بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات #تدوينات_ثقافية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات #تدوينات_ثقافية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 يوليو 2026

تشوهات معرفية: 1 + 2








التشوه رقم 1: 


(هل عشت ما يكفي من التجارب؟)



عزيزي القارئ، هذا المقال ليس واحداً من تلك المقالات التي تتفنن في شيطنة الثقافة أو المثقف، أو وصمِه بما هو فيه أو ما ليس فيه. هذا المقال، وهذه السلسلة المتلاصقة ليست بيانا عدمياً يدين كل شيء لعدم فائدته بحجة التفاهة الرائجة التي تقول: "لماذا نفعل كل هذا ونحن زائلون". وليس بيانا عبثيا ضمن التنصل الشامل عن المسؤولية الفردية والعامة بحجة فرض الكفاية الذي "لست أنا من بالضرورة يفعله". هذا المقال، وهذه السلسلة يحتاج إلى مقدمة متقنة، محكمة، توضح سببه وأهدافه؛ لكي لا يخرج من المنطقة التي أراد لها صاحبها أن تصل كرسالةٍ لعله تنفع أحداً، وإن لم تنفع فالزبد يذهب جفاءً، فإن كانت هذه السلسلة نفعاً، كان بها، وإن كانت جفاءً فقد حاولت شيئا ما سأتعلم من فشله حكمة أخرى مجانية أيضا لعلها تعود فتنفع، أو ربما تبقى في رفوف التاريخ الحافلِ بالتماثيل التي تحطمت بضربة إزميل خاطئة، أو باختيار سيئ للجلمود الذي لا يبوح بالتمثال الذي به بسهولة.


التشوه المعرفي الذي يعرفه علم النفس في سياقاته انتزاعٌ متعمدٌ من كاتب هذا المقال ليأخذه من شكله العلمي الجامد الموضوع في صندوق مشروط، إلى حالته الأدبية الشعاعية غير المعرفة، ستعرف أيها القارئ بسهولة ما هو، وتتصل به، وتتفاعل معه، وتجده سهلا يسيرا ما دامَ يقع في تلك المنطقة غير التخصصية، لذلك من البداية أقول، التشوه المعرفي، هو تشوفه معرفي، معتقدٌ أصيب بشيء من الضبابية، أو اللوثة، أو التحطيم الجزئي، أو الفلتر الغامض، أو الضوء الساطع، أو غمره طين طوفان، أو أحرقه حقد شيطان، أو فقد الإنسان اتصاله به نتيجة اتصاله بمعتقد أو بمعرفة أخرى. 


سأركز حديثي على حالةِ الثقافةِ الاجتماعية. وأركزه في البداية على الحالة الاجتماعية العمانية، وربما مع الوقت إن تيسر الوقت للبحث الكافي سيذهب إلى الحالة الثقافة العربية. هذه المرة ليس من منظور المآالات الكبيرة والضخمة، أو الموضوع المكرر عن علاقة المثقف بالسلطة وتنظيراته، وإنما عن المثقف نفسه، الإنسان، الذي يتخلق تدريجيا بشكل مليء بالأسئلة، يريد أن يصنع معنى لحياته، ولا يعرف أحيانا أنه وصل إليه، ويعيشه، كل ما في الأمر أن تشوها معرفياً واضح المعالم يمنعه عن عيش ما يستحقه لمعاييره الكونية التي جعلت الاستحقاق مستحيلا، وجعلت ملاحقة الخلود وهما مستحقاً يردده الكبار الذين يبذرون القوانين للقادمين في الطريق، القادمين الذين يقول المنطق البديهية أن سقوط الكثير منهم في الطريق هو الشكل الأمثل للانتخاب الطبيعي للحياة، وللأفكار وللجودة، وللإبداع، والأهم: للمثقف والفنان وحياتهما الخارجة عن الأطر المعيارية.


سأستخدم كلمة (المثقف) تجاوزاً لصفة عمومية تجمع الطيف كاملا. من الكاتب، والشاعر، والعازف، والفنان، بل وحتى عاشق الزراعة الذي يجمع شتلات العالم في حديقته مفتتنا بعلم الزراعة، وبثقافتها. المثقف في عالم البحر، وإن كان لا يكتب لكنه يقول، ويبوح، وله منبره الذي يتصل به بالمتلقي المباشر، الجيل القادم من البحارة والصيادين، المثقف في شؤون النخيل، وشؤون الآبار، والمياه، والأفلاج. لذلك عزيزي القارئ، إن كان تخيلك أنني أسمي المثقف ذلك الكائن الذي يشرب القهوة، ويعلك الحديث في المقاهي أو الحانات، ولا يعمل، ويقتنعُ أن الحياة تفرغاً خيالياً يعيش فيه المثقف والمبدعُ خاليا من السعي، والمسؤوليات، والإرادة، وأي شيء، الهدف هو ذلك الفراغ الكبير الذي يظنُّ أن قطعه بلا خبرةٍ في الحياة أو تجربة عميقةٍ على الأقل داخليةٍ، موغلة في التأمل يكفي لكي يكمل الحياة في مساره تجاه المعنى الكبير للإبداع وللثقافة والكتابة.


إن قمت باستقصاء مرتجلٍ تحاول البحث فيه عن الحلم الكبير، حلم اليقظة الذي يدغدغ الذين يتورطون باستثمار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة الهواية الثقافية حتى يجد الجد ويرون أنَّ استمرارها يحتاج إلى نموذج مهني، وقد يكون غائبا، فيتناقض الواقع مع الأحلام. فالحلمُ هو ذلك التفرغُ الذي يستيقط فيه الإنسان صباحاً ليجد نفسه في مكتب جميل، وأنيق، ملحقة به مكتبة واسعة شاسعة، يشرب قهوته، ثم يتناول إفطارِه الأنيق، في كوخٍ بعيد في دولة بعيدة، أو في مزرعةٍ لطيفة جميلة، ولعله عازب حتى هذه اللحظة، فيفتتح صباح بفيروز، ويخرج لسقي الزهور وقضاء القليل من الوقت في الطبيعة قبل أن يذهب إلى جلسته الثقافية مع رفاقه الذين يعيشون مثله أيام النجاح الجامدة.


مصطلحٌ يجب أن أضعه في موضعه الشعري. أيامُ النجاح، الجامدة، التي تصب خلاصة الإنجازات على هيئة حياة يختارها المرء بنفسه. يختار أين يمضي وقته، ويختار الجهد الذي يضعه في مدرسته الثقافية والإبداعية. تخيل أستاذا جامعياً قضى ما يكفي من العمر يعمل، ويؤسس، وبعد تقاعده فتح معهدا يمده بالمعيشة، وبعدها بدأت أيام نجاحها الجامدة، والباردة، التي يصبح فيها فراغ الوقت من الجذب الشرس واللحوح للحياة هو اليوم الجميل. توصف بحياة المتقاعد لسبب ما، لأن العمل الذي جاء ليجعلها ممكنة كان كافيا ليجعلها مستحقة. هذه هي أيام النجاح الجامدة، الباردة أحيانا، التي قد لا تخلو من الضجر والملل وابتكار الهوايات البسيطة فقط للحفاظ على حدة الذهن، والتمسك بوجود اهتمامات جديدة في الحياة.


أول التشوهات المعرفية التي تعالجها هذه السلسلة. الوصول إلى حلم اليقظة الجميل الذي يتمناه أي رسام وأي كاتب، بشكل عام أي مثقف يريد أن يقضي ما بعد حياته وخبرته هذا التدفق المنطقي لكل ما سكن وبقي في ذاكرته، لكل ما يتخلق ويتبلور في وعيه. وسواء كان يكتبه أو يقوله، فهو يعيش هذه الحالة الموصوفة في الفقرة السابقة. السؤال الكبير، أليس هناك فرق بين تعريف الأيام الباردة للنجاح، لكي تقلب الآية مع كثيرين ليكون النجاح الثقافي ببساطة هو الأيام الجامدة بشكلٍ عام.


المثقف الشاب الذي في بدايته حياته، يقرأ بنهم، ويعيش حياة المهووسين بالمنتج الجديد، باكتنازه القهري، وبأمنيته أن تكون مكتبة الأستاذ الذي يكون من مريديه ومن أتباعه له. يدغدغ نفسه بأحلام اليقظة، ويقارن نفسه بإنسان عاش أربعين سنة من التجارب، والتعب، والنكسات، والأيام، والسعي حتى وصل إلى أيام نجاحه الجامدة. يتخلق التشوه المعرفي هذا بالمقارنة والاستحقاق، ووقتها تنشأ حالة المثقف المنعزل، المعتكف كأنه راهب من رهبان المعرفة، يبحث عن تجربة الحياة في الأوراق ومواقع الإنترنت، قد يكون محظوظاً بعائلة تتحمل بقاءه في غرفته، تجلب له الطعام، وتعطيه بعض المصروف. وقد يكون إنسانا مليئا بالمسؤوليات، فيعمل في وظيفة بسيطة لكي يلاحق المجد المعنوي. هل هذه تجربة يمكنها أن تنجح؟ نعم، لكنها ليست ناجحة بعد، لأن عيش الأيام الجامدة من أجل الإبداع والثقافة ليس هو الثقافة، أيام النجاح الثقافي ذكرت قبل فقرتين، في ذلك الذي أنجز مهمته واكتفى من الحرق المتواصل لنفسه وقرر بكل بساطة: أن يعيش حقا.


