بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حضور ذهني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حضور ذهني. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2024

النجاة قبل الحياة!

عدتُ للتو من جلسة العودة لتنس الطاولة، هل كانت ستة أسابيع؟ أم شهر فقط من الانقطاع التام عن كل أشكال الرياضة؟ الصنفرة العدمية كانت تشتغل على أجمد وجه. ولا أظن أنه من الممكن أن أذهب إلى صالة التنس في نفسيةٍ أسوأ من هذه التي أنا عليها. منقطع عن التدخين قبل أيام، لا شعور بالسعادة، خمول تام، الهجمات المنطقية من التعوّد العميق على التدخين تهاجم بضراوة، الكتابة متأثرة، التفكير متأثر، قدرتي على العمل الشاق لساعات طويلة متأثرة، ومزاجي يميل للصمت وتجنب الحديث الطويل، لا أركز في الشطرنج، ولا أركز في الجيمنج، وكُل الأفكار العدمية عن الموت وتقبل السرطان، وتقبل الموت التي كانت تهجم عادة بعد شهرين من [نشعة] الانقطاع والشعور بالإرادة هجمت مبكرا!

نداء العدمية الغامض يأتي من اللاوعي، ومعه يأتي نداء الأمل. وذهبت لجلسة تمرين، لم تستمر أكثر من ساعتين، وكأنني في لعبة تعاني من ما يسميه الجيمرز [اللاج] ذلك التأخير بين أمر التنفيذ والتنفيذ الفعلي. لم أفقد مهارتي كما كنت أحسب، لكنني كنت أشعر أن شيئا ما ليس على ما يرام. أعود إلى سابق عهدٍ، ولست أصنع شيئا جديدا.

لا أعرف ما العلاقة الوثيقة وقوتها بين مستقبلات [الأستيل كولين] إن كنت أتذكرها جيدا، وارتباط ذلك مع مستقبلات أخرى، الدوبامان، وذلك الذي به نفرين وأبوالنفرين وأبو الثلاثة أنفار، والخلطة المعقدة بين تأثير النيكوتين على هذه المستقبلات. لخبطة لا أظن أنني بحاجة لفهمها، بقدر ما أحتاج لإثبات وجود علاقة بين النيكوتين وباقي مستقبلات الشعور بالسعادة، والرضا، خبصة لا بارض حقيقي لأذاكرها.
كل شيء يتأثر، الدافع، الإشباع، والشعور العام، والانطلاق، والتفكير المستمر بالتطور والنمو. كل ذلك تعرض لضربة حتمية، والنتيجة أن هذه الجلسة من الرياضة أيضا كانت ذات إشباعٍ عادي جدا. ثمَّة شيء يمنع كل ما هو مبهجٍ من غزو العقل بسهولة!

على الجانب الآخر، المزاج ثنائي القطب المندفع الذي دائما ما يحرجني، ودائما ما يضعني في مواقف سيئة، يبدو أنه متراجع كليا عن حياتي، لا أشعر بأن دماغي في حالة حركة عالية، ليس بطيئا، لست مكتئبا، لكنني قطعا لست بتلك السرعة التي تُفقدني توازني الفكري والسلوكي أحيانا!
هذا أكثر ما أمقته في اضطراب المزاج المزمن، هذه الموجات التي تشعرني بالتهديد، تخيفني من العواقب، أخاف أن "أنزحط" في إحدى لحظات الانطلاق زيادة عن اللازم، تلك الموجية التي تأقلمت عليها معظم عُمري، يبدو أنَّها في حالة كمون مخادع، هذا الانطفاء المؤقت، حالةٌ نادرةٌ من الهدوء الحقيقي. هل هذا هو العقل الطبيعي؟

إن كان ثمة شيء تعلمته من ثنائية القطبين، ونوباتها، فهو الخوف الشديد من الحماسة. لأنَّها قابلة لتدمير كل شيء، هل تعلم معنى أن تتعرض لصدمات متعددة من الخوف من دماغك؟ تزحلق سريع، قهوة زيادة عن اللازم، سهر ليوم أو يومين، استجابة لأجواء الاستثارة المزاجية، تزداد سرعة الكلام، تتسارع الأفكار، سيالات الكتابة تصبح بعشرات الصفحات، شعور عارم بالثقة، وكأن تلك اللحظة لا تتوقف، ولا تنتهي، وأنا هُناك تحت وطأتها وسيطرتها، أريد المزيد، المزيد من النشاط، المزيد! وبعدها!

لا أعرف متى عشت آخر نوبةٍ لي؟ كل هذا لغزٌ لا أملك إجابته، كل الذي أمامي دساتير الأطباء وأرقامهم، متى كانت نوبة كبرى، متى كانت نوبة صغرى! متى تستدعي التنويم، متى تستدعي التدخل الدوائي الجذري، متى تُخدَّر بجرعة عالية فقط لكي يعود عقلك إلى مستوى معقول من النشاط. لكن في حالة الاستقرار المعركة تأخذ طابعا مختلفا، أن تكون مراقبا لصيقا لحالة عقلك، لأنك تخاف منه! ويا إلهي، الاكتئاب! صديق جيد للغاية أمام نوبة الهوس التي لا تبقي ولا تذر، بكل ما فيها من تهور واندفاع، ومع إنسانٍ عاشَ ما يكفيه من الصدمات! تكون الخلطة مروعة!

أنا أعرف أنني أعاني من معضلة عقلية مزمنة، ثنائية القطب، واضطراب الشخصية التشخيصان الرئيسيان اللذان بقيت أتلقاهما حتى أكملت خمس سنوات من الاستقرار القطبي، بلا نوبات تقريبا! ربما بين الشهور مزاح ثقيل من الاكتئاب، ومزاح خفيف من المزاج المشحون بالسعادة غير المسببة، مشكلة التركيز، الوسواس الذي يكاد يفوق الحد الطبيعي، الانتباه المرهق للتفاصيل، والمعايير العالية، خلطةٌ من السلوك والطبائع والخصال، والباقي في المشهد الكبير هو الخوف الكبير من الخروج عن السيطرة، مضاد الاكتئاب الصديق/العدو المنقذ والخطر الأكبر، والجرعة التي يجب أن يضبطها الطبيب بحرفنة!

قبح المرض النفسي، ليس قبحا في حد ذاته. القبيح حقاً عندما كانت حالتي محل جدلٍ محلي، بين الجاهل والعالم، بين السفيه والحكيم، والعالم والمتعالم، والذي لا ناقة له ولا جمل في عالم فهم الأمراض. كان المشهد قبيحا ويختصر في كلمتين [يستحق السجن/ لا يستحق السجن] هذا كان الشغل الشاغل للغرباء الذين سمحت لهم الظروف بذلك التدخل السمج والوقح في حياة إنسان! أما ماذا عن استقرار هذا الإنسان؟ ماذا عن حياته؟ ماذا عن حقوقه! السؤال كان يصل متأخرا، متأخرا للغاية.

الآن! لم أعد أهتم لأسئلة الإطار العريض، ولا أهتم حقا للتشخيص الكبير، لعبة الملفات هذه لا تهمني، أعلم أن مزاجي قابل للذهاب لنوبة هوس إن لم أنتبه له، أعلم أنه يجب أن أبني وسائل علاجية متعددة للحفاظ على نفسي من عدم الاكتئاب، ومن اندفاع المزاج الخارج عن السيطرة، ذلك الحصان الهائج الذي يتحول إليه دماغي، وهات يا تعقيدات بسبب حياتي العجيبة بكل سجونها، وقطيعتها، ومراحلها الفكرية، ومآلاتها النهائية التي لا أزعم أنني فهمتها كليا!

يا إلهي! عُمان فعلا دولة لا تريد أن تخسر عقلك فيها، الخوف من ذلك الانتهاك الصارخ لكل حقوقك، وأن يلغَ كل كلب شامت في حالك، أن يتفلسفَ حتى ذلك الجاهلُ الذي يتقيأ الثورية الصدامية في الحانة ليخبرك كيف تعيش حياتَك، امسك عليك عقلك، إن أردت أن تعيش في عُمان، وفي مجتمعها العربي الخليجي، امسك عليك عقلك، هذه بلاد حقاً النجاة فيها صعبة للغاية وأنت لا تمسك بتلابيب عقلك بشكل محكم!

تمر سنةٌ إضافية من انتهاء حكاية جنوني، العمر يلعب دورا، والعائلة تلعب ألف دور، الأصدقاء يلعبون خمسمائة دور، الرياضة تلعب مائة دور، والتأمل الصحيح يلعب مائتي دور، والثقة بالله تلعب خمسة آلاف دور في جعل هذه القصة منتهية، قصة معاوية، وجنونه، ومرضه النفسي، وهجرته، وطول لسانه، وتمرده، وتناقضه، وكُل ما ولغت فيه ألسنة الكلاب، وكل ما تألمت لنطقه ألسنة الأصحاب، بين العدو والصديق، كل تلك المعمعة تحولت إلى مهرجان صغيرة من الهمسات والنمائم، أصبح من المخجل أن تشمتَ في معاوية بعد أن قام بجانبه من الصفقة الاجتماعية، والسياسية، إنسان يعيش في حاله ولا يهاجم أحدا! أصبح من السهل أن يدافع عن نفسه أمام معتدٍ بادئ بالعدوان! أما تلك المعمعة السابقة! من هبَّ ودبَّ يقول في حقي ما يشاء، كانت متاهةً لا نهاية لها! جزاك الله كل الخير أيها السلطان هيثم بن طارق! أنقذتني من تعاسة حقيقية!

متعايشٌ ومتأقلم مع كل هذه الظروف بشكل ما أو بآخر، أصنع منطقا علميا محكماً لكل ما كنت أرتجله من حلول، مع تقدمي في تخصص علم النفس أكتسب لغةً وتعريفا لما أفعله، وأجد قالبا، وتجربة تراكمية، ورأيا علميا قاطعاً يرجّح ثنائيات حيرتي. ثمّة كفة تنتصر بكل نتائجها وضرائبها، وهذا ليس محزنا، ميزان معقول، منصف، وأدعى للحياة به من ذلك المبني على تضارب الأحكام، والتي من أقبحها ذلك الحكم بالإعدام على عقلي الذي أصدره البعض، الحكم الذي يمنعني من الكتابة، الحكم الظالم، غير العلمي، الجاهل، الذي يتشدق به الموسوسون المتباهين بخوفهم من ظلهم وعدم ثقتهم بأي شيء وعدم استعدادهم، وغضبهم من مبدأ الفرصة الثانية لأي مخلوق!

يا إلهي، كانت تجربة قبيحة بمعنى الكلمة! لم أكن أعلم أنها ستكون ثروةً جميلة لطالب علم نفس إن تحول إلى أخصائي ذات يوم فسوف يتمكن من كتابة أشياء جيدة للغاية، أشياء ستكتب في وقتها، وفي أوانها، وإن شاء الله أن تكون مفيدة ونافعة للآخرين، فسوف تكون!

