بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الــصــعــلوك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الــصــعــلوك. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 16 فبراير 2023

ورقة باسم صديق!

 بين الأصدقاء، وفي حال الاختلاف الفكري يجب أن نفرِّق بين حقنا في قول رأينا، وتبني مواقفنا أو إجبار بعضنا البعض عليها. إفساد الود هو [تسييس للصداقة] قولا واحدا!

صديقك ليس أداةً سياسية تمرر بها أجندة مهولة وثقيلة عليك وعلى وجودك، يجب أن تفهم ذلك إذا أردت أن تلوك شؤون الأفكار.
التفكير فطرة في الإنسان،الموقف قرار تنفيذي. أسئلة الصداقة يجب أن يُجاب عليها قبل الخلاف الفكري لا بعده، لا توجد جدوى أن تقيم صداقات كثيرة وأنت جاهز لخساراتها لتقدمها كقرابين في آتون أجندتك. يجب أن تفهم نفسك جيدا، وتفهم مساحة الاختلاف لديك، وسياقه، عدا ذلك، ستكرر الخطأ نفسه مرارا.
ولا حل لهذا الإشكال، الآمال شكل من أشكال النوايا. إذا نويتَ أن تكون حادا فلا تكن نذلا، الصديق ليس بيدقاً لكي تحقق به ما عجزت عن فعله بنفسك، الصديق ليس درعا تصد به هجوم الغرباء عليك، الصديق اسمه صديق، تصدقه القول، ويصدقك القول، وليست مهمته أن يحارب في معاركك نيابة عنك!
على أية حال، لم تعد الصداقة ثمينة كما كانت في أجيال سابقة. كل يوم يأتي بهلاوس الاكتفاء بالذات ونظرية [الذي لا يطاوعك اتركه]، أصبح البشر يبحثون عن من يشبههم، العشرة، وغيرها من العواطف الكلاسيكية أصبحت ركاما تذروه الرياح. في عصرنا الحالي، ما أسهل خسارة الأصدقاء بسبب نقاش.
وهي ليست مسألة أجيال بقدر ما هي مسألة أعمار،إلى متى ستحتاج إلى الخسارات أن تعلمك أن الصديق له حياته المستقلة، يمكنك أن تكون مُسيَّساً كما تشاء،مواليا، ممانعا، معارضا، مطوعا، ملحدا، شيطان جهنم الرجيم، أو ملاك المثالية الرحيم. صديقك ليس ورقة تحرقها في ألاعيب خيالك فلا تخسر أصدقاءك.
ويجب أن تفهم الفارق بين الصديق الضعيف اليائس الهش، وذلك النذل الجبان الذي يريد أن يرمي بك في آتون المواجهات كأنك جندي من جنوده. اليائس الهش يشكو لك قلة حيلته، يلجأ إليك وإن بدا لك أنه يضغط عليك، النذل الجبان يعتقد أنه ذكي، ويظن أنه يلعب بك في اللعبة الكبيرة ضعيف النفس والضمير.
إذا أردت أن تحارب في معركة فكرية كبيرة، لا تكن جبانا، حارب بنفسك، وتحمل الخسائر بنفسك، لا تبحث عن مكبر صوت على هيئة صديق لكي تختبر أفكارك، مهما بدت لك أنها صواب، ومهما شعرت أنك تعتنقها، حارب بنفسك، هذه معركة ترفية أنت اخترتها، المعارك الحقيقية هي التي تختارك دون سواك.
لذلك، هذا موقف يجب أن يتضح من جانبك، لا تحاول أن تتمسك بالصداقة وفي الوقت نفسه تجعل موضوعا فلسفيا اختلفت الخليقة حوله شرطاً لاستمرار صداقة من عدمها. لا تتخذ أصدقاء حتى تتبين من أمرك رشدا، وإن استدعى الأمر أن تجد بيئة مؤقتة كل ما فيها هو من يشبهك فهو أفضل من خسارات وحسرات.
الاختلاف الفكري يقود مع الوقت إلى اختلافات شخصية كثيرة، هُنا تأتي أهمية التفاوض وتحديد المساحات بين كل شخص تختلف معه [فكريا]، هذا فقط في حالة الخلاف الفكري الذي قاد لخلاف شخصي، أما الخلاف الشخصي، فلا حل له، لا أفكار يمكنها أن تجعله منصفا. البغضاء لا منطق لها ولا فيها ولا منها.
وأنت تعيش هذه الحياة سيدهشك كم [لا يعبأ] الآخرون بك ولا بما تفكر به، هذه الحياة مصالح متشابكة، [نفع] متبادل عادةً. قد تظن أنك مهم جدا في عالم الأفكار، وأنَّك تشبه الذين تؤمن بهم، قوي مثلهم،وستلطمك الحياة على وجهك عندما تكتشف أن كل أفكارك لا تهم ما دمت إنسانا لا يسيّس صداقاته.
وإذا كانت قناعاتك صلبة ولا تتزحزح، هُنا افعل الصواب، وارحل إلى المحيط المسيّس الذي يمكنك أن تمارس فيه ما تشاء من ألاعيب، حيث لا أصدقاء، ولا صداقات، ولا آمال، ولا إنسانية، عش في الخوارزمية التي تناسبك واخرج منتصرا أو مهزوما، لا يهم، فقط لا تقحم الصداقة في حساباتك الفكرية المسيسة!

