بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات #دروس_في_القبح_والكراهية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات #دروس_في_القبح_والكراهية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 29 أغسطس 2024

لحظة كتابة سيئة جدا!

 أواجهُ، ضمن ما أواجه في هذه الحياة، جُملا اعتراضيةً على هيئةِ إنسان. والذي يعيش تجربتي في هذه الحياة يكوِّن نظرته الخاصَّة لماهيةِ الذات، والآخر، والأثر، والإرث، والتأثير، وما يحق للغريب، وما يحق لك تجاه الغريب، وما يحق للغريب تجاهك. لا يمكنك أن تكون إنساناً عاشَ تجربة الجنون، والتمرد، والمرض، والكراهية، والمحبة، والنجومية، والسقوط الكبير، والقاع، والعودة، والسقوط مجددا، والانهيار العصبي، والسجن، والريبة، والظنون، والخصومات، والمصالحات، والتمرد الاجتماعي، والامتثال الاجتماعي، والحدية، والمنطقة البيضاء، والمنطقة السوداء، والهدوء النهائي، والشر، وبعض الخير. لا يمكنك أن تعيش كل هذا دون أن تكوِّن نظرتك، وأن تدوِّن قراراتك تجاه التعامل مع الآخر في هذه الحياة.


يحارُ البعض في فهمي لسببٍ بسيط، لأنَّه لا يقرأ لي. هذا هو السبب الكبير، والبسيط، والواضح. يتقف حائرا متسائلاً، هذا العاقل الذي يبدو مثقفا، يتحدث بسرعة وانطلاق، يحترمه طائفة من الناس ويسمونه كاتبا، أو شاعراً. وفي الوقت نفسه المتمرد نفسه، والمجنون رسميا، والمريض، والكائن المسكون بالشر والانتقام المتناثر في الفيديوات المرئية. الذي يقف في تلك الحيرة أعرفُ مباشرةً أنَّه لم يقرأ لي، ولا يقرأ لي، وقد يفعل ولكن لمجرد التربص والبحث عن الخطأ والتناقضات أو المبالغات أو الكذب عندما يحدث أن أكذب على نفسي أو على غيري. وأواجهُ في هذه الحياة هذا الذي لا يفهمني، ولا يقرأ لي، ومع ذلك يكرهني كراهية شديدة تصل إلى حد الغل!

قضيت معظم سنوات عُمري وأنا أكتب. كل يوم أكتب، لا أتوقف عن الكتابةِ إلا لايامٍ معدودةٍ. تجربتي الحقيقية في هذه الحياة كانت أمام لوحة المفاتيح، أما هذه التي حققت كل ذلك الضجيج، والجدال، والصخب، تلك المرتبطة بالمواد المرئية فكانت دائماً فقرة اعتراضية تستمر عدة أسابيع قبل أن تختفي، وأختفي معها وأعود إلى الكتابة. لهذا السبب أصنع هذه النظرة المغرقة في التناقض والتي توقع البعض ممن يحبون إلغاء البشر في مأزقٍ ظريف. هو نفسه هذا الشخص الذي يكتب المقالات، نفسه ذلك المجنون الذي كان يصرخ، ويبكي، ويشتم، ويعتذر، وفاقد للسيطرة، وفوق ذلك مدمن! كيف يمكنني أن أؤذيه بماضيه؟ وفي الوقت نفسه كيف يمكنني أن ألغيه؟ هذا هو سؤال الغل!
أن يصدر ذلك من إنسان قمت بإيذائه هو شيء مفهوم، شخض أذاك! لن تطيق منه أي فعل حتى لو حرر فلسطين! هنا لغة الموقف والكراهية تنتصر لامحالة. لكن السؤال، ماذا لو كنت أنت غريبا؟ ليس بيني وبينك أي أذى وأي تاريخ؟ هُنا السؤال الكبير: ما الذي يدفعك للشعور أنَّه يمكنك أن تمارس كراهيتك تجاهي، وأن تتقيأ سُميَّتك وتظن أنه لن تكون لي ردة فعل تجاهك؟ وفي النهاية عندما تتعرض للحرج أو لردة الفعل وكأنك تصاب بصدمة أن هذا الإنسان يدافع عن نفسه، وأنَّك أنت فعليا المعتدي!

أيهما حقيقي أكثر؟ وأيهما العارض؟ معاوية الذي يكتب؟ أم معاوية الذي يهذون ويعيش أياما مليئة بالهجل! الذي يقرأ لي يعرف [فاصلي] الهجلي، ويعرف أنها الأسابيع التي لا أستطيع الكتابة فيها، أنفجرُ في الكلام، لأسباب كثيرة، ثنائية القطب واحد منها، والاضطرابات الداخلية والصدمات سبب آخر. الذي يقرأ لي يعرف منذ سنوات طويلة هذه الحكاية ولذلك لا يعبأ بها، ينتظر بفتور الأيام التي تأتي بعدها، والتي أعود فيها إلى الكتابة معظم وقتي، والآن، بعد مشاغل الحياة والمسؤوليات، معظم الوقت الذي أملكه لنفسي. الكتابة لدي ذات وظائف متعددة، منها الوظيفة العلاجية، ومنها وسيلة للتعايش مع المجتمع والناس.

أنا مضطرٌ لذلك بشكل قسري، الدفاع عن حقوقي في هذه الحياة أمام الغرباء يستدعي مني صناعة هذا التصويب الدائم للسياق. عشت وترعرعت كاتباً، وأين؟ في هذا الوسط الثقافي العُماني المحتقن بالإلغاء والشللية! وأن تكون كاتبا، وعدوا للجميع بما في ذلك السلطة والدين! هل تتخيل حجم الصدمة المضادة الذي يمكنك أن تتعرض له؟ لا عجب أنني اخترت طوفان الكراهية لسنوات من عُمري، تلك البذور التي بذرتها، والأشواك التي حصدتها، تجربتي، وأنا أعلم بها، وأقبل نتائجها. أن يجعل غريب مشحون بالغل مهمته التنكيل بي معنويا أو نفسيا بسببها، هو يفتح باب ردة الفعل بكل بساطة، ويؤسفني أن أعترف: أنا لست إنسانا طيّبا، بي قسوة تكفي لإيقاع الضرر والأذى، وكلما كان العدو منيعا، ذهبت إلى ما هو أبعد من الخسارات لرد الصاع. طبيعة أتعايش معها بصعوبة بالغة بصناعة كل هذه الحواجز الممكنة التي تمنع أي غريب من اعتبار حياتي مشاعاً متاحاً.

أسوأ ما أواجهه في هذه الحياة ليس أحمق يرفع الكلفة ويمزح مزاحا ثقيلا، وليس اسما مستعارا يظن أن اجترار ماضي الأخطاء قد يؤلمني، وليس غافلا أو جاهلا يرفع الكامرة في وجهي في مكان عام ويظنُّ أنُّه يحق له ذلك، ويتفاجأ عندما أهجم عليه وأصنع حرجا عاما في وجهه! هذه المواقف العادية التي لا أعبأ أن أدخل فيها مهما أدى ذلك إلى صناعة صورة سيئة عني، أنني لست شخصا طيبا! وأنا لست إنسانا طيبا! أعامل كل إنسان بأخلاقه هو، ولست فخورا بذلك، ولا أحب ذلك، ولكن هذا ما أفعله! لا أظن أن الحياة وضعتني في رفاهية التعامل بسموٍّ مع خصم قذر!

أسوأ ما أواجهه في هذه الحياة هو الذي يحاول تخريب حقوقي. هذا الذي يجعلني أتعامل بعدوانية مفرطة. ومن أين يصنع الاستحقاق على ذلك؟ بإلغاء كل ما كتبته. بإلغائي، وبالتمسك التام بكل ذلك معاوية [العارض] أو كما يسميه البعض معاوية [المعارض] وغيرها من التصنيفات. هذا هو أسوأ ما أواجهه في هذه الحياة. لذلك لا أعبأ حقا بالغرباء الذين كل همهم صناعة انطباع سيء عني. فليصنعه كما يشاء، لا يزعجني أن يكرهني إنسان، أو أن يستخف بي، أو ألا يحبني، الذي يزعجني أن تُظلم حقوقي نتيجة هذه التحيزات، هُنا، أنا لست إنسانا جميلا ستحب أن تتقاطع معه، لست إنسانا جميلا ستحب أن تظلمه، لست إنسانا جميلا ستظن أنَّك ستفلت من حقده الشديد والمتراكم، أنا لست إنسانا جميلا، لست طيبا، لست جميلا، لكنني أسعى دائما إلى حياة دون صدامات. إذا ظُلمتُ سأظلم، وكما قال الشاعر: "أجهل فوق جهل الجاهلينا"

مؤسف حقا، ومحزن، ولكن، هذه حقيقتي التعيسة، ولست بصدد تلطيفها بأي حاضر حدث، أو أي لحظةٍ تمتلئ بالحب، للحب سياقه الذي أعيشه محافظ عليه، وللكراهية سياقها الذي أعيشه وأنا أكرهه، لكنني لا أتنصل منه.