لم أنج، أنا أواصل النجاة، ولم أتجاوز، أنا أصنع ما يكفي من الحواجز التي تمنع الانهيار، ولم تتوقف معاناتي، هي مستقرة نتيجة الظروف والمجالدة، والمغالبة، ولكن بشكل عام أستطيع أن أقول أنني لست تعيسا، لست يائسا، لست مهزوما، ولست معاوية الذي يقبل أن يُظلم حقٌّ واحد من حقوقه. من بين كل ثقافات العالم، ودول العالم، ومجتمعات العالم! عُمان، آخر بلاد تفرط فيها بثباتك العقلي، واتزانك النفسي، لأنَّك هُنا في دولة قليلة السكان، وهذه كارثةٌ حقيقية أثناء أزمتك، ونعمة حقيقية بعد نهايتها، السؤال سؤال نجاة قبل أسئلة الحياة.

والحمد لله على كل حال

معاوية

3/9/2024 

الجمعة، 30 أغسطس 2024

مهنةٌ

 


 

أن تؤدي عملك على أكمل وجه، أمام الكاميرة، تسحب من طاقتك، ومن كل خلايا قوتك الوجدانية، من أجل لحظة انطلاقٍ، لكي تبدو مليئا بالحياة! هذا هو مأزق مهنةٍ ترتبطُ برزقك في الحياة، وإلا ما معنى أن تكون محترفاً سوى أن تدسَّ كل خيباتك في حقيبةٍ خفيَّةٍ وتلبس قناع السعادة والنشاط والحيوية بكل إتقان!

أمام الكاميرة أنت شخصٌ آخر، كتلةٌ من الصبر، يحتاجُ الأمرُ إلى عينٍ ذات قرينٍ بصير لتعرفَ من الذي يكون وراءَ تلك الهالة المضيئة. مع كل يوم يمضي، يصبح الأمر صعبا. أصبح من الشاق أن أخفي تعاستي، وخيبتي تجاه الحياة، ليس لأنها تعبر عني كليا، ولكن لأنني حالي حال أي إنسان آخر لا أخلو منها! فكرة إنكار بؤس الحياة من أجل الانطلاق في هذه السعادة المفرطة التي تشيع في الأرجاء أصبحت عبئا كبيراً، وأظنُّ أن هذا ما أعادني صاغراً مطيعا لمقدس الكتابةِ الصافي.

أمام الورقة والقلم لا تحتاج أن تخفي تعاستك، ولا خيبتك، ولا آلامك الوجودية المتراكمة، لست بحاجةٍ إلى الزعم أنَّك تقبل العالم كما هو عليه. أنت في حلٍّ من الارتماء في أحضان اللحظة المشعِّة، فكون أنت كما أنت، بكل جروحك وشقائك، بكل تعبك، تتقبل موت بعض أحلامك، وفوات جزء من عمرك، وضياع الكثير من تعبك، وفلات بعض آمالك من يديك، تتقبل إنسانيتك، ووجودك الحقيقي، وتذعن للمنطق الذي يحكم قبضته على أيام عُمرك.

أنخلعُ كُل يوم من عالمي البصري، ألوذُ بحرم الكتابة الطاهر منهمرا على حقيقتي، منسكباً على جوهري المهشم، مهشما تلك الموضوعية المعبَّأة باللحظات البرَّاقة إلى هذا المضمون الكئيب. هذه حقيقتي، وهذا أنا، ومعي كثيرون يعيشون هذه الحياة بلا سعادة تذكر، وباكتئاب حقيقي، وبشعور عارمٍ بالسخطِ تجاه الحياة. لست تعيساً بما يكفي لأتوقف عن الحياة، ولست سعيدا بما يكفي لأعلن نفسي من عشاقها المتحمسين، إنها الحياة! واجب أؤديه، فقط لأن الانتحار جُبن، ولأنها الخيار الشجاع الذي أستعين عليه بكل ما يتيسر من الحروف والكلمات.



أقتلعُ نفسي من عالم الضوء اقتلاعا، أحكم المنطق الذي أعيش به حياتي، وأؤطر ما سبق من تنازلاتٍ من الوقت والجهد لأعطيها سياقها المناسب. كنت أعلم أنني سأصاب بالسأم يوماً ما، وأنني سأعود إلى هذا الدرب الذي أنفقت فيه عُمرا كاملا. كنت أعلمُ أن هذه اللحظة ستحين، لكنني لم أكن أعلم أنني عشتها لعامين تقريبا، وأنني ذهبت إلى قراري قبل أن أعلم أنني اتخذته.



ألتقي بعالمٍ من عُلماء النفس الكبار، وندخل النقاش الاعتيادي الذي يجوب أرجاء الأذهان في مجتمعنا العتيد. يسألني عن حياة المنصات، وأن يعرفك الناس، وربما أن يحبك كثير منهم. ولأنني أمام عالمٍ حقيقي، أبوح له بحقيقة كل هذا الحطام. حطامي، وهشاشتي، وتعاستي، واضطراري المستمر لتغذية هذا الوحش النهم بالوقت، والمزيد من الوقت، والتركيز، والأيام. يرفع حاجبيه في دهشة لا تخلو من الصدمة: حقا! أتابعك دائما، تبدو سعيداً، ومنشرحا، وتحبُّ الذي تفعله!



نعم! سعيد أحياناً، لكنني منشرحٌ لأنني منضبط مهنيا، أؤدي عملاً، أنفق من قلقي وإرادتي ما يكفي ليجعلني مرهقا وتعيسا. واجبٌ أؤديه ببراعةٍ أحيانا، وبشغف ماتَ منذ خمس سنوات. أن تكون موجودا، ومؤثرا، وصاحب رأي هذا شيء آخر، يختلف عن كونك صاحب منصة رقمية استحوذت على حياتك حتى أصبحتَ غير قادر على الفكاك منها. هذه المرَّة أعرف الفخَّ جيدا، وأمام ربما أقل من خمس سنوات قبل أن أهربَ منه في خلاصٍ جديد، ليس هذه المرَّة. لقد اكتسب ذلك المجنون وعيا جيدا يسمح له أن يعرف متى يتوقف، وكل هذا الانهمار يستحق ورقةً بيضاء. أمَّا الذي يحدث هُناك، فهو يحدث هُناك، لا يختلف عن تلف خلايا الجسد، مهنةٌ أخرى، لقمة عيش، وتعاسةٌ أخفيها، وسعادة أدَّعيها.

 

أنا بخير، ولكنني لست سعيدا. بخير، ولست تعيسا. لقد سئمت من كل شيء. أنسحب بهدوء تامٍّ وأبقي ما للقمة العيش للقمة العيش، وما للكتابة للكتابة. التعاسة ليست مهنتي، ولا السعادة مهنتي، حياتي سلسلة لا نهاية لها من السطور، وآلاف الصفحات، وأحلامٌ كثيرةٌ بأوراق مطبوعة. لم أعد أعبأ بأي شيء، ولا أبالي بحدوث أي شيء، أكوِّن ما يكفي من الشر لأحمي نفسي، وما يكفي من الحياة لأكمل رحلتي الأخيرة قبل الاختفاء القسري، والموت الذي لا أعلم كيف سيأتي، تدريجيا أم مباغتا. أشعر بالتعب الشديد، كل شيء حقيقي عندما تحين لحظة الكتابة، وهذه الحقيقة التي أختارها، وأقبلها، أمَّا كل شيء آخر، وكل زخارف الضوء تلك، فهي مهنة ظريفة، ولطيفة، ولا تخلو من السلوان أمام هذا الانهيار الجسيم للسياق البشري، وهذا العالم الجديد الذي لا أعلم كيف وجدت نفسي فيه! يوماً ما. كل شيء تغير ما عدا خيارات الكتابة، يوما ماً كان خيارا صعبا، واليوم هو أيضا خيار صعب، ما أتعس الذين يكتبون، السعداء منهم لا يطيقون ذهاب الوقت، والتعساء منهم لا يطيقون قضاء تعاستهم بدون حبر. دون هذا الحبر، أكتب لأنني أكتب، يوما ما سأعرف إجابة كل ذلك الطنين الغامض، وهذا الشقاء الذي يجعلني أكتب ما أكتبه الآن. السعادة مهنتي، وأنا أتقنها، لكنني لا أحبها، ولا أنتمي لها. المجد لكل التعساء الذين يجعلون العالم جميلا، عسى أن أكون منهم ذات يوم! لا أقصد التعساء، وإنما الذين يجعلون العالم جميلا!

 

معاوية

30/8/2024

 

الأربعاء، 15 مارس 2023

حضور ذهني: تشويشٌ أسبوعٍ شاق

 

 

 

أشعرٌ بهبوطٍ شديد. مشاعرَ سأكتشفها بعد قليل عندما تتنزلُ الكلمات من الجمجمة إلى الأنامل، وتتناثر الحروف على هذه الورقة البيضاء. لا أشعر بطموحي في الحياة، ولا بالتعب، ولا بالحماسة، ولا باليأس. هبوطٌ خاوٍ من المعنى، قليل الدسم، فاقد للقيمة الغذائية. شعور يشبه العسل المطبوخ في نارٍ من سعيرٍ فلم يعد سوى لطخة سوداء من السكَّر المُكربَن، حليبٌ لم يبقَ منه غير اللون والطعم، أو قطعة من الجبن جفَّت في معطفٍ نسيَته امرأة عجوزٌ في حافلة هاري بوتر قبل ثلاث عقود. هبوط بلا معنى.

كنت أريد كتابة مقالٍ عن شأن ثقافيٍّ ما، لا أشعر بأي شيء تجاه الثقافةِ حاليا، أو لأكن [منضبطا مفاهيميا] لكيلا يزعل إنسانٌ صديق لي في تويتر، تجاه [الحركة الثقافية]، بقدر ما في المصطلحات من تشابه، بها اختلاف. كنت متحمسا بالأمس، اليوم، أجدني بلا اندفاعٍ ولا حماسة. هذا ما يفعله الإرهاق المتتالي، والنوم لعدد ضئيل من الساعات لأيام متتالية. من أين يأتي الإنسان بالطاقة؟ يأتي بها من فن الراحة الذكية. لا أتقنُ هذا الفن، ويجب أن أتعلم هذه المهارة إن أردت الصمود في هذه الحياة. أمامي محاضرةٌ بعد ساعة، ويصلني خبر إلغاء محاضرةِ علم النفس! وكأن هذا اليوم يحتاج للمزيد من التعاسة، أفكر بالنوم وتجاهل حضور محاضرة الاقتصاد، توسوس لي نفسي بأشياء كثيرة تتعلق بالإهمال الدراسي. ويعود عقلي إلى لحظة الدافع الكبير بعد تحقيق درجة جيدة، أو درجة كاملة في امتحان صغير. لقد أصاب حشر المنذري أكباد الحقائق كلها عندما قال: أنشغل بمعاركي الصغيرة!