الأربعاء، 30 يونيو 2021

مأساة الفرد الغاضب!

 

 

 

أن تكون عُمان مجتمع أسري محافظ هذا لا يعني أن الجميع عليه أن يكون محافظا، وأن يكونَ عائلي التوجه، هذه الحياة أقسى بكثير من أن تمنح الجميع عائلات صالحة، البعض يتمرد مضطرا، ويجدُ حياته تنساق في مواجهات لم يخترها، سيضطر للقتال، وللمواجهة، فليس لديه سوى ذلك ليعيش دون أن يُفترس.

قد تكون عشتَ في كنف عائلة صالحة، أبوك ليس سكيرا يعود للمنزل ليصفّع أمَّك أمام عينيك، لم تعيش يتيما في منزل زوجة الأب التي عقّدتك، لم تهرب أو تُطرد من المنزل. هؤلاء الذين مرَّوا بهذه الظروف لا يمكن لهم العودة ليعيشوا حياتك أنت، بكل اقترابها من المثالية والنمطية.

المجتمع الكبير وطريقة حياته ثقافة تحمل قوة الشيوع والتكرار. المتمرد في عُمان يواجه طبقات دفاع كثيرة، إن أراد أن يغيّر فأمامه عمره من النضال ولعله يكون محقا، ولعله ينتصر ويرفع الظلم عن نفسه وعن غيره.

المجتمع الكبير في عمان ليس عادلا بالضرورة ليضمن حق الجميع في الحياة كما يحب.

القانون المفزع في عُمان هو قانون الصمت. أن تختلف عن النمطي قد تعيش وتكمل حياتك كما تحب وتشاء، قانون الصمت هو الشرط، هكذا يعيش الملحد في عمان، وهكذا يعيش كثيرون، والغربة هي نصيب الذي يقف في صف المجتمع المحافظ، والذي سيستنفر وسائله للدفاع عن ما يألفه من ثقافة للعيش، وأسلوب للحياة.

وثمة مجال معقول للمواجهة في عُمان، تستطيع أن تدافعَ عن حقك الشخصي ونمط حياتك ما دام الغريب يتدخل فيها بلا مبرر. الغرباء هم الجحيم الحقيقي في عُمان، هم طاعون التفكير، كنت محافظا، أو لبيراليا، أو مؤمنا، أو ملحدا، أو معارضا، أو مواليا، سلطة الغرباء في عُمان كبيرة جدا،وقاسية، وظالمة.

وثمة مساحة للحياة في عُمان، إلا عندما تُرفع عنك الحصانة ويهاجمك الغرباء، سلطة الغرباء في عُمان مهولة والخوف من [كلام الناس] مبرر جدا، البعض يتعايش معها بالعزلة، والبعض يعيش بوجهين، والبعض يفعل الأمرين معا، أقسى كارثة تحدث للفرد في عُمان أن تشتعل تجاهه نقمة الغرباء، فيصبح عبرة!

ولا رحمةَ بعد هذه الحرب، الفرد المتمرد الذي يشاكسُ الشروط الضمنية للحياة في المجتمع العُماني سينال درسا قاسيا من الصعب أن ينجو منه وهو بكامل سلامته العقلية، إنها حرب تدمير، وتشنيع، وتحطيم، وتقطيع، وبتر كامل، استقواء عنجهي وتنمر جماعي، وصناعة إنسان قتيل اجتماعيا ميّت الأمل والفرص.

