بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 12 يوليو 2026

ميسي! ذلك العادي غير العادي!



اليوم هو تاريخ 12/7/2026م التاريخ الذي حبس فيه مشجعو الأرجنتين أنفاسهم في مباراةٍ قاسيةٍ نفسياً على أي مشجع، بدأت رتيبة، مملةً، تبدو وكأنها ستحسم بتضييع الوقت، وبالهجمات الباردة، وبكل ما يخيف من تأكيد شكوك المؤامرات، وبكل ما يحاول العالم تبرئة ميسي منه، أنه ضمنَ شيء مشكوك في أمره، مع إجماع الجميع أن ميسي ليس لاعبا خارج الملعب، حتى وإن حاول أحدهم إشراكه في ألاعيب ومؤامرات يحلو لنا أن نضع افتراضات صوابِها، بينما أيضا يجب علينا أن نحافظ على سلامة عقولنا من انطباق السرديات على الواقع، السردية مجرد سردية، مقنعة، قابلة للانطباق على الواقع، لكن هل هي حقيقية؟ قطعا لا!


أعترف لك عزيزي القارئ، كنت أتابع المباراة بأعصاب هادئة تماماً، هذا يشجع سويسرا، وهذا يشجع الأرجنتين من أجل ميسي، وهذا يشجع ميسي من أجل الأرجنتين. وأنا كنت هناك، مع صديقي الذي يشجع ميسي والأرجنتين في وقت واحد، بأعصاب محروقة، ومشدودة. كنتُ أشجع كرة القدم فقط، جمالها، تبرئتها من الشبهات، كنت أشجع هذا الأسطورة الذي يجمع الخصم والصديق أنه لا يتكرر. كانت مباراةً تمنيت لو كان حسمها ميسي، كنت أنتظر شيئا ما يوقظ ذلك الشعور القديم باحترامي لهذا الأسطورة.


شيء يلفت الانتباه ذلك الإيمان الهائل من فريق ميسي به. الكنز الحقيقي أن تكون عاديا، أن تكون ميسي. ليس لاعب تصريحات نارية، ولا لاعبا ذاتيا يجعل كل شيء يدور حوله، هذا هو الفارق الهائل بينه وبين الذي كان يقارن به يوما ما، الدون الذي أعلنت الحياة نهايته بعد أن تسمم بما يكفي، بعد أن اعتمد على اللعب خارج الملعب، في الإعلام، وفي التصريحات. الكرة الأخيرة، ورغم الفوز، ورغم حلاوة أن يسجل هدفا في كأس العالم، كان يبحث عن من؟ كان يبحث عن نجمه الذي يؤمن به إيمانا غير قابل للشك.

هذه الميزة الهائلة في ميسي، العادي بشكل غير عادي. يبدو مثل الجميع في العالم، هادئا، بسيطا، لا يخلو من غرابة أطوار، لكنه قطعا يخلو من تلك الذاتية المستفزة التي كانت تتعاظم وتتعاظم مع كريستيانو رونالدو كلما اقتربت منه أيام الهلع الكبير، نزول مستواه، أخطائه، عدم تمركز العالم حوله، عدم اعتباره مركز الحسم والحلول. لست ضليعا في كرة القدم لأحكم بكل ما قلته أعلاه، أعتمد على هؤلاء الذين أظن بهم الخبرة. 


لا أشجع الأرجنتين بما يكفي لكي أطير فرحا بهذا الفوز، ولا أشجعها بما يكفي لتحترق أعصابي حيال مباراة مثل هذه، الذي أشجعه هو كرة القدم الجميلة، ومباراة الأرجنتين وسويسرا، كانت مثالا على كرة القدم الجميلة، التحكيم الذي أعطى طردا في محله، هكذا يبدو، هكذا يبدو عادلا وحقيقيا، والتعادل الذي أحرق أعصاب مشجعي الأرجنتين، ومشجعي ذلك العادي غير العادي، ميسي الذي جعل هذا الكأس يدور حوله، وجعل النقاش يدور حول فرضيتين، هل يفوز به ميسي؟ أم لا يفوز به ميسي؟ ماذا عن بطل العالم الآخر؟ هو أيضا مجرد جزء من السردية الكبيرة، سردية العادي غير العادي، سردية ميسي، الذي تدور حوله هالة بحجم التاريخ، هالة تنسحب عليه في كل كرة، حتى مع فريقه، حتى مع لاعب فريقه الذي في انفراده في اللحظات الأخيرة كان يبحث عن أسطورته، عن بطل فريقه، كان يبحث عن الحسم الاعتيادي مع أن الحسم ملتصق بقدميه. لا عجب أن يعشق الناس كرة القدم، لا عجب أن يحبوا هذا المهرجان العاصف من اللعب، والتصريحات، والتكهنات، وكل شيء يمكن أن يرتبط بشيء اسمه (كأس العالم).


شيء يستحق الانتباه والمقارنات، بين الذي يسميه محبوه بالدون، والذين يسموه محبوه (ميسي)، يفتح لك آفاقا للتأمل عن العلاقات البشرية، وقوتها، وتعاظم التضحية فيها، والتعلق، والارتباط، بل وحتى اشتعال العقل الفارق في اللحظات الفارقة، إن كنت أنا الذي لا يشجع ميسي أنتظر لمسةً منه، أنتظر شيئا ما، نجاح تمريرة، مرور واختراق للدفاع وتسديدة، كنت أنتظر شيئا ينفي عنه كل ما قيل في مباراة مصر ذات النهائية المؤلمة، والمليئة بالشكوك. 