أحاول تجنَّب التعميمات التي تتعلق بالحياة كاملةً في هذا النص. كنت على وشك أن أكتب أنني [لا أعرف لماذا أعيش!] ثمَّ يقفز لي الرقيب الداخليُّ الحنبليُّ المشرف على شؤون الحضور الذهني فيقول لي: هل لا تعرف بشكل عام أم هذا الذي تشعر به الآن؟ الحضور الذهني يستدعي عادةً الوقوع في لحظة المكان الخارجي، والانتباه إلى لحظة المكان الداخلي، ممارسته بالكتابة لا تخلو من المجازفة، لن أستطيع أن أقول للجميع افعل الشيء نفسه، كأنك تحاول رسم ظل شمعة تتراقص في الريح، تحتاج لسرعة كي تلاحق الأفكار التي تتالى في ذهنك. يستيقظ عقلي على ما يستطيع فعله، هذه الكلمات تستفزُّ تمريناً سابقا مترسخاً عبر سنوات الكتابة، تقول لي: تستطيع الكتابة. الذي أشعر به يختلف، لا أشعر أنني أستطيع الكتابة، بل وأشعر [الآن وحاليا] في هذه اللحظة أنني لا أفهم لماذا أحب الكتابة! لا أشعر بالحب للحياة، لا أشعر بالكراهية، لا أشعر بالأسى، لا أشعر بأي شيء، أشعر بالتعب الشديد، وأتمنى أن أنقرضَ إلى لعبة [هاري بوتر] التي نزلت في النسخة الخامسة من الــ[Play station] .. كيف أترجم هذه الجملة اللعينة! هل أكتب [البلاي ستيشن] وإن قلت [النسخة الخامسة من محطة الألعاب] أو [النسخة الخامسة من منصة الألعاب] وهل أضيف لها [سوني]! كيف يمكن أن تصنع معنىً خارج اعتراف التداول العام به؟ وكأن هذه الجزئية اللغوية هي ما أحتاج إليه الآن لزيد قرف اللحظة! فضلا عن الجملة الأخيرة والتي هي ضمن تداخل اللغة الإنجليزية مع النسق العربي في الكتابة. هل هو النسق؟ أم السياق! يا إلهي، قالها الأستاذ الكبير يوما ما: اللغة سجنٌ! وحتى وأنت تحاول التحرر منه، تحمل الكلبشات في دماغك!

لا أريد الوصول مبكرا للجامعة، هذا الشحوب في وجه حماسةِ من ألتقي به يصنع لي شعورا مضاعفا بالتشويش. عندما تكون في مزاج سيء، يضغط الناس المنشرحين على أعصابك، فرصةٌ لأتعلم ما الذي يشعر به الآخرون الذين يعيشون يوما سيئا وأنا أنزلُ على المكان [مفرفراً] عقلي ينفق حضوره من وفرة هرموناته، ومستقبلاته العصبية التي أقنعته أن يكون سعيدا ولو لبعض الوقت. الآن، في هذه اللحظة، وفي هذا اليوم، لا أشعر بالسعادة، لا أشعر بالتعاسة، لا أشعر بالحزن، لا أشعر بالندم، لا أشعر بالغضب، لا أشعر بأي شيء، أشعر بالتعب الشديد، وأواصل الحياة كأنني [روبوت] ينفذ نصا برمجيا، ويمارس الوجود لأنه موجود. كيف تعطي المعنى لهذه الحياة وأنت في هذه اللحظة؟ تكتب كل ذلك، وتتمنى أن يصنع معناه لدى شخص آخر، يعيش هو الآخر يوما سيئا. يا إلهي الرحيم! أعني على تعب الحياة!

 

ماريو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 14 مارس 2023

حضور ذهني متأخر!

 

 

 

وقعت في خطأ صغير. كتبت مقالاً وكان ينبغي مني أن أتخلص من الأفكار التلقائية التي تخطر على ذهني. هل هي تخطر على ذهني، أم تخطر في ذهني؟ هذا سؤال يحتاج لحسمٍ، وليس تعبيرا يحتاج لتفنيد. شتَّان بين جودة الكتابةِ بعد تسييل الهموم اللحظية، وتلك التي يختلطُ فيها الآنيُّ واللحظيُّ بما هو زمنيٌّ به نزعة الخروج من كهف الجمجمة إلى العالم الفسيح.

لم يكن المقال سيئا، أستطيع إدراجَه في كتاب ضمن [العاديَّات] التي لا يهربُ إنسانٌ من انطلاقِها من أنامله للحياة. الهموم الكبيرةُ التي كنت أعيشها أسبغت بعض الإسقاطات على ذلك المقال، السبب واضح لدي، الهمُّ الذي أعيشه هو همُّ الكتابة مجددا. على صعيد لقمة العيش اجتهدت بما يكفي لصناعةِ تلك المساحة التي تكفيني لأموِّل تفرغي للكتابة، عالم الوجه والصوت والتعليق الفارق، لا يخلو الأمر من جانبٍ نقديٍّ طفيف، ولكن هل يمكن مقارنة مقطع في الانستجرام بمقالٍ يحلل فيه الإنسان الأحداث بالطول والعرض!

همومي متعلقة بالكتابة، لم أعد أسأل سؤال [لماذا أكتب!] الآن في رحلة سؤال [الماذا!] أين أنقرض بنفسي أنا وذهني! وماذا سأفعلُ في هذا العالم الذهني الذي يدور الحوار فيه تخاطرا! هذا الذي يشغلُ بالي، كنت أظنُّ أن نفسي الطويل في الكتابة قد تأثر بالسنوات التي قضيتها في عالم النص اللحظي القصير، يتضح لي أن أثار التجربة كانت حسنة للغاية. المهووس بالتداعي يحتاج لتعلم الاختصار كما يحتاج المهووس بالاختصار، [الكسول غالباً] إلى نفسٍ أطويل ليعطي المكتوب حقَّه. هناك أشياء كثيرة تتعلق بالقارئ في الكتابة، الاستجابة لشرط القارئ في الزمن الحديث والاكتفاء بكتابة النص القصير جريمة في حق أي كاتب. نعم الكتابة الشذريَّة فنٌّ من فنون الكتابة، ولا تخلو من الصعوبة، وهي جاذبة، وأخَّاذة وتساهم في الإشباع الدوباميني المتمثل في القراء، والقارئ الذي يقرأ لك لأنه يعرفك، وغيرها من شؤون الحياة الاجتماعية للكاتب، وحفلات التوقيع، والشعور المؤقت بالنجومية، أو بالتحقق الاجتماعي، كلها تقع ضمن سياقات اجتماعية يتفاوت الكتاب في الحاجة إليها. الهمُّ يقعُ هنا.

هناك شيء ظريف يحدث، في جزئية التفرغ للكتابة التي كنت أسعى لها سنوات طويلة! لم أعد نادما على تضييع أشياء كثيرة في الحياة من أجل أن أجد سعة من الوقت لأتمرن على الكتابة طوال سنوات العشرين، يتضح لي أنَّ ذلك هو الذي يخدمني الآن. لا أحتاج لوقت بقدر ما أحتاج لطاقة. التفكير في ما أكتبه يستغرق أضعافا مضاعفة وقت الكتابة، هذه فائدة مهارية على الجانب. يبدو أنني لم أدمر نفسي ككاتب كما كنت أتوقع، ولا يظهر لي أن التجربة في المجمل كانت سيئة، كل ما علي فعله هو تجاوز حقيقة أنني لا أنافس في ساحة الكتاب العالميين، وأن أحترم أنني كاتب في مجتمعٍ واضح المعالم بالنسبة لي، وأن هذا الخيار كانَ من البداية. لم أعد أشعر بالذعر من تويتر، متعة الكتابة الحرَّة غير المقيدة بعدد حروف استولت بسرعة على محاولاتي القلقة لفعل ذلك في تويتر. الملاعين لم يضعوا خاصية كتابة مقال في تويتر إلا بعد سنين، على أية حال! لا شيء يدعو للذعر، كتبت مقالاً، نشطت عقلي، لا أحتاج للإفراط في حرق عقلي، ولا أشتاق تويتر، سيعود إلى مكانه الطبيعي كمنصة تواصل عندما يسمح الوجدان بذلك. هموم أخذت أربعمائة كلمة، كان يجب أن توضع قبل أن أبدأ بكتابة المقال! هل سيكون يوميا! غير مهم، ما دام العقل نشطا سأكتب، وعندما يصاب بالتعب، أو يزورني الاكتئاب، سأفعل شيئا ما، وعادة يزهر الشعر مع الحزن! أمامي امتحان أذاكر له! وبعدها فليكن ما يكون والحافظ رب العالمين! يجب أن أتذكر، تصفية ذهني من هموم اللحظة، وبعدها كتابة المقالات. لا بأس، الحياة تجربة تعلم دائمة ولا تتوقف!

 

ماريو

الاثنين، 13 مارس 2023

حضورٌ ذهني: أسئلة الاعتبار!

 

 

 يبدأ صباحي بحرب. الصراعُ مع عاداتٍ تكوَّنت في سنين متتالية، وإملاءُ اللحظة يُطلق نداءاتَه لأفتت لحظة الكتابة هذه وأحولها إلى بسكويتٍ مهشَّمٍ يتناثرُ في تويتر. عادةٌ ترسخت وغيَّرت معها شكل الكتابةِ جذريا. حتى هذه اللحظةِ وإلى أن أتجاوزُ ذلك المفروضُ على الناسِ قسراً من عددٍ للحروف، ومن اشتراطٍ للقارئ لم أعد للكتابة اعتبارها، ويبدو أن مشوار الكتابة قد بدأ بشحوب ليأخذ سنواتٍ إضافيةٍ أخرى من هذه الحياة التي قضيتُ من شطرِها الكثير وأنا أكتبُ. راهبٌ شبه عبثيٍّ، أو عبثيٌّ يشبه الرهبان، هكذا قضيتُ سنوات العشرين للثلاثين من العُمر قبل أن يُظلمَ كل شيء، وأتحول إلى قصةِ حياةٍ مليئة بالنكسات، والنجاحات، والانكسار، والنجاة، والصراع بكل ما يأتي معه من هزائم صغيرة وكبيرة، وانتصارات صغيرة وكبيرة. هكذا يبدأ صباحي، بهذا الحرب إلى حين اكتمال الفقرة الأولى، وتكوِّن الخارطة الذهنية لمادة مكتوبة، بخطِّيتها، وترتيب فقراتِها الكلاسيكي.

الآن، في هذه اللحظة. عقلي جامدٌ، وأفكاري شاحبة. اهتمامي منصبٌ على الكتابة عن الكتابة. الجمل قصيرة تؤكد هبوط المزاج، وآثار النوم المضطرب، وتأخر مفعول الكافين في الدماء. لا أعرفُ هل الكتابةُ ستعجِّل من وصولُ لحظة الانطلاق إلى يومٍ مكتمل، أم ستعطلها. هذا هو الفرقُ بين الكتابة الدوبامينية ذات الإشباع السريع في تويتر، وهذه التي سيقرؤها عشرة أشخاص بالكثير، تلك ترفعُ المزاجَ بسرعة، وتُبدأ اليوم بسرعة. هُنا يختلف الحال. تستمرُ مقاومتي لفتح الصفحة الزرقاء، تنسلُّ السطور من أناملي، وتلاحقني بعض التركيبات اللغوية المتعارف عليها بيني وبين ذهني، مع ذلك لم يعد الأمر يتعلق بلحظة الكتابة. أصبح يتعلَّق بالكتابة واعتبارِها في حياتي. الآن فقط فهمتُ ردَّ الاعتبار الذي حضرَ مصطلحُه في ذهني بداية الصباح، لا يتعلقُ بشأن خارجي، وإنما بشأن داخليٍّ بحت.