لم تكن لحظة كتابة جيدة، ولم تكن كما كنت أريد. ولكن، من الذي يزور هذه المدونة من الأساس! القلة القليلة التي تعرفُ صلتنا ببعض، ككاتب يخاطب قراءه، وكقراء يعرفون اللحظة التي يتدخلون فيها لتصويب سياقٍ منكسر، أو لكسر وهم مستمر.

معاوية

29/8/2024

الأحد، 19 مارس 2023

المُتلاعبون!

 

 

 

عزيزي القارئ، إن كُنتَ من معارفي في هذه الحياة، أو أصدقائي، أو أنصاف معارفي، أو أنصاف أصدقائي، أو عائلتي القريبة، أو عائلتي القريبة، أو كنت إنساناً تعرفُ أنني سمعتُ عنه، أو إنساناً التقيت به لمرَّة واحدةٍ في مناسبة اجتماعية، أرجو منك كل الرجاء ألا تجعلَ ما أكتبُه في هذه الورقة البيضاء متعلقاً بك. أرجو ألا تتبعَ مثالاً من الأمثلة، لتسقطه على نفسك، أو على غيرك، أطلبُ منك أن تفعل عكس ذلك، أن تقرأ كل هذا، وأن تبحث أنتَ في داخلِك عن تلاعبِك بالآخرين، وأن تعترفَ بينك وبين نفسك عن كل الذي تفعلُه لتحافظ على امتيازٍ ما، أو لتحقق خطةً ما، أو لتصنع حالةً معينة تسمحُ لك باستثناء معيَّن، فقط لأنَّك تتلاعبُ، لأنك إنسانٌ متلاعبٌ، قد لا تكون مُخادعا، أو سارقا، أو كاذباً، أو مؤذيا، إن كانت كل النماذج التي ستُسرد، تتحدثُ عنك، فأنت إنسانٌ متلاعبٌ بالآخرين، ولعلك تستحق أن تقرأ أنك مكشوفٍ إلى مدى كبيرٍ، وإنَّه موضوع وقت قبل أن يحاصرك القلق، وتبدأ خلايا الشك المناعية في أذهان الآخرين بالانتباه إلى أساليبك التي ستلحقُ بها كلمة [مكشوفة] وقد تقرر مواصلة الطريق إلى حيل جديدة، أو ربما، كما آمل، ستغير مقاربتك وتختار طريقا أكثر وضوحاً، إن لم يكن طريق الصدق والصفاء مع البشر، فهو طريق الوضوح، أن تقول ما لديك، وما تريد، وما لا تريد، وما تمتنع عن فعله أو قوله بوضوح للطرف الآخر.

عزيزي المُتلاعب: دعنا أولاً نعرِّف التلاعب المقصود في الأمثلة القادمة، لكي نهربَ من آفةِ المنهجِ، ولكيلا يخرجَ النص عن شعريةِ الراصد الفرد ويذهبُ إلى قوانين المنهجِ المتشابكة بكل ما فيها من حسمٍ قاطع، واتفاق تراكمي، وتراتب في المكانات العلمية، وتضاربٌ في التعريفات بين الحقول. أن تكون متلاعباً، يعني أن تستغلَ فهمَك للآخرين لتحقيق بعض مآربك المعنوية، وبالتالي بعد تحقيق تلك المآرب، تستحوذ على مساحاتٍ من التنازلات لدى الآخرين تحت إدراكٍ مفادُه رغبتهم في ذلك من عند أنفسهم. هذا ما تفعله أنت عزيزي المتلاعب، فأنت هنا لست كالمبتز عاطفيا، الذي يحبُّ ويتفاعل مع وضعٍ، أو حالةٍ، أو فعلٍ، أو عطاءٍ معيَّن، ولست كالنرجسية السام فاقد التعاطف والذي يجيد فنَّ التلاعب فقط ما دامَ الآخر تحت سيطرته. المُتلاعبُ ليس خسيساً مثل الكاذبِ الذي يُكشف بسهولة، والذي يلقي الوعود بلا توقف، والذي يعتمد على صدمة التصديق الأوَّل وبعدها يعلمُ الجميع أنَّه لا يؤتمن جانبه، ولا يفي بوعد، ولديه ادعاءاته الكثيرة، والمتلاعب ليس كالمبتز الذي يستخدم أدوات الإساءة المعنوية، ويستخدم تقنيات [B.F.Skinner] التي تعمل مع الكلاب والقطط لكي يؤنسن حيوانيته ويُسقط ذلك في تعامله مع الناس. المُتلاعب إنسانٌ يتعلَّم فنَّ التأثير على الآخرين، ويقنعهم بشكلٍ ما أو بآخرٍ أنَّ ما يفعلونه [لأجله] هو في الحقيقة شيء يفعلونه لأجل أنفسهم، يقنعهم بتحمِّل سلوكيات يقوم بها، سلوكيات تزعجهم صانعاً لهم وهماً مؤثرا، هو النبل، أو الكرم، يعزف على الوتر المناسب، ويضغط على الزر المناسب، فهو ليس غضوباً، لا يهدد، لا يتوعد، ناعم الملمس، لا يريد بالبشر سوءاً، أو شرَّا، وقد يكون في حالاتٍ كثيرة صادقا مع نفسِه، لا يعلمُ أنَّه يتلاعب بالآخرين، ويظنُّ بنفسه أنَّه خيِّر، وطيب، ولا يريد إيذاء أحد، وقد لا تحدث اللحظة المناسبةُ في حياتِه، أو حياة هؤلاء الذين قام باستغلالهم، والتلاعب بهم لكي يُكشفَ وجهه أمامه، أو أمام الآخرين، وقد يعيش سنواتٍ طويلة، ويموت بعد أن لعب بالجميع، وربحَ من الجميع، ونال شتى أنواع الاستثناءات، وربما يكون قد جمع الملايين من أفواهِ الفقراء بحجةِ التبشير بالمسيح، أو الدعوة إلى الدين الإسلامي في أصقاع الأرض البعيدة، أو من أجل حلم إسرائيل، أو من أجل غيرها من أدواتِ التلاعب الشهيرة، والتي لدى كل الناس إلى حد كبير شيء من الفهم لها، ولدى كثير من الناس قابلية للتأثر بها.

للمتلاعبين نهايات بعضها وخيم، بدأ من اللين والرفق واللطف، وانتهى بالانتحار الجماعي لطائفةٍ كاملة من المخدوعين، كما حدث في حكاية القسيس جونز، الذي بدأ مسيرته في التلاعب تحت مظلة القانون الأمريكي، وصنعَ مجتمعا يساريا متنورا، مبنيا على التضحية، والتساوي في زمنٍ كانت الولايات المتحدة تعاني فيه من أبشع ويلات الوضوح في العنصرية، واليسارُ وقتَها لم يكن كما هو الآن متوحشاً، فضلاً عن قرب كل تلك المراحل زمنياً من حروب أمريكا الساخنة والباردة ضد الشيوعية. القسيس جونز، المتلاعبُ الكبير، قاد عملية اختطافٍ تلاعبَ فيها بدولةٍ كاملة، وبمجتمعٍ صغيرٍ ما أن وجدَ نفسه بعيدا عن مظلة القانون الأمريكي إلا ليكتشفَ أن رجالا مسلحين يحيطون بهم، وأن قسيسهم اللطيف المفعم بالقيم قد بنى مدينةً في دولةٍ بعيدة، في غابة معزولة ليحيط بهم برجالٍ مسلحين، اكتشفوا أنهم عاجزون عن الهرب، وعندما شعرَ القسيس جونز أنَّه أحيط به أحاطَ بمعظمهم إحاطة السوار بالمعصم، وحفلت أجهزة التلفاز العالمية بصور الانتحار الجماعي، جمع أتباعه وتحول التمرين الدائم [على الثقة] الذي كان يقوم به مرارا وتكراراً إلى واقعٍ مرير، بدأت فيه الأمهاتُ بتسميم أبنائهن، وانتهى المطاف بحالة الهلع العام، والتدريب المتكرر، ومكبرات الصوت التي تعيد وتزيد خطب القسيس، والهلع، والموت، وكل ذلك قادَ إلى نهاية إنسان بدأ متلاعبا، ثم تحول إلى مجرمٍ ينسحب خيط التأثير من يديه، وحولته السلطةُ العبثيةُ التي وصل لها في تلك القرية البعيدة إلى قاتلٍ من أبشع قتلة التاريخ. هذا ما يحدث للمتلاعبُ بعد أن يصبح كسولاً، ويشعر أنَّه وصلَ إلى واقعٍ يفوق قدرة خيالِه، بعد أن كان متلاعباً بارعاً، اضطر لاستخدام المسدسات، والرجال المسلحين، ولعله إن لم يتحقق مناه وأمله بالذهاب بعيدا، وعاشَ تحت مظلة القانون الأمريكي التي كانت ستردعه، كما ردعت غيره من قادة الطوائف المُعلنة والسرية، لعله الآن ماتَ على ويوصف بالبطل العظيم، وبالقسيس اليساري الذي استطاعَ جمع الأبيض، والأسود في طائفة واحدة يدينون لله بكل شيء، وللقسيس جونز بالحياة الجميلة التي عاشوها تحت مظلة الوهم الرومانسي الذي كان يجيدُ العزف على أوتارِه، والضغط على أزراره.

