بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات معاوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معاوية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 يناير 2025

من وحي الكوابيس!

 ذلك الفقد! غيَّرني! أعاد تكوين أحماض ذهني النووية. نسجَ نهايتي، وسلَّط العناكب على الأفكار، والعقارب على الكلمات، وسم الأفاعي على ماء العيون!

كنت في طريقي لأصبح إنساناً آخر، وصرتُ إنساناً آخر، ولكن ليس ذلك الذي كنت أسعى لأكونه.
ذلك الفقد، دمَّرني. أعاد صياغة وجودي في هذه الحياة، وكلَّفني فوق طاقتي من الصبر، والاحتمال. كنتُ ظننتُ أنني عبرتُ الفجائع، ورسوت على شاطئ المأساة، موجوداً، على الأقل! وثمَّة ما لم يعد كما كان، بحرٌ جديد، ومحيط قاتم. الحياة التي لم تعد هائجة أصبحت غائبة، والنصال التي أطلقها البشر هذه المرَّة أطلقها القدر، نصلين من الخسارة، ونافذتين من التطلع الشاحب للمجهول. لم أعد من كان، ولا أعرف ما أكون، أسير مع سائر الوقت، وأطوف بين أفلاك البشر قطعةً من الظلام، والنسيان، والفقدان، مستنقصا ما كان، مستكثراً ما سيكون. لا اللعنة تعني وعودها، ولا الآمال تصدق موعودها. كل شيء غائب عدا الفقد، هو الموجودُ في حنايا الروح، يلسع الوجدان بإبر الذكريات.
للحنين ألغازٌ سريعة، كالصفعات المرتجلة من راهبٍ تعلّم الغضب بعد همود، كشوكة الوردة التي خانها طريقها إلى البتلة. لم أعد أدري، ولا أعرف ما الذي أعرفه! هل قبلتُ حقيقته؟ أم سلكت طريقته! لا أدري، ثمَّة ما يسكبُ في القلبَ دماءَه، وذكراه. من يحمي المقابر من وطء القدمين؟ لا أحد! لا أحد يحمي الموتى سوى الذاكرة، وذلك الفقد لا يُنسى، وأصعب من أن يتذكر، وأنا بين النسيان والذاكرة، أسير في أياما كالنائم، إمَّا صحو كالسكاكين، أو سلوان كضرب الفأس في الجلمود.

لم أعد أعرف ما صرت إليه! صرت شيئا ما، لا أعرفه، لا أفهمه، وطريقي طويل لأمسح زجاجه المكسور، لعل الطريق إليَّ يتوقف عن تجريح راحات الأقدام. ثمَّة ما حدث، وأقصى نصيب لي منه أن أتيقن أنني موجود، لا أكثر، وربما أقل من ذلك بكثير. الأمل كذبة صغيرة تتجلى في جملة (شكرا أيها الفقد) كأي أملٍ كاذب، تتوج رحيلة بكذبة صغيرة. لم تكبر، لكنك كابرت، لم تتجاوز غرقك، ولم تتنفس بعد، ذلك الكابوس لم يعبر بعد، والوعد البعيد/القريب، يلهبُ النفس بكل الدروع. لا طرت شعاعا، ولا نمتَ آمنا. هذا برزخك، وذلك فقدك، ولتكن كما تكون، لن تعود، لم تعد، ولا تريد أن تصبح ما كنت عليه، ولا تريد أن تكون ما تكونه، أنت لست أنت، ولا أعرف من أنت!

معاوية

الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

معي لوحة مفاتيح!

 

 

إلى البدايات سر! ولا شيء آخر. لسببٍ ما أكتبُ بلا توقُّف، ولسببٍ آخر أستمرُّ. تسير بي الحياة حيث لا أعرفُ. لسببٍ ما أواصلُ السير. تغيرتُ كثيراً عبر هذه السنوات. قناعاتٌ نُحتت نحتاً، وأخرى تناثرت أجذاذا في أرجاء المفازة الرقمية. مع ذلك، كما بدأتُ، معي لوحةُ مفاتيح، ولا أريد لهذه الغواية نقطة نهاية. إلى البداية سِرْ.