 

تجنبتُ قبل ثوانٍ كتابة جملة [أنا مسكونٌ بالخارج]. هذه التعميمات غير منطقية وتشوِّش فردية الكلام، وذاتيته، لتجعل تمرين الحضور الذهني ضمن سياقات العالم الخارجي، ونظرته لي كفرد، فأعود تلقائيا إلى لحظات الحضور الاجتماعي، وكل تلكَ المعركة الصاخبة التي اضطررت لخوضِها فقط لكي أدافع عن مربعي الاجتماعي الخاص بي. كتبت عن ذلك في نصوص سابقة، في لحظات حضور ذهني، وفي التدوينات التي أسردُ فيها علاقتي مع المعالج النفسي الألماني الداهية الذي يعلمُ كيف ينسجُ الأسئلة حول همومي ومخاوفي. نزعةٌ ما جعلتني أتجنب هذه الجملة، وتدفع بي إلى مراقبة أفكاري، بلا نزعة نقدية، وبلا حس بالتوجيه، والأهم بلا تدخل منِّي. تمرين الحضور الذهني الحقيقي تكتشفُ فيه ما تريد قولَه بعد أن تقوله، حتى هذه اللحظة ذلك العقلُ النازع للتدقيق والشك هو الذي يكتب، سينطلقُ كل شيء بعد قليل، السرعة تتحسن، والكلمات تتشكل، وهذه الجُملة كُتبت دون إدراكٍ مني.

لماذا جئت هُنا؟ لأنَّ كلمة [الاعتبار] تخلَّقت في ذهني. لعلها انعكاس المعركة الاجتماعية التي تسبب لي التوتر والربكة. لماذا أستخدم كلمة [معركة] هُناك سبب ما! لماذا لا أقول الرحلة؟ أو الحالة؟ المعركة! ضمن بقايا شخصية مليئة بالغضب! يخطر في ذهني الآن تعبير مغاير، الحسرة على الاعتبار! وفي الجانبِ الآخر، حسرةٌ على ماذا؟ أي تجربةٍ يعيشها الإنسان ليتفرغ للكتابة عدة سنوات! بدأت أفهمُ ما الذي أنجو من تلابيبه. النظريةُ الحادَّة التي يتعاملُ بها المحيط الثقافي الذي حولي مع الكتابة، تمجيد الإناء! كل ما لم يوضع في كتاب فهو لم يحدث! أها! هذا هو سبب مقاومتي للانسياق وراء نداء اللحظة المٌلق، ولدغات النحلِ اللطيفة على قشرتي المخية. إن كنت لم أؤمن يوما ما أن الكتابة هي إناؤها، وكتبت كل هذه السنين متناثراً بين الصفحات، كتبت ما وصل للقارئ، وترك أثراً، وحقق تأثيراً معقولاً في محيطٍ مقبول من القراء، فما الذي تغير عن ذلك الذي أكتبه وقتها والذي أفعله الآن؟ تغيرت بعض الأشياء، منها نفسُ الكتابة، وسعة المساحة، وإعطاء الفكرة حقها من الأخذ والرد. نعم! هذا هو الذي يحدث، من الشد والجذب، إلى الأخذ والرد، ومن التفاعل المباشر مع القارئ إلى التفاعل الداخلي بين النص ونفسه، مساحةٌ تكبرُ، ومعها تأتي امتيازات الورقة البيضاء مقارنةً بالمنصةِ الإلكترونية، والمربع الذي تضعُه أمامي. [مجددا يعود تويتر للبال] سلوكٌ انسحابيٌّ، وأبني حاليا دفاعاتٍ ضد الشحوب الذي يكتنفُ هذه الكتابة الخالية من الإشباع السريع. ما هو حكمي على هذا الذي أكتبه الآن؟ هل هو موجه للتاريخ؟ قطعاً لها! موجه للقارئ؟ ربما! ولكن أي قارئ؟ المُعالج الألماني؟ أم الصديق الذي يجد الإجابات على هموم يومٍ في أسبوع؟ أو أسبوع في شهر؟ ثمة قيمة في هذه الكتابة غير تمرين الحضور الذهني. تعديل النفس، وتهيئة النفس للإقلاع البطيء للإشباع، وبهجة الاكتشافات الجديدة في نهاية جلسة كتابة مدته ساعة ونصف في بداية الصباح.

هذه الغيمة الذهنية من الأفكار غير المنظمة تؤثر على لحظات الكتابة الأخرى. تندسُّ في السطور، وتصنع تداعيا غير محبَّذٍ وفق اشتراطات كهنة النقد الأدبي، أو القارئ الغضوب الذي يريد أن يقرأ في الموضوع فقط. هذا التمرين له فوائد فوق ما توقعت، تقضي وطرك من ذاتية الكتابة، ووظيفتها النفسية، وفوائدها العلاجية، وكونها امتيازا تأمليا. عامل الاسترسال يعملُ بكفاءة عالية، ولسبب ما أعدل بعض الجمل لتتناسبَ مع منهج الفقرة المستقلة! يبدو أنني بدأت أتعلم تحرير النصوص التي أكتبها، وأجهزُ لخطة مستقبلية مليئة بنشر الكُتب. أعود إلى الغيمة الذهنية، أكتشف فائدة جديدةً، وأقارنُ بين التدوين المتخالطُ الذي كنتُ أمارسه لسنوات، وهذا الأكثر هدوءاً الذي أمتهنه الآن. أتجنب فصل الفقرات عن بعضها البعض، ولعل قراءة واحدة لهذا النص بعد نشره ستجعلني أفهمُ أكثر، تلك لحظة أخرى! لحظة القارئ!

أتغلب على مشاعر التشويش بالتشويش البديل، إن لم تكن صفحة تويتر التي أتشتت فيها، فهي صفحة الواتساب، والمراسلات مع الأصدقاء. [كدتُ أن أشرح الواتساب، وأتداعى في ذلك وتوقفت، مع ذلك لم أتوقف عن الانتباه إلى أنني كدت أن أشرح الواتساب] طبقات من الحضور الذهني والذي لم أتوقع أن نفعَه مدهش إلى هذا الحد، جملة خارجية، ثم أخرى داخلية، ثم أخرى فوق وعي اللحظة الداخلية. الحضور الذهني بالكتابة يحتاج إلى سرعةٍ في ملاحقة الأفكار، ولحسن الحظ هذا الهبوط الصباحي يفي بالغرض، وكأن الأفكار تسبح في سائل مخاطي لزجٍ يمنعها من الحركة بحرية، هذا هو التكبيل الحميد الذي يمقته الكاتب وهو ينسجُ نصا يأمل أن يكون مبدعا فيه، ويحبُّه وهو يستخدمُ الكتابة ضمن عملية علاجية طويلة الأمد.

ذهني يتحرر بعض الشيء من خمول هذا الصباح. الحياة لا تخلو من التشويش، ظروف اجتماعية تطرأ، وأجد نفسي مضطرا لتشغيل عقلي في مكانٍ آخر. الساعة تقتربُ من العاشرة، أحتاج إلى قهوة [إسبريسو] وسأدفع بذهني دفعاً إلى حالة النشاط الذهني، يا إلهي! لدي امتحان غداً، يجب أن أنهي فصلين متتاليين، وأحفظ النقاط المتعلقة بها، حسناً، كانت لحظة لا بأس بها، وصلت إلى بعض الخلاصات، وأدت الكتابة غرضها، لا داعي للحدية يا ماريو، يمكنك أن تعتبر تخلصك من الفضفضة تلك التي يصعب الرجوع إليها في خط تويتر الزمني [التايملاين] منجزا صباحيا لا بأس به في لحظة الحضور الذهني هذه.

 

ماريو

 

 

السبت، 11 مارس 2023

حضور ذهني: أسئلة القيمة!

 

 

ينفث سيجارته على يمينه، وكأنه يحافظُ على الكياسة الاجتماعية، ويتجنبُ نفث دخانَه في وجهِ الكامرة التي تفصلُ بيننا وتجمعنا في آنٍ واحد. تتجلى عليه سيماء المُعالجِ النفسيِّ ذي المزاج الرائق، المتجاهل لذلك الذعر والقلق الذي أفيض به عليه من جانبِي الآخر من الاتصال المرئي من تلك البقعة الجغرافية التي اسمها عُمان. لم يعد يردد على مسامعي التأكيد المُطَمْئِن أن جلساته المجَّانية معي لا تعني أنَّه يأخذ العملية العلاجية باستخفاف، ويقاطعني عندما أقول له: هل أطيل عليك؟ هل آخذ من وقتك؟

-       أنت لا تأخذ من وقتي، أنت تنفعني كما أحاول أن أنفعك، أعرف منك أشياء جديدة، وبعد سنين سنكون زملاءَ في الحقل نفسه، الأمر لا يتعلق بالمال بقدر ما يتعلق بتبادل المنافع. هل تكرارك لهذه الجزئية تعود إلى عدم ثقتك بي؟

أؤكد له بهلعٍ أن الأمر لا يتعلق بذلك. أهدأ وكأن هذا السؤال كان القرصة التي أحتاج إليها لأتوقف عن تضييع الوقت في الشعور بالخجل. ذلك الألماني الذي جابَ العالم طولا وعرضا، درسَ في أعتى الجامعات، وعمل في مختلف الظروف مع مختلف العملاء، في السجون، في المصحات النفسية، تعامل مع مئات الطلاب، وقدَّم جلساتِه التحفيزية لألاف البشر. أحاول دخول لحظة التوعية النفسية الإدراكية معه، ويوقفني هذا الحاجز في بداية كل جلسةٍ من جلساتنا. تناقشنا في وقت سابقٍ عن هذه الجزئية، وشعوري بالخجل من فكرةِ أن إنسانا مثله لا يُقال له كلاما عاديَّا، وأن هذا حاجز يلعب دوراً في كلامي. يشرحُ لي: أنت حالة إنسانية تعلمني الكثير، شيء اسمه العرب، شيء اسمه الإسلام، شيء اسمه عُمان، وبلغة شارحة مستفيضة، استثمر هذا الوقت وانسَ كل هذه الحواجز.

لم أؤمن يوما ما أنَّ إنساناً يمكنه أن يساعد شخصا آخر [بالكلام]. أخذت الفكرة مقام السخف لسنين طويلة قبل أن تأخذني الحياةُ إلى بداياتي في عالم علم النفس، وما جاء مع ذلك من تهيِّب لهذا المحيط الواسعِ من التجاربِ، والحقول، والكشوف العلمية، والارتباط الكبير بين هذا العلم وباقي علوم الفلسفة، والإعلام، بل والسياسة، وآثارها على العلوم. علمُ النفس هو أوَّل العلوم التي نتعلمها ونحن نتعلم أنفسنا، أو كما يقول المصطلح الأنيق [نبحر في جوَّانيِّتنا] والذي يمكن استبداله بسهولة بتعبير أسهل فأقول: [نتعلم عن داخلِنا]. نفعل ذلك في بدايات الطفولة، ونتقنُ ذلك بعض الشيء قبل أن نكمل باقي الحياة ونحن نحاول أن نتعلم عن نفوس الآخرين. نكتسبُ هذه المهارة بعض الشيء ونأخذ منها ما يكفينا لكي نحاول تحقيق طموحنا في هذه الحياة. ولأنَّ الوعيَ لا يخلو من مشاكله المنطقية، نتوقف في مرحلةٍ ما عن النبشِ في الفوارقِ بين داخلِنا، بما به من لاوعيٍ مؤثر، وخارجنا بما به أيضا من تأثيرٍ لا وعي، نوقعه في الآخرين، ويقع علينا منهم. هُنا تأتي قيمةُ المُستشار النفسي، أو المُعالج النفسي، أو المُرشد النفسي، أو أية تسمية غير رسمية نحدد بها هدفنا من الجلوس إلى إنسان بنا قدر لا بأس به من الثقة أنَّه [يفهم الذي يفعله].