 الخلاصة التي أريد أقولها بعد وصف هذه التشوه المعرفي بكل أمثلته، أنك يا عزيزي الكاتب الشاب الذي في بداية العمر، تحتاج للحياة، وللتجارب، ولمهنةٍ تتعلم منها النحت في الصخر، والسعي للخبز. وربما تحتاج إلى تجربة ترمي بنفسك فيها وتنجو، في كل الأحوال، كل ما تشحذه من مهارات، وكل ما تراكمه من معارف دون تجربة حقيقة في الحياة، وخوض في دهاليزها، حتى وإن كانت الدهاليز المبسطة كالسفر والترحال، أو الدهاليز الأخرى للمثقف الذي يحب دخول السجن بنفسه، أو أن تكون سيء الحظ فتقع في يد ظالمٍ فيسجنك وأنت لا تستحق ذلك، في المحيط العربي ما يكفي من الأمثلة لتعرف بنفسك عزيزي القارئ. علما أنني اقول، أنك إن لم تكن من مثقف السجون، فأنت الحالة الطبيعية، فلا تشعر بالضيق والأسى لأنك (لم تعش التجربة) أن تفتح مكتبة ناجحة فتبيع الكتب نجاح ثقافي رائع يجعلك تستحق أيام النجاح الهادئة. أن تنهي مسيرة وظيفية نجاح ثقافي رائع يجعلك تعيش متقاعدا وأنت تقرأ الكتب التي تحبها، وتكتب المقالات في المواضيع التي تثير دهشتك.


هناك الكثير ليفعل لكي يستحق المثقف أيام نجاحه الهادئة، وقليل من يفعلها في عمرٍ قبل العشرين، هذه الفلتات الكونية موجودة، والعبقري الذي يكتب رواية تحصد جوائز الأرض، وتترجم إلى لغات الدنيا، ويصنع لنفسه تقاعداً مبكرا يسمح له بحلم اليقظة الثقافي الأجمل، التفرغ لما بقي من المسيرة، هنا المسيرة نفسها هي الخبرة، هي الحياة التي تجعله يوما ما بعد أن يتعب من المسير ويقرر الترجل عن الترحال والموانئ الداخلية و الخارجية، وقتها سيقول هو أيضا: لقد عشت بما يكفي، عشت بما يكفي لأذهب إلى أيام ما بعد النجاح الهادئة، والجامدة، والباردة، والخالية من حرارة ووهج التحقق المأمول، إلى التحقق الذي عيشَ حتى أصبح الآن في طريقه للإرث هذا إن لم يصنع إرثه من قبل، وترك صاحبه هانئا هادئا يتفاعل إبداعه مع العالم سواء عاد لرفده بالجديد أو لم يعد.






التشوه رقم 2:

 

(هل حقا هناك إجابات؟)



إن كان ثمَّة شيء مؤسفٌ يفعله الذين عاشوا حياتهم الثقافية، وتجاربهم الحياتية بما يكفي لضخ الإجابات الحاسمة في مئات إن لم تكن آلاف الفجوات المعرفية الصغيرة في محيطهم، فهو ما يفعلونه عندما يرهنون كلمة الإجابة على الشاسع الكوني، أو الواسع الأرضي، بدلا من ذلك البسيط العادي الذي يصنعُ دهشة الاكتشاف لإنسان في بداية طريقه في مسارٍ ما. ما يبدو عادياً لمن عاشَ ما يكفي من حياته لتتشكل لديه إجابات حاسمة كثيرة على شؤون صغيرة وفيرة، لكن هل ينشغلُ بذلك؟ بهذا الهم العادي الذي يخص الناس العادي؟ للأسف الشديد هذا هو التشوه المعرفي الآخر الذي ينشأ من ضغط الصورة النمطية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، مشغولا بالأسئلة الكبيرة فقط، بإجابات أسئلة الكون، وبمساءلة الإجابات المعلبة للمنظومات الغالبة على أمر الناس، وربما الغالبة على أمره، وهل يسلمُ المرء من وضعٍ مثل هذا في أي مكان في العالم؟


ذلك المثقف الذي ينظر إلى الصحراء الشاسعة أمامه، بلا إجابة، وإلى السماء البعيدة عنه، بلا إجابة. غارقٌ في تأمل الغيب والغياهب، وينسى أن يلتفت قليلا للوراء، ليرى التراكم الشاسع لكل الإجابات الصغيرة التي استنكف أن يمكث فيها قليلا، وأن ينسجَ منها ما يكفي من الأقمصة الصغيرة لكل القادمين في هذا الطريق المعقد للثقافة، بكل ما فيه من علاقة مع الناس، والسلطة، والأقران، بكل ما فيه من صدام، وتنافسٍ، وتضادٍّ، وتماسٍّ مع السلطة والدين، مع أرزاق البشرِ وهناءتهم ورخائهم، مع حقوق التعبير والبحث العلمي، مع الفنِّ وقيمته، مع الغناء وأثره الصالح أو الطالح على فردٍ أو جيل. 

اضف التشوهين إلى بعضهما البعض، تظهر لك الصورة الكلية لمثقفٍ عاش بما يكفي من التجارب والحياة، يربأ بنفسه أن يذهب ليعيش بعض أيام النجاح الهادئة في مدينة خلفه بناها دون أن يدري من عرق الأيام، وحبر الأحلام التي تحققت، والرسائل التي وصلت، والقيمة التي تحققت. تشغله السماء والصحراء، وينسى كل الذي صنعه بيديه من أجل أحلام الغيوب، وتبقى إجابته المحزنة: الإجابة هي الموت!


لا أعرف إن كان الموت إجابةً أم سؤالا. ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أتطاول في الكتابة والكلام عن الذين يعيشون هذه المرحلة، لأنني لست فيها. قد تسمح لي التجربة التي عشتها أن أتحدث بأريحية عن المثقف العماني وهو في عصر النشأة والتكوين، والصعلكة، والاختلاف والفوارق بين جيلٍ وآخر، من الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أكون ملحدا) إلى الجيل الذي رفع شعار (يجب أن أذهب للصالة الرياضية وأحافظ على صحتي)، إلى الجيل الذي يقول (ما بال الجيلين الذين قبلي عاشا رفاهية لا نملكها) وهكذا دواليك كما ينبغي لرجل في الثالثة والأربعين يكتب وهو لم يبلغ أيام نجاحه الهادئة، تلك التي يحلم بها منذ سنين فقط لكي يجلس جلسة هادئة مثل هذه، في إجازة نادرةٍ من السعي المستمر، ليكتبَ قليلاً عن الثقافة، وتجربته التي عاشها، ويحاول قدر الإمكان أن يكون نافعاً غير متحيز، ويعرف أنه سيفشل في عدم التحيز، ويعرف أيضا أن نفعا ما سيحدث لأحد ما إن وصل إلى هذه السلسة من التشوهات المعرفية ونفعته في إعادة تعريف شيء صغير كان يظنه بديهيا من فرط ما هو يكرر من قبل الجميع.


هل هناك إجابات في هذه الحياة؟ نعم، الإجابة نعم،إجابات صغيرة كثيرة قد تكون عشرات في عمر ما، قد تكون مئات في عمر ما، قد تكون آلاف في يوم ما عندما يبني المثقف نموذجه الذهني وآلة عقله التحليلية، وفلاتره، ومجسّاته، وترابطه العضوي الاجتماعي، والأهم، صحته النفسية والعقلية التي تسمح له أن يرى ذاكرته، والعالم من زاوية خالية من الألم والصدمات. نعم، هذه كلها إجابات في هذه الحياة، إجابات شافية كافية يحتاج لها القادمون بعده في الطريق، الذين سيكملون الطريق حيث وصل له، الذين رصف له درب الإجابات، حتى تلك المبدئية منها، ليكملها جيل آخر، ولتكتمل تلك الرسالة الثقافية من منحنى التعلم في بلادٍ ما، لأنَّ جيلا قرر أن يخرجَ عن فكرة (الفرصة الواحدة، واللحظة الواحدة، والجيل الذهبي) إلى الجيل الذي يقبل أن الأمر قطارات متتالية، كلها لها سكانها الذين يعرفون ما يحدث في قادم الطريق من الذين سبقوهم فيه.


الإنسان ليس إجاباته، والإجابات ليست الإنسان. ما العلاقة بين الإنسان والإجابة لا يختلف الأمر عن اكتشافِ البكتيريا، أو البيان الشيوعي، أو بدء القانون الفرنسي بتكوين تراكمه المستمر. هذا هو الإنسان والإجابة، حزمةٌ من المعتقدات شبه الحتمية التي أصبحت جزءاً من حياته. وإجابات أخرى سائلة، كعلاقتنا مع الإنترنت، ومضار الدوبامين، والأكل المعلب، أيضا، هذه علاقات جميلة بين الإجابة والإنسان. 


قد يحلو لمثقف في العشرين أن يذهب فوراً إلى مجادلات فيزياء الكم، وما يحدث في صدامات الذكاء الصناعي. يذهب وفق نية التعلم، أو يذهب وفق نية الإجابة، وهناك حقا ليست صدمة غير متوقعة إحصائيا أن يعود بلا إجابة. هل هذا يعني أن الفلتات الإعجازية للعقول التي لديها القدرة المناسبة وتتوجها الفرصة المناسبة للانضمام إلى عصر مهندسي الذكاء الصناعي في عصرنا الحديث؟ يعودُ الأوَّل من بعثته حاملا إجابات الخطر على الخصوصيات، ومئات الإجابات الصغيرة عن الذي يحدث حقا في هذا العالم المتغير بشراسة، ويعود الآخر (بلا إجابة) عن مآل البشرية إن وصل الذكاء الصناعي إلى السيطرة عليها، أو إلى الخيال الرائج في الأفلام عندما تقرر الروبوتات بناء الروبوتات وبالتالي تعاقب الكوكب البشري على ما يفعله بكوكبه الجميل! 