حتى في هذا المباراة، كان ميسي عاديا أيضا، عادياً كأسطورة يريد أن يبقى عاديا، كان لاعب فريق، يحاول، يساعد، يفعل كل ما بوسعه لكي يفوز الفريق، وهنا الثبات الانفعالي، وصدق الانتماء إلى رقعة الملعب. كل إنسان لديه تصوره، ووصفه لميسي، الذي أستطيع أقوله، أنه العادي غير العادي، ولا أحد يعلمُ ما الذي سيحدث في المباراة القادمة، وهل سنرى دموعه، أم سنراه يرفع كأس العالم. متأكد أن المشجع الأرجنتيني كان يحتاج لهذا الفوز، لذلك الشعور أنها مباراة حقيقية، حتى ولو كانت التكهنات السابقة حول (ما يدور وراء الأكمة) مجرد أوهام، الذي يؤكدها كالذي ينفيها كلهم لديهم حدس لا أكثر، الحقيقة هي ما يظهر في الإعادات. مباراة تفتح تأملات كثيرة، عن البشر، وعلاقاتهم، وعن الناس، وعن سحر الأبطال، وعن سبب نشوء الأساطير، وعن العادي جدا الذي اسمه ميسي، الذي جعل كل شيء في كأس العالم غير عادي بعدما أحرزه للمرة الأولى، والآن، ثمة شيء في القلوب يقول: "يستحق ختامه المجيد" عزيزي القارئ، قد أكون مخطئا في كل كلامي، قد أكون مصيبا في بعضه، أكتب هذا المقال بعد نهاية المباراة فورا لذلك تذكر، هذا الفيض من الحماسة، سببه كأس العالم، وجنونه، وكل مفارقة فيه تجعلك تشعر أن مباراةً مثل هذه، بين الأرجنتين وسويسرا يوما ما ستتذكر متابعتك لها على الهواء مباشرة، وما الذي نريده من كرة القدم أكثر من ذلك؟ 





الثلاثاء، 7 يوليو 2026

سوق اسمه ميسي!



عزيزي القارئ، دعني من البداية أعترفُ لك أن هذا المقال ليس واحدا من مقالات المنطق المحكم المترابط. هذا مقالٌ عاطفيٌّ بامتياز، يكتبه إنسان عاشَ في طفولته في مصر، درس جزءا من ابتدائيته في مصر، عاشَ تجربة ملخصات سلاح التلميذ، ولامي، ونشأ وترعرع مع أحمد خالد الصفتي، ونبيل فاروق، ويحفظ مسرحيات عادل إمام كما يحفظُ أغاني عبد الحليم حافظ، يتحدث الدارجة المصرية (بلبل)، فلا تنتظر مني وأنا أكتب هذا المقال بعد دقائق قليلة من خسارة جمهورية مصر العربية أمام ميسي وفريقه الذي لا تهم ما جنسيته مادام يلعب فيه، كما لا يهم ما فريقه ما دام يلعب فيه، كما لا يهم أي شيء سواه، سوى هذه الهالة التي منذ تغريدة بايدن عنه وأنا أتساءل أي دور عالمي قادم سيكون لهذا السرحان الهائم الذي تدور حوله الخطط حيثما حلَّ وارتحل.

لست ضليعا في كرة القدم كما يفعل المجادلون الكبار، لأحددَ كرةً ما إن كانت عادلة أو ظالمة. اليقين الكافي الذي لدي أن تأثير هالة ميسي كافٍ للغاية لكي يخترق أنظمة الحياد في أدمغة الحكام، كما يفعل في أدمغة المحللين، والجماهير. وكأن أي كلمة تتهم ميسي بالاستفادة من هذه الهالة هي اتهام صريح لكل سياقات المنطق والعدالة في العالم. الحرقة التي أشعر بها الآن هي حرقة عربية صافية، حرقة ذلك الشعور المقيت بالقرف والفرق العربية أمام هذه الفيفا طوال حياتها وزمانها وهي لا تحتفل بأكثر من الصعود للدور الثاني، ربما ما عدا الجزائر في استثناء ضيّق. 


أجادل أن العالم يتحيز لميسي، يتحيز له بمجرد وجوده. والسؤال الآخر الخفي، أين تقام هذه البطولة؟ ألا تقاوم في ولايات ترامب الأمريكية المنقسمة؟ وما الذي يفعله ميسي هناك؟ ألا يفعل ما يشبه ما فعله ديفيد بيكام، صناعة سوق جديد، لرياضة جديدة، لجذب جديد، لدوري جديد قد يكون هو الآخر أيضا الدوري الأكبر والأضخم في العالم. لا أعتبر كلامي غير منطقي، وأيضا لا أقول لدي الأدلة الدامغة التي تثبت ما أرمي إليه، أنَّ ميسي ليس لاعبا فقط، ليس ظاهرة جماهيرية إعلامية ترفع سعر الإعلان والتغطيات، إنه أيضا صانع سوق، وصانع سوق في أمريكا، وصانع سوق في أمريكا التي يحكمها ترامب حاليا. 


أعرف أن الحرقة تطفئ المنطق في عينيك، وتجعلك ترى الأشياء بصورة مشوشة، ونعم أعترف، هذه الحرقة لخسارة مصر فعلا تسبب لي الضيق، وهي التي تجعلني أصدق هذه الافتراضات غير المثبتة، أن دولة إبستين قادرة على التدخل، وأن دولة إبستين تريد الحفاظ على ميسي حتى لو لم يكن ميسي نفسه متواطئا مع هذا الذي يحدث، عشرات المواقف الصغيرة تكفي لكي تبني شكاً عاصفا، ونعم أعرف، ثم أعرف، ثم أعرف، لا أحد لديه دليل، الشيء المؤكد أن أمريكا لا تعبأ بأي شيء حاليا سوى لعبة الدولار، وجذب كل شيء إلى اقتصادها.


لذلك عزيزي القارئ، فكر معي قليلا، مكان ترامب، مكان أمريكا في عصر ترامب، بعد كل هذه المعمعة، ميسي هو الدولار الحقيقي لمآلات البطولات، لنهاياتها. سيجادل من يجادل أن تلك الضربة التي تلقاها صلاح في منطقة الجزاء هي ضربة (لا يعاقب عليها) وسيجادل من يجادل بمختلف الطرق، لم يعد الأمر فنيا، السياق الكبير يحكم، أين الذي يكمن في مصلحة أمريكا؟ وصول فريق عربي مسلم؟ هل هذا الذي يجلب المليارات؟ 


دمية الفيفا، في كأس عالم ترامب بكل تغييراته، وبصمته الأمريكية، وجذبه العالي للعالم، ماذا يريد أكثر؟ استعمار رياضة جديدة لكي تكون أمريكية أيضا، ومن أفضل وجه لهذا الاستعمار، هذا الميسي الذي خرق كل قوانين التاريخ، وكرة القدم، والعمر، والتركيز، بل وربما حتى ارتباطات خلاياه العصبية، هذا اللاعب الذي أكن له الكثير من الاحترام، والتقدير، ولكن ليس اليوم. ليس عندما تخسر مصر بهذه الطريقة، ليس عندما العاطفي تعمي عيني وأفقد الشعور بالمنطق. هذا الذي أقوله، الافتراض، فوق الافتراض، والشك فوق الشك، كلها سأعرف لاحقا أنها لحظات عاطفية قامت بتشويش قدرتي على الإنصاف، وأبادت كل قدرة لي على الحكم الموضوعي، للحزن ما يفعله وله شؤونه العميقة.

