبحث أنتَ في داخلِك عن تلاعبِك بالآخرين، وأن تعترفَ بينك وبين نفسك عن كل الذي تفعلُه لتحافظ على امتيازٍ ما، أو لتحقق خطةً ما، أو لتصنع حالةً معينة تسمحُ لك باستثناء معيَّن، فقط لأنَّك تتلاعبُ، لأنك إنسانٌ متلاعبٌ، قد لا تكون مُخادعا، أو سارقا، أو كاذباً، أو مؤذيا، إن كانت كل النماذج التي ستُسرد، تتحدثُ عنك، فأنت إنسانٌ متلاعبٌ بالآخرين، ولعلك تستحق أن تقرأ أنك مكشوفٍ إلى مدى كبيرٍ، وإنَّه موضوع وقت قبل أن يحاصرك القلق، وتبدأ خلايا الشك المناعية في أذهان الآخرين بالانتباه إلى أساليبك التي ستلحقُ بها كلمة [مكشوفة] وقد تقرر مواصلة الطريق إلى حيل جديدة، أو ربما، كما آمل، ستغير مقاربتك وتختار طريقا أكثر وضوحاً، إن لم يكن طريق الصدق والصفاء مع البشر، فهو طريق الوضوح، أن تقول ما لديك، وما تريد، وما لا تريد، وما تمتنع عن فعله أو قوله بوضوح للطرف الآخر.

عزيزي المُتلاعب: دعنا أولاً نعرِّف التلاعب المقصود في الأمثلة القادمة، لكي نهربَ من آفةِ المنهجِ، ولكيلا يخرجَ النص عن شعريةِ الراصد الفرد ويذهبُ إلى قوانين المنهجِ المتشابكة بكل ما فيها من حسمٍ قاطع، واتفاق تراكمي، وتراتب في المكانات العلمية، وتضاربٌ في التعريفات بين الحقول. أن تكون متلاعباً، يعني أن تستغلَ فهمَك للآخرين لتحقيق بعض مآربك المعنوية، وبالتالي بعد تحقيق تلك المآرب، تستحوذ على مساحاتٍ من التنازلات لدى الآخرين تحت إدراكٍ مفادُه رغبتهم في ذلك من عند أنفسهم. هذا ما تفعله أنت عزيزي المتلاعب، فأنت هنا لست كالمبتز عاطفيا، الذي يحبُّ ويتفاعل مع وضعٍ، أو حالةٍ، أو فعلٍ، أو عطاءٍ معيَّن، ولست كالنرجسية السام فاقد التعاطف والذي يجيد فنَّ التلاعب فقط ما دامَ الآخر تحت سيطرته. المُتلاعبُ ليس خسيساً مثل الكاذبِ الذي يُكشف بسهولة، والذي يلقي الوعود بلا توقف، والذي يعتمد على صدمة التصديق الأوَّل وبعدها يعلمُ الجميع أنَّه لا يؤتمن جانبه، ولا يفي بوعد، ولديه ادعاءاته الكثيرة، والمتلاعب ليس كالمبتز الذي يستخدم أدوات الإساءة المعنوية، ويستخدم تقنيات [B.F.Skinner] التي تعمل مع الكلاب والقطط لكي يؤنسن حيوانيته ويُسقط ذلك في تعامله مع الناس. المُتلاعب إنسانٌ يتعلَّم فنَّ التأثير على الآخرين، ويقنعهم بشكلٍ ما أو بآخرٍ أنَّ ما يفعلونه [لأجله] هو في الحقيقة شيء يفعلونه لأجل أنفسهم، يقنعهم بتحمِّل سلوكيات يقوم بها، سلوكيات تزعجهم صانعاً لهم وهماً مؤثرا، هو النبل، أو الكرم، يعزف على الوتر المناسب، ويضغط على الزر المناسب، فهو ليس غضوباً، لا يهدد، لا يتوعد، ناعم الملمس، لا يريد بالبشر سوءاً، أو شرَّا، وقد يكون في حالاتٍ كثيرة صادقا مع نفسِه، لا يعلمُ أنَّه يتلاعب بالآخرين، ويظنُّ بنفسه أنَّه خيِّر، وطيب، ولا يريد إيذاء أحد، وقد لا تحدث اللحظة المناسبةُ في حياتِه، أو حياة هؤلاء الذين قام باستغلالهم، والتلاعب بهم لكي يُكشفَ وجهه أمامه، أو أمام الآخرين، وقد يعيش سنواتٍ طويلة، ويموت بعد أن لعب بالجميع، وربحَ من الجميع، ونال شتى أنواع الاستثناءات، وربما يكون قد جمع الملايين من أفواهِ الفقراء بحجةِ التبشير بالمسيح، أو الدعوة إلى الدين الإسلامي في أصقاع الأرض البعيدة، أو من أجل حلم إسرائيل، أو من أجل غيرها من أدواتِ التلاعب الشهيرة، والتي لدى كل الناس إلى حد كبير شيء من الفهم لها، ولدى كثير من الناس قابلية للتأثر بها.