هل هناك إجابة؟ يكمن التشوه المعرفي في السؤال نفسه. (إجابة) واحدة على كل شيء؟ وكأنه اختصار من اختصارات التعب أو الاكتئاب المستمر. هل هناك أكثر من إجابة؟ نعم، أكثر من إجابة، وربما على كل شيء عدا ذلك الحتمي الذي لا خلاف حوله، مثل شروق الشمس، وغروبها، ومثل علاقة الماء بالطين، وعلاقة الإنسان بحمضه النووي. هناك ما يجيب عليه المثقف في مسيرته، من أسئلة المجتمع، والسياسة، والدين، ما ينظر له نتيجة إجابة أصبح مؤمنا بها عن العلاقات بين الأجيال، وبين الناس، وبين السلطة والناس. الأمر يتعلق بجهة النظر إلى الشيء، إلى القادم الشاسع، والصحراء الفارغة البعيدة والمجهولة، والسماء المثيرة للتساؤل بكونها الذي لا يكاد البشر يفهمون منه إلا القليل. "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .. وأيضا "وما أوتيتم من الإجابات إلا قليلا". قليلان أليس كذلك في حياة كوكب الناس منذ نشأته، لكنها كثيرة جدا في حياة الشخص الواحد، هل هناك إجابات؟ نعم، هناك إجابات. هل هناك أسئلة؟ نعم، هناك أسئلة، وكون عددها أكثر من الإجابات التي تولتها، لا يعني إلغاء التي أجيب عليها. نحن كبشر لا نعيش لنسأل، ولنتساءل، نعيش لكي نجيب على أكبر قدر من الأسئلة التي نستطيع الإجابة عليها. هذه إحدى إجاباتي، التي أؤمن بها، ولعلك عزيزي القارئ تختلف معي. لقد قلت هذه (إجابتي) لم أقل هذه (الحقيقة) لأن كلمة (الحقيقة أيضا) تشوه معرفي أنيق وظريف، هي أيضا تؤخذ بجمعها لا مفردها، هي (الحقائق) وبهذا نتفق على حقيقتين، كل حسب زاوية نظره، حقيقة تقول أن الإجابة على سؤال الكون غير موجودة، وحقيقة تقول أن موقعا جغرافيا ما في مكان ما سيأخذ زمنا طويلا حتى يصل إلى ما يطمح إليه، في الحالتين كلانا لم نخل من صوابٍ ما، وكلانا وما توصلنا إليه لا يخلو أيضا من احتمالٍ ما بالخطأ. هل هناك إجابة؟ كلا ليست هناك إجابة، هناك إجابات عندما تصل إلى الأسئلة الصواب. وتذكر عزيزي القارئ، هذا ما أؤمن به، ليس ما أفرضه عليك كحقيقة غير قابلة للجدال.









الثلاثاء، 21 مارس 2023

مُعضلة المثقف رقيباً!

 

 

معاوية الرواحي

 

في مثل هذه المقالات العويصة، ونظرا لجسامة الموضوع، وتجاوزه حجمي الفكري، والمعرفي، والعلمي، لا بُدَّ من بادئة أقحمُ فيها عنوة اسم [جرامشي] وتعريفه للمثقف العضوي، وسأذهبُ مع الاقتباس للنهاية، وأتحول إلى أحدِ كُتابِ [قرأتُ لكم]، ويتحول المكتوب إلى صراعِ اقتباسات، وشروحاتٍ وسيكون مادة تثقيفية ظريفة للغاية، تُشبه البرامج التلفازية الثقافية والتي تغدق علينا كل ما قالَه المنظرون الكبار في عوالمهم المجردة والمنفصلة عن الواقع الذي أعيش به. يمكنني فعل ذلك، أو يمكنني المجازفة بمحاولةِ صناعةِ المعنى الضئيل الذي يشبهني، وفق حجمي، [وعلى قدِّي] كما يقول المصريون. سأتحدث بشكل عام عن المثقف الرقيب في العالم العربي، وتداعيات ذلك عليه، وعلى الثقافة، وعلى السلطة التي جعلته رقيبا.

 

من المثقف؟ لعل الشعرية هي الإجابة التي توصلُ المعنى، خارجَ المحاولات العقلية المضنية لإحاطة تلابيب مصطلح ما بتعريف مُحكم. هل سأقول: ذلك الذي يعرفُ أشياء الكلام والمعنى، ويتصرفُ على ضوء معارفه وخبراته في محيط تأثير؟

تعريفُ يتفق عليه الجميع شعرياً، وشعوريا، ويصلهم [معنى التعريف] أكثر مما يفتح لهم بابا للتخصيص. لعله هذا أفضل من لطمِ الكبار ببعضهم، والدخول في دوَّامة المثقف العضوي، والتخصصي، ومثقف السلطة، والمثقف الديني، وغيرها من الكلمات المتداولة في سياق المعنى الاجتماعي، وكما اتفقنا من قبل، الحديث في عالم المجرَّد الفلسفي أسهل بكثير من ربط كل هذه المعارف النظرية بالواقع، تفاعل المعارف مع الواقع عملية مغايرة للتفاعل معها في مكتبٍ مغلقٍ، أو في صندوقٍ ذهني يتفاعل مع الذات الفردية، هذا هو التحدي الجسيم الذي جعل مقدمة هذا المقال مقالا في حد ذاتِه.

سأشبه المعنى بالمادة الإشعاعية، مادة خام موجودة في الطبيعة. هذه المادة هي المعرفة البشرية المجردة والصافية والخالية من تدخل البشر، الكامنة في تراكم النفوس وسجلاتها الجينية، وسأشبه فعل الثقافة، بالمفاعل النووي بكل ما يتعلق به من مهنٍ مساندة. الجميع متفق على استخراجِ الطاقة، وأنَّ عملية آمنة ذات معايير وخطوات مدروسة يجب أن تحدث لكي تتحول في النهاية إلى تلك الطاقة. أين هو المثقف؟ هو كل من له علاقة بالتنظير لذهاب تلك الطاقة؟ كل من يعمل في المفاعل النووية ينحتُ فعلا ثقافيا، وما هي الثقافة؟ هي تلك الترددات التي تسبب النور في بيوت الناس، وهذا النور سأسميه الوعي، ولا فرقَ بين الوعي المفيد، أو الوعي الضار حسب تصنيفات عقودنا الاجتماعية، ستنير تلك الطاقة غرفةً لمجرمٍ يصنع المخدرات، وستنير غرفة عمليات في مستشفى، المعرفة البشرية التراكمية، ومرورها عبر مرشحات [فلاتر] العقول المثقفة تُشبه إلى حد كبير هذه العملية، ولا داعي لتفصيل التشبيه، إنني أريد به إيصال المعنى الذي في عقلي، وأظن أنه وصل لك عزيزي القارئ، ولا داعي أن نناقش التشبيه، ولنناقش المعنى.

المثقف صانع معنى. هذه الكلمة نضع تحتها ألف خط، فالمعنى أزلي وقديم، يسبغ عليه المثقف قيمته [واسمه] بقدر تأثيره في محيط البشر، وببصمته اللغوية، وأسلوبه الذي يشبه جيناتِ ما أنتجه من معنى. هو عادةً في السياق التنظيري ذهنٌ متفاعلٌ مع محيط الناس، سواءً هؤلاء الذين يلاحق بهم الخلود، ويتمنى أن يتأثروا به ويخلدوه، أو هؤلاء الذين يعيش معهم لحظتهم وأيامهم، ويريد منهم حضور محاضراته، وأمسياته، ومعارضه، وحفلاته، وندواتِه الدينية. ونعم، أضفت عامل الدين لفكرة [الثقافة] بشكلٍ عام، أفعل ذلك متعمدا لأنني أبقى ضمن سياق هذا التعريف، الذي أنحته لغرض اجتماعي في دولة عدد سكانها أقل من عشرة ملايين لم تتعدد بما يكفي لتتمايز مؤسساته الثقافية الضمنية فنصنع لكل حقلٍ ثقافيٍّ تعريفاته الخاصة بناء على توجهات الجمع المتفق ضمنيا على نداء غامض تلزمه به خصوصية معارفه واختياراته الفردية، وتأثرها بالاختيارات الجمعية.

 

ضمنَ تجليات هذه الظاهرة الثقافية الكبيرة، الأزلية، والبشرية، يظهر على الجانب مجموعةٌ من ضابطي الإيقاع الثقافي، وهؤلاء اتفق الجميع على تسميتهم [الرقيب]، وهذا هو نكدُ الدنيا على المرء، قد يكون نافعاً، ومفيدا، وصالحاً عندما يكتسب عمله الرقابية صفة البطولة، فيحمي المؤسسات من الفساد، ويحمي الناس من الخديعة والكذب، ويفند، ويقوم بدور الناقد، ويستخدم لائحة قانونية واضحة المعالم، ويضع في اعتبارِه أن تصرفه من تصرفات الضرورة، وهدفه الأوَّل والأخير هو الصالح الكبير للمجتمع الذي يعيش فيه. القوَّةُ/ السُلطة هي التي تُعطي الرقيب صلاحياته، والضمير، والمنهج النقدي الذي نُسجت به لوائح الرقابة، وقوانينها هي التي تحدد إن كان دور الرقيب لضبط إيقاع المعنى، والتأكد من إنتاجيته ونفعه، أو لقمع فئة دون أخرى، وحصر المسموح به ليكون ضمن الدعاية الكبيرة للسلطة، أو للفئة الدينية، أو لليسار الثقافي الليبرالي، أو للتيار المحافظ كما يحدث الآن في صراع العالم الغربي من أجل تحديد قيم الوجود والحقيقة وماهية حق الفرد، وحق الإنسان، وحق البشر ككل في الاختيار.

