بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 يوليو 2026

تشوهات معرفية: 1 + 2








التشوه رقم 1: 


(هل عشت ما يكفي من التجارب؟)



عزيزي القارئ، هذا المقال ليس واحداً من تلك المقالات التي تتفنن في شيطنة الثقافة أو المثقف، أو وصمِه بما هو فيه أو ما ليس فيه. هذا المقال، وهذه السلسلة المتلاصقة ليست بيانا عدمياً يدين كل شيء لعدم فائدته بحجة التفاهة الرائجة التي تقول: "لماذا نفعل كل هذا ونحن زائلون". وليس بيانا عبثيا ضمن التنصل الشامل عن المسؤولية الفردية والعامة بحجة فرض الكفاية الذي "لست أنا من بالضرورة يفعله". هذا المقال، وهذه السلسلة يحتاج إلى مقدمة متقنة، محكمة، توضح سببه وأهدافه؛ لكي لا يخرج من المنطقة التي أراد لها صاحبها أن تصل كرسالةٍ لعله تنفع أحداً، وإن لم تنفع فالزبد يذهب جفاءً، فإن كانت هذه السلسلة نفعاً، كان بها، وإن كانت جفاءً فقد حاولت شيئا ما سأتعلم من فشله حكمة أخرى مجانية أيضا لعلها تعود فتنفع، أو ربما تبقى في رفوف التاريخ الحافلِ بالتماثيل التي تحطمت بضربة إزميل خاطئة، أو باختيار سيئ للجلمود الذي لا يبوح بالتمثال الذي به بسهولة.


التشوه المعرفي الذي يعرفه علم النفس في سياقاته انتزاعٌ متعمدٌ من كاتب هذا المقال ليأخذه من شكله العلمي الجامد الموضوع في صندوق مشروط، إلى حالته الأدبية الشعاعية غير المعرفة، ستعرف أيها القارئ بسهولة ما هو، وتتصل به، وتتفاعل معه، وتجده سهلا يسيرا ما دامَ يقع في تلك المنطقة غير التخصصية، لذلك من البداية أقول، التشوه المعرفي، هو تشوفه معرفي، معتقدٌ أصيب بشيء من الضبابية، أو اللوثة، أو التحطيم الجزئي، أو الفلتر الغامض، أو الضوء الساطع، أو غمره طين طوفان، أو أحرقه حقد شيطان، أو فقد الإنسان اتصاله به نتيجة اتصاله بمعتقد أو بمعرفة أخرى. 


سأركز حديثي على حالةِ الثقافةِ الاجتماعية. وأركزه في البداية على الحالة الاجتماعية العمانية، وربما مع الوقت إن تيسر الوقت للبحث الكافي سيذهب إلى الحالة الثقافة العربية. هذه المرة ليس من منظور المآالات الكبيرة والضخمة، أو الموضوع المكرر عن علاقة المثقف بالسلطة وتنظيراته، وإنما عن المثقف نفسه، الإنسان، الذي يتخلق تدريجيا بشكل مليء بالأسئلة، يريد أن يصنع معنى لحياته، ولا يعرف أحيانا أنه وصل إليه، ويعيشه، كل ما في الأمر أن تشوها معرفياً واضح المعالم يمنعه عن عيش ما يستحقه لمعاييره الكونية التي جعلت الاستحقاق مستحيلا، وجعلت ملاحقة الخلود وهما مستحقاً يردده الكبار الذين يبذرون القوانين للقادمين في الطريق، القادمين الذين يقول المنطق البديهية أن سقوط الكثير منهم في الطريق هو الشكل الأمثل للانتخاب الطبيعي للحياة، وللأفكار وللجودة، وللإبداع، والأهم: للمثقف والفنان وحياتهما الخارجة عن الأطر المعيارية.


سأستخدم كلمة (المثقف) تجاوزاً لصفة عمومية تجمع الطيف كاملا. من الكاتب، والشاعر، والعازف، والفنان، بل وحتى عاشق الزراعة الذي يجمع شتلات العالم في حديقته مفتتنا بعلم الزراعة، وبثقافتها. المثقف في عالم البحر، وإن كان لا يكتب لكنه يقول، ويبوح، وله منبره الذي يتصل به بالمتلقي المباشر، الجيل القادم من البحارة والصيادين، المثقف في شؤون النخيل، وشؤون الآبار، والمياه، والأفلاج. لذلك عزيزي القارئ، إن كان تخيلك أنني أسمي المثقف ذلك الكائن الذي يشرب القهوة، ويعلك الحديث في المقاهي أو الحانات، ولا يعمل، ويقتنعُ أن الحياة تفرغاً خيالياً يعيش فيه المثقف والمبدعُ خاليا من السعي، والمسؤوليات، والإرادة، وأي شيء، الهدف هو ذلك الفراغ الكبير الذي يظنُّ أن قطعه بلا خبرةٍ في الحياة أو تجربة عميقةٍ على الأقل داخليةٍ، موغلة في التأمل يكفي لكي يكمل الحياة في مساره تجاه المعنى الكبير للإبداع وللثقافة والكتابة.