 

يبدأ المتلاعبُ حياة التلاعب بعد أن يعرفَ أدوات التأثير التي تؤثر على الآخرين، قد يفعلُ ذلك لأنَّه يعيش في محيط يعتبر التلاعب العاطفي جزءا من نمط الحياة المتعارف عليه. عائلة مخملية، أو عائلة حلوة اللسان ضعيفة الحال، لا يهمُّ عدد الاحتمالات الاجتماعية التي تجعل الإنسان يتعلم فنَّ التلاعب، أو يتعرض له مبكرا. عائلة متدينة، أو مراهق يدخلُ دوَّامةً من الشهرةِ في سن مبكر، أو الشعور بالنقص، التلاعب هو فنُّ التأثير على الآخرين لدفعهم لفعل ما يجعلهم عادةً يرفضون فعله. فنُّ المتلاعبُ الكبير هو ردةُ فعلِه، وما يوقعه من مشاعر في الآخرين تجعلهم يرفعون حواجزهم، كما اتفقنا في البداية، التلاعب الذي يتم تأمله هُنا هو ذلك الذي لا ينتهي للأذى، ولا يهدف له، يهدف للنفع، المعنوي، أو المادي، المتلاعب ليس ذلك الطفل الصريح الذي يصرخُ في المتجر ويريد شراء لعبة، المُتلاعب هو ذلك الطفل الصبور الذي يصمت لعدة أيام، ويرفض اللعب، ولا يتكلم، وينظر لأمِّه وأبيه بنظرة حسرةٍ، يرفض الأكل، ويبقى مترقبا، ملهوفاً ينتظر نهاية صمود أمِّه وأبيه، لكي يرسمَ على وجهه بورتريه اللامبالاة الحزين وهم يأخذونه لشراء اللعبة التي جعلته حزينا، الطفل المتلاعب، ذلك الذي نطلق عليه خطأً كلمة [الخبيث]، ولسنا بصدد تحليل معنى هذه الكلمة الذي تشظى بين السياقات. الطفلُ في هذا المثال مشروعُ متلاعبٍ بارعٍ قد يتمرن على ضحاياه الأوائل، وذهب به الحال إلى مسيرةٍ طويلةٍ يدرك فيها أن الأشياء في هذه الحياة لا تحدث بالصدامِ دائما، قد تحدثُ بالصبر، واللعب على الأوتار المناسبة.

 

تعلم الصبر هو إحدى المهارات التي تأتي مع المتلاعب البارع. يفعل ذلك هؤلاء الذين يرسلون رسالةً واحدة، يعلمون أهميتها، ومن بعدها لا ينتظرون رداً. لا يكشفونَ لهفةً. وبعد تهيئة بسيطة من قبل الحياة لهم، يبدأ المتلاعب فنَّ رصد الآخرين، وردات فعلهم، وتقوده المكاسبُ التي تنهال عليه نتيجة تلاعبِه إلى أرباحٍ من المال، والحال، إلى امتيازات معنويةٍ تدفعه للهوس بهذا المسار في الحياة، وتتشكل شخصيته على هذا الأساس. المتلاعب ليس من النوع الذي يصرخُ في وجه شخص أهانَه، وليس من النوع الذي يغضب، وقطعاً ليس من النوع الذي يستخدمُ العنف بسهولةٍ، إنَّه من أولئك الذين يصنعون صلاتٍ دفاعية مع كثيرين، ويعززون فيهم الشعور بالنبل، وبالدفاع عن الضعفاء، والمظلومين! وما أجمل دور الضعيف للمتلاعب! وأن يكون المتلاعب ضحيةً حقَّا! فلا عجب أن ترى بائع دموع محترفٍ يجول في الأرجاء، لقد باع الصهاينة دموع اليهود في كل مكانٍ، وإلى زمننا الحاليِّ فإن تعاطف الأجيال المتتالية مع مشروعٍ دمويٍّ مثل إسرائيل مبني على ذلك [الظلم] المحزن، من قال إن التلاعب لا يمكن أن ينشئ دولاً، أين تلك النعومة؟ وأين الإنسانية؟ وأين دولة [كلنا واحد]؟ وكل تلك الدعايةِ عن يهودِ السلام، واللطف؟ يهود الهولوكوست المحزونين؟ تحولت إلى دولة القتل، والفصل العنصري، والاحتلال الدموي، والمجتمع المعسكر. مثالٌ على خطورة المتلاعب عندما يتحول إلى إنسان قويٍّ، فيكون أخطر من الأقوياء حقا، وطفولته التي قضاها ضعيفا، متحايلا، يتجنب الصدام، يقضي بعدها طفولةً أخرى في عالم [القوَّة] فيتوحش، وعندما اكتشفَ المسدس في يده أدركَ أن لديه أكثر من سلاح في يديه، القسيس جونز مثالٌ فردي مقابلٌ للهوية المتلاعبة، والتيارات السياسية التي قادت جموع الساذجين حول العالم للتصديق أن ظروف نشأة إسرائيل العاطفية وراءها رسالة تختلف عن حقيقة الحياة القائمة على النزاع، والقوة، وما يأتي مع ذلك من سفك دماء وسرقة موارد!

المتلاعبُ الفردُ يختلف بلا شك عن هذا التلاعب الجماعي، القائم على التنظير والدعاية. ولنفرق بين النرجسي السام الذي يلعب على مقامٍ نشازٍ في روحِك، وذلك العازف البارعُ الذي يقنعك أنك أنت الذي تعزف أجمل الألحان من فؤادِك النبيل. هل يفهمُ البعض الجرح المرير عندما يكتشفُ أن قريباً له قد تلاعبَ به؟ وقد استخدمَ أحزانَه عُذرا لكيلا يُقال له: لا! لا يجب لومَه، لا يجبُ نصحه، لا يجبُ فعل أي شيء؟ لماذا؟ لأنَّه حزين، ربما لأنه يعاني من إعاقة جسدية، ربما لأنه شفي من السرطان! نعم! التلاعب العاطفي يحدثُ لأننا سمحنا به، أو لأننا أردناه. إن لم تكن الحياة قد وضعتك ذاتَ يوم في طريقِ إنسان على كرسي متحركٍ يقوم ببيع المخدرات، فإن شرطياً في مكانٍ ما قد مرَّت عليه، كما مرَّ على كثيرين نماذج من هؤلاء المتلاعبين، الذين يحبون التحرك تحت منطقة الامتياز تلك، امتياز غياب الشك، وتحريكهم البارع لشعور الآخرين بالشفقة والنبل. هذه إحدى طرق المتلاعبين الأثيرة، يشعرونَك بنبلك، وبكرمك، وبعدها لا يخجلون من استغلالِك بلا رحمة، وعندما يهدأ شعورك بالنبل، أو بأنَّك المنقذ الهمام يعاودون العزف على ذلك الوتر، وكل متلاعبٍ ومهارته، منهم من يعرفُ كيف [ينتفُ] المال من مجموعة قليلة من الناس، فهو المريض بفقر الدم المنجلي، ذلك الذي يعيش حياتَه بين المستشفى والغرفة المغلقة، ولكنهم لا يعلمون أنَّه أيضا مقامرٌ محترفٌ، يصرف آلاف الريالات في إدمانِه على القمار، أو ما هو أسوأ، قد يكون مدمناً على العاهرات، أو المخدرات، أو واهماً يظنُّ أنَّه سيصبح ثريا ويحاول اختراع آلة عجيبة في قبو المنزل بأموال الآخرين التي يسحبها بذكاء [وحرفنة]. عزيزي القارئ، أرجوك لا تقرأ كلامي وتشكك في كل شخصٍ حولك، لا تشكك في كرمك، ولا في نبلِك، لا تستجب لنداء الأنانية الذي يمنعك من العطاء بحجة [لا أحد يستحق، جميعهم يكذبون] إن كنت حريصاً، أو أنانيا، أو ما كنت، أرجوك لا تستغل هذا الكلام وهذه الأمثلة لتعزز شيئا سابقا موجودا بك، صعوبة العطاء عليك، وعسر الكرم، فمثلما العالم يعجُّ بالمتلاعبين، فهو أيضا يعجُّ بوسائل مقاومتهم، ولعل الجمعيات الخيرية بكل ما فيها من فرق البحث والتمحيص والتدقيق تكفي، لذلك أود أن أشير لذلك قبل أن [تتأثر] بكل هذا الشك المتناثر في جسد هذه الورقة فتلومني على شيء هو من الأساس شبه قرار اتخذته وكل ما تحتاج إليه هو دفعات قليلة من التحريض لكي تذهبَ إلى حياةٍ خالية من العطاء بحجة أن الجميع يكذبون، إن كنت تشعرُ بذلك، وتتجنب توسعة دائرة التثبت، فأنت لديك مشكلة أخرى، المتلاعب هذه المرَّة هو ذلك الذي يوسوس لك في داخلك لكي تعيش في هذه الحياة وأنت تأخذ ولا تعطي!