هذا هو الرقيب في تعريفه الكلاسيكي، ذلك الإنسان، الذي لديه لائحة يقوم بتطبيقها. يستخدم أدوات الرصد في كشفِ المعنى الذي خرجَ عن السياق الذي حددته السلطة ويتدخل بعدها حسبَ نوعية المجتمع الذي يعيش فيه، رقيب يكتفي بتعديل كلمة في جريدة، ورقيب يمنع أغنية من التداول، ورقيب في كوريا الشمالية يذهب بمقال به خطأ غير مقصود لينسف حياة كاتبه للأبد، مهنة ككل المهن في هذه الحياة مهمتها التأكد من موافقة المعنى للسلطة، هل يذهب الرقيب لما هو أبعد؟ نعم، ولعل نماذج مثل جوبلز في ألمانيا النازية تكفي لكي تقول لنا خطر الرقيب، عندما تُصبُّ كل الجهود الرقابية لطمس المعنى، وإفراغ المجتمع من قيمته، وصناعة مجتمع موجَّه بالقسر والمنع والقمع والإجبار بدلا من القيام بالدور الصعبِ وهو الجدال، والإقناع، والتأثير بالحجة، واستخدام العدسة الكبيرة لتوضيحِ أسباب السلطة لفعل ما تفعله.

ما يحدث لدينا في الدول العربية يكفي لكي نفهم أسباب ارتباط عمل الرقابة الضروري، بالسلطة وبالإكراه الذي يتعرض له المرء بمجردِ اضطراره للتعامل مع رقيب يشبه الآلة، وهذا هو أفضل الرقباء، والتعامل معهم أسهل، فهو يتبع لائحة، ويمكنك التعايش مع تلك اللائحة دون الحاجة إلى التعامل مع الرقيب شخصيا. يقول لك [هذه الجملة بها تعدٍ صريح على المؤسسة الدينية] فتقوم بتغيير الصياغة، وينشر مقالك في مجلةٍ ثقافية في دولة تغلِّب الثقافة الدينية على شيء آخر، والعكس صحيح عندما يكون التوجه العام ليبراليا، فيضطر إمام مسجدٍ لتغيير مقطع من خطبته لكي يتمكن من إلقائها للحصول على التصريح المناسب، هذه أمثلة عامَّة عن الرقيب كفعل سابق.

 

تبدع الدول العربية في مفهوم الرقابة، وعلى صعيد المعنى [الثقافة] وشؤونها، وأشيائها الكثيرة هناك خلط طبيعي جدا بين مفهوم [السلطة] ومفهوم [الرقابة]، فالرقيب ليس سلطةً، ولكنه يحدثُ أحياناً أن يلبس ملابس السلطة، ويتشبه بها حتى يتحوَّل إلى غولٍ يحارب المعاني في عقول الآخرين. هذا هو المثقف الرقيب الأكثر خطرا على الحرية، والأكثر تحييدا للثقافة، والأكثر تسبيبا للمشاكلِ للسلطة التي يريد من الأساس خدمتها.

عندما تكون النظرية الرقابية واضحة المعالم، ولا سيما في الدول العربية، تتحول الثقافة النقدية والتحليلية من كيانٍ معارض للسلطة، ومحرض للناس إلى كيانٍ يشمل الجميع. الرقيب النافع يتبع القانون، وهذا الأخير [القانون] هو موضوع حضاري بحت، لا توجد أمَّة بدون قوانين، تطبيق القانون موضوع حضاري، وتغييره هذا أيضا موضوع حضاري، واجتماعي، وأنت وحظك في الحالة الجغرافية التي تعيش فيها، برلمانية، أم دكتاتورية، أم دولة العادل المستبد، أم دولة من الفوضى وصراع الأحزاب، أو ما هو أسوأ في دولةٍ تفتك بها الصراعات المسلحة ويسيل الدماءُ في شوارعِها.

نأتي الآن إلى صديقنا الإشكالي. [المثقف الرقيب]. قبل أن يصبح المثقف رقيبا نتذكرُ أنَّه كان جزءا من الفريق المقابل، من صنَّاع المعنى، والمشتغلين عليه، جزء من الحركة الثقافية التي تسعى دائما إلى أنسنة الطموحات، وهي بالفطرة نازعة للشؤون الكبيرة في الفكر، على رأس الهرم مجموعة المنظرين والفلاسفة، ويأتي بعدهم النقاد والأكاديميون، ثم تأتي باقي موجودات الثقافة [وموجوديها]، كالشعراء والكتاب والأدباء والعازفين ورسامي الكاركتير والكوميديين والمسرحيين، وفي الأخير يأتي الموجود الأهم لكل هذا الجهد الثقافي وهو المتلقي. على جانب هذا المفهوم الكبير [الثقافة كمعنى] نستطيع أن نشقَّ نموذجين منافسين، يحاولان استحواذ المعنى بفطرة النموذج. السُلطة كقوَّة مهيمنة، والدين كعاملٍ مسيطر، هُنا تختلف الدول كلها في تمازج هذه النماذج ولكنها لا تختلفُ في أن طريقة وصفها واحدة، ومن هنا تُنحت كلمة [مثقف ديني] أو كلمة [مثقف سلطة] وكلنا نعرفُ معنى ذلك، هل نستطيع كلنا كتابة آرائنا بسلاسة ويسرٍ تقبله النخبة الثقافية؟ لا نستطيع ذلك كلنا، ولكننا كبشر يحق لنا أن نحاول.

يصنع المثقف الرقيب معناه في عالمِ الثقافة، يشتغل بمهاراتٍ مرتبطة بالمعنى، وصياغته، وتحليله، والتنظير له، وقد يكون ظاهرة علمية، أو اجتماعية مؤثرة، كيف يمكن للسلطة أن تجتبي مثقفاً وتأمن جانبه إن لم يكن من الأساس صاحب قيمة في حقلِه الذي يعملُ فيه. هُنا نصلُ إلى الحالة النهائيةِ التي يتوقف فيها المثقفُ عن نموه وتطوره، نماذجُ قليلة تتحول إلى طاقة تنويرية في جسد السلطة، تصنعُ لها المزيد من القبول، والإقناع، تتسابق لتطبيق القيم الثقافية [قيم المعنى] وتعطي خطاب السلطة معنى [إنسانيا] واجتماعيا وفكريا، وهذا ما يحدثُ في استثناءات نادرة يواصل فيها الرقيب رسالته الثقافية ويحاول فعل العسير بالتوفيق بين رؤاه المستنيرة والسلطة التي هي عبارة عن مجموعة مغايرة من المعاني والتي لا تخلو من الخوف، والريبة وقد يصل بها الحال للقمع، والإخراس، والإسكات وفي حالة بعض الدول [سيبيريا] ثقافية، والنفي. المثقف الرقيب لم يصنع نفسَه في دوائر السلطة، وإنما حافظ على [حبله السري] فهو ينمو في محيط، ويستمدُّ قيمه السلطوية والرقابية في محيطٍ آخر، ولذلك لا عجبَ مُطلقا أن يكون الرقيب القادمِ من عالم الثقافة أشد خطراً على الإبداع والثقافة من ذلك الرقيب النافع، والذي يطبق لائحةً وقانونا ويقول لك دائما: الأمر غير شخصي!

لماذا يتدهور حال المثقف عندما يصبح رقيبا؟ ماذا نتوقع من الذي يخسرُ معناه؟ ويتحول إلى صنم جافٍّ، ويكونُ من الأساس أكثر حماسة لكي يثبت موقعه من السُلطة. آخر من يعترف بالمثقف الرقيب، هو المثقف نفسه، فهذا [الزميل] السابق له قد أصبح اليوم تحت سلطته وسطوته، والمثقف بطبيعته صاحبُ رأي، وهذا هو الخطرُ في مهنة الرقابة بشكل عام، سواء كان رقيبا أكاديميا يحدد من يحصل على رسالة الدكتوراة أو لا، كرئيس قسمٍ لمنظومة أكاديمية متأثرة بالسلطة، أو كان في أي موقعٍ آخر، صاحب الرأي هذا هو أشد ضررا على مهنة الرقابة، وهو عالم تهييجٍ كبير لكل من يؤمن بحريته أو على الأقل بحقه القانوني في رأيه.

يغالي المثقف الرقيب في الشخصنة؟ لأن الأمر من الأساس متعلق بالمعنى الذي فقدَه، ولذلك تراهُ يجمع حوله كل من يمكن أن [يُجنَّد] في أجندته، إنسانٌ فقد معناه، وتحول إلى لائحة ولكنه بعد أن تبادل الأماكن وأصبح يعيشُ في الوسط الذي كان يربطه [حبل سري]، تتغير أحواله ويتوق إلى الاتصال [بحبله العلني] فلا تعجب أن ترى رئيس تحرير جريدة السلطة الأولى وهو يحضر حفلا غنائيا ومسدسه معلقٌ بجانبه، يحضره ببزته العسكرية ويصفق لمطربةٍ محبوبة من قبل الشعب وكل من حولَه يشيد بتواضعه، وطيبته ويشكره شكرا كبيرا لأنه: لم يقتل أحدا تلك الليلة!