جمعتني الصدفُ بهذا الألماني الداهية في ظروفٍ لا محلَّ للكتابة عنها الآن، كيف صرنا أصدقاء، وكيف أصبح مستشاري النفسي لهذه حكاية أخرى. لم أشعر بحاجة للإرشادِ النفسيِّ بقدر ما شعرتُ في هذه الأيَّام الأخيرة من حياتي. بذلت جهدا شاقَّا بمعنى الكلمة لأنتشلَ نفسي من حالةٍ اجتماعية، وشخصية، وصحيَّة، وسياسية، وفلسفية تمزقتُ في تجاذباتها لسنين، وتشاءُ قلوبٌ وعقولٌ أخرى أن تعطي لوجودي في حياتي وفي مجتمعي فرصةً جديدة، لم يكن ذلك بيدي، كنت أريدُ ذلك. هذا هو الوضعُ الذي أطَّر لقاءاتي به، الرغبة في حدوث كل ذلك، وقد ظننت أن حدوثَها سيعني الدخول في منطقة خضراء من الهدوء، في جزيرة في وسط المحيط تشرق عليها الشمس، أجلس فيها على كرسي من الراحة. ما حدثَ كان هو العكسُ تماما، ذعرٌ شديد، وهلعٌ دفعني للاتصال به عدة مرات في قلب الليل لأقول له: أريد جلسةً عاجلةً معك.

ميزةُ التعامل، أو ربما في صياغة أخرى [التعاقد] مع معالجٍ نفسي أنَّك تتجاذب أطراف الحديث مع إنسانٍ مدرَّبٍ على تجاهل فطرةُ إطلاق الأحكام التي قد تكبِّلنا كبشر. أنت مع إنسانٍ يسمعك، ومن خلال حديثك يطبِّق علمه التجريبي، ينتبه إلى ما هو خارج وعيك، فينبهك لأشياءٍ لعلك كنت غافلا عنها. خلال جلساتي الطويلة معه بدأت التأقلمَ بعض الشيء مع هذا الشعور، الحديث مع إنسانٍ بعيدٍ عن حياتي، وإخباره بالذي يحدث فيها.

-       لماذا تشعرُ بالهلع؟ ألا يجبُ أن تكون في قمَّة سعادتك؟ الذي تعيشه هو النجاح بالمقاييس كلها؟

أشرحُ له مخاوفي. شيء مقلقٌ للغاية يتعلق بالعدوانية الشديدة. أفكارٌ وخيالاتي تتعلق بالقتلِ، والانتحار، كلها تنصبُّ حول غريبٍ غير معلوم. حربٌ مع جانبٍ من الدنيا أعلم بوجوده، ولا أعلم عنه شيئا. أشرحُ له مخاوفي، خوفي من الأعداء الذين قد يقومون بإيذائي، خيالاتي المستعدة للدخول في معركةٍ أخيرة نهايتها القتل أو الانتحار، استعدادي للعودة إلى حياةٍ من الانتقام. أعلمُ في قلبي أن هذه الحالة مرتبطة بكل إنسان مرَّ بالصدمات، وأن تلك الجملة شائعة التداول [الذي تعود على الشقاء تشقيه الراحة] تنطبق علي. شرحتُ له ذلك وهو يبتسم، وكأنه يوكد لي أن الوعي بالنفس لا يعني بالضرورة القدرة على التعامل مع هذه المآزق غير الظريفة التي توقعك فيها. بعد ساعةٍ كاملةٍ من الشرح، وتوتري الشديد من هذا العنف الذي أتخيله، وتساؤلي عن السبب الذي يجعلُ عقلي منصبا في انتظار الخسارةِ الكبيرة. أطَّرتُ ما يحدثُ لي من تغييرات من مداخل متعددة. الشعور بالامتنان حاضرٌ بشدةٍ في ذهني، أسمي نزعتي لإرضاء الآخرين بتسميات متعددة، فهي ردُّ الجميل، وهي القيام بدوري، وهي أشياء كثيرة. في عالم علم النفس كل هذا غير مهم، الإطار الاجتماعي لا يغير من حقيقة تصنيف السلوك، [سلوك لإرضاء الآخرين]. لماذا أفعل ذلك؟ السبب واضح لدي، إنسان كان منبوذا، يعيش في حالةٍ اجتماعيةٍ لا تسمح له بالاندماج، الغرباء الذين يسقطون الأحكام بوفرة وبذخ جعل ذلك حياتي جحيما، وأوصلني إلى حالٍ من عدم القدرة على العودة لحياة اجتماعية. بذلت جهدا شاقا بمعنى الكلمة للعودة إلى ما يشبهُ الحياة الطبيعية التي تسمح لي بتكوين الأصدقاء، والتي تردعُ الغرباء عن تشويش مسار حياتي، وبالتالي عن طموحي في حياةٍ اجتماعية أساسها السعي للنجاح، وللتحقق.

كان يسمعني ويتدخل من وقتٍ لآخر، يتأكد من إدراكي لواقعي الحالي. قدرٌ مبهج من الحضور، والالتفاف الاجتماعي، عودتي إلى حقي المنطقي كمثقفٍ عُماني في تناول شؤون الفكر، والمجتمع. استردادي لاعتباري ككاتب له احترامٌ لا بأس به، نهاية تربصي بالسلطة، أو تربصها بي، وتنظيفي لدائرتي الاجتماعية من أي [صديق/عدو] يمارس السمسرة على لحظاتي الهشَّة، أو الثرثرة عن خصوصياتي. شرحتُ له في جلساتٍ سابقةٍ عنما اضطررت لفعلِه، [ضع خطا تحت كلمة اضطررت لأنها ذات دلالة] وتناول معي فكرة اللوم، والشعور بالذنب، والندم، والتبرير. أخبرتُه عن حذري الشديد، وصعوبة ثقتي بالآخرين، وعن خططي الجاهز للانتقام من أي إنسان إن وصلَ إلى مرحلةٍ كشف لي فيها بما لا يدع مجالا للشك المنطقي أنَّه متربصٌ دخل حياتي، وبقي فيها فقط لكي يتشفى بسقوطٍ كبير، كما حدثَ ذلك من قبل ممن كنت أسميهم أصدقاء. قطعتُ شوطا كبيراً معه في إعطاء وصفٍ جديد لكل ذلك، وصف أكثر منطقية، وأقل انحيازا، وأوضحُ من إعادةِ المماحكة، وشرح الحدث نفسه بصياغات مختلفة، أنا خائف من الخديعة، وخائف من الغدر، وقلق للغاية من إمكانية تحول أي جزء من الدفاعات التي بنيتها إلى ثغرة يلجُ منها خصمٌ قديم، أو عدو موتور كل الذي يفكر به هو الانتقام مني. التفكير في القتل، والانتحار هو الذي أثار قلقي، ولذلك كنت بحاجةٍ للجلوس معه، لأفهمَ لماذا.

يسألني: هل تفكر بإنسانٍ معيَّنٍ؟ شخصٍ معيَّن؟

أوضح له:

كلا، إنني أهدد شبحا بالقتل. اما الانتحار فهي النهاية الاضطرارية التي إن وجدتُ نفسي أعيش هزيمةً لا تسمحُ لي بالحرب. يقاطعني مرارا ليستوضح عن سبب اختياري للمصطلحات. أتعامل معه كما لو كنتُ أنا خارج سيطرتي على نفسي، وكما لو أنَّ هذا سيحدث بالضرورة، ناقشنا ذلك من قبل، وأوضحَ لي لماذا أفكر بهذه الطريقة. الذي أثار قلقي هو سبب حدوث ذلك بعد أن أخذت الحياة مسارا جميلاً، ووجدت لنفسي موطئ ذهنٍ في هذا المجتمع الذي أنتمي له. أخذت أكثر من ساعةٍ قبل أن يهدأ صوتي، وتنتهي حالة [الفضفضة] ويبدأ التحليل لأسباب ذلك. يأخذنا النقاشُ إلى أسباب ذلك، أشعر بالهدوء، أبدأ بالاقتناع بعض الشيء، وتأخذ عملية التفكيكُ المنطقي لتلك المخاوف غير المنطقية طريقَها. وعندما وصل الاتفاق إلى طريقة جديدة لشرحِ ما يحدث، شعرتُ بالهدوء، فالأمر لا يتعلق بنزعة مرضية تهدف إلى الانتقام، والقتل، والانتحار، كان الأمر أبسط بكثير من ذلك الذعر.

لقد انتقلتُ من كوني إنسانا غير مبالٍ، بمصيري إلى إنسان يعبأ بشدة بمصيره. شرحَ لي كيف أنني تحولتُ إلى أحد [فناني الألم]، هؤلاء الذين يعلقون أجسادهم بخطاطيف، أو يجرحون وجوههم بالموس، يتعمدون أن تلدغهم الدبابير، فنانون استعراضيون حولوا مشاكلهم النفسية إلى مصدر دخل يغذي الجماهير التي تدخل لترى شخصاً يضرب رأسَه بلوح خشبي مليء بالمسامير، ينزف دمَه، دون أن يقطع عروقه، أو أن يعمي عينيه، وبعد نهاية العرض يذهب للطبيب، الذي يضمد هذه الجروح ويعطيه جرعة من المضاد الحيوي ويذهب للراحة لعدة أسابيع حتى تشفى الجروح. فنانوا الألم هؤلاء يتعاملون مع ندوبهم كعاملٍ إقناعٍ للجماهير الجديدة. ونعم هذا ما كنت أفعله، أتباهى بقدرتي على إيذاء نفسي، وعلى التعالي على بقية الناس الذين لم أشعر بالانتماء لهم، عوضا من أن أجرِّح جلدي، كنت أشوّه سمعتي، وأستمتع أن أكون مكروها. عندما تكون مكروها لا يخلو الأمر من شكلٍ مريض من أشكال الحريَّة، ألا تعبأ برأي الناس، وأن تستخف بأحكامهم شيء، على الجانب هُناك ألمٌ دائم ينمو في قلوب الذين يحبونك ويريدون لك الخير، وعندما شاءت الأقدار أن أنتبه لذلك متأخرا بدأت معركتي الضروس في استعادة اعتباري الطبيعي [العادي] والذي أبسط ما له هو ردع الغرباء عن إيذائي، وأكثر ما فيه تعقيدا هو حفاظي على مكانةٍ اجتماعية جيدة تسمح لي أن أكمل مساري في الحياة، مهنيا، وثقافيا ككاتب له حضورٌ معقولٌ في محيطِه الاجتماعي. حُلَّت العقدةُ التي جئتُ إليه من أجلها، وانتقلت من حالة الشرح المذعور لما أشعر به، إلى تأكيد أسبابها.