للمتلاعبين سحرٌ جميل بمعنى الكلمة عندما يتعلق الأمر بما هم قادرون على إيقاعه في الآخرين من تأثير حسن. وكلما كان المتلاعب قنوعا أحبَّه الناسُ أكثر، من هذا الذي يمانعُ شراء مشروبٍ لإنسان ظريف في حانة؟ ذلك الذي يمنحك أذنه، أو يؤجرك لسانَه ليقول لك كل الكلام الذي تحلمُ بسماعه من الجميع؟ متى نفرِّق بين كونه متلاعبا أو لا؟ في الهدف! هل يفعل ذلك حقا! ولديه نيَّة، ينتظر تلك [البيرة] الباردة لكي يتشجع ويكمل كلامَه؟ هل تتوقف حماسته عن الكلام إن جفَّ حلقه؟ هنا نستطيع الفهم، حتى وإن لم يستطع هو الفهم، هُنا كبشر خارجيين نفرق بين التلاعبِ المقصود، أو غير الواعي، هو تلاعب ما دام يتعلق بهدفٍ، وأنت نفسك عزيزي القارئ قد تكون أحد هؤلاء دون أن تدري، متلاعباً بالآخرين، وكل الذي تريده هو ما يمكنهم أن يفعلوه لك! هل يسلم إنسانٌ من شر التلاعب؟

المتلاعبُ رجلٌ أو امرأة. ذلك الشابُ الذي يقول لك أنه تزوج امرأة مصابةً بالسرطان، في التسعين من عمرها، لأنَّه يحبها، ويدافع عنه جموع الرومانسيين بحجة أن الحب لا يعترف بالأعمار! ونعم هذا ليس مستبعداً، ربما إن أثبتَ أنَّه متنازل عن وصيتها، وعن نصيبه في الميراث، أما ارتباط مصلحة مباشرة بكل هذه الرومانسية الوردية! بربَّك! إن كنت تريد تصديق هذا الهراء فلا بأس، سنتفق أنَّها احتمالات، وكوننا كبشر لا نعرف ما بدواخل الآخرين فإنك كرومانسي تفكر باللون الوردي فلا بأس، لديك وجه حق في احتمال صوابِك، ولدينا ألف وجه حق في احتمال خطئك، ومن يدري بما في النفوس! وهذا المثال هو نفسُه ينطبق على العشرينية التي تغوي رجلا في الثمانين، وليكن مليونيراً يقضي أيامه الأخيرة مع أسطوانة الأكسجين والعلاج الكيماوي، إن لم تشعر أنها تتلاعب به فأنت [قد] تكون تعيش في حياةٍ جعلك المتلاعبون فيها تشعرُ بالنبل، والكرم، والرومانسية، وهم يسحبون اهتمامك، أو مالَك، أو يستظلون بما لديك من علاقات وقدرات ومهارات يأخذونها مجانا فقط لأنَّك تريد أن تشعر أنَّك كريم ونبيل، ولطيف، ورحيم.

يتباين البشر في خضوعهم لمهارات المتلاعب. امرأة عجوزٌ تضع مدخراتها في يدِ داعية واهمٍ يقول إنه على وشك أن يكتشف دواء للسرطان، وامرأة تكتب البيتَ باسم زوجٍ لئيم، لا يسرقه، ولا يبيعه، ولكنه يريده نقطةَ لي ذراع معنوية، ضمن تلاعبه لكي تكون الحياة كما يحبُّ ويشاء. كما اتفقنا، المتلاعبُ الذي نسردُه هنا ليس ذلك الذي يرتكبُ فعلاً خاطئا، إنَّه ذلك الذي يفعل الصواب في كل شيء تقريبا، البارعُ في إشعارِك بالبهجة، وبأنَّ الحياة [بخير] ولا تخلو من الصدق، والنبل، والرومانسية، وبأن الثقة بالناس ممكنة. الذي لا يمكن رؤيته هو الجانب الآخر من حياة المتلاعبين، عندما يخططون بعنايةٍ لما يقولونه، وكيف سيبدون، ولا تخلو الحياة من المتحايل الغبي الذي يقود سيارةٌ قيمتها آلاف الريالات ثم يبكي على مسامعك وهو يقول لك: ليس لدي نقود للعشاء! أو ذلك الذي يبيع لك حزنَه فقط لكي تمنعه من أن يتصل لك في منتصف الليل، يجابهك بنبرته الحزينة جدا: ليس لدي غيرك لأكلمه!

متلاعب مسكين، بسيط، الاهتمام مرادُه، كل ما يطلبُه هو أن تسمح له أن يكون الإنسان الذي يتصل بك في أي وقت. لا يختلفُ عن ذلك الذي فجأة يكذبُ ويقول لك أي كلامٍ ممكن، فقط لكي تخجلَ وبسيف الحياء يصرُّ على اختيار الفيلم المناسب للسهرة! يجهز العدة قبل دخولك لشقة الشباب، ويخبرهم عن حالته النفسية السيئة التي يعيشها، وكيف أنه وجد فيلما! ما الوجه الواقعي، أنَّه ببساطة بالغة قرر أن يشاهد ذلك الفيلم، أما هؤلاء الذين هم أصدقاؤه فهم شيء هامشي يمكنه أن يغير ترتيب ليلتهم فقط لهذا الهدف البسيط، وليت كل متلاعب في هذه الدنيا يفعل فعل هذا الظريف الذي يقرر أن يصاب بيومٍ سيء فقط لكي تسمح له أن يختار فيلم السهرة! لا بأس بالوقوع في هذا الفخ إن كان صاحب ذوق جميل في الأفلام!

المُتلاعبُ البارع يحضر في التوقيت المناسب، وهو صاحب مهارات جميلة للغاية إن تم استثمارها في أشياء أخرى تعود بالنفع عليه وعلى غيره. هذا ما يقوله منطق تبادل المنافع بين الناس. للأسف الشديد، لا يعلم المتلاعبُ أنَّه قادر على فعل أشياء خيِّرة بمعنى الكلمة، وعلى إشعار كثيرين بالرغبةِ في الجلوس معه دائما، وعلى بث طاقة من الإيجابية والفرح في قلوب الآخرين، لديك فنُّ الكوميديا على سبيل المثال، إنسان متلاعبٌ يوصلك لمرحلة خارج وعيك، والضحك فعل غير واعيٍ، لكنه لا يطلب امتيازات تفسد لحظاتك الجميلة، لا يرهقك عُسراً بسموم يومه، لا يفسد عليك نظرتك فقط لأنه يطلب مصلحةً معنوية مثل أن يشركك في مزاجه السيء، لا يحاول نيل بعض الريالات من جيبك ليقامرَ بها دون علمِك بحجة أنه فقير ومسكين. وتذكر عزيزي، ليس كل من يعيش هذه الظروف متلاعب، البؤس موجود في هذه الحياة، والفقر موجود، وما يعشعش من ديدانٍ في هذا البؤس هم هؤلاء البارعون في نيل مرادِهم، وإشعارك أن هذا مرادك. المتلاعب لا يكذبُ بقدر ما يخفي، ويعلمُ علم اليقين أن بدايةِ محاصرته بالأسئلة عمَّا يفعله، ولماذا يفعله! يعني أن حبل التلاعب نصف القصير، نصف الطويل، قد بدأت أليافه في فقدان تماسكها، سيتوقف عن الشد، وربما يرحل بعيدا، وسينتظرك بكل صبر لكي تعود إليه، وتعوضه عن كل الذي فات. كُل أشكال التلاعب تلفُّ وتدور حول إنسان لم يكمل بناء دفاعاته كما تحتاجُ حياة الفرد المعياري. حول ذلك النقص الذي نعيشُه، والورطة التي يجدُ فيها المرء نفسه وقد وقعَ فيها، محاطا بكل هؤلاء الذين يجيدون العزف على أوتار نقصه، ومشاعره التي يتوق للحصول عليها من الآخرين. كُل نرجسي متلاعب، ولكن ليس كل متلاعب نرجسي، البعضُ لديه تصديقٌ كبيرٌ لما يفعله، يمكنك أن تعينه ببعض الصراحةِ، وأن تخبرَه عنما يفعله بك، ويمكنك أن تشير له عن تأثيره على نفسه وعلى الآخرين، البعض يتحول إلى كابوٍس مؤذٍ، وقد تكون سيء الحظ الذي يبدأ به حياةً من إيذاء الآخرين، وتهديدهم، وابتزازهم، وربما سرقتهم، وربما في حالات قتلهم، أو قد تكون حسن الحظ وتكون ذلك الإنسان الذي أهدى لإنسان آخر بصيرةً يحتاجُ إليها، تلك الصراحة، وذلك الصدق هو الشعور بالنبل الذي يجب أن تشعر بها عندما تجدُ إنسانا يتلاعبُ بالآخرين وهو لا يعي أنَّه يفعل ذلك، هذا الشعور يكفيك، بدلا من عقدة المنقذ، أو الكريم، أو الإنساني، وغيرها من الأوهام الي نملأ بها نقصاً داخلنا، يجب أن نملأه بها. وبهذا ينتهي سردنا عن المتلاعب الظريف، الذي لا يؤذيك، ولكنه لا ينفعك! ينفع نفسه فقط، وكل ما يفعله هو أنه "يعطيك من طرف اللسان حلاوةً" وأحيانا! هذا كل ما نحتاج له في لحظات كثيرة، والمتلاعبون يعرفون ذلك جيدا!