قانون الصمت، وقانون الستر، هذه مقدساتٌ اجتماعيةٌ محاطة بالغموض في المبررات، إنها تحدث لأنها تحدث، الخوف من كلام الناس ومن سلطة لسان الغرباء شرط من شروط الحياة في عمان، وكل دولة قليلة السكان لديها هذا الذعر، فخياراتك في الحياة مهددة ما دمت تشاكل سلطة المجتمع، وأدواته، وغربائه.

ولذلك يحتفي الناس بمتنمر، مع أنه يتدخل في حق الآخرين، وفي خصوصيتهم، يحتفي به البعض لأن الوقوف في وجهه يعني إبطال سلطة الغرباء، ولذلك يفتك البعض جماعيا بفرد، لأنه تجرأ أن يقولَ ما لا يناسبُ التوجه الاجتماعي العام، قانون [اخرس] واحتفظ برأيك لنفسك، حتميات الفزع الاجتماعي العماني.

تستمر حياة الفرد ما دام ملتزما بهذا القانون السري الذي يربطه بالمجتمع في عمان، مهما كانت خطيئته الاجتماعية فذلك شأنه الخاص حتى يصاب بالجنون ويجابه هذا الطوفان الاجتماعي بكل أدواته وخطاباته وثقافته، خلايا مناعية تلقائية التفعيل عندما يتعلق الأمر بشكل المجتمع النمطي، وثوابته.

صدامٌ أزليُّ، يستثمره البعضُ لتحقيق مصالح اجتماعية، والبعض للظهور، والبعض لأنه يتعلم وذلك يروي فضوله، من هو عاطفي بلا أفكار، والعقلاني بلا عواطف. فوضى حقيقية من بذور النشأة، وصراع الثقافات والحضارات، هذه الحياة قاسية وغير عادلة، سنعرف ذلك عاجلا أم آجلا.

أصعب مسار ممكن في عمان هو أن تكون غاضبا، الغضب أداة في المجتمعات قليلة السكان، أداة موجهة، ونادرا ما يحدث لظروف طبيعية، أصعب حياة ممكنة في عمان هي أن تكون غاضبا، ومتمردا، وساذجا في بداية عُمرك، وغافلا عن شياطين العالم البشري، شياطين الفضيلة الذين ينصرونها بالفتك بالضعفاء.

وهكذا تحدث القصص الحزينة. عندما يجد الغرباء ضحيتهم القادمة، أين ستهرب وقتها؟ إما للجنون، أو للهرب من الهرب، إلى أمنية أن تعيش شبه حياة في هذه العالم. هذه القسوة الباذخة في إيجاد المبررات هي أعمارنا التي تمضي، وكل أخطائنا التي نجونا منها لنحكي شبه حكاية، عن شبه حياة!

 

 

 

الأحد، 7 مارس 2021

نرجسية جلد الذات

 

 

#نرجسية_جلد_الذات: يبدو جلاد ذاتِه غير مؤذ، وربما قريباً إليك، فلعلك تحب التقرب من هؤلاء الذين يشعرونك أنك أقل سوءا منهم، هؤلاء لقيا كبيرة لكل موهوم بالعظمة فلا يكفي أن الآخرَ الذي يمثله الآخر منفوخ بذاته، يأتي آخرٌ لهذا مشحونا بكل اللغة التي تمكنه أن ينال منك، يخدعك، فجالد ذاته كنافخ ذاته وجهان لعملة واحدة، إنها النرجسية الخفية المتعلقة بمعرفة الفرد لنفسه الداخلية، وإدراكه لما ينطوي عليه من حقائق وما يحاول أن يؤمن به من أوهام.