هذه هي الحالة التي يضطر المثقف الرقيب للتعايش معها. مع مضي الوقت، يفقد معناه الرئيسي، ويتجمَّد وتقل فرصه للعودة لحياتِه السابقة، ويخسر المجتمع عقلا فّذا قد يكون من أبرز العقول إنتاجا وتأثيرا قبل أن يدخل في هذه الحالة من الوجود في الرحمِ الأمِّ الذي ترعرع فيه. هُنا تأتي اللوثات الكبيرة للرقيب المثقف؟

ماذا يحدث لك إن تحولت إلى رقيب مثقف؟

 

قد يفقد المثقف معناه، لكنه لا يفقد حماسته، وذلك المثقف الذي أصبح رقيبا لم يفقد معناه كليا، لكن حماسته أصبحت الآن مدعومة من سلطةٍ قادرةٍ على حشد الأتباع، فضلا عن وجود ظهر شعبي واجتماعي جاهز للفتك بمن يعارضها علنا. تتفاوت السلطات في السماح بالرأي المخالف لها في الوجود، وقد تكون السلطة أكثر تساهلا من المثقف الرقيب الذي يعرف نهايات هذه الحماسة، والتي بترت السلطة نهايتها الكلاسيكية وحولتها إلى قطعةٍ قوية من الخشب، قادرة على تحطيم القوارب الصغيرة، وتحييدها.

يتمسك المثقف الرقيب بسلطاته بهوسٍ وبجنون، وعندما يلاحظُ تراجع تأثيره الشخصي، والاجتماعي يقف حائرا، ويتساءل؟ لماذا ينقلب أصدقاؤه عليه؟ وما هو المستفز [في السلطة] بالتحديد؟ وهُنا يبدأ بصياغة الأوهام واحدا تلو الآخر. كل من ينتقده يحسده، وكل من لا يرضى عن عمله هو في الحقيقة يتحدى السلطة، وقليل من المثقفين الرقباء تجاوزوا هذه اللوثة النفسية والتي يعلمُ الجميع عنها، ويلاحظها إلا صاحبها الذي "وإن خالها تخفى عن الناس تُعلمِ" ذلك الإنسان النوراني، المستنير، المتنور الذي يبث طاقة الأفكار، والمعاني، وحماسة النقد، وقوة المنطق يفقد كل يومٍ غذاءَه الذي كان في محيطه السابق، يعيشُ في بيئة جديدة تمدُّه بغذاء مختلف، من الطاعة، والخضوع، ويدركُ كم كان بخير في محيطه السابق، وهُنا يمدُّ حباله العلنية، يبحث عن الحلفاء، ويبحث عن الأتباع ويحاول إطالة الأمد الذي يبقيه بأنسجته السابقة، ويتواطأ معه البعض الذي يشبهه، والذي ربما تكون لديه حبالٌ سريةٌ مشابهة، ولا يستبعد أن يكون منافسا، أو مشروعا للإطاحة به. المثقف الرقيب يعلم جيدا خطورة الدخول في عالم السلطة، والسلطة نفسها تعلمُ كيف تسيطر على أتباعها وتصنع الصراعات بينهم، فوجود سلطة متفقة في حزب واحد خطر على السلطة.

هذا السلوكُ للمثقف الرقيب يتحول إلى المأساة الدائمة. العقل النبيه، الفذ الذي يُراهن عليه الجميع يتحول إلى كتلةٍ بغيضٍ من العفن، والحسد، والحقد، وعندما تُكمل السلطات بذكاء وعندما تُكمل السلطات بدهاء إفقاده معناه لا يعود معه سوى التعلق بطريقتها في العمل، لا غرابةَ أن ترى المثقف الرقيب يبرر للموت، وللقتل، ويخفي أنباء المجازر الجماعية، سيفعل ذلك لأنه يتحول كل يوم إلى [آلةٍ] وخوارزمية، ومجموعة من النصوص ذات الشروطُ الكثيرة، والمعايير الواضحة. على صعيده الشخصي كمثقف يخسر كل يوم عودتَه، وفي حالة المثقف الرقيب في الدول العربية يصنع حالة من الغل والكراهية تجاه السلطة نفسها، فهو لا يعمل وفق مصلحة السلطة، والتي تقتضي جانبا إنسانا وحفاظا معقولا على الحريات، العامل الشخصي حاضر، فذلك الوسط الذي أصبح يقمعه ويتدخل فيه هو [وسطه الشخصي]، وهُنا تأتي ألاعبي النفس البشرية لتكمل مسار المثقف الرقيب.

يتوهم المثقف الرقيب أن له عودةً كبيرة للوسط الذي نشأ فيه، وهذا قد يحدثُ للرقيب الذي يتولى رئاسة قسمٍ في جامعة من جامعات السلطة، أو رئيس تحرير لجريدة الحزب الحاكم، أربع سنين ثم يعود. لن يعود كمشروع يراهن عليه الوسط الثقافي من أجل التغيير للأحسن، سيعود لكي يعاود نشأته السابقة، تليفت أنسجته بعض الشيء، لكنه قادر على حماية ما تبقى منها بوجوده مع جماعته الأولى، وهُنا ينجو، وتراه ناقدا ينشر الكتب، وينظِّرُ ويا للعجب! قد يكون مثقفا منتجاً عرفَ ما في داخل السلطة، وعرف ما في خارجِها وأصبح يتعايشُ مع ماهية دوره السابق، المثقف الرقيب سابقاً يعود إلى حالةٍ منتجة بشكل جيد للغاية، ما لم تتليف جميع أنسجته ويعود لعالمِه السابق مثل [الزومبي] الذي لم يتبق له من الحياة في المعنى سوى الجسد، والإناء، وقليل من التاريخ الذي حاول الحفاظ عليه، هل تتخيل عودةَ رقيب مثقفٍ لعالم الثقافة بعد أن قضى عشر سنوات في تمجيد مجازر السلطة؟ وإخفائها؟ والتبليغ على كل إنسان قال بعفوية تامَّة: أرجو أن يتوقف القتلُ في بلادي!

أين ذهب هذا الذي قال ذلك؟ ذهب في زنزانة بيد المثقف الرقيب لأن الحقيقة [الأكذوبة] التي يدافع عنها هي: لا يوجد قتل ولا مجازر في بلادنا! هذا عدو للوطن! وتكمل جوقة المتواطئين، والممالئين، والإمَّعات التصفيق لحقائق الوطن الغفور، والقائد الهمام الذي لا مجازر جماعية في شوارع عاصمته، ولم تتفتت بلادُه باحتلال أجنبي، أو بعمالة للخارج، أو بفقدان تام للشراعية، المثقف الرقيب يجيد العمل في هذه الظروف، وهو وحظَّه، هل هو في دولةٍ تسفك الدماء، أم في دولة تنسف أعمار العقول من أجل العقل الجمعي الكبير؟

 

معضلة المثقف الرقيب هي معضلة عربية بامتياز. وهو الخطأ الدائم الذي تقع فيه السلطات. الرقابة شرٌّ لا بدَّ منه بالنسبة لجانب الثقافة، ولكن بالنسبة لجانب السلطة فالثقافة هي شرٌّ لا بُدَّ منه. والحلُ الوحيد لهذا التوازن هو القانون المُنصف الخالي من المناطق الرمادية، ذلك الذي يعطي لكل ذي حق حقَّه، ويقوده حبذا [الرقيب المثقف]، لا المثقف الرقيب، وثمة فارق بين الأمرين.

المثقف الرقيب يتحول من الثقافة إلى الرقابة، فيصبح كابوسا نرجسيا منافساً لوسطه السابق وقامعا له، وهذا بالذات لا ينفع السلطة في شيء ويجلب لها البغضاء والكراهية ويجعل محيط الثقافة كارها للسلطة، محاربا لها، والثقافة في كل مكان لها فطرةُ تحدي السلطات. الرقيبُ المثقف حالةٌ مغايرة، هذا موظف بيروقراطي لا علاقة له بالتنظير الكبير، يتحول مع الوقت من كائن آلي، يعيش في قلب السلطة من البداية، لم يلبس ملابس الثقافة، ولم يتزين بأناقتها الخارجية، يستمد المعنى من اتصاله بحقل المعنى، ومع الوقت يصبحُ هو الرقيب الذي يحبُّه الناس، وتتصالح معه الثقافة.

النماذج على ذلك كثيرة في العالم العربي، ويتعايشُ المثقفون مع هذا الرقيب البيروقراطي حسبَ مرونة اللائحة والقانون الذي يشتغل فيه، وتجده يتسابقُ لإثباتِ نفسه، ولخدمة السلطة، ولتحويل السلطة لخدمة الناس، وبالتالي يعود بالشعبية والإقناع للسلطة نفسها. هذا ما يحدث عندما تحدث عملية الانتقال من [الرقابة] إلى [الثقافة]. والنماذج كثيرة وهائلة في العالم العربي تحديدا، كما هي النماذج المزرية والمؤسفة لما آل إليها حال مثقفون كبار بعد أن تورطوا في عالم السلطة.

المثقف ليس ظاهرة سلطوية، ومن ذكاء السلطة أنَّها رغم جمودِه وقسوتها تحاول دائما أن تكسب الناس. لا تمانع بعض السلطات أن ترسل الجنود لقتل الناس في الشارع، إن استولى على البلاد حزب دموي يمارس التطهير العرقي، هذه السلطات محكومٌ عليها بالاستمرار تحت وطأة الحروب، والصراعات، والانقسامات، والشقاق، وهذه هي مسيرة الدم في أي مجتمع.