 

 

معاوية الرواحي

الجمعة، 24 يونيو 2022

القتلةُ الذين يعيشون بيننا!

 

 

يُصدمُ الإنسانُ اليوتيوبي، ذلك المشغول بمعايير الكمال، والمثالية عندما يعلمُ أن قتلةً وإرهابيين يعيشونُ حياةً عاديةً في مجتمعٍ طبيعي. إزهاقُ النفس البشرية نهايةٌ لإزهاقٍ نفسٍ أخرى، نفس القاتل التي استمرأت لغةَ الموت، فلم يعد يعبأ من الذي يموت على يديه. وتشيعُ في هذه الحياة صورٌ مختلفةٌ لأشكال القتلِ والدمار، منها ذلك الذي يقوده الغضب المؤقت، وفقدان الأعصاب، وحتى هذه لا تأتي بلا مقدمات، إنها نفسٌ تركت حتى تراكمَ عماها عن الواقع، وتأزمت رؤيتها للحياة، وفقدت الأمل، والحب، وتحولت إلى قنبلة موقوتة ستنفجر لا محالة إن وضعت في الظروف المناسب، وعاشت الحصار الذي يعيشه القاتل، الراغب في القتل من أجل القتل.

شكلٌ آخر من أشكال الإرهاب، والذي نعم قد يكون لأسبابٍ دينية، مثل متطرفٍ ساخطٍ يعيش وسط التجمع البشري، ولا يعلمُ الناس الذي يجول في عالمه الداخلي من غضب وشر، وخطط، وخيالات، وأحلام يقظة، وربما متابعةٍ سريةٍ للمواد التي تحرض على العنف والتطرف، قد يكونُ هذا إنساناً في ظاهرِه مدافعا عن الدين، وينسى بعض التفاصيل الرئيسية، مثلاً أن إقامة الحدود ليست شأنا فردياً، سينقل لك الكثير من التبرير والذي سيلف ويدور حتى تصلَ إلى اضطرابِه البيِّن، إنه مشروع قاتل، لا علاقة له بدين ولا بغيره، إن لم يقتل باسم الدين سيقتل غدا فقط لأنَّ أحدا استفزَه زيادة عن اللازم، زناد مسدس، وحادث سيارة بسيط، ولحظة خاطئة، ويصبح الإنسان قاتلا، هذا ليس حدثا بادئا، هذه نهاية متوقعة لكل هؤلاء الذين اتخذوا من الموت والقتل والدمار لغةً للتعامل مع الحياة، قضيةٌ أخرى من القضايا "الحيَّة" التي أساس التعامل معها هو الموت، أو إقامة الحدود باستسهال بالغٍ، فقط لأنَّ شخصية مضطربة رفضت أن تعترف بمشاكلها.

حوادث القتل التي كثرت مؤخرا، من قبلِ رجالٍ قتلوا فتياتٍ بريئات، إرهابٌ فرديٌّ فيه لغة الموت هي التي تتعامل مع الأحياء، لا تختلف في قبحها وفي عنفها وفي شراستها عن الحوادث الشبيهة، لتلك المرأة التي أحرقت خيمة كاملة في عقد قران زوجها من زوجتها الثانية، ولا تختلف عن القتلة الغامضون الذين يرمون ببندقية قناص أناسا أبرياء ويختفون، تتفاقم حالة الإنسان القاتل بعد أن يجرب طعم الدماء، ولكن إلى أن يجربه فهو يعيشُ في دائرةٍ داخليةٍ مليئة بالغضب، وقد يبدو غير مفهومٍ للآخرين، حتى تفوح منه كلمة واحدة تدلُّ على أنَّه قادر على القتل، بل وقادر على الإقدام عليه، اعتادَ عصرُنا الحاضر على وضع القتل الفردي ليكون دائما لأسباب دينية، ولكن لا يوجد منطق يُخرج ذلك ليجعله في يد التدين فقط، هُناك قتلٌ لأسباب وظيفية، عندما يمسك موظف غاضبٌ رشاشَها فيفتك بشركةٍ سابقة كان يعمل بها، وهُناك قتلٌ نتيجة الجهل وتراكم الاضطراب، كأن يؤمن شابٌ أرعن مهووسٌ بالانتحار بأنَّ إقامة الحدود الشرعية أصبح بيديه، وبالتالي فهو المفتي، والجلاد، والمنفذ، والهيئة القضائية، وهو الاستئناف وهو كل شيء، مضطربٌ يظنُّ أن نصا واحدا يكفي لكي يذهب إلى أقصى أقاصي الجريمة، القتل بدمٍ بارد أو فائر، لا فرق فالضحية ستموت بغض النظر عن تبرير قاتلها.

مشاريع القتلة هؤلاء يعيشون بيننا. بعضهم يرى في لغة الحدود القانونية والدينية تبريرا لكي يقوم بذلك بيده، والبعض الآخر لأزمة عاطفية، وآخر لأزمة نفسية، وأخرى وثالث، وثالثة، ورابع ورابعة لصدفة في غير موضعها. هذه الإنسانية ليست نزهة في المحبة والسلام، العنف جزء من تكوين العنصر البشري في كوكب الأرض، وشئت أم لم تشأ، هؤلاء القتلة يعيشون في كل مكان، بين الناس، لا يفصلهم عن الحدث الأوَّل الذي يقتلون فيه سوى موقف واحد! وبعدها، يتذكر البشرُ حقيقة هذا الكائن البشري، الغامض، والمليء بالشر، والخير، والحب والكراهية في وقت واحد.

 

معاوية الرواحي

الخميس، 1 يوليو 2021

عن الجلادين الصغار

 

 

 

التعاطف مع الجلاد ينشأ مع ظنِّك بأن وازعه الأخلاقي يدفعه لتعويضك عما أحاقه بك من ظلم، ولذلك تنشأ هذه الارتباطات السامَّة والخطرة، من هذا الوهم، أن الجلاد قريب منك لأنه يعوضك، بينما هو في الحقيقة يعزز أسباب سلامته، ويخفي جريمته، ويضمنُ ويدرس ويتقي ردة فعلك، أو ثورتك ضده.

للجلاد ذكاء حاد في فهم الضعفاء، وفي السيطرة عليهم، ويتطور وعيه مع تطور وعي ضحاياه، فلعبة الإيهام كلها تدور حول إخفاء نزعته الجرمية، فهو أخطأ وأذاك لأن ظروفه دفعته لذلك، دائما لديه عذر، وسيطرته عليك جزء من حمايته لنفسه، سيبالغ في قربه منك ليحمي نفسه فقط، وليضمن سلامته.

في حالة الجرائم المروَّعة مثل اختطاف امرأة لعشر سنوات وسجنها في قبو، دراسةُ الجلادين من هذا النوع واضحة وسهلة وتميل للأدب والسرد أكثر من العِلم. أما في حالة الجرائم الصغيرة، والأذى والكيد الشخصي، والحسد، والانتقام، الجلاد قد يكون مديرك في العمل الذي هدم مستقبلك لأنه يكره قبيلتك.

الجلاد مجرم يعلم ويعي الذي يفعله، منهزم أمام فكرة أنَّه يؤذي الضعفاء فقط، فهو جبان، وكذوب، ومراوغ، ولا يواجه، وقد لا تجد له أعداء مطلقا، بل وربما لا تسمعه يتحدث بالسوء عن شخص، أما أمامك كون ضحيته فهو أقوى من الحياة، وأكبر، وقادر على الشر والجنون، ويهدد، ويتربص بردة فعلك بحدة.

مع تراكم جرائم الجلاد وأذاه على حياتك تكتشف أنك في أزمة، لكنه استبقَ كل ذلك قبلك بوقت طويل. ستعيش قتالين في وقت واحد، مع نفسك التي تريد تقويمها لكيلا تتقبل المزيد مع الأذى، ومع هذا الجلاد الجاهز للبطش بك بكل ما ادخره تجاهك من وسائل حماية، تحميه منك، وتضمن له تكرار جنونه مع غيرك.

يشيع أدب الجلادين والقتلة المتسلسلين، هؤلاء الذين لديهم مشاكل مركبة تؤدي لاكتشافهم في نهاية المطاف، الجلاد الذي يؤذي الضعفاء، ويستغل حاجة المرضى للعلاج بالإيحاء، والتي تؤذي ابنة زوجها، وغيرها من الأمثلة، هذه جزء من الحياة، جزء من وعي الفرد، جريمة معنوية لا نص يدينها، ويقي منها.