 

إنسانٌ مذعورٌ عانى من صدمات. لديه إرثٌ من تأنيب الضمير، وتشاء رحمة الله أن يفلت من دوامة عوالم الشد والجذب، والتدوين السياسي، والصراعات، وما يفعله بنفسه في لحظات الهشاشة، واستجابته العالية لمن يجيد التلاعب به، إلى ما يشبه النجم الاجتماعي، أو كما يسمى الآن [المشهور] الذي يستمدُّ طاقةً ومحبةً كبيرة من الآخرين الذين يتمنون له الخير، بدءا من دائرة العائلة، ثم دائرة الأصدقاء، وأخيرا إلى دائرة المحب من بعيد أو الصديق الذي يشعرُ أنه صديق قديم حتى وإن لم تتح الحياة فرصة لقاء. يجد هذا الإنسان المذعور نفسه بعد ظرفٍ مسح تاريخ مخالفاته القانونية في وضعٍ [عادي] للغاية يسمح له بخوض آمال الحياة بدون منغصات كبيرة تتعلق بصدام مع قانون، أو حكومة، ويجد هذا المذعور نفسه في حالةٍ من الصفاء الفكري سمحت له بالكتابة، وبالمشاركات الاجتماعية مما أدى في نهاية المطاف إلى حالةٍ من النجوميةٍ المعقولة، فماذا حدث له؟ لم يشعر بالسعادة، بل أصبح يغلي بالشعور بالعنف، وخيالات أن يقتل أحدا أو أن ينتحر في نهاية معركةٍ طويلة من الخسارات هي التي سيطرت عليه؟ ما هو المنطق الذي يجعله يفعل ذلك؟

هُنا جاء المُعالج الذي شرح بكل هدوء:

الإنسان غير المبالي أصبح يبالي. ولأنه لم يتعود على التطبيع معه حياةٍ عادية، ولم يتوقف عن الشعور بمكتسباته كوَّن حسا دفاعيا مليئا بالعنف. الصدمات السابقة تكفلت بجعله يتوقع الأسوأ دائما، والبهجة التي يعيشها مرتبطة دائما باحتياجه للتأكيدات، هو ليس مدمن مخدرات، ليس إنسانا يبحث عن كراهية الناس له، يحمي هشاشته من هؤلاء الذين يجيدون استغلالها، ويرفض أن يكون أداةً. الذي يحدث أنَّك تحبُّ التغييرات التي في حياتك، ولأنها أصبحت ذات قيمة لديك، صرتَ تبني دفاعاتٍ طويلة وعريضة وتضع خططا جانبيا لكل شيء يمكن أن يسوء. هذا انعكاس لا مبالاتك السابقة، وتحولك إلى إنسان متمسكٍ بحياتك وبفكرة الحب، وأن تسعى لكي تكون خيّرا وفق تعريفك. الذي تحتاج إليه لكي تعرف هو تحديد قيمك الحقيقية في هذه الحياة! هل تعرف ما هي القيم التي تؤمن بها في حياتك الآن!

عليك اللعنة أيها الألماني الداهية! هل هذا ما يفعله العلاج بالتوعية الإدراكية؟ حولت حالة الذعر تلك إلى خطة! وإلى طريقة واضحة للفهم! جعلتها قابلة للحل! كلامه صحيح جدا. لدي حياة تستحق الحفاظ عليها، أتمسك بها. بعد أن كانت مخاوفي تتعلق بحساسيتي المفرطة تجاه كلام الغرباء، أصبحت اليوم متعلقة بحياةٍ أريد حمايتها، وبشعور بالإنجاز، وبشعور بالنجاح، وبشعور باحتمالات المزيدِ منه. وكأنني أقول: العدو الذي يريد إيذائي سوف يغلي أكثر وأكثر، يجب أن أكون جاهزا لفعل أي شيء لكيلا يستمتع بأي انتقامٍ إن نجحَ. التفكير خارج العقلانية والمنطقية يقول ضمنيا: بما إنك صرتَ في وضع يسمح لك بالشعور بالسعادة، تلقائيا توقعت أن ذلك سوف يجذب عدوك إلى حياتِك، شعورك بالريبة والاستهداف جعل هذه حقيقة حتمية الحدوث، ولأنك آمنت بهذه الفكرة المغرقة في الارتياب كونت ردة فعل وبدأت تدريب نفسك عليها، هذا ما يحدث لك من قبل، تتفاقم الريبات، وعندما تحدثُ لحظة الاندفاع فأنت تنفذ كل تلك الخطط التي كانت في عقلك من قبل، هُنا خطورة التفكير غير المنطقي، وأنت جاهز للاندفاع إن فقدت سيطرتك على عقلك ومزاجك. ليس ثنائي القطب، هو الذي يجعلك تفعل ما تفعله، إنه هذا التفكير الذي تتجاهل تحليله مع محلل يفهم عملَه. انتهت الجلسة وأنا أشعر بالهدوء، على الأقل أدركت السبب، وعلمت ضمنيا الظروف التي قد تقود لهذه النهاية، لم يتوقف شعوري الداخلي العميق بالعنف، لكنه على الأقل تحولت من خيالاتٍ لتربصي بخصمٍ أذاني، إلى فهمٍ لماذا. العائلة حاضرة في ذهني، فكرة أنهم فخورون بي وأنني أجلب لهم السعادة والشعور بالاعتزاز فكرة لا أريد أن أفقدها. وبحجم الخسارة، يكون الانتقام. لقد وصلتُ إلى السبب، وبدأت خطة علاج هذه المشاعرُ المضطربة.

يخوضُ المستشار النفسي [والذي أرفض بتسميته بالمعالج] معي في خطواتٍ الاستقرار الشائعة. تمرين الحضور الذهني، تمرين [التأريض] وبعض الرسوم البيانية التي توضح لي لماذا صرتُ مدمن عملٍ لا يكل ولا يمل ألاحق نداء لم يعد غامضا في النفس. ثمَّ جاء الواجب المنزلي، هل تعرف ما هي قيمك في الحياة؟ ولا يخلو الأمر من إخراج هذا مما يندرج تحت تصنيف الفلسفة إلى ذلك الذي ينتمي إلى الحالة اللحظية. ما هي القيم التي تؤمن بها في هذا الوضع الذي فيه.

 

بدأت القيم المعدلة التي صرت أؤمن بها، والتي عدت للإيمان بها بالتشكل في ذهني. هذا الألماني اللعين على صواب! هذا السؤال يجب أن أجيب عليه!

أوَّل إجابة تطرأ على ذهني هي قيمة [الاستقلالية]. أريد أن أكون إنسانا مستقلاً لا يصلُ الحال بالظروف الخارجية إلى تدخل في أبسط حرياتي. أولها أنني لا أريد دخول السجن بسبب هجمةٍ على السلطة، أو على الدين. هذه قيمة جديدة دخلت حياتي بعد أن جربت حياة الإنسان الذي يعيش متعايشاً مع ظروف القانون الاجتماعي في بلادٍ ما، والقانون العرفي أيضا. إن كنتُ ابتليت بشربِ الخمر، فهل سأفعل ذلك علنا في بث علني؟ أم سأفعل كما يفعل الجميع، يحمل خطيئته بعيدا عن الغرباء ويتأقلم؟ إن كنت [أقلُّ أدبي] في الكلام؟ فهل أفعل ذلك بما يهدد استقلالي؟ فكرتي عن الحياة بوضوح [وتعرٍ] تامٍّ وكأنني بلا حياةٍ خاصَّة بي تغيرت. أن أعرض نفسي في سوق النمائم، والفضائح، وأفتح بابا للشامتين أو للمغرضين وأن أتخذ موقفا من العناد يقول: لا أعبأ بكلامِكم لم يعد حاضرا في ذهني. يبدو أن هذه القيمة أصبحت رئيسية في حياتي، ومن هنا تبدأ أهمية تفكيك مجادلات المبغضين الذين يتكلمون عن [الصدق] وهم يتكلمون فعليا عن [الفضيحة] والذين يجادلون باسم الوضوح وهم يحرضون على حياةِ الذات المُشاعة لمن هبَّ ودبَّ، حياة تحت وطأة لسان الغرباء، وفي بلادٍ مثل عُمان، قليلة السكان، محافظة، يهتم المجتمع فيها بشكلك الخارجي كثيرا، هذه القيمة تداخلت مع القيم الأخرى، لكنها لا تخلو من البروز. أريد أن أكون مستقلا، وأفضلُ أن أتجنبَ الصدام، حفاظا على ما أؤمن به، أو على الأقل على تلك الحرية السلوكية التي تضمن لي أن أتفوه بالحماقات في محيطٍ قليل من الأصدقاء الذين لا يحولونني إلى مزرعة من النمائم يغذون بها مشاعر الآخرين [مستحقةً كانت أم غير مستحقة] والتي يحلو لها احتقاري، أو ببساطة حسدي على ما صرتُ إليه من استقرار، واستقلال. أي هديةٍ للمبغضِ أن تكون مادة دسمةً، وكيس ملاكمة، وإنساناً يستطيع تعميق الكراهية تجاهه نتيجة حالة الهشاشة التي تمرُّ بها. نعم، قيمة الاستقلالية قيمة رئيسية أؤمن بها، ويبدو أن دفاعي عنها قد وصل إلى التفكير في العنف، والانتحار، والمعارك التي أجد فيها النهاية.

قيمةٌ أخرى حاضرةٌ في ذهني، أحاول الإمساكَ بها وتعزيزها داخليا وهي قيمة [النزاهة]. أريدُ أن أكونَ كاتبا نزيها، لا يكتب بإملاء من الآخرين. ويبدو لي أن هذا هو السبب الذي يجعلني أتجنب الاصطفاف تحت أي ظرف ممكن، سواء مع السلطة، أو ضدها، أو مع الدين، أو ضده، أو مع الثقافة، أو ضدها. القيمة الأولى [الاستقلالية] تتداخل مع هذه القيمة التي أريد تكوينها. سأفترض مثلا أنني عدت لعادة سيئة مثل شرب الخمر، هل سأكتب كما كنت أفعلُ عن مقتي لها؟ الحل هو أن أستر على نفسي، وأتمنى بيني وبين نفسي أن أنجو منها، وهذا ما يمهد للقيمة الثالثة، قيمة الاستقلالية تجعلني أغلق الباب على تدخل الغرباء الذين لا حق لهم، ولا خير منهم في سلوكي، وقيمة النزاهة تجعلني على الأقل إن ابتلاني الله بالعودة للخمر، ألا أكتب أنني أعيش بدونها، أو أتباهى بأنني أحد الناجين منها، الحال نفسه مع إدمان المخدرات، ما دمت بعيدا عن الإدمان، من النزاهة أن أبقى دائما في حالةِ تذكير لنفسي ولغيري أن هذا شيء حسن، نعم، هذه القيمة حاضرة في ذهني، وتتكون كل يوم لتحيط بأشياء كثيرة أحارب فيها مغرياتٍ مثل انتهاز علاقتي الحسنة بالسلطة لكي أعود إلى اللعب في مساحات الرأي العام، سواء لدفع الشر عني، أو لكسب المنافع.


قيمةٌ أخرى حاضرة، وهي قيمة التأقلم. أبسطها تعايشي مع حدود الحياة في عمان. القانون، والمجتمع، والاشتراطات العرفية التي قد تجعلك عدوا للمجتمع، أو هدفا له. لذلك ربما أتجنب الكتابة عن أشياء كثيرة، كصراع الاستقطاب الثقافي والديني. أو قضية مثل النسويات. توقفت عن الكتابة في هذه المواضيع ضمن تجليات حضوري في منصات التواصل الاجتماعي، وأكتفي بالكتابة عنها ضمن محيط ثقافي، أو تحليلي، أو نقدي، أو فكري، كل شيء خارجَ فتح باب يهدد استقلالي. القيمة الثانية [النزاهة] حاضرة عندما أحاول جاهدا أن أقول رأيي الصادق الحقيقي، والذي إن فشلتُ في قوله خوفا من ضياع تأقلمي في الحياة أفضل التحليل وبيان وجهات نظر كل جانب، كتعويض عن تنازلي عن قوله فقط لأتجنب الصدام، ومعركة لا داعي لها مليئة بالنفوس المشحونة، والحساسية العالية، نعم هذه قيمة حاضرة بشدة.