إن قمت باستقصاء مرتجلٍ تحاول البحث فيه عن الحلم الكبير، حلم اليقظة الذي يدغدغ الذين يتورطون باستثمار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة الهواية الثقافية حتى يجد الجد ويرون أنَّ استمرارها يحتاج إلى نموذج مهني، وقد يكون غائبا، فيتناقض الواقع مع الأحلام. فالحلمُ هو ذلك التفرغُ الذي يستيقط فيه الإنسان صباحاً ليجد نفسه في مكتب جميل، وأنيق، ملحقة به مكتبة واسعة شاسعة، يشرب قهوته، ثم يتناول إفطارِه الأنيق، في كوخٍ بعيد في دولة بعيدة، أو في مزرعةٍ لطيفة جميلة، ولعله عازب حتى هذه اللحظة، فيفتتح صباح بفيروز، ويخرج لسقي الزهور وقضاء القليل من الوقت في الطبيعة قبل أن يذهب إلى جلسته الثقافية مع رفاقه الذين يعيشون مثله أيام النجاح الجامدة.


مصطلحٌ يجب أن أضعه في موضعه الشعري. أيامُ النجاح، الجامدة، التي تصب خلاصة الإنجازات على هيئة حياة يختارها المرء بنفسه. يختار أين يمضي وقته، ويختار الجهد الذي يضعه في مدرسته الثقافية والإبداعية. تخيل أستاذا جامعياً قضى ما يكفي من العمر يعمل، ويؤسس، وبعد تقاعده فتح معهدا يمده بالمعيشة، وبعدها بدأت أيام نجاحها الجامدة، والباردة، التي يصبح فيها فراغ الوقت من الجذب الشرس واللحوح للحياة هو اليوم الجميل. توصف بحياة المتقاعد لسبب ما، لأن العمل الذي جاء ليجعلها ممكنة كان كافيا ليجعلها مستحقة. هذه هي أيام النجاح الجامدة، الباردة أحيانا، التي قد لا تخلو من الضجر والملل وابتكار الهوايات البسيطة فقط للحفاظ على حدة الذهن، والتمسك بوجود اهتمامات جديدة في الحياة.


أول التشوهات المعرفية التي تعالجها هذه السلسلة. الوصول إلى حلم اليقظة الجميل الذي يتمناه أي رسام وأي كاتب، بشكل عام أي مثقف يريد أن يقضي ما بعد حياته وخبرته هذا التدفق المنطقي لكل ما سكن وبقي في ذاكرته، لكل ما يتخلق ويتبلور في وعيه. وسواء كان يكتبه أو يقوله، فهو يعيش هذه الحالة الموصوفة في الفقرة السابقة. السؤال الكبير، أليس هناك فرق بين تعريف الأيام الباردة للنجاح، لكي تقلب الآية مع كثيرين ليكون النجاح الثقافي ببساطة هو الأيام الجامدة بشكلٍ عام.


المثقف الشاب الذي في بدايته حياته، يقرأ بنهم، ويعيش حياة المهووسين بالمنتج الجديد، باكتنازه القهري، وبأمنيته أن تكون مكتبة الأستاذ الذي يكون من مريديه ومن أتباعه له. يدغدغ نفسه بأحلام اليقظة، ويقارن نفسه بإنسان عاش أربعين سنة من التجارب، والتعب، والنكسات، والأيام، والسعي حتى وصل إلى أيام نجاحه الجامدة. يتخلق التشوه المعرفي هذا بالمقارنة والاستحقاق، ووقتها تنشأ حالة المثقف المنعزل، المعتكف كأنه راهب من رهبان المعرفة، يبحث عن تجربة الحياة في الأوراق ومواقع الإنترنت، قد يكون محظوظاً بعائلة تتحمل بقاءه في غرفته، تجلب له الطعام، وتعطيه بعض المصروف. وقد يكون إنسانا مليئا بالمسؤوليات، فيعمل في وظيفة بسيطة لكي يلاحق المجد المعنوي. هل هذه تجربة يمكنها أن تنجح؟ نعم، لكنها ليست ناجحة بعد، لأن عيش الأيام الجامدة من أجل الإبداع والثقافة ليس هو الثقافة، أيام النجاح الثقافي ذكرت قبل فقرتين، في ذلك الذي أنجز مهمته واكتفى من الحرق المتواصل لنفسه وقرر بكل بساطة: أن يعيش حقا.