بعض الجلادين يستخدمون خصالهم النفسية للتربح في الحياة، فالذي يُسقط كُل منافس له في العَمل بالإشاعات، أو بإرسال عاهرات، أو بإقحامهم عالم المخدرات، أو تلفيق التهم والرشاوي ضدهم قد ينجو ما لم يُكتشف، هذا لا يفعل ذلك لأنها متعة، وهؤلاء لا يسقطهم إلا من هو مثلهم فقط، فلا أصدقاء لهم.

بعض الجلادين وضعهم أسوأ، فإيذاء الآخرين لديهم متعة، ويرتبط الأذى في شكله الأدبي عادة بالجنس، والاغتصاب، والقتل، وهذا نادر الحدوث في الحياة النمطية، أصحاب هذا الاختلال يصعب اكتشافهم، ويصعب علاجهم، وينغمسون لسنوات في لذتهم الآثمة حتى تصبح هي حياتهم التي يخافون الاعتراف بها.

الجلادون جزء من الشر في هذه الحياة، فثمة شرطي دخل كلية الشرطة ليتمكن من إطلاق النار على سود البشرة في شوارع نيويورك، وثمة جلاد يعمل منتجا في هوليود. هذا النمط المتطرف هو الذي يشيعُ تحليله ودراسته لشيوع الاهتمام به، أما صغار الجلادين، فهم أكثر انتشارا، وضررهم أقرب من الكبار.

الشخصية العنيفة معنويا هي التي تؤدي إلى حالات الانتحار المفاجئة التي تحدث للضعفاء والمرضى. وهذه الحالات المؤسفة من الأذى هي التي تعزز في الجلاد تطوره، هي التي تعزز ارتقاءه الآثم إلى المرحلة التي بعدها، ولكل جلاد نهاية مروعة إن سمحت له الظروف، لا يكبر جميعهم، وبعضهم ينجو ويفلت.

الرغبة في إيذاء الآخرين من أجل الاستمتاع بذلك، بلا ردة فعل، ولا غضب ولا انتقام هي أقصى تجليات المرض النفسي وأخطرها. وارتباط النرجسية، مع غياب التعاطف، والاستثارة، وربما وجود الضحايا الهشة هذه وصفة صناعة المأساة الكبيرة والصغيرة، جثة في حقل، أو إنسان بائس مهزوم محطم الوجدان.

المتنمر مشروع جلاد، قد ينتهي به المطاف تافها كل همه السخرية من فلان وعلّان، أو قد يتطور الأمر فيصبح هوسا، وهذا ما تراه في قنوات اليوتيوب، عندما يتخصص أحدهم في التنمر على فئة معيّنة، ليست الفكرة ولا الانتماء الفكري السبب، الدعوة للعنف، أو ممارسة عنف اللغة، جلاد جبان بلا سلاح.

ولا أتحدث عن النقدية الموضوعية، أو الكراهية الموضوعية. الجلاد يبحث عن الضحية الأضعف ليفتك بها، ومع الوقت تتشوه معززات الحياة لديه، ومع فقدانه لقيمة الإنسان الأخلاقي، ورضاه بما أصبح إليه من جريمة معنوية تُكمل ظروف الحياة الحكاية، هل هو قاتل أزقة؟ أم جبان باسم مستعار يدعو للعنف.

التوصيفات الطبية والعلمية [السايكوباثية، السوسيوباثية] وغيرها تصف ما يعجز وعينا النمطي عن الانتباه له. ولا تستغرب أن الجلاد كثير الظن بالآخرين أنهم مرضى، بل وربما يكون بارعا في تتبع أمراضهم، يعجز عن فهم ذاته ودوافعها، فهو يؤذي الآخر من باب المتعة، والاستثارة فقط. وهذا صعب الفهم!

لذلك، فالانتباهُ هو أساس التدخل في المشكلة مبكرا. طفلٌ يخنق القطط، هذا مؤشرٌ مقلق، قد يفعل ذلك لأنه يقلد، وقد يفعل ذلك لأن الذي يتشكل بوعيه إنسان متأزم، كل المشاكل النفسية لها حل في مراحلها الأولى، تلك التي استفحلت، يستحيل حلها، ليس بعد سبع جثث في القبو، هذه مشكلة لا حل لها. كِبار الجلادين، والشياطين البشرية يعلمون ما وصلوا له، ولسبب ما يكملون حياتهم بيأس ويفقدون قدرتهم على السيطرة إلى انتهائهم في حبل مشنقة أو حكم بالمؤبد، هذا الجلاد الصغير، والجبان، والذي بقايا الإنسان الأخلاقي الذي به تؤرقه هذا ماذا يفعل بحياته؟ يعلم أنه قبيح ولكنه لا يستطيع أن يعترفَ بمشكلته، وقد تتفاقم المصيبة ويكونَ مصابا بالنرجسية، واضطرابات الشخصية، وإن أضفنا إلى ذلك سلوك عصابات، أو إدمان مخدرات أو دولة في حالة حرب فهُنا ظروف نشأة العصابات، والمرتزقة المسلحين، وغيرها من أشكال العنف والجريمة في الحياة. كيف يساعد نفسه؟ هذا الذي يعلم أنه قبيح؟ الإجابة المنطقية هي أن يعترفَ للمختص الطبي وأن يسعى لإيجاد حل لمشكلته وفي معظم دول العالم يتم حماية خصوصيته الطبية، قد يكون ذلك قد تأخر بالنسبة لقاتلٍ متسلسل لكنه ليس متأخرا لإنسان يقاوم هذه المشكلة، مثل الذي يحب الكيد لغرباء لا يعرفهم، أو لضعفاء يعرفهم فيلعب دورا في حياتهم بما يسبب لهم المرض، أو الإدمان، أو السجن، أو كل شيء غير الموت، يمكن للجلاد أن ينقذ نفسه من مصير مرعبٍ بالكثير من الإرادة والقليل من الوعي فهذه الحالات غير المركبة كمثال الطفل الذي يخنق القطط لم تذهب بعيدا إلى الحد الذي يمكننا أن نطلق جبننا البشري تجاهها فنصبح جلادين ونرفضها، وهذا ما يحدث للأسف بسبب الجهل، أو النظريات الحمقاء الحدية المغالية في المثالية والمعايير العالية، هذا أيضا جلاد صغير، وهو أيضا مشروع إنسان مؤذ أو مجرم، وهو أيضا جلادٌ باسم العلم، أو الفقه، أو الدين، أو المجتمع، أو القيم العالية والنبيلة، اعلم أنك جلاد وفي طريقك لخسارة إنسانك الأخلاقي وكل ما يربطك بالنبل والقيم البشرية التي تعزز وجودك وحياتك في هذه الدنيا كمطمئن مُسالم ما دمت تتخذ أو تساهم في قرار يؤدي إلى تدمير مستقبل إنسان لم يؤذك، أو إلى تحطيم حياة شخص في محيط عملك، أو مجتمعك فقط لأنك تكره لونه أو عرقه أو جنسه. الجلاد قد يكون رجلا يعيق امرأة بسبب عقده النفسية من حبيباته السابقات، قد يكون أكاديميا يحرمها من النجاح، وقد تكون امرأة تفعل الشيء نفسه، برجلٍ لم يؤذها ولكنها تؤذيه، وهذا ما نفعله في حياتنا العامة فنسميه [شخص معقد]، إنه مشروع جلاد، وليس بالضرورة قد تعرض للأذى كما تقول النظرية السطحية القديمة [ضُرب كثيرا فأصبح يحب الضرب]، الذي ضرب كثيرا ربما أحب أن يضرب الذي يضربه، ويحب أن يكون قويا ليدافع عن نفسه، وربما سيحب أن يضرب من هو أضعف منه، الجلاد هو مس الشيطان في الكوكب البشري، هو الشيطانُ الذي يقتل، ويسرق ويفسد ويغالي في قتل المتظاهرين ويقتل السجناء أثناء التحقيق معهم، الجلادُ يمكن أن يكون طبيبا، أو ممرضا، أو قاضيا، أو شرطي مرور، أو مدرسا، أو موظف في شركة اتصالات، يهتم العالم كثيرا بالجلادين المرتبطين بالإثارة الجنسية، وبالقتل من أجل المُتعة ولا يهتم للعدد الأكبر، هؤلاء الذين يمكنهم تدمير حياة أسرة أو إنسان بقرار ظالم، أو بإشاعة كيدية، أو ربما بحساب إلكتروني باسم مستعار يجعلون فيه حياة فتاة جحيما، أو يهاجمون بريئا ويفتكون به لأنه يؤمن بمعتقد يخالفهم، الأذى والضرر والأثر الذي يتركه الفعل هو الذي يحدد صغار الجلادين، ولأننا في هذه الحياة لا نعتبر الجرائم المعنوية شأنا من شؤون آلة الدول ومنظومة القوانين فإنهم ينجون، وهُنا تأتي مهمة الوعي وأثير الثقافة وشعاع اللغة ليكمل هذا النقص، وليصنع قطعة من نسيج الوعي تربط هذه الخيوط الهشة لعلها تفسر لنا ما الذي حدث لنا في ماضي حياتنا عندما عرفنا إنسانا بعين زائغة يبحث بجنون عن كل ما يضرنا ونحن لا نفهم ونتساءل: ما الذي يستفيد من كل ما يفعله؟ إن كان ثمة فائدة لهلع الجلاد فهو أنه قد يعود إلى وعيه ويقاوم، وإن لم يفعل فإنه قد يبالغ ويذهب للبعيد، فجلاد بسببه تم طردك من فريق كرة القدم يختلف عن الجلاد الذي سرق مالك ووضع لك المخدرات في طعامك، يجب على الإنسان في هذه الحياة أن يعرف أن الشر موجود، وأن يمايز بين أنواع الشر وأهدافه، ولهذا فإن علم النفس وغيابه عن المناهج المدرسية، والحالات الشهيرة مثل الفصام، وثنائية القطب، والوسواس القهري، ولاحقا في المراحل الدراسية المتقدمة تفصيلات التعريف للشخصيات الجُرمية جزء من وعي الإنسان الذاتي، ومسؤوليته وواجبه تجاه ذاته وواجب المنظومة العلمية والعملية لتيسر له وسائل الوعي هذه، الجلاد لا يعُرف من الدراما والمسلسلات. يقول العمانيون [الصاحب ساحب] لسبب عميق للغاية، لأن هذا العالم ليس بريئا والشك والحفاظ على مساحة أمان وارتياب معقولة ينفع الناس، على الأقل يحميهم من الجلاد زائغ العينين الذي يتلذذ بمصائب الآخرين حتى يسببها لهم، هؤلاء لهم علاج، وإن لم يطلبوا علاجهم، فثمة وسائل حماية ومواجهة توقفهم عند حدهم، هُنا دور الثقافة والوعي الأهم من ترديد المكرر الممل عن أهمية الوعي والثقافة. لا تكن جلادا، ولتكن ضحية لجلاد. وإن ابتليت بجلادٍ لا يعرف مشكلته، فاعلم مشكلتك، تعاطفك معه قد يكون أحد مشاكلك، فلا تكن ضحية.