للمتلاعبين نهايات بعضها وخيم، بدأ من اللين والرفق واللطف، وانتهى بالانتحار الجماعي لطائفةٍ كاملة من المخدوعين، كما حدث في حكاية القسيس جونز، الذي بدأ مسيرته في التلاعب تحت مظلة القانون الأمريكي، وصنعَ مجتمعا يساريا متنورا، مبنيا على التضحية، والتساوي في زمنٍ كانت الولايات المتحدة تعاني فيه من أبشع ويلات الوضوح في العنصرية، واليسارُ وقتَها لم يكن كما هو الآن متوحشاً، فضلاً عن قرب كل تلك المراحل زمنياً من حروب أمريكا الساخنة والباردة ضد الشيوعية. القسيس جونز، المتلاعبُ الكبير، قاد عملية اختطافٍ تلاعبَ فيها بدولةٍ كاملة، وبمجتمعٍ صغيرٍ ما أن وجدَ نفسه بعيدا عن مظلة القانون الأمريكي إلا ليكتشفَ أن رجالا مسلحين يحيطون بهم، وأن قسيسهم اللطيف المفعم بالقيم قد بنى مدينةً في دولةٍ بعيدة، في غابة معزولة ليحيط بهم برجالٍ مسلحين، اكتشفوا أنهم عاجزون عن الهرب، وعندما شعرَ القسيس جونز أنَّه أحيط به أحاطَ بمعظمهم إحاطة السوار بالمعصم، وحفلت أجهزة التلفاز العالمية بصور الانتحار الجماعي، جمع أتباعه وتحول التمرين الدائم [على الثقة] الذي كان يقوم به مرارا وتكراراً إلى واقعٍ مرير، بدأت فيه الأمهاتُ بتسميم أبنائهن، وانتهى المطاف بحالة الهلع العام، والتدريب المتكرر، ومكبرات الصوت التي تعيد وتزيد خطب القسيس، والهلع، والموت، وكل ذلك قادَ إلى نهاية إنسان بدأ متلاعبا، ثم تحول إلى مجرمٍ ينسحب خيط التأثير من يديه، وحولته السلطةُ العبثيةُ التي وصل لها في تلك القرية البعيدة إلى قاتلٍ من أبشع قتلة التاريخ. هذا ما يحدث للمتلاعبُ بعد أن يصبح كسولاً، ويشعر أنَّه وصلَ إلى واقعٍ يفوق قدرة خيالِه، بعد أن كان متلاعباً بارعاً، اضطر لاستخدام المسدسات، والرجال المسلحين، ولعله إن لم يتحقق مناه وأمله بالذهاب بعيدا، وعاشَ تحت مظلة القانون الأمريكي التي كانت ستردعه، كما ردعت غيره من قادة الطوائف المُعلنة والسرية، لعله الآن ماتَ على ويوصف بالبطل العظيم، وبالقسيس اليساري الذي استطاعَ جمع الأبيض، والأسود في طائفة واحدة يدينون لله بكل شيء، وللقسيس جونز بالحياة الجميلة التي عاشوها تحت مظلة الوهم الرومانسي الذي كان يجيدُ العزف على أوتارِه، والضغط على أزراره.

 

يبدأ المتلاعبُ حياة التلاعب بعد أن يعرفَ أدوات التأثير التي تؤثر على الآخرين، قد يفعلُ ذلك لأنَّه يعيش في محيط يعتبر التلاعب العاطفي جزءا من نمط الحياة المتعارف عليه. عائلة مخملية، أو عائلة حلوة اللسان ضعيفة الحال، لا يهمُّ عدد الاحتمالات الاجتماعية التي تجعل الإنسان يتعلم فنَّ التلاعب، أو يتعرض له مبكرا. عائلة متدينة، أو مراهق يدخلُ دوَّامةً من الشهرةِ في سن مبكر، أو الشعور بالنقص، التلاعب هو فنُّ التأثير على الآخرين لدفعهم لفعل ما يجعلهم عادةً يرفضون فعله. فنُّ المتلاعبُ الكبير هو ردةُ فعلِه، وما يوقعه من مشاعر في الآخرين تجعلهم يرفعون حواجزهم، كما اتفقنا في البداية، التلاعب الذي يتم تأمله هُنا هو ذلك الذي لا ينتهي للأذى، ولا يهدف له، يهدف للنفع، المعنوي، أو المادي، المتلاعب ليس ذلك الطفل الصريح الذي يصرخُ في المتجر ويريد شراء لعبة، المُتلاعب هو ذلك الطفل الصبور الذي يصمت لعدة أيام، ويرفض اللعب، ولا يتكلم، وينظر لأمِّه وأبيه بنظرة حسرةٍ، يرفض الأكل، ويبقى مترقبا، ملهوفاً ينتظر نهاية صمود أمِّه وأبيه، لكي يرسمَ على وجهه بورتريه اللامبالاة الحزين وهم يأخذونه لشراء اللعبة التي جعلته حزينا، الطفل المتلاعب، ذلك الذي نطلق عليه خطأً كلمة [الخبيث]، ولسنا بصدد تحليل معنى هذه الكلمة الذي تشظى بين السياقات. الطفلُ في هذا المثال مشروعُ متلاعبٍ بارعٍ قد يتمرن على ضحاياه الأوائل، وذهب به الحال إلى مسيرةٍ طويلةٍ يدرك فيها أن الأشياء في هذه الحياة لا تحدث بالصدامِ دائما، قد تحدثُ بالصبر، واللعب على الأوتار المناسبة.