من مقتضيات الحكمة أن تحذر للغاية عندما يمرُّ عليك نموذج لهؤلاء البشر، ولا سيما لو كنت أنت ذاتك من هؤلاء الذين لا يلقون بالا لمشاعر الآخرين، ربما تكون أنت نفسك مزيفا، منافقا، تحب أن تُحمد بما لم تفعل، وما يدريك ربما تكون منتفخا نرجسيا يحب أن يجلد الآخرين وتقعُ في فخِّ لشخصية مريضة ذات عُقد مركبة. تمضي شهور وربما سنوات وأنت مطمئن لهذا الذي لم يترك صفة سيئة عن نفسه إلا وقالها لك، كلامٌ في كلام، لم يصل لمرحلة الفعل يوما ما لكنك تحب ذلك، وربما تصدقه، وربما تريد أن تسمعه فقط ولا تلقي بالا لذلك الذي يمور في حشا هذا الجلاد لنفسه، تنطلي عليك مجموعة مركبة من الخدع فتقول أكثر مما يجب وتقع تحت فخ صيّاد عقول محترف يهمّه أن يعرف أكثر من أي شيء آخر، لا يعنيه انطباعات البشر عنه فهو نرجسي مثلك يا عزيزي الجلاد.

شخصية الصياد جالد الذات النرجسي تتبلور حول الترفع والتعالي على أهمية انطباعات الآخرين عنه، هو يعلم من يكون وربما يعي جيدا أنه ليس مطلقا بالسوء الذي ينسبه لنفسه، يتلاعب الصياد بمشاعر النرجسيين بسهولة بالغة، هؤلاء ونزعتهم لتحقير الآخرين وشعورهم بالطمأنينة أنهم على اتصال مع شخص [أسوأ منهم] يكفي ليخففوا من الدفاعات التي سيغرقهم الندم لاحقا على تخفيفها، يحتمل الصياد جالد الذات النرجسي الكراهية والتحقير لكنه لا يقبل الأذى، ولا سيما عندما يأتي على هيئة أفعال، الموضوع بالنسبة له كلام في كلام وتلاعبٌ بالحقائق من أجل لحظة الكشف التي تتجلى بعفن النفس البشرية أمام عينيه، قد يكون كائنا بريئا محطما وقد يكون متلاعبا محترف أو مزيجا من هذا أو ذاك، أنت أيها النرجسي الأعمى تتحول مع الوقت إلى فريسةٍ تستحق العقاب، فهذا الصياد لا يخلو من قيم ومبادئ في هذه الحياة تجعله يلوم نفسه على مخالفتها أجمعين وإن لم يخالفها، ينسب الصفات الوضيعة إلى نفسه، هو لا يفعل ذلك ليسعدك ولكنه يهبك هذا الانطباع الفادح، وأنت أيها النرجسي تصدق ذلك، ولا تعرف أنك أمام شخصية نرجسية تطرفت حد المرض وتناقضت حد عدم اهتمامها للحقيقة، الهم هو أن يكشفك، أن يعرف خباياك وأن تطمئن إلى ضعفه المفتعل وذاته التي يقنعك أنها لن تشكل خطرا عليك، قد تكون نرجسيا لا يؤذي الآخرين ولذلك قد تفعل خيرا وتحاول تذكيره بالحياة وحب الذات ولكنك إن كنت من النوع الذي يحب النرجسي الصياد جالد الذات أن يفتك به فستستمرئ أن تفعل القليل من القُبح، الغدر، الاستهزاء بردة فعل شخصٍ من الأساس لا يهتم لانطباع أي  إنسان في هذا الكوكب، إنه يعيش في لعبته المريرة ويكتشف ليعرف، ويعرف ليكتشف وربما لا يريد أكثر من ذلك، ربما كان عليك أن تتركه دون أن تؤذيه، أو أن تلعب على حبال مصيره وخيوط أقداره، هُنا تصلُ إلى لحظة التوازن المرعبة بين حقيقة ذات الصياد، لقد كشفت نفسك أكثر مما ينبغي، إلى الحد الذي تيقن فيه هذا الأرعن مبحوح النظرة لذاته أنه ليس أسوأ منك، وأنك بالغتَ في التعالي بسيئاتك حتى دخلت  إلى أقبح قصص حياتك، عندما يتضح لك أن ذلك الغافل يتربص، وأن دفاعاته أكثر تعقيدا من أن تفهمها في دقائق، وأن أشباحا من الشخصيات المتعددة قد لعبت عليك لسنوات، قد استغفلتك، قد راوغتك وجعلتك لا تعرف أنت أمام من بالضبط، أما أنت أيها النرجسي المنفوخ فقد قلت أكثر مما ينبغي، وفعلت ما لم يكن عليك فعله ورحلتَ من إنسانيتك إلى الأذى أو الغدر بل وربما السرقة أو غير ذلك من خطايا لا يغفرها صيادٌ يقول الكثير ولا يفعل شيئا، لقد تجاوزت الخط الذي تصنع فيه مشكلتك بنفسك، وها أنت أمام نرجسي مثلك، لا عاطفة لديه عندما يتعلق الأمر بالعداء، يضربك كما ضربته، ويعاقبك كما عاقبته، ويؤذيك كما أذيته ولا يكتفي بذلك بل وسيشعرك بالكثير من الغباء والحماقة، كيف حدث كل ذلك ولم تر بعينيك؟ ألم يكن يجب عليك أن تشعر بوطأة  أفعالك؟ لا أيها المريض، لقد وقعت في شَرك مريض آخر من فرط ما عاقب نفسه أصبح عقاب القبح لديه واجب وجودي، وأنت تتوجع من هذا الشبح الذي أوجعته كثيرا ستكتشف نمطا نادرا من الشخصيات في هذه الحياة، نمطا يعرفون حقيقتهم ولا يستمدونها من الآخر، نمطا من البساطة والحدة سيعلمانك درسا كبيرا، ألا تثق مطلقا في صياد يجلد ذاته، إنها حيلة أخرى لتستحق عقابا وردة فعل من إنسان لطالما ظننته ساذجا وقليل الانتباه.