سواء بمؤامرة، أو بدون مؤامرة، بالمنطقة الرمادية أو بدونها، هل أنا عاشق من عشاق مصر المهووسين بها يتألم لخسارتها، أم أنا إنسان ينظر لأمريكا كما تُعرف أمريكا، بكل ما فيها من إبستين، ومؤامرات، وتطاول، واستثناءات، وتجاوز، وفيتو، وتدخلات تفوق قدرة أي مؤسسة على القيام بعملها، هذا أيضا افتراض معقول، أنَّ ميسي مهم للغاية لهذا السوق الذي لو نشأ، بكأسي عالم، وبكأس عالمٍ في أمريكا! هنا لعبة المليارات، لعبةٌ لا أعتقد أن أحدا فيها (حاشاه) أن يتدخل بشكل ما أو بآخر. 

أختم كلامي، بأنني لست في حالة منطقية، أنا في حالةٍ من الألم أمام الطموحات الكبيرة التي كنت أتمنى أن أراها، منتخب عربي يتجاوز الأرجنتين، يجعل العالم طبيعيا، يجعل الكبار قابلين للخسارة، يجعل الكرة كرة قدم، وليست كرة نجوم، وعقود رعايات، وضخ أموالٍ، والمزيد من الأموال لترامب وخططه. أختم كلامي بأن الذي أفعله كله هذا غير منطقي، عاطفي، لا أساس له من المجادلة المحكمة، لكنني حزين، حزين للغاية، وإن ذهب ما أقوله الآن للمآلات، وقتها سأشعر بأن العالم له مشيئته الأخرى، مشيئة الدولار والسياسة، وليهنأ ميسي بصناعة سوق كرة القدم في أمريكا، وليتقاعد صنوه الآخر من صناعة سوق كرة القدم في المملكة العربية السعودية، وليختم هذا الفصل الغريب الذي يجعل كل إنسان يتساءل: هل حقا كل هذا يجري بدون أن تعبث به يد غريبة؟ من يدري؟ لا أدري، وربما لا أريد أن أعرف، كل ما في الأمر أن هذا مقال إنسان حزين، عاش فترة من حياته في مصر، وليس مستعدا في هذه اللحظة لينصت إلى صوت المنطق والموضوعية. هنيئا للمنتخب المصري تلك اللحظات البطولية التي كادت أن تقفز بأحلامنا، وبكل قرف عقد النقص والانتقاص لتسحقها سحقا، هدفان يكفيان، كبداية، وما يدريك ما الذي يحمله الغد. 

أما إن كان كل شيء يسير لكي يكون النهائي، نهائي المال والمليارات، الأرجنتين وفرنسا مجددا، فهنيئا للرأسمالية، سواء كانت هي السبب، أو لم تكن، وهنيئا لأمريكا فوزها بأعظم لاعب في التاريخ، بلا شك. ها أنا عبرت عن حزني، أعلم غدا أنني سأرى كل هذا السرد الجحيمي غير منطقي، الآن، وفي هذه اللحظة وقبل أن يصفر الحكم ليعلن نهاية المقال، لا أريد أن أكون منطقيا، أريد أن أكون حزينا. وهذا كل ما في الأمر!


معاوية الرواحي


عندما انتهى رونالدو!

 

 

وذهبت أيام كرستيانو رونالدو. الدون كما يسميه المهووسون بنجومية هذا الاستثنائي الفارق في عالم الرياضة، ربما ليس فقط من زاوية لعبه، وإنجازاته، وقصته، وأهدافه، وبداياته، وانتقالاته، وكل السياق الهائل الكبير الذي جعله نجماً يفوق تأثيره خارج الملعب إلى التأثير خارجه. رغم كل شيء، وأي شيء، يبقى حاله حال أي لاعب، ما يحدث داخل رقعة اللعب هو المنبع الأصل لكل ما يحدث خارج تلك الرقعة، بدونه كل ما فات ليس أكثر من تأثير منسحب تدريجيا، لا ينمو، زخم كافٍ ليجعلها نجما، لكنه لا يتزايد أو يتضاعف لكي يصل إلى تلك المكانة الاستثنائية التي حققها منافسه الآخر العظيم هو الآخر كرويا، ليونيل ميسي، الذي حتى خصومه التاريخيون فرحوا لفوزه بكأس العالم، ما أجمل أن ترى أسطورة تتحقق، وأيضا، ليس من السهل أن تفقد أسطورة صديقة لذاكرتك بهذه السهولة!

 

أنا أحد هؤلاء الذين سمحت لهم أعمارهم بحضور مسيرة كرستيانو رونالدو من بدايتها حتى نهايتها في المبارة الأخيرة بين أسبانيا والبرتغال في كأس العالم العجائبي الأمريكي في عام 2026م. كأس عالم ترامب الغرائب. وأعلم جيداً أن السجال هائل بين نجومية ميسي، ونجومية كرستيانو ولكل قيمته وشأنه ونشأته. المتحيزون لصالح ميسي لا يقبلون بهذا الكلام، والموضوعية لن تكون سيدة أي موقفٍ بينهما، كشأن المتحيزين صالح كرستيانو رونالدو. كوجهة نظر شخصية، لا أقصد بها صداماً، أقول رأيي الشخصي الفرد، بكل حذر، أن الذي لا يحترم أحدهما فهو ينتقص من شأن كرة القدم ومرحلتها هذه التي جمعت هذين النجمين، الأول الذي انتهى في خسارةٍ مع أسبانيا، والثاني الذي حتى لحظة كتابة هذا المقال، قد يفوز مجددا بكأس عالم مفاجئ، لا أحد يعلم حتى من فرط التوقعات إن كان سيخرج من كرة القدم لكي يكون رئيسا للأرجنتين أو شيء آخر من هذه العجائب التي لا يمكن توقعها من هذا العالم!