 

تعلم الصبر هو إحدى المهارات التي تأتي مع المتلاعب البارع. يفعل ذلك هؤلاء الذين يرسلون رسالةً واحدة، يعلمون أهميتها، ومن بعدها لا ينتظرون رداً. لا يكشفونَ لهفةً. وبعد تهيئة بسيطة من قبل الحياة لهم، يبدأ المتلاعب فنَّ رصد الآخرين، وردات فعلهم، وتقوده المكاسبُ التي تنهال عليه نتيجة تلاعبِه إلى أرباحٍ من المال، والحال، إلى امتيازات معنويةٍ تدفعه للهوس بهذا المسار في الحياة، وتتشكل شخصيته على هذا الأساس. المتلاعب ليس من النوع الذي يصرخُ في وجه شخص أهانَه، وليس من النوع الذي يغضب، وقطعاً ليس من النوع الذي يستخدمُ العنف بسهولةٍ، إنَّه من أولئك الذين يصنعون صلاتٍ دفاعية مع كثيرين، ويعززون فيهم الشعور بالنبل، وبالدفاع عن الضعفاء، والمظلومين! وما أجمل دور الضعيف للمتلاعب! وأن يكون المتلاعب ضحيةً حقَّا! فلا عجب أن ترى بائع دموع محترفٍ يجول في الأرجاء، لقد باع الصهاينة دموع اليهود في كل مكانٍ، وإلى زمننا الحاليِّ فإن تعاطف الأجيال المتتالية مع مشروعٍ دمويٍّ مثل إسرائيل مبني على ذلك [الظلم] المحزن، من قال إن التلاعب لا يمكن أن ينشئ دولاً، أين تلك النعومة؟ وأين الإنسانية؟ وأين دولة [كلنا واحد]؟ وكل تلك الدعايةِ عن يهودِ السلام، واللطف؟ يهود الهولوكوست المحزونين؟ تحولت إلى دولة القتل، والفصل العنصري، والاحتلال الدموي، والمجتمع المعسكر. مثالٌ على خطورة المتلاعب عندما يتحول إلى إنسان قويٍّ، فيكون أخطر من الأقوياء حقا، وطفولته التي قضاها ضعيفا، متحايلا، يتجنب الصدام، يقضي بعدها طفولةً أخرى في عالم [القوَّة] فيتوحش، وعندما اكتشفَ المسدس في يده أدركَ أن لديه أكثر من سلاح في يديه، القسيس جونز مثالٌ فردي مقابلٌ للهوية المتلاعبة، والتيارات السياسية التي قادت جموع الساذجين حول العالم للتصديق أن ظروف نشأة إسرائيل العاطفية وراءها رسالة تختلف عن حقيقة الحياة القائمة على النزاع، والقوة، وما يأتي مع ذلك من سفك دماء وسرقة موارد!

المتلاعبُ الفردُ يختلف بلا شك عن هذا التلاعب الجماعي، القائم على التنظير والدعاية. ولنفرق بين النرجسي السام الذي يلعب على مقامٍ نشازٍ في روحِك، وذلك العازف البارعُ الذي يقنعك أنك أنت الذي تعزف أجمل الألحان من فؤادِك النبيل. هل يفهمُ البعض الجرح المرير عندما يكتشفُ أن قريباً له قد تلاعبَ به؟ وقد استخدمَ أحزانَه عُذرا لكيلا يُقال له: لا! لا يجب لومَه، لا يجبُ نصحه، لا يجبُ فعل أي شيء؟ لماذا؟ لأنَّه حزين، ربما لأنه يعاني من إعاقة جسدية، ربما لأنه شفي من السرطان! نعم! التلاعب العاطفي يحدثُ لأننا سمحنا به، أو لأننا أردناه. إن لم تكن الحياة قد وضعتك ذاتَ يوم في طريقِ إنسان على كرسي متحركٍ يقوم ببيع المخدرات، فإن شرطياً في مكانٍ ما قد مرَّت عليه، كما مرَّ على كثيرين نماذج من هؤلاء المتلاعبين، الذين يحبون التحرك تحت منطقة الامتياز تلك، امتياز غياب الشك، وتحريكهم البارع لشعور الآخرين بالشفقة والنبل. هذه إحدى طرق المتلاعبين الأثيرة، يشعرونَك بنبلك، وبكرمك، وبعدها لا يخجلون من استغلالِك بلا رحمة، وعندما يهدأ شعورك بالنبل، أو بأنَّك المنقذ الهمام يعاودون العزف على ذلك الوتر، وكل متلاعبٍ ومهارته، منهم من يعرفُ كيف [ينتفُ] المال من مجموعة قليلة من الناس، فهو المريض بفقر الدم المنجلي، ذلك الذي يعيش حياتَه بين المستشفى والغرفة المغلقة، ولكنهم لا يعلمون أنَّه أيضا مقامرٌ محترفٌ، يصرف آلاف الريالات في إدمانِه على القمار، أو ما هو أسوأ، قد يكون مدمناً على العاهرات، أو المخدرات، أو واهماً يظنُّ أنَّه سيصبح ثريا ويحاول اختراع آلة عجيبة في قبو المنزل بأموال الآخرين التي يسحبها بذكاء [وحرفنة]. عزيزي القارئ، أرجوك لا تقرأ كلامي وتشكك في كل شخصٍ حولك، لا تشكك في كرمك، ولا في نبلِك، لا تستجب لنداء الأنانية الذي يمنعك من العطاء بحجة [لا أحد يستحق، جميعهم يكذبون] إن كنت حريصاً، أو أنانيا، أو ما كنت، أرجوك لا تستغل هذا الكلام وهذه الأمثلة لتعزز شيئا سابقا موجودا بك، صعوبة العطاء عليك، وعسر الكرم، فمثلما العالم يعجُّ بالمتلاعبين، فهو أيضا يعجُّ بوسائل مقاومتهم، ولعل الجمعيات الخيرية بكل ما فيها من فرق البحث والتمحيص والتدقيق تكفي، لذلك أود أن أشير لذلك قبل أن [تتأثر] بكل هذا الشك المتناثر في جسد هذه الورقة فتلومني على شيء هو من الأساس شبه قرار اتخذته وكل ما تحتاج إليه هو دفعات قليلة من التحريض لكي تذهبَ إلى حياةٍ خالية من العطاء بحجة أن الجميع يكذبون، إن كنت تشعرُ بذلك، وتتجنب توسعة دائرة التثبت، فأنت لديك مشكلة أخرى، المتلاعب هذه المرَّة هو ذلك الذي يوسوس لك في داخلك لكي تعيش في هذه الحياة وأنت تأخذ ولا تعطي!