 

 

 

السبت، 29 مايو 2021

منطق الكراهية والتعبير عن الذات تجاه الآخر الغامض!

 هل تعرف ما هو النصر الكبير؟ أن تُحافظ على استقلالك الذهني، لعلك تظن إنك تفعل خيرا بنفسك عندما تسير في درب البطولة والممانعة كمعارض أو التطبيل والتضحية من أجل الحكومة كموالي، تظن إنك انتصرت للشعب أو للنظام، وفي الحقيقة كلها خسارات، كلها تسليم أنك صرت رهن الجمعي، وأنك لم تعد حرا.

ما قايم أطلق أحكام على اللي مسوي نفسه [أبو الشباب] اللي يهدي الشعب ضد الحكومة، في زماني كانت أخطائي أقبح من أن تُقارن بهذا البرجماتي المتذاكي. ولكن تراه كل حد عارفنك! على الأقل كون صريح مع نفسك وقول: أختار الحكومة ظالمة أو مظلومة! والله كذا حتى خصمك يحترمك ويقدر خيارك! ويتفهمه.
جالس تحوم حول الآراء وأصحابها، تنتظر الزلَّة! بالله عليك هذي حياة! والغم إنك تختارها بإرادتك ما مجبور عليها! عامل نفسك زعيم الحزب الوطني، ومتأهب للفتك بمن يتكهرب منه الموالون! مالك تو؟ ما قادر تفهم إنه حقك في موالاة الحكومة يشبه حقك في ممانعتها! تستغرب بعده إنه الناس تستملغك؟
أجيبها من الآخر؟ بعض الأشياء ما مهمتك! ما دورك ولا واجبك أنت اخترت ذلك بنفسك، تظن نفسك مهم صح؟ وتظن نفسك مؤثر؟ تراه حالك ما يختلف عن المُعارض المتشنج اللي منصب نفسه حكم الوطني وغير الوطني، عادي يلغي أي وسطي لو ما كان معه وبالنسبة له خساراته لازم الجميع يدفعها معه. لا فرق بينكما!
حالك مقزز تعرف ليش؟ لأنه تزلفك للحكومة أهم من الوطن وأحداثه، وعشان تفهمني، ما أطلب منك تكون معارض ولا ممانع مع إني ما أؤمن بهذي التصنيفات، هُناك من ظُلم، أبسط شيء إنك ما تُلغي حقه في أن يصرخ إنه ظلم. جالس تخسر الكثير وتقدم نفسك أضحية لمن ينظر لك كورقة تُحرق في أي لحظة! خسارتك!
وويش أكبر مشاكلك؟ إنك تضع نفسك في المطلقات الكبيرة، شاحط عُمرك [بالوطن!] .. تنادي بالعقوبة كأنك صاحب القرار، تنادي بالضرب من يد من حديد وأنت لو أطلقت رصاصة على سنجاب تبول في وزارك! .. مشكلتك إنك ظاهرة كرتونية، ما تختلف عن ثوار الاسم المستعار وجنود البلوك المجندة!
وتعرف شيء، أميل عاطفيا للمانع، لأنه على الأقل يدافع عن مظلوم أو يقف في وجه ظالم، أنت موه وضعك؟ طبّال! كل همك تتزلف حالك حال الكلب يلحس نعال سيده! هذي حقيقتك، لا همك وطن ولا صالح عام ولا همّك رخاء ولا سلام ولا حرية ولا عدل بلاد، تلمّع نعال الطغيان بلسانك. حشرة!
ونعم، العاقل أحيانا يتجنب مواجهة الحكومة أو [النظام] كما تقول الكلمة الدارجة، لكنك طبال متزلف حقير وسخ جزمة، لو شخص اعترض على وزارة الزراعة ممكن تتهمة إنه متآمر على الوطن! ليش كذاك يا أستاذنا! لأنه يحرجك كل من يثبت لك إنك متناقض يكذب على نفسه!
المشكلة إنك مهزوز، الكراهية التي كيلت لك تعفّنت حتى جعلتك تندم على ما "فعلتك" .. ما قادر تتراجع، خايف شماتة أهل المنطق والحياد فيك، لازم تعمل فيها بلطجي ليش؟ لأنك سيف الدولة المتناقض، تدور أي مدخل عشان إما تكون بلطجي أو مدّاح، عنجهي جزمة ما عارف حال نفسه وناسي إنه من الناس!
ومن يغيظك أكثر شيء؟ الجزمة اللي مثلك، اللي قضية الوطن والحقوق بالنسبة له مدخل للتنمر، تراه ما شيء فرق بينكم، والحمد لله إنكم تنشغلوا ببعض لعل هذا يجعلكم تتركوا الناس في حالها! تحسبون كل صيحة عليكم، هذاك يقول أنت خائن لحقوق الوطن، وأنت تقول أنت خائن لحقوق الوطن! سبالات!
وتعرف ويش حالتك يا طبَّال؟ حالتك إنه اللي ما يمدح الحكومة ناقص وقليل شكر، واللي يمدحها منافس لك وتحسده، واللي يذمها عدوك لأنه حاقد، بينما أنت الجزمة في كل المعادلات، متزلف ناقص حقير ما عارف حتى تمدح الحكومة في الشيء الصح، تبرر لها الغلط، تخترع لها العذر بدون ما حد يطلب منك ذلك!
ولأنك جزمة ما قادر تفهم إنه الحكومة نفسها فيها أصوات متجادلة، يعني ما قادر تفهم إنها آلة وأنت تعاملها كشخص، مستعد تحط نفسك في أكثر موقف محرج في العالم عشان تبرر خطأ، حجتك الامتنان المزيف وإنك إنسان أصيل يذكر المعروف لكنك جزمة وأنت عارف إنك جزمة متزلف متناقض بلا منطق ولا منطلق.
والناس تكرهك، وأنت تكره نفسك لكنك تظن إنك تخدم مصالحك، مع إنه مصالحك يا غبي في إنك تكون ناصح أمين لكنك ترفض ذلك، معك إصرار على تغطية نقصك الذهني بعنجهية القوة، قوة ما في يدك، قوة ضدك أصلا، لكنك تظن نفسك استثناء، عايش العبط حتى تحترق من الداخل وتُصبح قصة حسرة متحركة! جزمة غبية!
وأنت جزمة، جالس تنتظر إشارة صغيرة بس عشان تشتعل بردة فعل فوق وجودك وطاقتك وقدرتك الذهنية، تعرف ليش؟ لأنه سهل تكون منحاز ومتجني، سهل جدا تكون جزمة، سهل جدا جدا تكون سبال مستعبط تُدين شخص بتأويلات بس عشان الإشارة وصلتك عشان تنطلق حالك حال الكلب الخارج من قفصه.
وتعرف شيء، مع إني أستخف بثوار الاسم المستعار، وأستسخف جماعة شرطة المثاليات، لكني أحتقرك، لأنك جزمة هم إن كانوا سبلان ملأى بالسذاجة، أنت وضيع متعفن بالحقارة، جبان، مرتكس، منهزم، متناقض، مزيف، لا وطن ولا شعب يهمك، همك لحظة الكلاب التي تشبهك عندما تحيط بخصم اللحظة وعبرة الوقت.
ولتعلم شيئا، أنا البغيض، الذي يمتعظ مني آلاف، الذي يعايرني بأخطائي كل نخبوي وثوري ومنتمي للثقافة؟ تخيل هذا الشخص الخطّا المليء بالخطايا؟ هذا الشخص يحتقرك، يتقزز منك، يمقتك، وأنت ومن هو مثلك يُشعره أنه بخير وأنه يفعل الشيء الصواب، فمثلك كراهيته واجب، واحتقاره حق، والتقزز منه منطق!
وختاما، أنت تعلم نفسك، تعلم تناقضك، تعلم إنك لا تنتمي للمنطق، وإنك إما منساق، أو تكذب على نفسك، إما غبي أو نذل، تعرف جيدا إنك وباء هذا الكوكب، قملة، وجزمة، ووضيع، تحب من يشبهك من جزم ومن سبالات، وتتمنى أن يكون الجميع مثلك ناقصا، وأنانيا، وطماعا، ومتناقضا ومزيفا، وقذرا. تفو عليك!