 

الدون! حكاية إرادة وكفاح. قصة ملهمة في من يصنع نفسه بالنحت بإزميل الزمن. التدريب المتواصل، الالتزام، والسعي المهووس للتنافس والنجومية. يدافع مشجعوه دائما عن تصرفاته المزعجة قليلا، الذاتية المفرطة، الرغبة في إرضاخ الفريق كاملا لكي يلعب من أجله، الهالة التي تجعل من يتابعه يشعر وكأنه يتصرف كأنه الحل الوحيد. وفي فترةٍ كان يحقق فيها كل هذه التوقعات، كان منتقدوه يسكتون أمام مسيرته اللامعة مع ريال مدريد، وتألقه غير المسبوق، وعاش معه مع الوقت الكؤوس، والجوائز ذات الأسماء الغريبة، الحذاء الذهبي، الذي يركل الكرة الذهبية، هذا غير الجوائز التي تحشر نفسها في عالم اللاعبين لأجل ما تجود به الرأسمالية من أرباح الفعاليات والحضور وفلاش الكاميرات اللامع. الذي يتابع الدون، يشعر بأنه في وهمٍ ما منطقي (يمكنه أن يكون الدون) ويمكن للاعب آخر أن يكونه، بالتدريب، والنحت، والصقل، والالتزام الخارق، والتركيز.

 

 

 ربما هذا ما يقوله الراسخون في علوم الكرة عن اللاعب الفرنسي (امبابي) ولكن ما أدراني عن هذه الحيثيات، كاتب هذا المقال متابع عادي في كرة القدم يتحدث من زاوية ذاكرته أكثر مما يتحدث من زاوية كرة القدم نفسها. رونالدو ليس مثل ميسي، الجميع يعلم أن ميسي حالة فارقة حتى الجينات تلعب دورا فيها، ولعل هذا ما يشاع عن طيفٍ توحدي مزعوم تجاهه، وقدرات على قراءة رقعة اللعب، وهيئته، وعدم تفاعله، وما يبدو عليه من بعض غرابة الأطوار يغذي هذه الفرضيات غير المثبتة ويجعلها سرديات جميلة قابلة للتصديق. الدون! يشعرك أن الجميع لديه خارطة شبيهة، وما عليه سوى أن يتبعها ويتمنى ألا يخذله الزمان فيصاب، أو تخذله الظروف فيفشل في فرقٍ تطمره للأبد.

 

شهدتُ في مقهى ما من مقاهي مسقط اليوم الأخير لرونالدو، ويبدو أن أيامه الأخيرة أيضا في ناديه العربي النصر قادمة قريبا. كمشجع غاضبٍ من ذلك السلوك الغريب الذي حتى على شخص في حالتي لا يفهم من كرة القدم الكثير يشعر بالضيق البالغ من استمرار ذلك السلوك المستفز. التمركز الذي يجعله في موضع الحسم والحل، استأجر قطعة أرض زراعية خضراء بجانب دفاع الخصم وكأنه مراقب أداء (فريلانسر) جاء ليدرس دفاع منتخب أسبانيا. ما قاله المنتقدون وليس المتحيزون يتحول مع الوقت إلى صحةٍ مرئية. يمكنك أن تغفر الكثير من الذاتية ولفت الانتباه لرونالدو فقط عندما يسجل، عندما يكون حلا، من الأساس من الذي لديه رغبة في مجادلة فائز؟ فليفعل ما يفعل أليس كذلك؟ فليكن طفوليا، فليطلق تلك التصريحات التي تكشف مع الوقت عن اهتزاز داخلي يمكن أن يفترضه البعض منطقيا، وأن يربطه منطقيا بما حدث لاحقا من المشهد المأساوي عندما تحول الحل إلى عبء، وتحول الحسم إلى لاعبٍ آخر، لم يعد يُغفر له تصرفاته المتكررة التي أصبحت تثير الامتعاض، نعم يحق للدون ما لا يحق لغيره، فقط عندما يفوز.

 

يتابع محبو كرة القدم من بعيد (زي حالاتي) كرة القديم من خلال اللقطات والإعادات. عدا تلك المباريات التي تملأ المقاهي، هذا هو  نصيبهم من التحليل التراكمي لحالة لاعب. كأس العالم شيء آخر، ترى فيه لاعبا مثل كريستيانو وهو يتضاءل تدريجيا، يحرج نفسه بالموقف تلو الآخر، يصرح عدة تصريحات عن روح المؤامرة، وبدا كمن يعيش في ذاته الداخلية أكثر مما يركز على الذي يحدث في الخارج. ليس معجزة جينية تبتكر الحلول من العدم، وقطعا، ليس هو نفسه اللاعب الذي أظن ظالما وغاشماً أن اهتزازه مع تناقص مستواه البدني قد أتى على ما تبقى من اتصاله الصحي بفريقه على الأقل، قبل أن يتصل بكرة القدم، وبلحظات كرة القدم المهمة، والتي منها بلا شك هذه المباراة في كأس العام، هذه المباراة التي انتهى فيها رونالدو.

 

انتهى رونالدو، وودع مسيرته العالمية قطعاً، إلا لو كان كأس العالم الرأسمالي القادم في هذه الفيفا الدمية ستفضل مجددا كأس عالم النجوم، والإعلانات، والمبيعات أكثر من كأس العالم الحقيقي الذي يغدق على المتابع بالكرة الجميلة، والصراع الحقيقي على العروش. انتهى، وهو يتمركز باحثا عن الحسم، يتقدم طوال الوقت، نادرا ما يعود ليشكل أي فارق في أي لمسة، انتهى وهو يتمنى لحظة تشبه لحظات دوري الأبطال، انتهى وجمهوره الحاسم الغاشم جاهز لتسميم جميع زملاء فريقه في كل منصاتهم بالتعليقات التي تريد أن تعيد لهم نجمهم المفقود الذي (ربما) قد يكون فقد ذاته منذ أزل بعيد، وهو في حالة الصدمة الكبيرة أنَّه ليس النصف الآخر للعظمة في كرة القدم، هكذا كان يوصف، وهكذا أظنُّ أيضا.