للمتلاعبين سحرٌ جميل بمعنى الكلمة عندما يتعلق الأمر بما هم قادرون على إيقاعه في الآخرين من تأثير حسن. وكلما كان المتلاعب قنوعا أحبَّه الناسُ أكثر، من هذا الذي يمانعُ شراء مشروبٍ لإنسان ظريف في حانة؟ ذلك الذي يمنحك أذنه، أو يؤجرك لسانَه ليقول لك كل الكلام الذي تحلمُ بسماعه من الجميع؟ متى نفرِّق بين كونه متلاعبا أو لا؟ في الهدف! هل يفعل ذلك حقا! ولديه نيَّة، ينتظر تلك [البيرة] الباردة لكي يتشجع ويكمل كلامَه؟ هل تتوقف حماسته عن الكلام إن جفَّ حلقه؟ هنا نستطيع الفهم، حتى وإن لم يستطع هو الفهم، هُنا كبشر خارجيين نفرق بين التلاعبِ المقصود، أو غير الواعي، هو تلاعب ما دام يتعلق بهدفٍ، وأنت نفسك عزيزي القارئ قد تكون أحد هؤلاء دون أن تدري، متلاعباً بالآخرين، وكل الذي تريده هو ما يمكنهم أن يفعلوه لك! هل يسلم إنسانٌ من شر التلاعب؟

المتلاعبُ رجلٌ أو امرأة. ذلك الشابُ الذي يقول لك أنه تزوج امرأة مصابةً بالسرطان، في التسعين من عمرها، لأنَّه يحبها، ويدافع عنه جموع الرومانسيين بحجة أن الحب لا يعترف بالأعمار! ونعم هذا ليس مستبعداً، ربما إن أثبتَ أنَّه متنازل عن وصيتها، وعن نصيبه في الميراث، أما ارتباط مصلحة مباشرة بكل هذه الرومانسية الوردية! بربَّك! إن كنت تريد تصديق هذا الهراء فلا بأس، سنتفق أنَّها احتمالات، وكوننا كبشر لا نعرف ما بدواخل الآخرين فإنك كرومانسي تفكر باللون الوردي فلا بأس، لديك وجه حق في احتمال صوابِك، ولدينا ألف وجه حق في احتمال خطئك، ومن يدري بما في النفوس! وهذا المثال هو نفسُه ينطبق على العشرينية التي تغوي رجلا في الثمانين، وليكن مليونيراً يقضي أيامه الأخيرة مع أسطوانة الأكسجين والعلاج الكيماوي، إن لم تشعر أنها تتلاعب به فأنت [قد] تكون تعيش في حياةٍ جعلك المتلاعبون فيها تشعرُ بالنبل، والكرم، والرومانسية، وهم يسحبون اهتمامك، أو مالَك، أو يستظلون بما لديك من علاقات وقدرات ومهارات يأخذونها مجانا فقط لأنَّك تريد أن تشعر أنَّك كريم ونبيل، ولطيف، ورحيم.

يتباين البشر في خضوعهم لمهارات المتلاعب. امرأة عجوزٌ تضع مدخراتها في يدِ داعية واهمٍ يقول إنه على وشك أن يكتشف دواء للسرطان، وامرأة تكتب البيتَ باسم زوجٍ لئيم، لا يسرقه، ولا يبيعه، ولكنه يريده نقطةَ لي ذراع معنوية، ضمن تلاعبه لكي تكون الحياة كما يحبُّ ويشاء. كما اتفقنا، المتلاعبُ الذي نسردُه هنا ليس ذلك الذي يرتكبُ فعلاً خاطئا، إنَّه ذلك الذي يفعل الصواب في كل شيء تقريبا، البارعُ في إشعارِك بالبهجة، وبأنَّ الحياة [بخير] ولا تخلو من الصدق، والنبل، والرومانسية، وبأن الثقة بالناس ممكنة. الذي لا يمكن رؤيته هو الجانب الآخر من حياة المتلاعبين، عندما يخططون بعنايةٍ لما يقولونه، وكيف سيبدون، ولا تخلو الحياة من المتحايل الغبي الذي يقود سيارةٌ قيمتها آلاف الريالات ثم يبكي على مسامعك وهو يقول لك: ليس لدي نقود للعشاء! أو ذلك الذي يبيع لك حزنَه فقط لكي تمنعه من أن يتصل لك في منتصف الليل، يجابهك بنبرته الحزينة جدا: ليس لدي غيرك لأكلمه!