 

 

 

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

مشكلة ما!

 

 

مشكلة الاهتمام بالسياسة إنها تجعلك مع الوقت إنسان متقلب. تتشنج بالمخاوف، أو الهجومية وينشأ لديك مع الوقت حس جمعي يمحق فرديتك ويجعلك تفعل ما يصدمك من نفسك. نعم، السياسة تتحكم بمفاصل الحياة لكن هذا لا يمنع إنه حزب الكنبة عايش حياته ويتعامل مع المعطيات النهائية بلامبالاة وراحة بال.

لا أتهم ولن أتهم المهتم بالسياسة بإنه يضيع وقته. غصت حتى غرقت في بحر الكتابة السياسة لمدة تقارب نصف عُمري، وجزاك الله خير أيها السلطان هيثم بن طارق، العفو الذي نلته من لدنك جعلني أشعر بقيمة الحياة خارج طوفان التحفظات، والمعارك التي لا نهاية لها وليت عمان استفادت منها شيئا!

المهتم بالسياسة والفاعل فيها يتعلم الكثير ، عن نفسه، وعن الناس، وعن الأيام والدول، الدفاع عن الوطن شرف، والكتابة عن شؤون الوطن نبل، والتصدي للظلم نبل وشجاعة. هذه قيم لا أنكرها على من يمارسها، الحزن الذي أشعر به أنني لا أناسب كل هذا، مطلقا، أجيد الكتابة لا الاتزان والموضوعية

الكتابة في الشؤون العامَّة تحتاج إلى عقل نظيف بكل معاني الكلمة، وأهم من ذلك تحتاج إلى قلب نظيف، العقل المريض، أو القلب الملوث بالكراهية مهما كتب بمنطقية، سيقوده قلمه في النهاية إلى نهايات تعيسة جدا. سواء كان موالي أو معارض. الكتابة الوطنية عطاء بغض النظر عن الجانب الذي تختاره.

الكتابة كموالي لوطنك أو للحكومة لا تعني التطبيل بالضرورة، فن السياسة يعني أن مصلحة الوطن العُليا هي التي تنطلق منها في كل حرف تكتبه، وهذا يعني إنكار العاطفة في كثير من الأشياء، العقل المحض صفة مُلازمة بشكل لصيق لمن ينصر وطنه، والعاطفة في ذلك أحيانا خطأ، وربما مصيبة.

كذلك على الجانب المقابل، اصطفافك مع الشعب، دفاعك عن حقوقه، كتابتك لمطالبه المستحقة، هُنا تدخل العاطفة بشحنة عالية، وهذا لا ينافي المنطق بالضرورة لكنه أيضا يحمل الكاتب أعباء مخيفة من تجنب الحقائق الصادمة التي لا مفر من قولها. إنه انتصار نبيل لوحدة المجموع، ظالما أو مظلوما.

الكتابة الوطنية تحتاج إلى قدر معقول من النرجسية، كنت مواليا أو من الذين يقولون: لا.

وعقل الفرد يحتمل قضايا جمعية، وكبيرة، ولكن إلى أي مدى. من تجربتي الشخصية المريرة أخذت سنوات لأكتشف أنني لا أصلح لا مواليا، ولا معارضا، ولا مطبلا، ولا ناقدا، ولا مع ولا ضد. أصلح لحزب الكنبة فقط.