 الخلاصة التي أريد أقولها بعد وصف هذه التشوه المعرفي بكل أمثلته، أنك يا عزيزي الكاتب الشاب الذي في بداية العمر، تحتاج للحياة، وللتجارب، ولمهنةٍ تتعلم منها النحت في الصخر، والسعي للخبز. وربما تحتاج إلى تجربة ترمي بنفسك فيها وتنجو، في كل الأحوال، كل ما تشحذه من مهارات، وكل ما تراكمه من معارف دون تجربة حقيقة في الحياة، وخوض في دهاليزها، حتى وإن كانت الدهاليز المبسطة كالسفر والترحال، أو الدهاليز الأخرى للمثقف الذي يحب دخول السجن بنفسه، أو أن تكون سيء الحظ فتقع في يد ظالمٍ فيسجنك وأنت لا تستحق ذلك، في المحيط العربي ما يكفي من الأمثلة لتعرف بنفسك عزيزي القارئ. علما أنني اقول، أنك إن لم تكن من مثقف السجون، فأنت الحالة الطبيعية، فلا تشعر بالضيق والأسى لأنك (لم تعش التجربة) أن تفتح مكتبة ناجحة فتبيع الكتب نجاح ثقافي رائع يجعلك تستحق أيام النجاح الهادئة. أن تنهي مسيرة وظيفية نجاح ثقافي رائع يجعلك تعيش متقاعدا وأنت تقرأ الكتب التي تحبها، وتكتب المقالات في المواضيع التي تثير دهشتك.


هناك الكثير ليفعل لكي يستحق المثقف أيام نجاحه الهادئة، وقليل من يفعلها في عمرٍ قبل العشرين، هذه الفلتات الكونية موجودة، والعبقري الذي يكتب رواية تحصد جوائز الأرض، وتترجم إلى لغات الدنيا، ويصنع لنفسه تقاعداً مبكرا يسمح له بحلم اليقظة الثقافي الأجمل، التفرغ لما بقي من المسيرة، هنا المسيرة نفسها هي الخبرة، هي الحياة التي تجعله يوما ما بعد أن يتعب من المسير ويقرر الترجل عن الترحال والموانئ الداخلية و الخارجية، وقتها سيقول هو أيضا: لقد عشت بما يكفي، عشت بما يكفي لأذهب إلى أيام ما بعد النجاح الهادئة، والجامدة، والباردة، والخالية من حرارة ووهج التحقق المأمول، إلى التحقق الذي عيشَ حتى أصبح الآن في طريقه للإرث هذا إن لم يصنع إرثه من قبل، وترك صاحبه هانئا هادئا يتفاعل إبداعه مع العالم سواء عاد لرفده بالجديد أو لم يعد.






التشوه رقم 2:

 

(هل حقا هناك إجابات؟)



إن كان ثمَّة شيء مؤسفٌ يفعله الذين عاشوا حياتهم الثقافية، وتجاربهم الحياتية بما يكفي لضخ الإجابات الحاسمة في مئات إن لم تكن آلاف الفجوات المعرفية الصغيرة في محيطهم، فهو ما يفعلونه عندما يرهنون كلمة الإجابة على الشاسع الكوني، أو الواسع الأرضي، بدلا من ذلك البسيط العادي الذي يصنعُ دهشة الاكتشاف لإنسان في بداية طريقه في مسارٍ ما. ما يبدو عادياً لمن عاشَ ما يكفي من حياته لتتشكل لديه إجابات حاسمة كثيرة على شؤون صغيرة وفيرة، لكن هل ينشغلُ بذلك؟ بهذا الهم العادي الذي يخص الناس العادي؟ للأسف الشديد هذا هو التشوه المعرفي الآخر الذي ينشأ من ضغط الصورة النمطية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، مشغولا بالأسئلة الكبيرة فقط، بإجابات أسئلة الكون، وبمساءلة الإجابات المعلبة للمنظومات الغالبة على أمر الناس، وربما الغالبة على أمره، وهل يسلمُ المرء من وضعٍ مثل هذا في أي مكان في العالم؟