متلاعب مسكين، بسيط، الاهتمام مرادُه، كل ما يطلبُه هو أن تسمح له أن يكون الإنسان الذي يتصل بك في أي وقت. لا يختلفُ عن ذلك الذي فجأة يكذبُ ويقول لك أي كلامٍ ممكن، فقط لكي تخجلَ وبسيف الحياء يصرُّ على اختيار الفيلم المناسب للسهرة! يجهز العدة قبل دخولك لشقة الشباب، ويخبرهم عن حالته النفسية السيئة التي يعيشها، وكيف أنه وجد فيلما! ما الوجه الواقعي، أنَّه ببساطة بالغة قرر أن يشاهد ذلك الفيلم، أما هؤلاء الذين هم أصدقاؤه فهم شيء هامشي يمكنه أن يغير ترتيب ليلتهم فقط لهذا الهدف البسيط، وليت كل متلاعب في هذه الدنيا يفعل فعل هذا الظريف الذي يقرر أن يصاب بيومٍ سيء فقط لكي تسمح له أن يختار فيلم السهرة! لا بأس بالوقوع في هذا الفخ إن كان صاحب ذوق جميل في الأفلام!

المُتلاعبُ البارع يحضر في التوقيت المناسب، وهو صاحب مهارات جميلة للغاية إن تم استثمارها في أشياء أخرى تعود بالنفع عليه وعلى غيره. هذا ما يقوله منطق تبادل المنافع بين الناس. للأسف الشديد، لا يعلم المتلاعبُ أنَّه قادر على فعل أشياء خيِّرة بمعنى الكلمة، وعلى إشعار كثيرين بالرغبةِ في الجلوس معه دائما، وعلى بث طاقة من الإيجابية والفرح في قلوب الآخرين، لديك فنُّ الكوميديا على سبيل المثال، إنسان متلاعبٌ يوصلك لمرحلة خارج وعيك، والضحك فعل غير واعيٍ، لكنه لا يطلب امتيازات تفسد لحظاتك الجميلة، لا يرهقك عُسراً بسموم يومه، لا يفسد عليك نظرتك فقط لأنه يطلب مصلحةً معنوية مثل أن يشركك في مزاجه السيء، لا يحاول نيل بعض الريالات من جيبك ليقامرَ بها دون علمِك بحجة أنه فقير ومسكين. وتذكر عزيزي، ليس كل من يعيش هذه الظروف متلاعب، البؤس موجود في هذه الحياة، والفقر موجود، وما يعشعش من ديدانٍ في هذا البؤس هم هؤلاء البارعون في نيل مرادِهم، وإشعارك أن هذا مرادك. المتلاعب لا يكذبُ بقدر ما يخفي، ويعلمُ علم اليقين أن بدايةِ محاصرته بالأسئلة عمَّا يفعله، ولماذا يفعله! يعني أن حبل التلاعب نصف القصير، نصف الطويل، قد بدأت أليافه في فقدان تماسكها، سيتوقف عن الشد، وربما يرحل بعيدا، وسينتظرك بكل صبر لكي تعود إليه، وتعوضه عن كل الذي فات. كُل أشكال التلاعب تلفُّ وتدور حول إنسان لم يكمل بناء دفاعاته كما تحتاجُ حياة الفرد المعياري. حول ذلك النقص الذي نعيشُه، والورطة التي يجدُ فيها المرء نفسه وقد وقعَ فيها، محاطا بكل هؤلاء الذين يجيدون العزف على أوتار نقصه، ومشاعره التي يتوق للحصول عليها من الآخرين. كُل نرجسي متلاعب، ولكن ليس كل متلاعب نرجسي، البعضُ لديه تصديقٌ كبيرٌ لما يفعله، يمكنك أن تعينه ببعض الصراحةِ، وأن تخبرَه عنما يفعله بك، ويمكنك أن تشير له عن تأثيره على نفسه وعلى الآخرين، البعض يتحول إلى كابوٍس مؤذٍ، وقد تكون سيء الحظ الذي يبدأ به حياةً من إيذاء الآخرين، وتهديدهم، وابتزازهم، وربما سرقتهم، وربما في حالات قتلهم، أو قد تكون حسن الحظ وتكون ذلك الإنسان الذي أهدى لإنسان آخر بصيرةً يحتاجُ إليها، تلك الصراحة، وذلك الصدق هو الشعور بالنبل الذي يجب أن تشعر بها عندما تجدُ إنسانا يتلاعبُ بالآخرين وهو لا يعي أنَّه يفعل ذلك، هذا الشعور يكفيك، بدلا من عقدة المنقذ، أو الكريم، أو الإنساني، وغيرها من الأوهام الي نملأ بها نقصاً داخلنا، يجب أن نملأه بها. وبهذا ينتهي سردنا عن المتلاعب الظريف، الذي لا يؤذيك، ولكنه لا ينفعك! ينفع نفسه فقط، وكل ما يفعله هو أنه "يعطيك من طرف اللسان حلاوةً" وأحيانا! هذا كل ما نحتاج له في لحظات كثيرة، والمتلاعبون يعرفون ذلك جيدا!

 

 

معاوية الرواحي

الاثنين، 13 مارس 2023

الكتابة بين الوجدان وخارجه!

 

 

 

تسألني أستاذةٌ قديمة من أساتذتي، تعقيبا على مقالٍ سابقٍ لي تناولتُ فيه برزخ الشتات بين لحظةِ الكاتب الرصينة، وتلك المتناثرة في فضاءات الحضور الاجتماعي، الشخصي كان، أم ذلك الإلكتروني الذي عشعش في أنامل الكتاب في الزمن الحديث.