السلطةُ التي تعيش هدوءا سياسيا تسعى لكسب الناس، إن استشرى فيها الفساد وساءت أحوال المجتمع الذي تدير شؤونه، يستبد المثقف في إخفاء هذه الحقيقة، وإن تحسن وضعها فإنَّ المثقف الرقيب يتحول إلى حالةٍ معاكسة من حالات المصلحة السياسية، فبينما السلطة تعاود مد يدي السلام للمجتمع، وبالذات للثقافة، يبقى هو في حالةِ ذعرٍ كأي إنسان فقد معناه، وتبدأ تصرفاته [الشخصية] النابعة من نرجسيته، وذاتيته بجلب الأذى للسلطة، وبإيقاع الفتن بينها وبين الثقافة، هُنا يضمن أنه ضغط على السلطة بما يكفي لكي لا يفقد مكانه، وسلطته، وضغط على الثقافة بما يكفي ليضمن لنفسه عودةً تشبه سلطته السابقة، مع مجموعة من مشاريع المثقفين الرقباء، على الأقل سيحافظ على الوجاهة الاجتماعية بمجلس أدبي، أو بمجموعة من النقاد الذين سيؤلفون الكتب عن النظرية الرقابية التي مضى عليها والتي أخرجت الكون من الظلمات للنور، وكما أوردنا أعلاه، هو وحظه، هل يعود لعالم الثقافة متليفا، بلا نسيج حياة ليعيش منبوذا، ويبقى طوال عمره لصيقا بالسلطة التي ستحميه، وتحافظ عليه، لتطمئن البقية الذين مضوا في طريقها أنها لن تتخلى عنهم، وفي الوقت نفسه هي جاهزةٌ للفتك فهم إن أصابتهم لوثة فقدان السلطة، وتحركوا ضدها، وهذا سياق آخر مغاير ضمن نهايات أي سلطوي.

المثقف لا يصلح لدور الرقابة، والأعباء التي يسببها على المجتمع، والثقافة، والسلطة تجعل الأمر غير منطقي. وهذا المثقف نفسه عليه أن يعي ذلك جيدا، فله دور نافع في المجتمع، وقد يكون رسالةَ وعي، وسلام وعليه أن يسعى جاهدا إلى النأي بنفسه عن دور الرقيب. وجود مهنة الرقابة المنضبطة تصنع نهايات أجمل، ذلك الرقيب الذي أصبح شاعراً، أو مبدعا، أو كاتباً، هذه نهاية تنفع السلطة أفضل من مثقف يشيع البغضاء والفتن ويكون عمله منصبا على تدمير وسطه السابق، هذه اللوثة أقوى من أي إنسان، هي لوثة السلطة الفلسفية، وبينما يعلم قادة السلطة هذه الحقيقة، ويحافظون على ملمح إنساني، وعلى [المعنى] في طيّات وجودهم، ينفق المثقف الرقيب معناه، وينثره بجنون، وإسراف، كسادنٍ وككاهنٍ للسلطة، حتى نصل لتلك النهايات المريرة، لإنسان تحول إلى صنم ذهب إلى السلطة مليئا بالنور، وعاد منها مثل الفرعون المحنط، فلا هو بخلود الفعل الحسن، ولا هو بالثقة الثقافية، ولا هو بأي شيء سوى تلك الحالة من البغضاء التي حولته إلى رمز من رموز الخذلان، والكراهية والفشل الذريع في تطبيق أي رسالة ثقافية كان يحملها قبل أن يدخل عالم السلطة.

 

في الختام، معظم هذا السرد ينطبق على الدول العربية، وما يشبهها من دولٍ توصف [بالنامية] والتي يقود التنظير الفلسفي لشؤونها السياسة والاجتماعية نظريات خارجية. وجود المثقف الرقيب معيقٌ لصناعة الحالة المحليَّة للتنظير الفلسفي، ونعيش في عالم يستخفُّ بدور الأفكار في المجتمع، والمثقف الرقيب يعي ذلك جيدا. وقد تكون السلطة هي التي تريد ذلك، وقد تكون السلطة غير مهتمة من الأساس، تستخدم التفويض والثقة، ليأتي هذا المثقف الذي أصبح رقيبا، والذي إن دخل لساحة الثقافة أفسدها، وعاث فيها خرابا ينوح على خسارة معناه، وكل يوم يمضي يصعب عليه استعادته.

في رأيي، الرقيب الذي يتحول إلى حقل الثقافة، ويكتسب من فنون المعنى هو حالة صحية أفضل، وبغض النظر عن التسميات المتداولة [كالتنكنوقراط] وغيرها من المسميات الأنيقة، أظنُّ أن أخطر شيء يمكن أن يصاب به أي مثقف كان هو أن يتحول إلى رقيب، فلا هو بمعناه، ولا هو بنفعه للسلطة، ولا هو حتى بنموه الشخصي المعرفي، وكم خسرت الساحة الثقافية من عقول فذَّة لأنها ظنت أنها ستجمع المستحيلين جمعاً، الثقافة كفعل اجتماعي، والسلطة كفعلٍ فلسفي. عسى أن نرى الرقيب يتحول إلى مثقف في المنطقة العربية بدلا من المثقف الذي يتفانى ويجن جنونه ليتحول إلى رقيب. انتهى.

الثلاثاء، 14 مارس 2023

ولكنك لست ماركيز يا عزيزي!

 

 

 

عند الحديث عن الثقافة والإبداع يتفقُ الجميعُ بشكلٍ ما أو بآخر على أهميتها للفرد، لأي فردٍ في الحياةِ وفي التاريخ، منذ عصر الفراعنةِ، وثقافة الزراعة، والتعامل مع سلطة الفرعون، إلى ثقافةِ العصر الحديث، والتعايش مع القرية الصغيرة. الجميعُ متفقٌ على أنَّ الفردَ يحتاجُ إلى ثقافةٍ ما، وقد يغالي البعض في مدح [فرِّيخته] كما يقول المثلُ العماني. يبالغُ البعضُ في التباهي بسطوة ثقافةٍ على أخرى، هذا يمدح الثقافة السياسة، والتاريخية، وأنظمة الحكم والقانون، والديمقراطيات، والعقد الاجتماعي، وذلك ينسب حراكَ العالم والتاريخ للشعر، والشعراء، والمجاز، واللغة، والاستعارات، والبلاغة، تلكَ تؤنِّث كل شيء في التاريخ وما لم يحمل التاء المربوطة أو نون النسوة فهو مرفوض، وأولئك مفتتنون بمرجعيتهم الدينية أو المذهبية. هذه المعرفة الجمعية، المتراكمة، والمكتسبة، والمتبادلة بين الجمع المؤثر والفرد التابع، أو الفرد الفارق مع الجمع التابع وغيرها من أشكال التبادل متفقٌ عليها، لا يكادُ ينكر أهميتها أحد.

عندما تدخل كلمة [عُمان] في جدال فهم الثقافة، تتغير الأشياء جذريا. لسببٍ ما تحمل كلمة الثقافة في عُمان عدة معاني إشكالية، بعضها بسبب الصورة النمطية غير المتعمقة التي تُمضغُ في الأوساطِ الاجتماعية، وقليلٌ منها موجهٌ بفعلِ فاعلٍ يعي ما يفعله. الثقافةُ بالنسبةِ للبعض هي ذلك الشعرُ، والأدبُ، والسردُ، وكثير من الكتابات التاريخية، وبعض الدواوين الكلاسيكية. فريقٌ آخرُ يراها ذلك الجان جاك روسو، والنيتشة، والإمبرتو إيكو، وأدباء عصر التنوير، وقليل من دان براون وكثير من الأفلام الفرنسية والإيطالية، وعند البعضِ هي ذلك التابع اللصيق بحركة المؤسسات الدينية، فهي [ذلك النص الذي لا يخالف الشريعة]، ومعَ طائفة غير قليلة من الكتَّاب، هي ذلك المشروعُ الوليدُ الذي يعيش إجهاضات متتالية، وهكذا دواليك، لا أحد يتفق على تعريف الثقافةِ في عُمان، وحتى ذلك التعريف الإنساني الشامل الذي يكفي للفهم يقفُ حائراً أمامَ شخصٍ واحدٍ كان يتحدث بوضوح، وأريحية وما أن تدخل صفة المحليِّ في السياق إلا ونجده قد تناثر خطابُه بين القبائل والفئات والجهات، ووضعَ مجموعة قاسيةً من الشروط كلها تلفُّ وتدور حول: هل هُناك حركة ثقافية من الأساس!

يلجأ عقل الفرد للأحكام القاسية عندما لا يوافق الواقع طموحه الكبير. وقبل أن يكون المرء مُنتجاً في حقل الثقافة لا بدَّ أن يكون وقد مرَّ على مجموعة الصدمات التي يعيشها كل من هو في بدايته. لا يوجد مثيل لماركيز في عُمان، وقس على ذلك، لا مثيل لنيتشة، ولا مثيل لبورخيس، ولا مثيل يمكن أن نطلق عليه [محمد عابد الجابري عُمان]. حقيقةٌ مؤسفةٌ، ولكنها حقيقة، من هذا الذي سيجد الاكتفاءَ التام ويبقى للأبد في محيط المتوفر العُماني من نتاجات المعرفة! يتجنب البعض سرد هذه الحقيقة المُرَّة، لكنه لا يتجنب أن يعترف بها ضمنيا. هل سينبذ قارئ في بداية عمره الذهني سارتر لكي يتتبع مقالات الكاتب فلان، بما في ذلك كاتب هذه السطور؟ قطعا لا، وإن فعل فهو موعودٌ باليوم الذي يكتشف فيه شُحَّ النتاج مقارنة بالعالم، وبالأوساط الثقافية الأخرى، وسيصدمه كيف لدولة قليلة السكَّان، قليلة الأدباء، حتى هذه اللحظة لا نظامَ واضح لتفريغ المفكرين، والنقاد، والكتاب، والأدباء، والعازفين، والرسامين، وغيرهم للعمل الإبداعي، كيف يمكن لدولةٍ مثل هذه أن تقدمَ لها منافسين كباراً للكتاب العالميين. حقيقةٌ أخرى من حقائق الثقافة في عُمان، ومجتمعا ضئيل العدد، كبير التأثير، مهدد الإنتاج بسبب ظروف الحياة وملابساتها.