ذلك المثقف الذي ينظر إلى الصحراء الشاسعة أمامه، بلا إجابة، وإلى السماء البعيدة عنه، بلا إجابة. غارقٌ في تأمل الغيب والغياهب، وينسى أن يلتفت قليلا للوراء، ليرى التراكم الشاسع لكل الإجابات الصغيرة التي استنكف أن يمكث فيها قليلا، وأن ينسجَ منها ما يكفي من الأقمصة الصغيرة لكل القادمين في هذا الطريق المعقد للثقافة، بكل ما فيه من علاقة مع الناس، والسلطة، والأقران، بكل ما فيه من صدام، وتنافسٍ، وتضادٍّ، وتماسٍّ مع السلطة والدين، مع أرزاق البشرِ وهناءتهم ورخائهم، مع حقوق التعبير والبحث العلمي، مع الفنِّ وقيمته، مع الغناء وأثره الصالح أو الطالح على فردٍ أو جيل. 

اضف التشوهين إلى بعضهما البعض، تظهر لك الصورة الكلية لمثقفٍ عاش بما يكفي من التجارب والحياة، يربأ بنفسه أن يذهب ليعيش بعض أيام النجاح الهادئة في مدينة خلفه بناها دون أن يدري من عرق الأيام، وحبر الأحلام التي تحققت، والرسائل التي وصلت، والقيمة التي تحققت. تشغله السماء والصحراء، وينسى كل الذي صنعه بيديه من أجل أحلام الغيوب، وتبقى إجابته المحزنة: الإجابة هي الموت!


لا أعرف إن كان الموت إجابةً أم سؤالا. ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أتطاول في الكتابة والكلام عن الذين يعيشون هذه المرحلة، لأنني لست فيها. قد تسمح لي التجربة التي عشتها أن أتحدث بأريحية عن المثقف العماني وهو في عصر النشأة والتكوين، والصعلكة، والاختلاف والفوارق بين جيلٍ وآخر، من الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أكون ملحدا) إلى الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أذهب للصالة الرياضية وأحافظ على صحتي)، إلى الجيل الذي يقول (ما بال الجيلين الذين قبلي عاشا رفاهية لا نملكها) وهكذا دواليك كما ينبغي لرجل في الثالثة والأربعين يكتب وهو لم يبلغ أيام نجاحه الهادئة، تلك التي يحلم بها منذ سنين فقط لكي يجلس جلسة هادئة مثل هذه، في إجازة نادرةٍ من السعي المستمر، ليكتبَ قليلاً عن الثقافة، وتجربته التي عاشها، ويحاول قدر الإمكان أن يكون نافعاً غير متحيز، ويعرف أنه سيفشل في عدم التحيز، ويعرف أيضا أن نفعا ما سيحدث لأحد ما إن وصل إلى هذه السلسة من التشوهات المعرفية ونفعته في إعادة تعريف شيء صغير كان يظنه بديهيا من فرط ما هو يكرر من قبل الجميع.


هل هناك إجابات في هذه الحياة؟ نعم، الإجابة نعم،إجابات صغيرة كثيرة قد تكون عشرات في عمر ما، قد تكون مئات في عمر ما، قد تكون آلاف في يوم ما عندما يبني المثقف نموذجه الذهني وآلة عقله التحليلية، وفلاتره، ومجسّاته، وترابطه العضوي الاجتماعي، والأهم، صحته النفسية والعقلية التي تسمح له أن يرى ذاكرته، والعالم من زاوية خالية من الألم والصدمات. نعم، هذه كلها إجابات في هذه الحياة، إجابات شافية كافية يحتاج لها القادمون بعده في الطريق، الذين سيكملون الطريق حيث وصل له، الذين رصف له درب الإجابات، حتى تلك المبدئية منها، ليكملها جيل آخر، ولتكتمل تلك الرسالة الثقافية من منحنى التعلم في بلادٍ ما، لأنَّ جيلا قرر أن يخرجَ عن فكرة (الفرصة الواحدة، واللحظة الواحدة، والجيل الذهبي) إلى الجيل الذي يقبل أن الأمر قطارات متتالية، كلها لها سكانها الذين يعرفون ما يحدث في قادم الطريق من الذين سبقوهم فيه.