 

اكتشافُ شيء كبيرٍ تغيَّر بكَ وأنت تكتب يشبه اللحظة نفسها التي تسير فيها في مكانٍ مليء بالغيوم فتنتبه فجأةً إلى قناعةٍ جديدة تكوَّنت لديك. تلك الأشياء التي تؤمن بها! أليس كذلك؟ والحكايةُ الطويلة مع الكتابة، ووظائفها، وما تفعله، وما تغيره. أبسط الأمثلة هذه الورقة البيضاء الخالية من الضغوط. لا بشرَ في هذه الورقة، ولا آخرَ ينتظرُ فرصةً لينتزع حقَّه الرقمي فيكتبُ ما يشاء، يختلفُ، وينصف، ويظلم، أو ينشر شيئا عشوائيا، لا روبوت هُنا لكي يمارس حيل الخوارزميات في الزمن الجديد، هُنا ورقة بيضاء في محرر النصوص النبيل بما فيه الكفاية ليحافظ على ما كُتب فيه حتى وإن انطفأت الكهرباء فجأةً. شاشة بيضاء، وكل الذي معي، لوحة مفاتيح!

 

ثمَّة شيء اختلفَ بين هذه المرَّة وتلك المرَّات السابقة. كنت في السابق أعود إلى مدونتي مندفعا، ثائرا، غاضبا على بديهيات الزمان الجديد، رافضا التأقلم مع ظروف الكتابة الجديدة. أقضي ساعاتٍ جيدة وأنا أكتبُ. أنصت بمللٍ بالغٍ إلى تنظير الذين يكتبون ساعتين في الأسبوع عما يجب عليَّ فعله ككاتب. أتفاعل مع مثقفٍ لديه مختلف أنواع الآراء عن الكتابة الصواب، والكتابة الخطأ، أضطر للتعايش مع الذين يفكرون بشكل جمعي، والذين يغرقون في الفردانية حدَّ ظنهم أنهم يعيشون في جزيرة نائية. مهرجانٌ من البشر، والقناعات. وأنا في قلب تلك المعمعة أحاول أن أنحت مساحةً للكتابة! كانت صفقة عادلةً تلك التي بيني وبين التدوين، منحته أجمل سنوات عُمري، ومنحني أجمل تجارب الحياة! الضريبة الوحيدة التي لا أريد أن تصل بي الحماقة للتعايش معها هو أن أبقى دائما وأنا أكتب بجانب البشر!

 

ثمَّة حماقاتٌ كثيرة يمكنني فعلها، تعريف الكتابة ليست واحدة منها. والإنصات إلى تعريف إنسان آخر عن الكتابة حماقةٌ أخرى، وهذه المرة أعرف أنها حماقة من المستحيل أن أفعلها. أكتب لأنني أكتب، رغم أنفِ العُصابيين الغارقين في قلقهم اللازوردي، رغم أنف سُميِّة مثقف في العشرين تعشعش النرجسية في رأسه، ويظنُّ أنَّه يعرف كل شيء، لا يكتبُ لكنه لا يجد مانعا أن يحدد لمن يكتب ما الذي يجب عليهم فعله! ذلك المهرجان الذي عليك أن تنجو منه لتعود إلى لوحة مفاتيحك سالما. تلك التجربة شرطٌ لتفهم ما تيسر من العالم، وهذه النجاة شرطٌ لتكتب تجاربك في قالبٍ ملائم لقارئ متعطشٍ سواء لقراءتك، أو للقراءة بشكلٍ عام.

عامُ 2006م بدأت الرحلة بلوحة مفاتيح، وعام 2024م أعود إلى هذه البداية. حدث الكثير خلال هذه الفترة، عُمرٌ كاملٌ يحتاج إلى عُمر آخر ليُكتب. ألعب القمار مع ظروف الجسد وصحته. أسأل نفسي بالعامية العُمانية: "أواحي؟" أأنال الوقت الذي أطمح إليه؟ فأكتبُ؟ واجبي يُختصر الآن في الاستمرار على الكتابة، والحفاظ على هذه المهارة في الانهمار السريع والوفير، وانتظار اللحظة التي يعطيني فيها ذهني الضوء الأخضر ليقول لي أنني جاهز لكتابة خامة الذاكرة الرئيسية، وخلاصات المنطق المُحكمة، أو على الأقل آخر التحديثات التي ترسبت بعد تيارات الشكوك التي لا نهاية لها.