يقول سؤالها: " نحن كبشر ننساق بسهولة وراء عوالم الشتات والأحاديث القصيرة. لماذا؟ هل هو هروب من التعلق والارتباط بالناس والأشياء؟"

 

ما الذي يفعله المبدعُ عندما يشغلُ نفسه عن مهنته، ومساره، ومسيره، وآماله الإبداعية لينساق وراء عالم الشتات والأحاديث القصيرة! هل هو هروب من التعلق؟ أم هروب بسبب التعلق؟ هذا سؤال يجب الإجابة عليه قبل أن نفهم الدافع الذي يجعل عازفاً موهوباً يتجاهلُ آلته الموسيقية، وحفلاته التي تلاحق جدوله الحافل بالنجاح، والمال، لينشغلَ ساعاتٍ طويلة وهو يلعب [الورقة] مع رفاقه في [عزبةٍ] من العزب في مزرعة بعيدة شبه نائية، لن تخلو الجلسة من استراحات لعازف الكمان الرهيب الذي يعزف في دور الأوبرا حول العالم، وستخلو من الذين يفهمون إلى أي مدى ذلك العازف بارع، وكبير، وله قيمته العالية في حقل الإبداع والفن. ما الذي فعله هذا العازف في هذا المثال؟ هل هربَ ارتباطه بالأشياء، هرب إلى الناس!

كيف نلجأ إلى هذا الشتات المتكون من الأحاديث القصيرة؟ هربا من الناس، ربما لأننا نريدُ استراحةً من علاقاتنا الدائمة، إيقاف النقاش مع الأخ الكبير المشاكس، أو مع الابن المشاغب، بل وحتى من التصاق الطفلة الصغيرة، أو الزوجة المتطلبة، أو الأبِ اللحوح، أو الأمِّ كثيرة التشكي والنقد، هُنا هربُنا يحمل طابعا معاكسا، نأخذ استراحةً صغيرةً نجربُ فيها [وجبةً] اجتماعيةً سريعةً، دسمة، مليئة بالضحك، والتعارف، والإشباع النفسي، والنشوة، بل وربما ندغدغ آمال صناعة صداقات جديدة، وعلاقات جديدة مدهشة، ونخرج من دائرة الاستمرارية التي تُشعرنا أحيانا بالحصار، وبانعدام الخيارات.

عندما يفعل الكاتب لذلك؟ لماذا يفعله؟ الكتابة بشكل ما أو بآخر طاقة وظروف، دقيق يكفي لصناعة كعكةٍ كبيرة تتوزع على عدد كبير من الناس، لا يهم التشبيه، يمكنك أن تشبه طاقة الكتابة بكمية هائلة من الرز يكفي لإطعام قبيلة جائعة، أو بخزان من الماء يكفي لري مزرعة كاملة. التشبيه غير مهم، الفكرة تتلخص في أن الكاتب لديه مخزونٌ جاهز ليتحول إلى جلسات إبداعية متتالية قد تتحول إلى كتاب، أو إلى مقالات عديدة، ما الذي يدفعُ الكاتب إلى شتات الأحاديث القصيرة؟ كما في مثال العازف سابق الذكر.

هناك سبب ما خفي، وهو [جدَّة المحتوى]، فالكاتب كائنٌ يجد نفسه وقد تناسلت الأفكار الجديدة في عقله، وتفاعلت، وكوَّنت ما يشبه المادة الجاهزة التي كل ما عليه فعله حيالها هي جلسة من الكتابة. ينجذب الكاتب إلى منصات التواصل الاجتماعي [وهي ما يقصد به بالشتات، والأحاديث القصيرة مع الغرباء] لأن مُتعة هذه المنصات، فضلا عن وجود المادة الجديدة [المحتوى] إضافةً إلى براعته وخبرته تكفي لطبخ وجبة من الوجبات الاجتماعية السريعة، ثلاث ساعات كان يمكن أن تذهب لكتابة مقال رصين تحولت إلى عشرات التغريدات [والمناشن] وغيرها من التفاعلات المشتتة، بلا تركيز، بلا تجويد للنص المكتوب، وفي الوقت نفسه بمتعة بالغة، وبإضافة إلى رصيد الخبرة الاجتماعية، وتمرين على فن الردود، والتواصل، وترسيخ للحضور الاجتماعي، والأهم تصالحٌ مع اشتراطات قارئ الزمن الجديد الذي يريد قراءة نص قصير للغاية، بدون شروحات، مليئا بالمعاني المجردة، والمفاهيم غير المثبتة، خاليا من الجدال مع الآخر خارج النص، ومن الجدال الداخلي داخل النص. يوزع الكاتبُ الدقيق الذي كان يكفي لحفلةٍ دسمة لقارئ نهم ليجعله في قالبٍ في الفرن مليء بالكعك الصغير، ينثره بجذل، ونشوةٍ، ويخرج من جلسة الكتابة تلك مشبعا نفسيا، يشعر بالحبور والنشوة، هذا على فرض أن جلسة الكتابة الإلكترونية المشاع تلك قد مرت بسلام، وعاد منها سالما غانما يشعر بالتحقق، ودغدغ ما يكفي من آلامِه، وغير جوَّ العلاقات الدائمة في حياتِه، وربما عاش القليل من الأوهام عن إمكانية أن يختار حياةً أخرى غير حياتِه، وغيرها من المغريات المتعلقة بالتواصل مع البشر.