 

أودُّع كريستيانو رونالدو، لا أودع الدون الذي عرفناه. كان جزءا من الذاكرة لسنوات طويلة، واليوم هو نهايةٌ أخرى من نهايات كرة القدم، كما عشنا في طفولتنا نهاية روماريو، ولاحقا كما عشنا نهاية رونالدو الحقيقي الظاهرة، وجاء من جاء بعده من نجوم الصف الأول، من زيدان، ومن راؤول، ومن إيتو، ومن رونالديينو، إلى نجوم الصف الثاني الذين لا أحفظ أسماءهم، وجاء زمان جديد، جاء زمان فينيسيوس البرازيلي، وجاء زمان ذلك العملاء الذي هرب من مسلسل صراع العروش وجاء ليلعب كرة القدم، يسمونه في العالم الواقعي (هالاند)، وجاء من جاء، من وجوه جديدة، أيضا ستصنع كرة قدم جديدة، وعالمية جديدة. والباقي حتى الآن من مرحلة الثنائي المتنافسي هو ميسي، سقط جسر كريستيانو، وحتى ميسي نفسه، يلعب في فريق أمريكي عادي للغاية، كأس العالم أتمَّ معجزته الكروية، وهذا الكأس قد يحسمُ له ذلك التقاعد الحتمي الذي ما بعده تقاعد، وكأنه تقاعد بيليه الذي نشأ وترعرع في فيفا ناشئة تسجل فيها الأهداف كما تسجل في مباراة كرة سلة. لا أحد يتوقع من كريستيانو رونالدو تقاعدا من النجومية، لعله الآن يجهز نفسه لنجومية الأفلام، والفعاليات، والمقابلات، والمحاضرات التحفيزية، لا أظن أنه سيكون مدربا إلا لو كان العالم فعلا أصبح يمشي بعملة النجوم لا بعملة المنطق.

 

 وداعٌ حزينٌ للاعب ربما لو أنفق بعض الوقت على ذهنه كما ينفق على جسده، وأنصت لمن ينتقده بدلا من أن يحاول لجمه بالمستحيل، وفعل ولو القليل لفريقه في مباراته الأخيرة في كأس العالم، لربما لم يكن هذا الوداع حزينا بهذا الشكل، عندما يقتنع من شجعوه بأن من كان ينتقده كان على حق منذ زمن طويل، وتلك المشكلات التي تراكمت قادت إلى هذه النهاية الشاحبة، هل الأمر نفسي؟ نعم نفسي منذ زمن طويل، كل ما في الأمر أن تلك الركلات التي أحرزت الأهداف أجلت الحل، وعندما حان وقت المشكلة، لا ركلات الآن تزيحها عن الصورة، كل الذي يبقى هو تهافته المثير للخجل وهو يحاول انتزاع بعض الضوء من هدف لزميله بحجة أن (ذكاءه) هو الذي قاد لذلك الهدف، أي نهاية هذه؟ في النهاية، التاريخ ينسى النهايات، وما يبقى هو ذلك المجد الذي ما لم يصاب بنهاية (باجيو) فربما الطريق القادم خارج كرة القدم ممكنة لهذا النجم الذي رغم نهايته في كأس العالم، لم ينته من عالم النجومية الذي يبدو أنه في بداية الطريق إليه، أهلا بك في هوليود ربما أيها الدون! أنت في البلاد المناسبة وقبل أن تسافر إلى ناديك، ربما عليك أن تجري بعض الاتصالات، لعل هذا هو القادم في الطريق منك أو إليك.




معاوية الرواحي

 

 

 

 

الأحد، 5 يوليو 2026

تشوهات معرفية: 1 + 2








التشوه رقم 1: 


(هل عشت ما يكفي من التجارب؟)



عزيزي القارئ، هذا المقال ليس واحداً من تلك المقالات التي تتفنن في شيطنة الثقافة أو المثقف، أو وصمِه بما هو فيه أو ما ليس فيه. هذا المقال، وهذه السلسلة المتلاصقة ليست بيانا عدمياً يدين كل شيء لعدم فائدته بحجة التفاهة الرائجة التي تقول: "لماذا نفعل كل هذا ونحن زائلون". وليس بيانا عبثيا ضمن التنصل الشامل عن المسؤولية الفردية والعامة بحجة فرض الكفاية الذي "لست أنا من بالضرورة يفعله". هذا المقال، وهذه السلسلة يحتاج إلى مقدمة متقنة، محكمة، توضح سببه وأهدافه؛ لكي لا يخرج من المنطقة التي أراد لها صاحبها أن تصل كرسالةٍ لعله تنفع أحداً، وإن لم تنفع فالزبد يذهب جفاءً، فإن كانت هذه السلسلة نفعاً، كان بها، وإن كانت جفاءً فقد حاولت شيئا ما سأتعلم من فشله حكمة أخرى مجانية أيضا لعلها تعود فتنفع، أو ربما تبقى في رفوف التاريخ الحافلِ بالتماثيل التي تحطمت بضربة إزميل خاطئة، أو باختيار سيئ للجلمود الذي لا يبوح بالتمثال الذي به بسهولة.


التشوه المعرفي الذي يعرفه علم النفس في سياقاته انتزاعٌ متعمدٌ من كاتب هذا المقال ليأخذه من شكله العلمي الجامد الموضوع في صندوق مشروط، إلى حالته الأدبية الشعاعية غير المعرفة، ستعرف أيها القارئ بسهولة ما هو، وتتصل به، وتتفاعل معه، وتجده سهلا يسيرا ما دامَ يقع في تلك المنطقة غير التخصصية، لذلك من البداية أقول، التشوه المعرفي، هو تشوفه معرفي، معتقدٌ أصيب بشيء من الضبابية، أو اللوثة، أو التحطيم الجزئي، أو الفلتر الغامض، أو الضوء الساطع، أو غمره طين طوفان، أو أحرقه حقد شيطان، أو فقد الإنسان اتصاله به نتيجة اتصاله بمعتقد أو بمعرفة أخرى. 


سأركز حديثي على حالةِ الثقافةِ الاجتماعية. وأركزه في البداية على الحالة الاجتماعية العمانية، وربما مع الوقت إن تيسر الوقت للبحث الكافي سيذهب إلى الحالة الثقافة العربية. هذه المرة ليس من منظور المآالات الكبيرة والضخمة، أو الموضوع المكرر عن علاقة المثقف بالسلطة وتنظيراته، وإنما عن المثقف نفسه، الإنسان، الذي يتخلق تدريجيا بشكل مليء بالأسئلة، يريد أن يصنع معنى لحياته، ولا يعرف أحيانا أنه وصل إليه، ويعيشه، كل ما في الأمر أن تشوها معرفياً واضح المعالم يمنعه عن عيش ما يستحقه لمعاييره الكونية التي جعلت الاستحقاق مستحيلا، وجعلت ملاحقة الخلود وهما مستحقاً يردده الكبار الذين يبذرون القوانين للقادمين في الطريق، القادمين الذين يقول المنطق البديهية أن سقوط الكثير منهم في الطريق هو الشكل الأمثل للانتخاب الطبيعي للحياة، وللأفكار وللجودة، وللإبداع، والأهم: للمثقف والفنان وحياتهما الخارجة عن الأطر المعيارية.