 

أرحل تدريجيا من ورطتي الرقمية. الزحام الذي في تلك المنصات كان يفوق طاقتي منذ أن بدأت. كنت أحتاج إلى هذه المنصات طوال مساري السابق في الحياة، ذلك الذي كان يهمني فيه بشدة أن أكون فاعلا في التأثير الاجتماعي المباشر على جميع الأحداث. نظرت للأمر من باب التدريب على الكتابة، ولاحقا تمرين الذهن على استيعاب تلك الخطابات الاجتماعية، خرجتُ بخلاصة جيدة من هذا العالم الذي لا نهاية له، أشعر بالرضا على النتيجة النهائية، وهذه المرَّة لا قرارات حدية. لست بصدد الانقطاع عن العالم الرقمي، ولا عن غواية صناعة المحتوى الرقمي، ولا عن إدارة المنصات، ولا عن التفاعل مع الناس، الذي أعزله عن كل ذلك الزحام هو آلة الكتابة هذه.

كلما كتبت تدوينةً أشعرُ برغبةٍ دوبامينية في نشر وصلتها في منصة تويتر، تلك التي بها مائة وخمسون ألف حساب يُتابع، وعلى أقل تقدير عشرون ألف إنسان يقرأ. أقاوم هذه الرغبة بشراسة وأقول في نفسي: هذه المدونة يبحث عنها من يريد أن يصل لها. هذه مساحتي الخالصة لذهني، الخالية من ظلِّ وجودي في مجتمعي، المُسلمة كليا للحظات الكتابة الطويلة، المستسلمة لوحي الذهن المحمي من تدخلاتي. لا منطق اجتماعي هنا، لا منطق تأثير، لا علاقة لكل الذي يحدث في هذه المدونة بشيء يحدث في الإطار الضيق السريع للأحداث المرحلية سريعة الرحيل.

 

أنسحب تدريجيا من حياةٍ عشتُ فيها خمس سنواتٍ تقريبا. حياة النجم الرقمي كثير الحضور. اختبأ الكاتبُ وراء هذه الحياة واحتال عليها ليحتلها، وفعلا! أكتشف أنَّه كان يحفر لعامين كي يستحوذَ على حياتي مجددا. ذلك النداء الغامض العميق انتصرَ، هل تعرف لذة الاحتفال بهزيمتك أمام كائنك الكاتب؟ أجمل الهزائم التي يمكنك أن تحتفل بها، أنَّك اخترت الكتابة رغم كل مغريات هذا الزمان الجديد بكل نجوميته المهنية! نعم! النجومية مهنةٌ يمكنها أن تصنع لك رزقا لا بأس به، ما دمت تعملُ، وتلتزم بها، وتشتغل على صناعة تلك المنصات التي ستصنع واقعك الرقمي الموازي هي مهنة لا بأس بها. مهنة للأسف عدوةٌ للكتابة، وللوقت، ولراحة البال. مهنة أؤديها بإتقان لا بأس به، لكنني لا أحبها مطلقاً. أنا أشد تعاسةً من أن أكونَ هذا الشخص، هي لقمة العيش وما تفرضه عليك! وما أشد إكراهات الحياة مرارةً على النفس الحرة الباحثة عن الصفاء بين الكلمات والحروف والسطور والجمل والفقرات والفصول والكتب!