كان يوما صعباً على نفسي عندما وقفت أمامها بكل شجاعة واعترفت لنفسي أن خطابي السياسي ليس باسم الشعب، ولا باسم الحكومة، أقصى ما كان يجب علي فعله هو الكتابة عن قضيتي الفردية، وألا أتكلم باسم الشعب، أو باسم الحكومة، ومنها وجدت أول خيط للمنطق بعد سنوات متتالية من العويل الناقم اليائس.

وأخيرا بعد سنوات وسنوات، لم أعد أزعل عندما يصف شخص تجربتي السياسية بأنها بلهاء، حماسة فياضة، وتناقضات، واضطراب مستمر، ما الذي يجعل شخص مضطرب يحمل هذا العبء على عقله المضطرب؟

إنها حياة بائسة عندما تخسر كل شيء ولا يبقى لك غير كتابتك السياسية التي جعلتك تخسر كل شيء غيرها!

وعُمان معضلة عاطفية كبيرة. بها مشاكل، لكنها رغم كل شيء بلاد مُسالمة وشعبها رائع، وحاكمها محبوب بصدق من الناس. بلاد فتيّة تخطو إلى غدها الاقتصادي والاجتماعي بخطوات ثابتة. الناس لا تحب الحكومة في عمان ولا تكرهها، الناس تريد الخير للناس وللحكومة وللبلاد، إلا مَن ظُلم.

ولا بلاد في العالم مثالية، هُناك من ظُلم، من ظلمته الظروف أو القرارات أو مؤسسات أو شخوص في المؤسسات. السؤال الذي يميز عُمان هل الظلم فيها "واجب" أي إن ظُلمت هل لديك مُشتَكى؟ وإن ظَلَمْت هل هُناك عفو؟ هُنا الميزة الكبيرة في عمان التي إن اختلت توتر السرب لبعض الوقت.

وشوف عجائبية عمان،كأني أكتب عن شخص آخر! يعود سعيد جداد ومعاوية في طائرة واحدة! لو لم أعش التجربة بنفسي لما صدقت! تنظيم سري عُفي عنه، قضايا أخرى عفي عنهم، والوقت يثبت في كل ثانية أن عمان ليس من شيمتها الانتقام بعد العفو، أو الغدر بعد إعطاء الأمان!

من يكره بلادا عفت عنه؟

من يستطيع؟

والآن أعيش في حزب الكنبة، مقتنع إني لا نفعت معارض، ولا موالي، ولا مؤيد ولا ناقد رأي عام، ولا مجالد إلكتروني عن الهباء العاطفي الرائج، أنتمي لحزب الكنبة بمساهمة إيجابية في محاولة الفهم. أن تؤمن بالتغيير هذا حق، لكن هل أنت جاهز ذهنيا وفكريا ومستقر عاطفيا وعقليا لفعل ذلك؟

وعمان بعدها بربّها، لديها من الفضائل السياسية الكثير والكثير رغم أخطاء من تسلط أو فسد أو أخرج عمله العام عن القانون والعرف العماني، ليست دولة حروب، ولا أعدامات بالجملة، تقدر تنتمي لمنظومة عمان العامّة بدون قلق كبير. ما لم يكن لديك تطلع فلسفي خاص بك، هنا يختلف الكلام.

وهذه مأساة كاتب السياسة في عمان، سياسة الكاتب. المفكر بعقله الفرد يدرس حال الجماعة، وما يبدو فلسفيا يعكس منطقيا حالة عاطفية فردية، كأن تكون ضد الملكية، أو أن تكون شيوعيا، أو أن تنادي بحكم إسلامي. فلسفة فردية نصيبها صناعة تغيير الواقع والصدام المحتوم وهذا ما يختاره البعض بصميمية.

ومن بين كل ما في عمان من فضائل وأخطاء، يبقى هذا الشعب مباركا بدعاء خاتم الأنبياء والرسل، هذه الروح العمانية الغامضة المليئة بالحب، والوحدة. هذا هو إنجاز عُمان الكبير، حب الناس الصادق لبلادهم، وحدتهم، وقلوبهم النقية عندما تطلب عُمان التضحية. هذا أجمل ما في عمان وأبهى ما بها.