يتفق المثقفون في عُمان على أهمية الثقافة، هذا حتى ينزلُ النقاشُ من عالمِ الفكرة إلى عالمِ الحدث. هُنا يُرفع شعار [لا شيء يعجبني]، ولستُ بصدد اعتبار ذلك خطئا، وأيضا، لست بصدد اعتبار ذلك صوابا. لا شيء يعجبني! أين المسرح؟ قليل وشحيح، أين الموسيقا؟ إلا دار الأوبرا، وقليل من شركات الإنتاج ينحصر النتاج الموسيقي في تجارب الهواة، والكثير من الأغاني الوطنية! عدد الروايات التي خرجت من الحدود ووصلت إلى الجوائز العربية الكبرى قليل جدا، يأخذ من القارئ البطيء أقل من شهرين لكي يلتهم كافة الأعمال الكُبرى في عُمان، وبعدها؟ هل يمكن أن نسمي حراكا سرديا، أو أدبيا، أو شعريا، بالكافي وقارئ واحدٌ سيأخذ أقل من ستة أشهر لكي يمرَّ على هذا النتاج؟ فلأقل سنة، هذا إن قرر قارئ أن يتفرغ للإبداع العُماني. يتفق المثقفون في عمان على أهمية الثقافة، وبعد النزول من الحدثِ إلى الشخوص هُنا يختلف الحديث، كأي وسط ثقافي في العالم، كل شيء مبني على الاختلاف. حتى هؤلاء الذين لا يشخصنون في علاقتهم مع الآخرين في الحقل نفسه، لا يتفقون مع أحد، وظاهرة الشللية في الوسط الثقافي صُرفَت فيها ليترات من الحبر عالي الجودة حتى أصبح الحديث عنها ضربا من ضروب التشكي والتفجّع وتضييع الوقت.

 

المثقف محليٌّ عندما يتعلق الأمر بقيمته الاجتماعية، وعندما يتعلق الأمر بتأثيره في مجتمعه، وعلاقته مع الوسط الثقافي، وما يظنه [سهولة الوصول إلى الوسط] ونعم هذا حقيقي، ليس من الصعب على أي إنسان أن يدخل هذا الوسط الثقافي غير المنظم، غير المتفق، والذي تعرض لما تعرض له من سحقٍ وتحييدٌ ممنهجين، أن يشقَّ المرء طريقَه في هذا الوسط هذا شيء، أما أن يشقَّ طريقَه الخاص، ويحاول البحث عن صوتِه الخاص، وتفرده فهُنا تأتي قصة الحياة التي تخوضها مئات العقول ولا ينجو منها كل عشر سنوات سوى عدد قليل جدا من أولي العزم من المثقفين في عمان، لم نتجاوز حتى هذه اللحظة فكرة الجدوى، وسؤال [لماذا!]، وأيضا، أنفقت ليترات لا بأس بها من الحبر متوسط الجودة في التحسر على سبب غياب تأثير المثقف، فضلا عن دور الرقيبِ في جعل التعبير عن الرؤى الثقافية مجازفة غير محسوبة، وهذا الرقيب متعدد الأدوار، والطوائف، والجهات، وعدده كبير جداً وله مدرسةٌ غازية احتلَّت عقول الكثيرين حتى عمَّ الخلطُ السرطاني بين ماهية النقد، والرقابة ومصادرة العقول وحق الإنسان في تكوين رأيه الخاص! ردات الفعل على مدِّ اليسار العالمي الجديد تكفي لكي توضحَ لنا ماهية الخلط الكبير في عُمان بين النقد والرقابة! ولهذا مأساة أخرى.

 

بعد كل هذا السرد الوصفي، من عساه سيؤمن بحركة الثقافة العُمانية؟ يأتي البعضُ بكل حماسةٍ ويقول [الثقافة بحاجة إلى دعم]، وهذا صحيح نسبيا، ولكن أي دعم بالضبط؟ ذلك المتمثل في السباق على تذاكر سفر لندوة خارج عُمان، أو للرياسةِ على جموع المثقفين؟ أي نوع من الدعم بالتحدث نتحدث عنه؟ لا سوق للصناعات الإبداعية، ولا حركة واضحة تدفعُ للاستمرار في شؤون صناعة النص، والصورة، والفنون التشكيلية وغير ذلك، هذا صنعَ فئةً قليلةً توافقت مع التوجه الرسمي، واكتفت بالبقاء في دائرة البقاء، الصراعُ الكبير للعقل الفرد في عمان، أين يولي وجهه وأين يذهب؟ هذه هي معضلة المثقف الفرد في عمان، وأسئلته المتعلقة بالجماعة الكبيرة للثقافة، وارتباطه بها بشكل ما أو بآخر، ارتباط متصلٌ من حيث التعريف، ومنفصل من حيث السلوك.

 

شاءت الظروف أن توفِّر ظروفاً جيدةً للفردِ ليشق طريقه بمفرده، كل هذا السرد المأساوي أعلاه لم يفرز ظروفاً ثقافية سيئة للمثقف الفرد، والثقافة ظاهرة فردية تبدأ مشاكلها دائما بعد أن تتحول إلى جماعات، واصطفاف، وأفراد فارقون لا ينجو كثيرٌ منهم من صراع الصفائح التكتونية في المجتمع العُماني، وفي الدولة العُمانية بشكل عام، لعل المواجهات مع السلطة وما آلت إليه قد أثبتت خطورةَ ذلك على المثقف الفرد بشكل عام، ولا سيما هذا المشاغب الذي يريد التغيير، أو الذي يرفعُ راية [الحقيقة أولا]. المثقف السياسي، والناقد التاريخي، وناقد شؤون المجتمع من أكثر المسارات مأساوية وصعوبة في عُمان، أما هذا المبدع، أو الشاعر، وغيرها من فنون الإبداع، فالخيار المطروح هو أن يكون رومانسيا، وأن يكمل حياته في بركة اللازورد، هذا هو الخيار الآمنُ. مع ذلك، هل كل ذلك مأساوي؟ ليس مأساويا على الإطلاق، مثل هذه الظروف ملائمة جداً ليصقل المثقف الشاب في مقتبل العُمر ذهنَه، وقلمَه، أو ريشته، أو آلته الموسيقية ليدخل تحديات التأسيس، وأي مهمةٍ ثقافيةٍ أجمل من المشي في ورقة شبه بيضاء!

مثل هذه القرارات بحاجة لحسم! ما الذي يختاره المثقفُ لنفسه! أن يكون محلياً، يتحرك في محيطه الاجتماعي، ويؤسس قدر الإمكان لحركة ثقافية متنوعة، متصالحة مع حقيقة اختلاف الانتماءات، وتشملُ الجميع، أم يذهبُ مبكرا إلى سعيه بأن يكون [عالميا] أو في خطاب آخر [كونيا، تاريخيا] ويلاحق الخلود. إن إسبابا كثيرةً منعت وجود مثيل لماركيز في عُمان، فماركيز ليس ظاهرة جينية فحسب، هُناك منظومة كاملة سمحت له بأن يكون ماركيز، ولعل المنظومة نفسها التي أخرجت ماركيز من حدود كولومبيا هي نفسها التي نسفت، وقمعت، ودفنت عشرات [الماركيزات] الذين لم يتمكنوا من النجاة من ظروف الحياة المريرة.

الحديث عن الثقافة في عُمان لا يخلو من جلدِ الذات، ولا سيما من ناحية الثقافة الحداثية قليلة العدد، قوية التأثير. تعددت الأوساط الثقافية في عُمان، ولا تكاد تجد حبال وصلٍ بينها، الأقوى في المعادلة هي الثقافة المنبثقة من الهوية الدينية، ثمَّ تلك المرتبطة بالاشتراطات الرسمية، وأخيراً تلك [البؤرية] التي تتوزع في بؤرة ناشئة تتوزع على أرجاء عُمان كافَّة. جيلٌ مضى بما له وعليه، وجيل يأتي بما له وعليه، له اختيارات البدايات، وقراءة دروس الأجيال الماضية، وعليه ما عليه من غياب التجربة. هي كلمة شائعة في أوساط الثقافة في عمان: لا أقرأ لكتاب عُمانيين! لماذا لا تقرأ لكاتب عُماني: لأنه ليس ماركيز!

حكاية الثقافة في عُمان امتداد للواقع العماني الكبير، وبداية التأسيس العمودي للفكر، وللثقافة في عمان. [تنمية] بكل بساطة! وتختلف نظريات كل إنسانٍ في تحديد المقاربة المُثلى لهذه التنمية. يظنُّ البعضُ أن الثقافةَ زينةٌ جانبية للمنظومة العُمانية الكبيرة، يفعلُ ذلك حتى يجدُّ الجدُّ وتظهر قيمة التنظير، والنقد الفكري، وتظهر قيمة رفع سقف الجدال بين الفئات الفكرية، والأهم التعايش مع سقفٍ عالٍ لتعبير الفرد بشكل عام، والمثقف بشكل خاص عن آرائه الثقافية في محيط أساسه الاحترام والوعي والمهنية. من السهل أن يشطح إنسان فيقول: لكنك لست ماركيز يا عزيزي! نعم، لم يوجد ماركيز العُماني حتى هذه اللحظة، الأهم حالياً هو الاتحاد على صناعة المنظومة التي تكفل لمئات المثقفين في عُمان، ومئات الكتاب، ومئات الفنانين الاستمرارية، هذا لن يحدث بدون حركةٍ ثقافية من المثقف، وإليه. الوضع الحالي ليس مزريا، ولا يفي بالطموح الكبير، وهُنا ميزة التحدي الثقافي، وحاجته للنفس الطويل، والباقي خيار في يد الفرد، هل تحرقُ المراحل وتلاحق العالمية، والكونية، واللازورد، أم تتحمل ظروف المجتمع الذي تعيش فيه وتحاول أن تفعل شيئا ما، لتساهم عضوياً في هذه المنظومة، لعلك وإن لم تستطع أن نفسك أن تكون ماركيز عُمان، قد تصنع سُنَّة ما حسنةً تسمحُ لماركيز العُماني بعد عشرين، أو خمسين سنة أن يرى اسمه ضمن المرشحين لجائزة نوبل! وإن قلتُ لي جائزة نوبل ليست مقياسا، سأقول لك بكل لطف: لا بأس، ترشح لها أولا، ثم قل عنها ما تشاء! وهُنا، سأقعُ في الفخِّ الذي أعترف بوقوعي فيه ضمن جموع الفئة الصابرة من الثقافة، قل ما تشاء عن جائزة نوبل: ولكنك لست ماركيز يا عزيزي!