 

أعود مطمئنا هذه المرَّة، عازلاً الكلمة عن الضوء، نازلا بكل حماستي على الورقة البيضاء، مؤمنا بكل لحظةٍ أسترقها من الزحام لأكتب. آمنت من قبل أن النص الجيد يصنع طريقه بنفسه، وأعود إلى هذا اليقين مؤمنا بالأمل، أنَّ القارئ على قيد الحياة، وأنَّ الكتابة على قيد الحياة، وأن كل الذين يضعون قوانين الكتابة والقراءة هم حقا في حالة ضياع حقيقي، فالكاتب الذي يحب أن يكتب، يكتب! والقارئ الذي يحب أن يقرأ، يقرأ، بكل هذه البساطة الفادحة، السطور ستأخذ ترتيبها وشكلها المعتاد، والفقرات ستطول، ومهمتي أن أصنع الظروف التي تجعل لحظات الكتابة هذه مسالمةً، وصافيةً، وخالية من كل التعقيدات الأخرى التي صنعتها خياراتي في هذه الحياة. عدت إلى هجرتي الأولى. أنا هُنا لأمكثَ، لست هاربا من شيء، لست لائذا بشيء، جئت لأكتب ومعي تجربةٌ في هذه الحياة، ومعي لوحة مفاتيح!

 

معاوية الرواحي

27/8/2024   

 

 

 

الأحد، 16 أبريل 2023

ربما لأنَّه معاوية!


 

 أكملُ [21] سنةً منذ أو وطأت أناملي لوحةَ مفاتيحٍ في موقع إلكتروني. كان ذلك عام [2002] ووقتذاك الإنترنتُ هو الوعدُ الذي سيجعل العالم قريةً صغيرة. وما الذي نراه الآن؟ إرهاصات عصر الذكاء الصناعي، والأنظمة التي قد يصل بها الحال إلى الاستماع لضربات قلبك، وربما فحص دمك بساعة تخزك برفق، وغير ذلك من الأحلام، أمَّا في عام 2002 فالدهشة كانت هي وجودُ المكان الذي تكتبُ فيه بسقفٍ أعلى نسبياً من ذلك الموجود في الصحف والمجلات، ولن أفتح باب الكلام عن الرقيب لكيلا يتلف هذا المقال ويتحول إلى مهرجان من الحزازات التي لا أستطيع لجمها مهما حاولت.

تركتُ عالم الكتابةِ في الجرائد سريعا. وبعدها تركت أيضا التقديم في الإذاعة. أوَّل صدماتي مع نشر أوَّل قصيدة لي في ملحقِ شرفات. غيِّرت كلمات في القصيدة دون الرجوع لي! منها أدركتُ في أيِّ وضع رقابيٍّ أعيش. لم يثر حفيظتي وجود ما يُقنن أو ما يراقب، فحتى عندما بدأت تجربتي في الكتابة في الإنترنت بقيت لمدة عشر سنوات كاملةٍ متماسكا. أكتبُ ما هو مرفوض نقديا، أو ثقافيا، أو موضوعيا، هل كتبت ما هو غير مسموح قانونيا؟ أخذت عشر سنواتٍ منذ دخولي إلى عالم الإنترنت قبل أن أتحول من معاوية ذلك الكاتب المتلعثم، التائه، الذي لا يعرف ما الذي يريدُه، إلى تلك الشخصية الاجتماعية التي يُكال تجاهها الكراهية وتحيط بها الشكوك، ويدور حولها عالمٌ من الغموض والتأويلات.

تمنيتُ أن يكون دخولي للسجن بطولياً لكنَّه ويا للأسف لم يكن كذلك. هممم! دخلتُ السجنَ في قضيةِ سبٍّ وشتم. هذه كانت نهايةُ مسيرتي الطويلة في النأي بنفسي عن الدخول في مشكلة مع القانون في عُمان. لأصف بعض جوانب تجربتي، لقد امتلأت بمختلف الكتابات التي هوَت في قلب السقوط الأخلاقي والقيمي بالمعايير العُمانية. ومقابل ذلك الشاب الذي حافظ على رباطة جأشه، وثباته، وإدراكه لماهية الممكن وغير الممكن في الكتابة في عُمان، برزَ مسخٌ قبيحٌ في سماء الكتابةِ العُمانية، وأيضا استطاع هذا المسخُ الثبات لسنوات دون أن يخالف القانون، ولكن هذه المرَّة لم يستطع الثبات أكثر من عامين أو ثلاثة قبل أن ينزلَ على الساحةِ في عُمان بصدمةٍ جديدة من صدماتِ شخصيته المشوهة، وحالته المضطربة. 