سأستخدم كلمة (المثقف) تجاوزاً لصفة عمومية تجمع الطيف كاملا. من الكاتب، والشاعر، والعازف، والفنان، بل وحتى عاشق الزراعة الذي يجمع شتلات العالم في حديقته مفتتنا بعلم الزراعة، وبثقافتها. المثقف في عالم البحر، وإن كان لا يكتب لكنه يقول، ويبوح، وله منبره الذي يتصل به بالمتلقي المباشر، الجيل القادم من البحارة والصيادين، المثقف في شؤون النخيل، وشؤون الآبار، والمياه، والأفلاج. لذلك عزيزي القارئ، إن كان تخيلك أنني أسمي المثقف ذلك الكائن الذي يشرب القهوة، ويعلك الحديث في المقاهي أو الحانات، ولا يعمل، ويقتنعُ أن الحياة تفرغاً خيالياً يعيش فيه المثقف والمبدعُ خاليا من السعي، والمسؤوليات، والإرادة، وأي شيء، الهدف هو ذلك الفراغ الكبير الذي يظنُّ أن قطعه بلا خبرةٍ في الحياة أو تجربة عميقةٍ على الأقل داخليةٍ، موغلة في التأمل يكفي لكي يكمل الحياة في مساره تجاه المعنى الكبير للإبداع وللثقافة والكتابة.


إن قمت باستقصاء مرتجلٍ تحاول البحث فيه عن الحلم الكبير، حلم اليقظة الذي يدغدغ الذين يتورطون باستثمار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة الهواية الثقافية حتى يجد الجد ويرون أنَّ استمرارها يحتاج إلى نموذج مهني، وقد يكون غائبا، فيتناقض الواقع مع الأحلام. فالحلمُ هو ذلك التفرغُ الذي يستيقط فيه الإنسان صباحاً ليجد نفسه في مكتب جميل، وأنيق، ملحقة به مكتبة واسعة شاسعة، يشرب قهوته، ثم يتناول إفطارِه الأنيق، في كوخٍ بعيد في دولة بعيدة، أو في مزرعةٍ لطيفة جميلة، ولعله عازب حتى هذه اللحظة، فيفتتح صباح بفيروز، ويخرج لسقي الزهور وقضاء القليل من الوقت في الطبيعة قبل أن يذهب إلى جلسته الثقافية مع رفاقه الذين يعيشون مثله أيام النجاح الجامدة.


مصطلحٌ يجب أن أضعه في موضعه الشعري. أيامُ النجاح، الجامدة، التي تصب خلاصة الإنجازات على هيئة حياة يختارها المرء بنفسه. يختار أين يمضي وقته، ويختار الجهد الذي يضعه في مدرسته الثقافية والإبداعية. تخيل أستاذا جامعياً قضى ما يكفي من العمر يعمل، ويؤسس، وبعد تقاعده فتح معهدا يمده بالمعيشة، وبعدها بدأت أيام نجاحها الجامدة، والباردة، التي يصبح فيها فراغ الوقت من الجذب الشرس واللحوح للحياة هو اليوم الجميل. توصف بحياة المتقاعد لسبب ما، لأن العمل الذي جاء ليجعلها ممكنة كان كافيا ليجعلها مستحقة. هذه هي أيام النجاح الجامدة، الباردة أحيانا، التي قد لا تخلو من الضجر والملل وابتكار الهوايات البسيطة فقط للحفاظ على حدة الذهن، والتمسك بوجود اهتمامات جديدة في الحياة.


أول التشوهات المعرفية التي تعالجها هذه السلسلة. الوصول إلى حلم اليقظة الجميل الذي يتمناه أي رسام وأي كاتب، بشكل عام أي مثقف يريد أن يقضي ما بعد حياته وخبرته هذا التدفق المنطقي لكل ما سكن وبقي في ذاكرته، لكل ما يتخلق ويتبلور في وعيه. وسواء كان يكتبه أو يقوله، فهو يعيش هذه الحالة الموصوفة في الفقرة السابقة. السؤال الكبير، أليس هناك فرق بين تعريف الأيام الباردة للنجاح، لكي تقلب الآية مع كثيرين ليكون النجاح الثقافي ببساطة هو الأيام الجامدة بشكلٍ عام.


المثقف الشاب الذي في بدايته حياته، يقرأ بنهم، ويعيش حياة المهووسين بالمنتج الجديد، باكتنازه القهري، وبأمنيته أن تكون مكتبة الأستاذ الذي يكون من مريديه ومن أتباعه له. يدغدغ نفسه بأحلام اليقظة، ويقارن نفسه بإنسان عاش أربعين سنة من التجارب، والتعب، والنكسات، والأيام، والسعي حتى وصل إلى أيام نجاحه الجامدة. يتخلق التشوه المعرفي هذا بالمقارنة والاستحقاق، ووقتها تنشأ حالة المثقف المنعزل، المعتكف كأنه راهب من رهبان المعرفة، يبحث عن تجربة الحياة في الأوراق ومواقع الإنترنت، قد يكون محظوظاً بعائلة تتحمل بقاءه في غرفته، تجلب له الطعام، وتعطيه بعض المصروف. وقد يكون إنسانا مليئا بالمسؤوليات، فيعمل في وظيفة بسيطة لكي يلاحق المجد المعنوي. هل هذه تجربة يمكنها أن تنجح؟ نعم، لكنها ليست ناجحة بعد، لأن عيش الأيام الجامدة من أجل الإبداع والثقافة ليس هو الثقافة، أيام النجاح الثقافي ذكرت قبل فقرتين، في ذلك الذي أنجز مهمته واكتفى من الحرق المتواصل لنفسه وقرر بكل بساطة: أن يعيش حقا.