قيمة التفرد حاضرة بقوّة. إصراري على الحفاظ على مكانةٍ معنوية تتعلق بالإبداع. الكتابة، تعلم الموسيقى. وتتداخل مع قيمةٍ أخرى وهي قيمة النمو الشخصي. كلاهما يعملان في جانبٍ داخلي [جوَّانيٍّ]، العودة للكتابة، ونيل الاعتراف العائلي، والاجتماعي، وبعد كل ذلك الصلة الدائمة بيني وبين القارئ الذي لسنواتٍ أتعاملُ معه بخجلٍ تام نتيجة توالي سنوات الاضطراب الذي حولتني من كاتبٍ إلى مهذونٍ. لعل هذا الذي أقنعني في نهاية المطاف بالتوقف عن هذا اللقب العبثي [المهذون] والعودة للكتابة، بما في ذلك تلك الساخرة التي يجب أن تحمل قيمة بها عزّة نفسٍ وكرامة تمنع تافها أو لئيما من إيجاد ثغرة ليستهزئ بي كما يفعلون عادةً. لسنواتٍ طويلةٍ كنت أعلم أن الذي يناديني [المهذون] هو إنسانٌ يجب أن أحذر منه، كان يجب أن أحسم قيمتي الداخلية بيني وبين نفسي قبل أن أتوقف عن استخدام هذا [الفلتر/ المرشح] لحماية نفسي من نرجسية الآخرين التي يحلو لها اللعب على هذه المساحات. هناك قيم مثل الكرم والشجاعة حاضرة بشدة لدي، أحيط بها برؤية نقدية تحمي القيمة الأولى الرئيسية [الاستقلالية]، التعرض لاستغلالٍ من صديق أو شبه صديق كل ما يهدف له هو سحب المال من يدي، أو التعرض إلى جبانٍ يريدني أن أحارب في معركته نيابة عنه، قيم حاضرة في مساحتها مثل قيمة العطاء أو فعل الخير، ولعلها تحت الصيانة والتفنيد بسبب اختلاطِ شخصيتي المنساقة أحيانا تحت ضغط الآخرين مع شخصية الشاعر الهائجة والتي لا تفرق أحيانا بين الشجاعة، أو التعرض لضغط الأقران، وقيمة الكرم والاستغلال. يبدو أن القيمة العائلية هي التي أعادت هذا التمييز لدي، الكرم مع العائلة، ومساعدة الوالدة، والوقوف معهم، والشجاعةُ في حماية عائلتي من أي ظرف يمكن أن يؤثر عليها، بما في ذلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، أو الصدق، مع قيمة أخرى متعلقة بالاستقلالية وهي رفضي أن يحاسبني على خطأ من لم يقع هذا الخطأ عليه. لذلك أنادي كل من أسأت له أنني مستعد للتعويض، أو للاعتذار، لكنني لا أتقبل أن ينتقم، لذلك كما يبدو أفكر بالعنف، والقتل، والانتحار في خيالاتي التي قام هذا المعالج النفسي اللعين بتقديم الحلول الذهبية لها. اشعر براحة كبيرة الآن بعد أن رأيت كل هذا يتحول إلى نص مكتوب يسمح لي في وقت لاحق بالمقارنة. قيمة الامتنان، والتي تتداخل مع قيمة العائلة، وقيمة الشعور بالنعمة، مع قيمةِ الاستمرارية والمرتبطة بالتفرد، وتطوير الذات. كم أنت لعين أيها الألماني، كل هذا كان حاضرا في ذهنك؟ يبدو أن علم النفس أكثر قدرة على مساعدة المضطربين مما كنت أتوقع! عليك اللعنة! أشعر براحة هائلة بعد أن سردت كل ذلك، كنتُ عادةً أنسب الفضل للكتابة، اليوم أنسب الفضل لك، أرجو أن ترجمة جوجل سوف تسمح لك أن تفهم كل هذا المكتوب هُنا، وأظن أنها ستفعل ما دمت أكتب اللهجة البيضاء وخارج الزخرفة الشعرية التي تجعل جوجل عاجزا عن فهم ما نقوله نحن العرب. يبدو أن القيم المرتبطة بالداخل لدي هي التي تجعلني خارجياً أفعل أشياء خارج قدرتي على توصيفها. التفكير بمنظور القيمة فكرة جيدة للغاية أيها الألماني اللعين.

ذعري وهلعي له أسبابه الوجيهة. وبغض النظر عن نوعية حياتي، كنت كاتبا، أم لم أكن، كنت نجما اجتماعيا يحبه الناس أم لم أكن، هي قيمة إنصاف حقي كفرد، حقي في الحياة. أظن أن أسئلة القيمة النفسية التي وضعت بعض نقاطها على حروفها الآن هي التي تتفاعل في النهاية لتصنع لي ذلك الضغط النفسي الشديد، حيث لا أعرف أي قيمة تتداخل مع الأخرى، وأي آمالٍ تتداخل مع القيم التي أؤمن بها، وأي حياةٍ تتداخل مع الآخرين، كل هذا التقاطع بين هذه المفاهيم كان يحتاج لجلسة الكتابة هذه كيف أفهم. شكرا أيها الألماني اللعين، لقد ساعدتني بصورة مذهلة، فشكرا لك على نقطةٍ لم أكن أعرف في أي حرف كانت يجب أن توضع.

 

 

ماريو

 

 

 

 



 

 

 

الخميس، 9 مارس 2023

حضور ذهني: نقطة الآن والمكان!

 

 

 

أبدو من الخارجِ مرحاً، ولا يخفى عن عينِ المنتبه أنني إنساني أعيش حالةً مكثفة من القلق، ثمَّة شيء يدفعني لفعل ما أفعله، والمبصرُ يعرفُ أنَّ بركاناً متكامل الأركان يضخُّ حِمَمَه في عروقي. هكذا أبدو من الخارجِ، إنسانا متلاطم الوجدان، نشطٌ ومليء بالطاقة وفي الوقت نفسه ثمَّة غضبٌ شديد مدَّخرٌ جاهز للانطلاق في الوقتِ المناسب. لم تكن حياتي سهلةً، وبغض النظر عن الأسباب، وإن كنت أستحق ذلك، أم لا أستحق، وإن كنت أنا السبب كليا، أم كان السبب خارج فعل أناملي كليا، أو كما هو المنطقُ أن استحقاقي لحياتي منطقة رمادية، كأي إنسان آخر، أخطأ، وأصاب، فعل خيرا، وفعل شراً، به من حسن الخصال وسوئها حاله حال أي شخص آخر، الحُكم بهذا الترجيح القاطع بين الأبيض والأسود طبيعة نقدية يتشابه فيها المحب والمبغض على حد السواء.

أكملُ العام الثالثِ منذ عودتي لعُمان. من لاجئٍ مليء بالغضب والحسرةِ والندم إلى لحظة الآن والمكان هذه! أتتبع ظروفَ هذه العودةِ بتقصٍ دقيقٍ لما هو داخلي، وبانتباه أقل لما هو خارجي. وبقدر ما أبدو هادئا لذلك المتأمل اللامبالي فالحقيقة أنني لست هادئا. تعرضت لما يكفي من الآلام في هذه الحياة، هذا يكفي لكي أفقد طمأنينةَ سطر بوب مارلي الشهير [كل شيء سيكون بخير]، كانت أياما جميلةً عندما هذا كانَ معتقدي اللاعقلاني الداخلي الذي أسير على نهجه. بعدَ العفو السامي، قضيتُ وقتاً لا بأس به خائفاً أترقبُ، ومر العام، والعامان وكل المؤشرات تقول لي بوضوح تام: الحكومة لا تريد بك الشر! هل تريد بي الخير! هل تريد أن تضعني ضمن خططها مع الرأي العام؟ هل لديها نوايا! كل المؤشرات تقول: هو وشأنه، وإن تعدى خطوط القانون فإن القانون له بالمرصاد له ولغيره، وهذا ما يطمئنني عندما أتعامل مع هذه المنظومات التي نصها النظري كله غير شخصي، هل ينجو الإنسان من بطشِ الشخصنة في التعامل معه؟ طبعا لا، هذا هو الاحتمال الدائم من قبل الحياة ونفوس البشر التي تحاول تطبيق أسماء العقد الاجتماعي، مثل القانون، والسلطة، بما في ذلك من أدوات معقدة لإنفاذه.

عامٌ كان كافيا لأعرف أن الحكومة لم تعد تريد بي شرَّا، وعامٌ آخر كان كافيا لأفهم أنَّها لا تريد مني أي شيء، أن تكون كائنا اجتماعياً يعني أن تعيش بعيدا عن تعقيدات الغابة السياسية، والتي هي في كل مكانٍ غابةٌ مليئة بالصراع والتنافس، كنتُ لاعباً في هذه الساحة ذات يوم وخرجت منها بهزائم لا تعد ولا تحصى، أبرزها خسارة الذات، وأغلاها ثمنا الخسارة الاجتماعية التي أفرزت في النهاية مسخاً انتقامياً جاهزا للفتك بكل من يقترب منه، المسخ نفسه الذي تزيَّن الآن بملابس جميلة، ويحاول جاهدا، وأظن بصدق نية، أن يعوَّض بعض رزاياه بفعل بعض الأشياء الجيدة، أظنُّ ذلك عن نفسي وأتمنى ألا أكون مخطئا.

العامُ الثاني بعد عودتي لعُمان كان عامَ الحسمِ فيما يخصُّ خوفي مما أسميه [الغدرة]، هو خوف مستحق وفي محله وفي مكانه، هل هو منطقي؟ كل شيء في [الما حول] يقول لي هو غير منطقي، مع ذلك، من سمات أي نفسٍ تعرضت لصدمات مهولة أن تبقى دائما متربصة بالأسوأ، تترقب حدوثه، أستطيع أن أقول أن عامين كانا كافيين تماما لكي أبدأ الاطمئنان لهذا الأمر، الحكومة لا تريد بي شراً، لم أعد لاعباً متناقضا في ساحة الرأي العُماني، لا أمدحُ، لا أذمُّ وكما يقولون: كاف خيري وشري، وملتزم بحياةٍ في سياقٍ اجتماعي لا أحيد عنه.