الإنسان ليس إجاباته، والإجابات ليست الإنسان. ما العلاقة بين الإنسان والإجابة لا يختلف الأمر عن اكتشافِ البكتيريا، أو البيان الشيوعي، أو بدء القانون الفرنسي بتكوين تراكمه المستمر. هذا هو الإنسان والإجابة، حزمةٌ من المعتقدات شبه الحتمية التي أصبحت جزءاً من حياته. وإجابات أخرى سائلة، كعلاقتنا مع الإنترنت، ومضار الدوبامين، والأكل المعلب، أيضا، هذه علاقات جميلة بين الإجابة والإنسان. 


قد يحلو لمثقف في العشرين أن يذهب فوراً إلى مجادلات فيزياء الكم، وما يحدث في صدامات الذكاء الصناعي. يذهب وفق نية التعلم، أو يذهب وفق نية الإجابة، وهناك حقا ليست صدمة غير متوقعة إحصائيا أن يعود بلا إجابة. هل هذا يعني أن الفلتات الإعجازية للعقول التي لديها القدرة المناسبة وتتوجها الفرصة المناسبة للانضمام إلى عصر مهندسي الذكاء الصناعي في عصرنا الحديث؟ يعودُ الأوَّل من بعثته حاملا إجابات الخطر على الخصوصيات، ومئات الإجابات الصغيرة عن الذي يحدث حقا في هذا العالم المتغير بشراسة، ويعود الآخر (بلا إجابة) عن مآل البشرية إن وصل الذكاء الصناعي إلى السيطرة عليها، أو إلى الخيال الرائج في الأفلام عندما تقرر الروبوتات بناء الروبوتات وبالتالي تعاقب الكوكب البشري على ما يفعله بكوكبه الجميل! 


هل هناك إجابة؟ يكمن التشوه المعرفي في السؤال نفسه. (إجابة) واحدة على كل شيء؟ وكأنه اختصار من اختصارات التعب أو الاكتئاب المستمر. هل هناك أكثر من إجابة؟ نعم، أكثر من إجابة، وربما على كل شيء عدا ذلك الحتمي الذي لا خلاف حوله، مثل شروق الشمس، وغروبها، ومثل علاقة الماء بالطين، وعلاقة الإنسان بحمضه النووي. هناك ما يجيب عليه المثقف في مسيرته، من أسئلة المجتمع، والسياسة، والدين، ما ينظر له نتيجة إجابة أصبح مؤمنا بها عن العلاقات بين الأجيال، وبين الناس، وبين السلطة والناس. الأمر يتعلق بجهة النظر إلى الشيء، إلى القادم الشاسع، والصحراء الفارغة البعيدة والمجهولة، والسماء المثيرة للتساؤل بكونها الذي لا يكاد البشر يفهمون منه إلا القليل. "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .. وأيضا "وما أوتيتم من الإجابات إلا قليلا". قليلان أليس كذلك في حياة كوكب الناس منذ نشأته، لكنها كثيرة جدا في حياة الشخص الواحد، هل هناك إجابات؟ نعم، هناك إجابات. هل هناك أسئلة؟ نعم، هناك أسئلة، وكون عددها أكثر من الإجابات التي تولتها، لا يعني إلغاء التي أجيب عليها. نحن كبشر لا نعيش لنسأل، ولنتساءل، نعيش لكي نجيب على أكبر قدر من الأسئلة التي نستطيع الإجابة عليها. هذه إحدى إجاباتي، التي أؤمن بها، ولعلك عزيزي القارئ تختلف معي. لقد قلت هذه (إجابتي) لم أقل هذه (الحقيقة) لأن كلمة (الحقيقة أيضا) تشوه معرفي أنيق وظريف، هي أيضا تؤخذ بجمعها لا مفردها، هي (الحقائق) وبهذا نتفق على حقيقتين، كل حسب زاوية نظره، حقيقة تقول أن الإجابة على سؤال الكون غير موجودة، وحقيقة تقول أن موقعا جغرافيا ما في مكان ما سيأخذ زمنا طويلا حتى يصل إلى ما يطمح إليه، في الحالتين كلانا لم نخل من صوابٍ ما، وكلانا وما توصلنا إليه لا يخلو أيضا من احتمالٍ ما بالخطأ. هل هناك إجابة؟ كلا ليست هناك إجابة، هناك إجابات عندما تصل إلى الأسئلة الصواب. وتذكر عزيزي القارئ، هذا ما أؤمن به، ليس ما أفرضه عليك كحقيقة غير قابلة للجدال.