الثلاثاء، 18 مايو 2021

تقيؤات صباحية

 وانته شوف الوضع المحزن. ينادي بالحرية، لتكوين الرأي، لتنفيذ الاختيار، للتعبير عنه. [مشاهير برجر!] كأنه شيء عيب أو غلط!

 معنا أزمة وظائف، وتشجيع على الابتكار، ولما شخص يتصرَّف يجيك من يتشاحط عليه لأنه لا يؤدي دورا مهما! مستغرب، شخص يعيّرك لأنك تسوي إعلانات! ليش؟ ما شغل حلال؟
وشوف الكلمة القذرة [مشهور] .. موه يعني مشهور! خير يا طير! معك ناس تتابعك، خير يا طير! هذا ما يعني إنك سبع البرمبة، ولا يعني إنه من حق شخص يعاملك بتحيز مسبق وتمييز. واحد شد حيله في العمل الإلكتروني، وهذا شغله، وماشي فيه، من متى صارت عليه مسؤولية جمعية هو فرد في حاله!
ولما يصدر هذا الرأي الاحتقاري مِن مَن؟ من مثقف مغمور هو وعنجهيته ومثالياته. [خليك في إعلاناتك!] ليش يا شمس المعارف الكبرى، المعرفة مخلّف جدودك! يسخر من فلان ويلمز فلان لأنه [ما عميق] .. ليش يا الطوي! يا البئر الارتوازية، ليش يا الغرقان في برجك العاجي؟
وما يفوتك لما يطلع لك شخص عباله نحن في جريدة. وهذا يليق بك وهذا لا يليق بك! هذا منبري يا زفت الطين! أنت ووصايتك سلوك قذر، اللي يليق ولا يليق هو إنك يا زفت الطين متشاحط سمج جاي تشوشر منبر غيرك وما حاس بسماجتك وتقيؤك وتفاهة استحقاقك واستحقاق الآخر في النفور منك!
تقضي عشر دقائق في اليوم في تويتر، تكتب لجماعتك وربعك، قليل الكتابة بشكل عام، عاشق استفادة ودحيح جديّة. طيب يا زفت ليش ما رحت لحسابات غير العمانيين عشان تنصحهم بالجدية. باغي مدرسين خصوصيين على مدار الساعة لأنه تويتر بالنسبة لك [موقع مؤثر] .. وتستغرب إنك تُعامل كبغيض!
والزفت الآخر اللي معه الناس ما تفهم، مشكلة المجتمع، مشكلة الناس، مشكلتنا كعمانيين، مشكلتنا الجمعية. بس عايش جو المولود في غير زمانه ويصنع غربة ما يعيشها! واحد سمج يدخل المشكلة الجمعية في حسابك غصبا عنك، وما داري إنه كلامه مكرر وممل وما فيه تواصل بس وصاية وإملاء.
وعاد نجي لمأساة معاوية. زعلان عليه وهو يرتكب الخطأ، وزعلان عليه وهو يحاول يصلحه. لأنه هدف سهل، أخطاؤه مالية الدنيا، خليني أفترسه وأطلع حرّتي فيه. أجلس أهايش بيني وبين نفسي، يجيك شمس التأويلات عشان يوجهها لفلان وعلّان. مهمتي بس أكون النموذج الذي أخطأ ويحق لك تحاكمه!
كل ما أتذكر وضعي السابق أقول جزاك الله خير أيها السلطان هيثم. أي وضع مرير كنت فيه، من جاء ينهش، حد باسم الوطن، وحد باسم الدين، وحد فقط لأنه [اللي يحب النبي يضرب]. أعيش متعلقا بعفوك الذي أعاد لي حياتي من كل هؤلاء حماة العدالة بالظلم! جزاك الله كل خير!
وهذا النظام تو [اللي يحب النبي يضرب] .. أدوات قذرة كنت أظنها تخصنا نحن فقط المشوهين بالكراهية والتجارب السيئة. قال لك رأي ونقاش وجدال والحقيقة إنه كيد اجتماعي، وعمان دولة اعتبار اجتماعي، من هُناك تُلوى ذراعك وأنت جاي فقط تقول رأي، وغيرك يقول: افصلوه من عمله!
لقد ظُلمت في هذه الحياة، كان يمكنني أن أعيش حياة سعيدا لو لم أظلم غيري. وجدت السعادة عندما انشغلت بالدفاع عن نفسي في وجه من ظلمني حقَّا. تفو على كل جبان عرفته في حياتي، على كل نكرة وضيع، على كل انتهازي متناقض مزيف، تفو على معاوية السابق وكل ما يمثله وما آمن به.
وهذا شعار مرحلة الكتابة الجديدة، البحث عن من يُصلب. واجد عليكم جنود البلوك المجندة! الشعار هو: الحرية للجميع ولكن بشرط إنه يكون في صفنا. قال لك موه: قوَّة الجماهير! مخلَّف جدودك هذيلا الجماهير يا زفت الطين انت واياه!
وأنت شوف هذا الشخص المقرف، تارك حسابه عشان يركض لحسابك عشان يقولك لك ما أتابعك ولا أسوي لك بلوك! تو أنت مالك؟ سمعنا عن السماجة، لكن عاد تكون لوح لهذا الحد وتتلزق في شخص ما جاله يوما ما ضايقك بشيء، من أجل ماذا؟ حسابي ومنبري مخلّف جدود جدودك يا سمج!
لا وبعد [واثقة من نفسيها] .. اسم مستعار يقحم على الردود ما عاجبنه الموضوع، ويقول لك أعبر عن رأيي. ضيف يريد يدخل نفسه بالغصب في بيتك! وفوق ذلك لوح، ويتكلم عن المثاليات ويقول لك [تنادي بحرية التعبير] شيء حرية تعبير تسمح لك تتسمج، وشيء حقوق تسمح لي أرفضك وأرد عليك إنك سمج وخلصنا!
وزفت أزفات الطين، يجيك من تحت الأرض لا متابعنه ولا متابعنك ويقول لك [ياخي فكّونا من تفاهتكم] .. يا ساتر! الطوي العميق متضايق من حساب ما يتابعه! انته سمج لأي مرحلة! ما عاجبنك حساب ما تتابعه! هذا مستوى ارتوازي ما بعده غير لب الأرض .. مقرف ومقزز وسمج ولوح!
والخلاصة هناك سبب لفشل وصول حسابك إلى الناس، لأنك من الأساس تعتبره سلاح موجه وأداة تغير بها الواقع بالإكراه. ظاهرة المحاكمة والتنكيل الاجتماعي وغيرها من البلاهات تنحسر عنك وعن غيرك من المهووسين بأوهام الوصاية. تفو عليك وعلى اللي ما قال لك إنك غبي ونكرة والرد عليك خطيئة!
ولا ننسى كلاب الهمز واللمز، شغلته في الحياة يدخل على كوكبك الشخصي عشان عاد يقرصك. حد يعيرك بالمرض النفسي، وحد ماسك عليك أخطاء الماضي، وحد جاي لأنه إعلامي جهبذ أو مثقف نحرير. فهمنا إنك من كلاب الهمز واللمز، واجد عليك يا جبان كيف تخفي حقدك وما قادر تعترف إنك تكره! الغضب نبل!
وانتهى التقيؤ السيكولوجي .. أعود الآن إلى ما هو مهم من لغو الضحك، وسَمر تزجية الوقت، وصناعة ابتسامة عابرة في وجه إنسان مكتئب على أن يكتب الله لي بها أجرين، ابتسامة في وجهٍ تذهب إلى وجه آخر.