 

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

 

 

السبت، 12 مارس 2022

تفريغ الكتاب والأدباء! هل هو حلم ممكن!

 

 

أتساءَل حتى هذه اللحظة إن كان من ممكن أن يكون تفريغ إنسان للكتابة، أو للرسم، أو لصناعة المحتوى الإبداعي وأن تكون هذه وظيفة حكومية رسمية يمكن التقدم إليها ودخول الاختبارات المناسبة ومقابلة لجنة متخصص يمكن أن يكون مسار عملٍ للشباب في عُمان.

أتساءل وأصاب بالقليل من الخيبة عندما ألزم نفسي بالواقعية، هل ستكون لجنة مكونة من أصدقاء فلان وعلان، ويتولى أصدقاء فلان وعلان تفريغ أصدقاء فلان وعلان وهكذا دواليك، إذا أردنا أن نكون واقعيين فكلنا نعلم أن هذا جزء من واقع الحال الثقافي في عُمان، فمتى ستكسر هذه الدائرة؟

ماذا لو جعلنا الأمر أكثر عمليةً، وتم التعامل مع لجنة من الخبراء والأكاديميين، والنقاد وكبار الكتاب والأدباء، لجنة حقيقية يمكنها أن تحدد هل هذا الشاب الذي يتقدم ليفرغ لكتابة الشعر سيصبح منتجا؟ ودعوني أواصل الخيال، ماذا لو قلنا أن الكاتب في عمر معينة يتم تفريغه بالحد الأدنى من الراتب، شريطة أن تقرر لجنة نقدية جدية تفرغه للكتابة، وتُدخله لاحقا في عملية فرز تاريخية أخرى. لجنة يجب ألا تتعامل مع تفريغ كاتب وفق اعتبارات إنه [ما زين نخرب عليه، تراه راتب] ويصبح الأمر تحديا حقيقيا. فلأقل أن الشاب من عمر 18 حتى عُمر 25 يتاح له باقات تفريغ ترتفع مقابل إنجازه، وقدرته على صناعة زخم إبداعي، لماذا أتحدث عن الكتاب فقط، الرسامون أيضا، والمصورون، وكل من ينتج أعمال  إبداعية، يعمل رسميا في الحكومة ويستلم راتبا ويطالب مقابل تفريغه أن يُنتج مادة إبداعية تتحول إلى منتج، يتم بيعه، ومن الربح الكلي لتفريغ الكتاب يتم تمويل تفريغ آخرين، سواء ذلك المؤقت عندما يقرر مدرس كيمياء أن يأخذ عاما بعيدا عن التدريس ليكتب رواية، أو ذلك طويل الأجل عندما يتفرغُ رسام لرسم اللوحات وبيعها. تخيل أن تكون [رساما] مهنة حكومية؟ هل سيقلق أحدهم على وضع الثقافة وتأثير الإبداع على المجتمعات بعدها؟ أعلم أن كلامي شاطح في الخيال لكنه أحد الحلول، ومع التوجهات الإبداعية الجديدة في العالم، التصميم، والرسم، وكل ما له علاقة بالمواهب يتحول إلى مهن، ومع هذه المهن مهن جانبية، ومع زخم الإنتاج الثقافي، يمكن إحياء المسرح، وبعد المسرح النص الدرامي، وهذا كله سيجعل من عالم الإبداع نقطة جذب بدلا من الحال الذي هو عليه الآن، يسمى [هواية]، هذا ما يكاد أن يصبح عليه حال الأدب والنقد في عمان، هواية جانبية تشبه العمل التطوعي.

حسنا، قلنا أن فكرةً مثل هذه ستحتاج إلى قرار جريء وشجاع، ماذا عن العملية التجارية؟ هل ستتحول فكرة التفريغ إلى ما يحدث في جمعية الكتاب والأدباء؟ أكبر دعم ممكن للكاتب هو طباعة كتابه مجانا! هذه المرَّة لا، لسنا في عالم الصدقات والعاملين عليها، التفريغ يعني من اسمه، سؤال، وجواب، وحساب، وعقاب، وتأخير راتب في حال إخلالك بشروط التفريغ. كم ستتحول هذه الفكرة إلى كابوسٍ قبيح إن كان هذا يعني انتقاء مجموعة من الكتاب الذين تربطهم علاقة بفلان وفلان ويصبح الموضع رهن التحيزات الشخصية، ستنجح هذه الفكرة فقط باللجنة الرئيسية التي ستحدد للكاتب راتب التفريغ. حتى وإن كان دخلا قليلا، هامشيا، مقابل كتاب في السنة، أو مقالين في الأسبوع لكتاب الرأي، هذا إن أثبتوا جديتهم وجودة عملهم. حزم للتفريغ، ومع الوقت يمكن أن تتحول لربح مشترك، مثلا المجلس العُماني لتفريغ الكتاب والأدباء، أو المجلس الثقافي للجنة التفريغ، أتخيل الكاتب العماني الشاب بعد خمس سنوات يحمل مسودات كتب، وسيرة ذاتية ويشرح للجنة مليئة بكبار النقاد والأدباء لماذا يجب أن يتفرغ، ولماذا يستحق راتب التفريغ. فكرة ليست عويصة ولا مستحيلة التنفيذ ولن تكلف ملايين كثيرة، خمسة كتاب كبداية، هؤلاء الكبار جدا جدا والذين يعملون في وظائف حكومية منذ سنوات طويلة. لا أعرف هذه الحيثيات الإدارية ولعل أفكاري فيها ستكون ضحلة، لكن أظن أن الفكرة وصلت، العالم يسير بالمال ولا يسير إلا به للأسف، والعملية الإبداعية إن لم تصبح مهنة فسنبقى نلف وندور في الدائرة نفسها، نبحث عن مبدعين، ونتساءل عن سر العزوف الكبير عن الفنون، وسيهاجم البعض المحافظين، أو غير ذلك بينما في الحقيقة أن التأسيس تأخر منذ زمن بعيد، تأسيس هذه الثقافة الاجتماعية ليكون الإبداع مهنة، وليكسب منه الجميع، ولتتوقف حكاية طباعة الكتابة بستمائة ريال. أتخيل حال هذا المقال، كُتب ليمكن نشره في منصة تشرف عليها وزارة الإعلام! ولا مشكلة فيه، تحية لك أيها الرقيب الإعلامي الذي يقرأ كلامي هذا، أتمنى أنك لم تزعل عندما لم تجد في تدوينتي هذا ما يمنع نشرها في كتاب!

تفريغ الكتاب، والفنانين، والعازفين، والمنشدين، والمقرئين لصناعة المحتوى الإبداعي، ولنشر الكتب، واللوحات، والمعارض خطوة أفضل من سياسة الدعم الفردي التي شاعت لسنوات في الوسط الثقافي، وانتقاء مجموعة يتم تكريمها بذلك، تحويل هذا إلى [بزنس] يخدم الجميع، ويصنع زخما مبدئيا، ويصنع نوعيات جديدة من الوظائف وأنماط الحياة، ويخدم التنوع الحياتي في عمان بشكل عام، ويحل جزءا من المشكلة الكبيرة لحياة المبدعين في عمان. الحياة في عمان رأسمالية بشكل كبير جدا، وعالم الثقافة القادم من يسر الدولة النفطية وسهولة الكتابة الترفية لم يخدم الإبداع كثيرا، مر وقت طويل حتى ظهرت لنا دلشاد وجوخة الحارثي.

ستكون بداية لمرحلة مختلفة في العمل الثقافي في عمان إن حدث ذلك، ولعلها استعادة لآمال قديمة جدا متعلقة بالكتابة الحديثة، وبصناعة المحتوى، وبكل ما يحفل به العالم الجديد من مفاجآت، الابتكار، والتحقيق التاريخي، وأشياء كثيرة يفعلها كتاب يمكنهم أن يساهموا في الجانب التثقيفي من العمل الثقافي، أما الجانب الإبداعي، فهذا الكوكب لن يستمر بدون فنانين، وشعراء، ورسامين، وعازفين، وملحنين، وغيرهم من صعاليك المعنى الذين يعطون لكل لحظة جميلة وصفا، وكلمة، ولحنا. الكوكب الإنساني ينتمي لهذا الجمال، وأمام طوفان الواقعية وما به من مرارة، يحتاج هذا العالم للكثير من القصائد، والكثير من القصص، والكثير من اللوحات. هذه الحياة تحتاج إلى من ينسج الكلمات ليخلد معناها. وما يدريك، لعل كل النهضات الثقافية سوف تبدا من اليوم الذي ندرك فيه، أن الكاتب يستحق أن يُعامل كصاحب مهنة، يستحق أن يعيش بها ولها.

 

على كل الأحوال!

عسى!