 الخلاصة التي أريد أقولها بعد وصف هذه التشوه المعرفي بكل أمثلته، أنك يا عزيزي الكاتب الشاب الذي في بداية العمر، تحتاج للحياة، وللتجارب، ولمهنةٍ تتعلم منها النحت في الصخر، والسعي للخبز. وربما تحتاج إلى تجربة ترمي بنفسك فيها وتنجو، في كل الأحوال، كل ما تشحذه من مهارات، وكل ما تراكمه من معارف دون تجربة حقيقة في الحياة، وخوض في دهاليزها، حتى وإن كانت الدهاليز المبسطة كالسفر والترحال، أو الدهاليز الأخرى للمثقف الذي يحب دخول السجن بنفسه، أو أن تكون سيء الحظ فتقع في يد ظالمٍ فيسجنك وأنت لا تستحق ذلك، في المحيط العربي ما يكفي من الأمثلة لتعرف بنفسك عزيزي القارئ. علما أنني اقول، أنك إن لم تكن من مثقف السجون، فأنت الحالة الطبيعية، فلا تشعر بالضيق والأسى لأنك (لم تعش التجربة) أن تفتح مكتبة ناجحة فتبيع الكتب نجاح ثقافي رائع يجعلك تستحق أيام النجاح الهادئة. أن تنهي مسيرة وظيفية نجاح ثقافي رائع يجعلك تعيش متقاعدا وأنت تقرأ الكتب التي تحبها، وتكتب المقالات في المواضيع التي تثير دهشتك.


هناك الكثير ليفعل لكي يستحق المثقف أيام نجاحه الهادئة، وقليل من يفعلها في عمرٍ قبل العشرين، هذه الفلتات الكونية موجودة، والعبقري الذي يكتب رواية تحصد جوائز الأرض، وتترجم إلى لغات الدنيا، ويصنع لنفسه تقاعداً مبكرا يسمح له بحلم اليقظة الثقافي الأجمل، التفرغ لما بقي من المسيرة، هنا المسيرة نفسها هي الخبرة، هي الحياة التي تجعله يوما ما بعد أن يتعب من المسير ويقرر الترجل عن الترحال والموانئ الداخلية و الخارجية، وقتها سيقول هو أيضا: لقد عشت بما يكفي، عشت بما يكفي لأذهب إلى أيام ما بعد النجاح الهادئة، والجامدة، والباردة، والخالية من حرارة ووهج التحقق المأمول، إلى التحقق الذي عيشَ حتى أصبح الآن في طريقه للإرث هذا إن لم يصنع إرثه من قبل، وترك صاحبه هانئا هادئا يتفاعل إبداعه مع العالم سواء عاد لرفده بالجديد أو لم يعد.






التشوه رقم 2:

 

(هل حقا هناك إجابات؟)



إن كان ثمَّة شيء مؤسفٌ يفعله الذين عاشوا حياتهم الثقافية، وتجاربهم الحياتية بما يكفي لضخ الإجابات الحاسمة في مئات إن لم تكن آلاف الفجوات المعرفية الصغيرة في محيطهم، فهو ما يفعلونه عندما يرهنون كلمة الإجابة على الشاسع الكوني، أو الواسع الأرضي، بدلا من ذلك البسيط العادي الذي يصنعُ دهشة الاكتشاف لإنسان في بداية طريقه في مسارٍ ما. ما يبدو عادياً لمن عاشَ ما يكفي من حياته لتتشكل لديه إجابات حاسمة كثيرة على شؤون صغيرة وفيرة، لكن هل ينشغلُ بذلك؟ بهذا الهم العادي الذي يخص الناس العادي؟ للأسف الشديد هذا هو التشوه المعرفي الآخر الذي ينشأ من ضغط الصورة النمطية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، مشغولا بالأسئلة الكبيرة فقط، بإجابات أسئلة الكون، وبمساءلة الإجابات المعلبة للمنظومات الغالبة على أمر الناس، وربما الغالبة على أمره، وهل يسلمُ المرء من وضعٍ مثل هذا في أي مكان في العالم؟


ذلك المثقف الذي ينظر إلى الصحراء الشاسعة أمامه، بلا إجابة، وإلى السماء البعيدة عنه، بلا إجابة. غارقٌ في تأمل الغيب والغياهب، وينسى أن يلتفت قليلا للوراء، ليرى التراكم الشاسع لكل الإجابات الصغيرة التي استنكف أن يمكث فيها قليلا، وأن ينسجَ منها ما يكفي من الأقمصة الصغيرة لكل القادمين في هذا الطريق المعقد للثقافة، بكل ما فيه من علاقة مع الناس، والسلطة، والأقران، بكل ما فيه من صدام، وتنافسٍ، وتضادٍّ، وتماسٍّ مع السلطة والدين، مع أرزاق البشرِ وهناءتهم ورخائهم، مع حقوق التعبير والبحث العلمي، مع الفنِّ وقيمته، مع الغناء وأثره الصالح أو الطالح على فردٍ أو جيل. 

اضف التشوهين إلى بعضهما البعض، تظهر لك الصورة الكلية لمثقفٍ عاش بما يكفي من التجارب والحياة، يربأ بنفسه أن يذهب ليعيش بعض أيام النجاح الهادئة في مدينة خلفه بناها دون أن يدري من عرق الأيام، وحبر الأحلام التي تحققت، والرسائل التي وصلت، والقيمة التي تحققت. تشغله السماء والصحراء، وينسى كل الذي صنعه بيديه من أجل أحلام الغيوب، وتبقى إجابته المحزنة: الإجابة هي الموت!


لا أعرف إن كان الموت إجابةً أم سؤالا. ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أتطاول في الكتابة والكلام عن الذين يعيشون هذه المرحلة، لأنني لست فيها. قد تسمح لي التجربة التي عشتها أن أتحدث بأريحية عن المثقف العماني وهو في عصر النشأة والتكوين، والصعلكة، والاختلاف والفوارق بين جيلٍ وآخر، من الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أكون ملحدا) إلى الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أذهب للصالة الرياضية وأحافظ على صحتي)، إلى الجيل الذي يقول (ما بال الجيلين الذين قبلي عاشا رفاهية لا نملكها) وهكذا دواليك كما ينبغي لرجل في الثالثة والأربعين يكتب وهو لم يبلغ أيام نجاحه الهادئة، تلك التي يحلم بها منذ سنين فقط لكي يجلس جلسة هادئة مثل هذه، في إجازة نادرةٍ من السعي المستمر، ليكتبَ قليلاً عن الثقافة، وتجربته التي عاشها، ويحاول قدر الإمكان أن يكون نافعاً غير متحيز، ويعرف أنه سيفشل في عدم التحيز، ويعرف أيضا أن نفعا ما سيحدث لأحد ما إن وصل إلى هذه السلسة من التشوهات المعرفية ونفعته في إعادة تعريف شيء صغير كان يظنه بديهيا من فرط ما هو يكرر من قبل الجميع.