 

الجلوس إلى طاولة الكتابة، وعصر الحروف من الذهن، ونحت الجمل، والتأمل في النص، وإعادة تركيبه عملية أحادية الجانب، النصُّ يستنزف الكاتب ويأخذ منه، والتحفيز الوجداني الذي يقوم به الكاتب تجاه نفسه يستنزفه أيضا، من النادر أن يمنحك النص مكافأة تفوق الفعل الجماعي الذي يفعله الأصدقاء في منصة مثل [الفيس بوك] أو في منصة مثل [تويتر]، الغريب في هذا الزمان هو أن يعتزل الكاتب كل هذه المنصات المليئة بالحلوى الهرمونية ليكتبَ منعزلا، هذا هو الذي يجب أن يُشار إليه بالمستغرب.

عالم الشتات والأحاديث القصيرة، نهرب منه وإليه، هرب من المؤقت في حياتنا إليه، ونهرب من الثابت في حياتنا إليه. أظنُّ أننا نستخف كثيرا بطاقتنا المتوفرة لنكتب، كالذي وفَّر بعض المال ووقع في الاختيارات بين شراء تكييف جيد لغرفته، أو الخروج في رحلة مع الرفاق إلى مدينةٍ مليئة بالملاهي، والمغريات ليعود ممتلئا إلى غرفة خانقة، ومكيف يبث هواء يشبه البخار الساخن. نهربُ لأننا لا نقيّم الثروة التي لدينا، أو بلغةٍ أخرى، لأننا لا ندرك أن نعمةَ الطاقة التي تمدنا بها أرواحنا تتراكم ببطء شديد يستحق أن نصرفه إلى ما يستحق، مع ذلك، الترويح عن القلوب ساعة فساعة جزء من هذه العملية التفاعلية بين وجدان المرء، وذاته الكاتبه، والآخر بوصفه قارئا وجزئا من مدنية الإنسان المفروضة عليه جينيا، وثقافيا، وحتمياً وفق سيرورة الإنسان الأزلية.

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

الأحد، 12 مارس 2023

عادتٌ صراعها مزمن!

 

 

فعلَ الزمنُ ما فعلَه بنا وبعاداتنا. ننتقلُ من تركيز العصافير إلى تركيز البراغيث. لا أقصد ليونيل ميسي في هذا السياق، أقصدُ هذا الذي وصلنا له في عصر النفثات السريعة. [الريلات] كما تُسمى الآن. في وقتٍ سابقٍ رفعُ خبراء مدرسة [التلقي ما له وما عليه] عقائرهم مصرِّين على الزمن المناسب لتدوينة من تدوينات اليوتيوب المرئية، عشر دقائق كثير! هكذا ينطق بعضهم بتقزز بالغ من أجل المتلقي العام، العالمي، المدلل، كثير الشروط، قليل المعرفة بمُنتج المادة الإبداعية. ربع ساعة كثير يا رجل! يجب ألا تتجاوز المادة خمس دقائق! وكنا نشتكي من ذلك الزمن! بل ونصفُ ربابنته الأشاوس بمختلف الصفات، ماذا عساهم أن يقولوا اليوم، في عصر التسعين ثانية، وعصر تويتر، وعيلون ماسك، والهلع العالمي عندما أصيبَ متلقي العصر الحديث في مقتلٍ بعد أن رفع عدد الحروف في التغريدة الواحدة! نعيش في عصرٍ نُسفَ فيه تركيزُنا نسفاً وتناثرت أشلاؤه بين التطبيقات، ذلك السناب الذي يزولُ بعد ليلةٍ واحدة ليقول لك واصل [دوبامينك] بحماسة، وفيروس [الحالات/ الستوريات] الذي ينزل مثل جهنم على مزاجك، رذاذٌ تحت ضغطٍ عالٍ يدغدغ أجهزة الإنسان العصبية ليجعله كما هو عليه، لاهثا، يركض وراء الجديد كأنه يريد قراءة مكتبة الكونجرس ثم بعدها يبدأ في الحياة! ما الذي يعدنا به عصر الذكاء الصناعي والواقع الافتراضي؟ إن كانت هذه نهاية عصر الهواتف، والتطبيقات، بكل ما فيها من افتتان بالمزايا العصرية والتي معظمها تنحصر في طلب التاكسي، والطعام، أو تحويل النقود. في الأربعين من العُمر وأشعرُ أنني أعيش في غير زمني، ماذا سأقول بعد عشر سنين عندما أرفض أن ألبس نظارة الواقع الافتراضي، أو أفضل الطريقة القديمة المتمثلة في الذهاب للمطعم بنفسي، ماذا سأفعل عندما أضطر لتقديم شكوى للذكاء الصناعي لروبوت غبي لم يقم إنسانٌ بصيانته وأضطر لملئ استمارات متتالية لأثبت أنني لست أذكى من تلك الأنظمة الأوتوماتيكية المبرمجة في لوحة مفاتيح! أو ربما بتوجيهات صوتية، أو حتى لغة الإشارة، أي جنون يعدنا به العصر القادم!