الذي عاش حياةً كما عشتُ من الصعب أن يتخلى عن الدروع والأسلحة، وهذ المرَّة ليست بحُكمِ وجود معركة تتربص به، فلدي أعداءٌ قادرون وأقوياء، بعضهم مسلحٌ بالحقدِ الغاشم، وقليلٌ منهم لا يكلُّ ولا يملُّ ويغلي غضبا في كل لحظةٍ أبتعدُ فيها عن حلم اليقظة الذي حققته له، عندما قلتُ بكل جنون [بيدي لا بيدك يا عمر] وبدأت رحلتي الطويلة في تحطيم كل ما يتعلق بمعاوية في مجتمعِه، كم هو مؤسف أن تنهار تحت وطأة الضغط حتى تحقق أنت بنفسك، ودفعةً واحدةً ما يتمناه المبغض لك. وقتها كان كل ذلك مبرراً ومنطقيا، البحث عن الخلاص دفعة واحدة، والتخلي الكلي عن أي حضور اجتماعي، حتى ذلك الذي يشمل حقوقي العادية، والمنطقية، والقانونية والتي تشمل حقي في عدم الاعتداء عليَّ لفظا، أو إهانتي، ناهيك عن الحقوق الاجتماعية المتعارف عليها، مثل حقي في ألا أهان أو أتعرض للاستهزاء من قبل السفهاء، والغرباء، وهؤلاء الذين يتغذون من مآسي الآخرين ولا يعرفون القوَّة سوى على هؤلاء الذين أثقلتهم ضربات الحياة حتى طرحتهم في التراب والطين.

هذه هي نهاية كل الأفكار اللاعقلانية التي تتحول في نهاية المطاف إلى تصرفاتٍ اجتماعية، وفي عمان، وبالذات في عُمان، وبالتحديد، والتخصيص، والإجمال، والتعميم، والتنميط، بالذات في عُمان مثل هذه الحالة الذهنية، وما تتحول إليه من سلوك، يتحول كل شيء إلى مأساة تمشي على قدمين، وهذا ما حدثَ، كاتبٌ لمع نجمه لبعض الوقت تحوَّل إلى مدمن مخدرات زائغ العينين، متربصا من كل شيء، ومن هبَّ، ودبَّ، ومن له حق، ومن ليس له حق قادر على الإساءة له بكل سهولة. وكأنني خلقتُ لتحقيق أمنيات المبغضين تواصلت رحلتي الطويلة في الانتقام مع ذاتي، ووقتها أجمعُ رصيد الكراهية الذي أجهزه للانتقام، ربما كنت أبحث عن المظلومية بكل جنون لكي أتحول في نهاية المطاف مسخاً قادرا على إيذاء إنسان، وفعلا حدث ذلك، وأدركت أنني لستُ طيباً، وغفوراً كما كنت أظنُّ في نفسي. دائرةٌ مريرةٌ من التراكم أصبحت تُمارس بوعيٍ مرضي مسبق، قم بإيذائي، وواصل ذلك، ووقتها لا ضمير يوقفني عن إيذائك بلا توقف، هو نصابٌ من الجنون عشتُه بما يكفي لأجمع حزمة من الأعداء سنتبادل التربص إلى نهاية العُمر، ولا أحد يهربُ من عواقبِ حياةٍ مليئة بالخصومات.

أبدو مرحاً وسعيداً بصورةٍ غير منطقية. لعل نعمة ثنائية القطب تلعب في صالحي بعد الشيء بعد أن استقرت ظروف الحياة حولي، فالاكتئاب أصبح يورث الحكمة والعزلة بعد أن كان يورث الاعترافات المخزية بما فعلتُ وبما لم أفعل، والهوس الطفيف أصبح يورث لحظات الحضور الاجتماعي، وتلك الكاريزما التي يحسبها البعض من خصالِي الأصيلة، طاقة ثنائي القطب التي تتسرب بسهولة إلى الآخرين رافعةً من وجدانِهم، ومانحةً إياهم شعورا بالبهجة الهرمونية التي تبثها النواقل العصبية في أدمغة ثنائيي القطب. العبور من وإلى تلك المأساة أخذ خمس سنوات، فهل الظاهر هو الحقيقة؟ قطعا لا. الظاهر هو جزء منها، أما آثار تلك السنين من الريبة والخصومات فقد تركت أثرها، لا أتوقف عن بناء الدفاعات، وفي أبسط المواقف لا أرعوي عن الدخول في عدائية من التحذير المتتالي، لم أصنع خصما جديدا بلا سبب، ولم أصنع عدواً جديدا، ولم أسمح لصداقة أن تنهارَ حدَّ تحولها إلى معركة. هل أنا جاهز لذلك؟ للأسف الشديد نعم، جاهزٌ لرمي كل شيء وراء ظهري من أجل انتقامٍ من ندٍّ يظنُّ أنَّ الكراهية لم تعد في دمي. كم هو مؤسف أن يعيش إنسانٌ كل هذه النعم وداخله اللاعقلاني مهيأ للأذى والتدمير لهذا الحدث. المحزنُ حقاً أن تكون واضحاً مع فهمك لذاتك، وتقوله للآخرين ومع ذلك يأتي بعض الأغبياء للمجازفة باختبار تحول ذلك لحقيقة، وقتَها، طريق اللاعودة جاهز للذهاب إلى نهاية الشر.

أعيش دقائق الضوءِ وما يأتي معها من أعباء وتبعات. حياةُ النجم الاجتماعي هذه التي أقومُ بها كوظيفةٍ اضطرارية، يجدر بي الاستمتاع بها، والعيش في نشوتها. هل أفعل ذلك؟ قطعا لا. أحيطُ نفسي بأصدقائي الذين أتعلقُ بهم، ولا أجازف بالدخول في صداقات جديدة إلا في أضيق الظروف، مع أصدقاء أصدقائي، بعدَ تأملٍ واستقصاءٍ، بل وأحيانا اختبارات لا داعي لها، فقط لأطمئن، هذه الطمأنينة التي تفوق قيمة السعادة لدي. محزنٌ أن تصل لهذا الحد من الخوف، أن تفسد على نفسك الشعور باللحظة بسبب كل ما دفعته من ثمن بعد تصديقها.

يغضبُ وضعي الجديد البعض، ولا أجد غضاضةً، ولا أشعر بالانزعاج والأذى عندما يكون هذا الغضب ممن أسأت لهم يوما ما. تدهشني رحمة الله الذي يبثُّ الغفران في قلوبٍ بعضها جرحتُه بشدة، ويدهشني ذكاء إبليس عندما أجدُ غريباً لا علاقة له من قريب ولا من بعيدٍ بخطايا لم تكن في حقه أو حق من يحب وهو يتفنن في الاحتقان تجاهي. لكل من أسأتُ له يوما ما نصابٌ ما من الإيذاء، إن أراد حقُّه فلا أنكره، وأؤديه، وإن أراد اعتذاراً ولم يكن يدين لي بمثله كان له ذلك، أمَّا من أراد انتقاماً، فكأنني أبحث عن ذلك اليوم الذي أعودُ فيه إلى شرّي الداخلي، واستعدادي للتطاولُ في الأذى، كم هو محزن أن يبهجك اقتراب أحدهم لك بسكين، ربما لأنك ادخرت ما يكفي من السيوف والمقاصل جاهزاً لاختبارها على خصم أرعن! هذا محزن! محزن فحسب!

لقد انحصرت حياتي في التفكير في كيفية التصرف تجاه ظروف الحياة. أما كيف أشعر! فكل ما أفعله هو التجاوز، تجاوز الشعور بالأسى، تجاوز الشعور بالسعادة. تحولت حياتي إلى حالةٍ عمليةٍ موغلةٍ في السببية، وكأن الذي يعيش هذه الأحداث هو شخصٌ آخر. شخصٌ آخر بالمصادفة أعيش داخل عقله، وأتولى اتخاذ قراراته نيابة عنه. ما زلت غبياً، لساني تسبقني، ولا أخلو من صفات الهبالةِ والتغابي المستمر. أصدقائي يعرفون ذلك عني، وعائلتي تعرف مشاكلي فلماذا أعبأ بالغرباء؟ بعد سنواتٍ من التأمل والعلاج الداخلي قطعت الشوط الأخير في استعادة الرأس الصماء، عندما يفقد الكلام قيمته، ويبقى كل شيء محصورا في التصرف المناسبِ تجاه الاعتداء غير المبرر. قراءة هذا النص تكفي لكي يوضح التفكير اللاعقلاني الضمني الذي يحركني خارج وعيي، لا إنسان يسيطر كليا على وعيه ولا وعيه، وهذه حقيقة مثبتة علميا، كل ما أستطيع هو الانتباه، الانتباه لا أكثر إلى هذه الألاعيب التي يغدقها الذهنُ على طين ولحم يسكنها بقدر ما تسكنه.

لن أعتذرَ لأحدٍ أنني أحاول الحياة. لقد انتقلت حياتي من القلق تجاه ردات فعل السلطة تجاهي، أو الخوف من السجون، أو التحقيقي إلى قلق عاديٍّ بمعنى الكلمة، المثير للسخرية في هذه الحياة أن تجنب الاحتكاك بالسلطة أسهلُ بكثير من تجنبِ الخصومات الاجتماعية. كلا الأمرين مؤذٍ، وأكثرهما تأثيرا هو ذلك الذي يبدأ بالتربص بمحيطك العائلي، أو بالأصدقاء. بينما يغرقُ البعضُ في التأويل زيادة عن اللازم، أغرقُ أنا في ترميم حالتي الاجتماعية، وفي ذلك الشعور الجميل الذي أصادفه من عائلتي، ولا سيما صغارها الذين صرت في هذه الأربعين من العُمر أخشى كل الخشية أن يكون خالَهم مصدر عارٍ، أو خجلٍ، أو تعيير لهم. بينما يحلل البعضُ زيادة عن اللازم تصرفاتي، وما أنوي عليه، وهذا يربطني بالسلطة، وذلك يربطني بأحقاده الداخلي، وذلك يعاملني بحسن الظن الفائق، وذاك يقرؤني بسوء الظن الفائق، كل ما أفكر به هو هذه الحياة الاجتماعية التي أريدها أن تكون هادئة قدر الإمكان، ومحمية إلى أقصى حدٍّ ممكن. أبدو هادئا للغاية، ومرحا، وقد أبدو جميلا بعض الشيء، وقد أبدو خيّرا، الحقيقة هي أن كل ذلك هي لإنسان كان يائسا، وذميما، وعاش ما يكفي من القبح لكي لا يجعله هذا الجمل يغفل عن معركةٍ أخيرة نهايتها الموت، قد تفرضُ نفسها عليه، وقد يؤجلها الله برحمته فينجو من خسارةِ كل شيء فقط لأنَّ عدوا لئيما قد كفَّ الله شرَّه وشغله بمن يشبهه. رغم كل هذا الجمال والنعمة التي أسأل الله أن يستقر في قلبها شكرُها وأداء جميلها، هذا الإنسان الذي يكتب هذا الكلام عاشَ حياةً أقبحَ من أن يغفل بسبب هذا الجَمال، عن كل القبح الذي نفسه، وعن كل القبح الذي في العام وفي نفوس البشر.

كل ما أحلمُ به في هذه الحياة، هي حياة جميلة، غير مسيّسة، لا أضطر فيها إلى الرد على قبح نفوس الغرباء بقبح ما في نفسي، إلى حياةٍ أغادر فيها كل الصداقات التي آذتني، وأغادر فيها كل الظروف التي تجعلني مؤذيا. لن أعتذر لأحد لأنني أحلم بهذه الحياة، ولن أغفر لأحد يحاولُ أن يجعلها ساحة صراع فقط لأنه خسر دميةً كان يمرّن ضغائنه عليها. مختصر كل شيء قالَه شاعرٌ يعلم ماهية الحياة: "فإمَّا حياةٌ تسرُّ الصديق، وإمَّا ممات يغيظ العدا"

 

معاوية