هل هناك إجابات في هذه الحياة؟ نعم، الإجابة نعم،إجابات صغيرة كثيرة قد تكون عشرات في عمر ما، قد تكون مئات في عمر ما، قد تكون آلاف في يوم ما عندما يبني المثقف نموذجه الذهني وآلة عقله التحليلية، وفلاتره، ومجسّاته، وترابطه العضوي الاجتماعي، والأهم، صحته النفسية والعقلية التي تسمح له أن يرى ذاكرته، والعالم من زاوية خالية من الألم والصدمات. نعم، هذه كلها إجابات في هذه الحياة، إجابات شافية كافية يحتاج لها القادمون بعده في الطريق، الذين سيكملون الطريق حيث وصل له، الذين رصف له درب الإجابات، حتى تلك المبدئية منها، ليكملها جيل آخر، ولتكتمل تلك الرسالة الثقافية من منحنى التعلم في بلادٍ ما، لأنَّ جيلا قرر أن يخرجَ عن فكرة (الفرصة الواحدة، واللحظة الواحدة، والجيل الذهبي) إلى الجيل الذي يقبل أن الأمر قطارات متتالية، كلها لها سكانها الذين يعرفون ما يحدث في قادم الطريق من الذين سبقوهم فيه.


الإنسان ليس إجاباته، والإجابات ليست الإنسان. ما العلاقة بين الإنسان والإجابة لا يختلف الأمر عن اكتشافِ البكتيريا، أو البيان الشيوعي، أو بدء القانون الفرنسي بتكوين تراكمه المستمر. هذا هو الإنسان والإجابة، حزمةٌ من المعتقدات شبه الحتمية التي أصبحت جزءاً من حياته. وإجابات أخرى سائلة، كعلاقتنا مع الإنترنت، ومضار الدوبامين، والأكل المعلب، أيضا، هذه علاقات جميلة بين الإجابة والإنسان. 


قد يحلو لمثقف في العشرين أن يذهب فوراً إلى مجادلات فيزياء الكم، وما يحدث في صدامات الذكاء الصناعي. يذهب وفق نية التعلم، أو يذهب وفق نية الإجابة، وهناك حقا ليست صدمة غير متوقعة إحصائيا أن يعود بلا إجابة. هل هذا يعني أن الفلتات الإعجازية للعقول التي لديها القدرة المناسبة وتتوجها الفرصة المناسبة للانضمام إلى عصر مهندسي الذكاء الصناعي في عصرنا الحديث؟ يعودُ الأوَّل من بعثته حاملا إجابات الخطر على الخصوصيات، ومئات الإجابات الصغيرة عن الذي يحدث حقا في هذا العالم المتغير بشراسة، ويعود الآخر (بلا إجابة) عن مآل البشرية إن وصل الذكاء الصناعي إلى السيطرة عليها، أو إلى الخيال الرائج في الأفلام عندما تقرر الروبوتات بناء الروبوتات وبالتالي تعاقب الكوكب البشري على ما يفعله بكوكبه الجميل! 


هل هناك إجابة؟ يكمن التشوه المعرفي في السؤال نفسه. (إجابة) واحدة على كل شيء؟ وكأنه اختصار من اختصارات التعب أو الاكتئاب المستمر. هل هناك أكثر من إجابة؟ نعم، أكثر من إجابة، وربما على كل شيء عدا ذلك الحتمي الذي لا خلاف حوله، مثل شروق الشمس، وغروبها، ومثل علاقة الماء بالطين، وعلاقة الإنسان بحمضه النووي. هناك ما يجيب عليه المثقف في مسيرته، من أسئلة المجتمع، والسياسة، والدين، ما ينظر له نتيجة إجابة أصبح مؤمنا بها عن العلاقات بين الأجيال، وبين الناس، وبين السلطة والناس. الأمر يتعلق بجهة النظر إلى الشيء، إلى القادم الشاسع، والصحراء الفارغة البعيدة والمجهولة، والسماء المثيرة للتساؤل بكونها الذي لا يكاد البشر يفهمون منه إلا القليل. "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .. وأيضا "وما أوتيتم من الإجابات إلا قليلا". قليلان أليس كذلك في حياة كوكب الناس منذ نشأته، لكنها كثيرة جدا في حياة الشخص الواحد، هل هناك إجابات؟ نعم، هناك إجابات. هل هناك أسئلة؟ نعم، هناك أسئلة، وكون عددها أكثر من الإجابات التي تولتها، لا يعني إلغاء التي أجيب عليها. نحن كبشر لا نعيش لنسأل، ولنتساءل، نعيش لكي نجيب على أكبر قدر من الأسئلة التي نستطيع الإجابة عليها. هذه إحدى إجاباتي، التي أؤمن بها، ولعلك عزيزي القارئ تختلف معي. لقد قلت هذه (إجابتي) لم أقل هذه (الحقيقة) لأن كلمة (الحقيقة أيضا) تشوه معرفي أنيق وظريف، هي أيضا تؤخذ بجمعها لا مفردها، هي (الحقائق) وبهذا نتفق على حقيقتين، كل حسب زاوية نظره، حقيقة تقول أن الإجابة على سؤال الكون غير موجودة، وحقيقة تقول أن موقعا جغرافيا ما في مكان ما سيأخذ زمنا طويلا حتى يصل إلى ما يطمح إليه، في الحالتين كلانا لم نخل من صوابٍ ما، وكلانا وما توصلنا إليه لا يخلو أيضا من احتمالٍ ما بالخطأ. هل هناك إجابة؟ كلا ليست هناك إجابة، هناك إجابات عندما تصل إلى الأسئلة الصواب. وتذكر عزيزي القارئ، هذا ما أؤمن به، ليس ما أفرضه عليك كحقيقة غير قابلة للجدال.