 إنَّ ما نفعله بأنفسنا بالانسياق وراء هذا النداء اللحظي له عواقبه الوخيمة على كل شيء. الفنان المسرحيُّ لم يعد يفكر في خشبة المسرح، أصبحت مرحلة مؤقتة يُنتج فيها القليل قبل أن ينتقل إلى صنع [الريلات] السريعة، أو ما صار يسمى رسميا [المقاطع]، قليل من العمل ثم كثير من التشتت والتجزئة. الكاتبُ الذي في عصرٍ سابق كان عليه أن يفعل الكثير ليعترف به أصبح اليوم يوقع كتبه في معارض الكتاب مضطرا للتعايش مع أجيال النفس القصير، العازف انشغلَ بوضع مجموعة من المعزوفاتِ الصغيرة، وإعادة إنتاج أغنيات أخرى، الرسام يفكر بتصميم سريع. بقي النقاد والمفكرون يضربون الأخماس والأسداس في إيجاد مكانٍ فيهم في الزمن الحديث، من هذا الذي سيتابع [بودكاست] مدته ساعتين؟ هؤلاء القلة الذين في يومٍ من الأيام كانوا قصيري النفس أمام جيل الندوات التي مدتها خمسة أيام، الزمن يفقد صبره، ومعه الإنسان يفقد تركيزه، وكما حولتنا الرأسمالية إلى آلات استهلاك، تحول أذهاننا إلى عقولٍ مشتتة، لا تستطيع أن تحيط بأي شيء علما، نريد أن نعرف شيئا واحدا عن كل شيء، ونواصل الحياة بهذا الشكل المدمر لأصالة الإبداع. أين الكارثة؟ أنك مهما حاولت أن تعيش منعزلا عن كوكب الشتات هذا، وعالم [التايملاين/الخط الزمني] وعالم [الريلات/ المواد المرئية القصيرة] فسوف يفوتك من هذا العالم الكثير، التاجر سيخسر، والمبدع لن يجد منصة انتشار، زمنٌ يلقِّنُ المهنيين في فنون الإبداع دروساً من النجاح والقيود في آن واحد، يمكنك كسب الوفير من المال بمنصة واحدة، ويمكنك أيضا خسارةَ روحك الإبداعية وتقديم تنازلات متتالية فقط لأنَّك يجب أن تتأقلم مع ظروف الحياة وخيارات الجمع الكبير من البشر.

خذ دوبامينك وامضِ. ونحنُ ندفع الثمنَ كل يوم. أتساءَل عن آثار السنوات التي قضيتها في عالم النص القصير، ولا أشعر بالكثير من الحسرة، لقد تأسستُ على عالم النفس الطويل حتى خرج عن السيطرة، وأخرجُ عن عالم النفس القصير قبل أن يخرج عن السيطرة. لسبب ما، أقف عند ناصية الألف كلمة في المادة الواحدة راضيا عن ذلك، ولكنني لستُ مليئا بالنشوة كما أفعل عندما أكتب في تطبيق التدوين القصير [تويتر]، هُناك تتوقف حسرات الفلسفة عن إقلاق راحتي، وتحمل الكتابة شكلا علنيا من أحاديث السمر الشخصية بين الأصدقاء، يتدرعُ المرء بشخصيته العامَّة طوال اليوم. في زمن السوشال ميديا تنقلب الآيات، فالحفاظ على شخصيتك العامَّة [قناعك/درعك] أصبح هو السهل، تمسكك بشكليات الحضور في العصر الحديث أصبحت النزعة التلقائية التي تعيشُها، الرقص في الشارع، والغناء في الأماكن العامَّة، والتباهي بالمثالية، بل والتنمر، وادعاء الفضيلة، كلها أصبحت هي السلوك الأصيل لنا كبشر. ما الذي أصبح صعبا؟ أصبح الصعب أن تكون نفسك! يا لعذاب الذي يصرُّ على أن يكون نفسه وما هو عليه في هذا الزمان المُربك!

نحن كبشر ننساق بسهولة وراء عوالم الشتات والأحاديث القصيرة. ألا نفعل ذلك عندما نذهب للعمل؟ ونقضي ثلاث ساعات نتحدث عن فوز ميسي بكأس العالم ثم نقضي ساعة ونصف في إنهاء الأعمال المطلوبة منها؟ نعم نفعل ذلك. العالم بأجمع يتحول إلى نسخة كبيرة من أحاديث الغرباء في غرفة التدخين في المطار، أو تعارف عجوزين في أوروبا في مقهى يقدم قهوةً بها 12 معلقة من السكر. من الذي يريد قضاء الوقت؟ المعقدون نفسيا! هؤلاء الذين يريدون الجلوس لثلاث ساعات مع صديق! هذا السلوك الذي نقضيه كبشر منذ آلاف السنين أصبح مستهجنا، الحديث مدته خمس دقائق، والتواصل مدته ثلاث دقائق، وحتى اللقاء الذي يخرجُ فيه مجموعة من الأصدقاء يصبح ثقيلا على النفس، يجب ألا يتجاوز الموضوع ثلاث دقائق قبل القفز لواحد آخر، سنعيش غربةً كبيرة في قادم الوقت مع الأجيال الجديدة، وسوف يفرضون علينا هذه المدرسة في الحياة. تغيرت أشياء كثيرة، وانتصر عصر النفس القصير، المؤسسات الرصينة انهارت تحت هذا الضغط، والعقول الصبورة اضطرت للتنازل أمام هذه العادات وصراعها المزمن. لقد انتصر عهد المبرمجين، وصناع الخوارزميات، ومهندسي [الزيارات] شكلا، أما المضمون فلا ينتصر عليه أحد، ولعل هذه الحقيقة المطمئنة هي آخر الرهانات في هذا العصر الذي يمضي كل يوم إلى عالم النص القصير، وعالم الفيديو القصير، وعالم القصير، والقصير، والقصير! أسئلة المبدع في عصر الانتشار السهل والساحق أصبحت مليئة بالمرارة. المتلقي يضع شرطه الصارم ويقول: من الذي سيقرأ كل هذا الكلام؟ ومن الذي سيتابع محاضرة مدتها ساعتان! أعانك الله أيها المراهن على الإبداع في هذا العصر المجنون بالسرعة والشتات!

 

معاوية الرواحي