لستُ بصدد لا الاعتذار ولا التسبيب، ما حدث قد حدث، ولماذا؟ وهل أنا معذور؟ وإلى أي درجة أنا معذور! هذا أيضا ليس محور الحديث، ما حدثَ قد حدث، حدثَ ما يخالفُ كل المعايير العُمانية للأخلاق، والدين، والعرف الاجتماعي. كنت أعودُ بين الفينة والأخرى لصوابي، ولكنَّ الوقت لا يطول حتى تتمكن الكراهية التي أتلقاها، والتي أرسلها من إدخالي للدائرة نفسها، شهور متتالية من الكتابات المضطربة، ومن ثمَّ مواجهة دونكيشوتية إما للسلطة، أو للدين، وكذلك ضمن تجربتي في الكتابة الإلكترونية، ومشاركتي في اليوتيوب وصل بي الحال إلى تهديد إنسان بالقتل، فضلا عن مهرجان من الشتائم، كان ذلك مؤقتا أيضا، ليس أكثر من ستة أسابيع من عامي الذي عادةً أكتبُ فيها بهذا المنطق تقريبا. 

شئتُ أم أبيتُ أنا جزء من الساحة العُمانية. عشرون سنة من النشاط في النت في دولة قليلة السكان، ونشاط كتابي هائل، وشخصيةٍ مشوهة بمعنى الكلمة، لا عجبَ أن أكون جزءاً [منتشراً] في الساحة العُمانية، وتفاوتت الصفات التي أوصف بها على حسب حالاتي الحقيقية. كاتبٌ منطقي تارةً، مدمن مخدرات شاطح ويهذي، مريض نفسياً لا يسيطر على اضطرابِه، وشخصية قبيحة في حالات، وإنسان جميلٌ قليلا بين فترة وأخرى. رغم كل ذلك الشوق الذي يأخذني للعودة إلى عالم الكتابة لم أستطع العودة، فقد علقت في دائرة فوق طاقتي، وكنت أعيش معركتين داخلية وخارجية، وحكايتي تملأ النت، ولقاءات اليوتيوب لو كنت تشعر بالفضول تجاهها عزيزي القارئ.

 

كنت قد أكملتُ 14 من دخولي عالم الإنترنت، عندما بدأت بذاءتي في الكلام والكتابة بالانتقال بي من المسخ الاجتماعي المشوَّه المليء بالأمراض الخلقية والنفسية والقيمية، إلى السجين داخل وخارج عُمان. لم يكن هناك أي طريق يمكنه أن يوقف مأساتي عن الحدوث، والحمد لله الذي أنعم علي بالسجنِ خارجَ عُمان، أيضا في قضيةٍ جانبياً لها علاقة بالكتابة، ورئيسيا أيضا له علاقة بالموضوع الرئيسي [السب، والشتم]. هل من المؤلم أن أصفها ببساطة السجن بتهمة [قلة الأدب]. ظننتُ أنني وصلت لأبعد ما يمكنني الوصول له ككاتب مشاغبٍ. كنتُ أحنُّ، وأحنُّ للعودة لكتابة الأدب، ومع الوقت لم يبق لي إلا الشعر، والقليل والشحيح منه، والنثر، هذا النثر التأملي الغزير الذي ساعدني على علاجِ نفسي بالكتابة. 

ظننتُ أنني وصلت إلى أقصى مدى من البذاءة، بعد سجني في الإمارات في سجن الوثبة تحديداً، انتصرَ الحنينُ للكتابة، فقمت بكتابة روايةٍ عن الموضوع. تمنيت نشرها في عمان، ومنذ أن قدمتها للنشر، سنوات، وسنواتٌ وهي لم تنشر، ولم أجد ردا، فلا هي مُنعت، ولا هي نُشرت، ولا عرفت ما الذي بها لأعدلها. شعرتُ وقتها أنَّ العالم كلَّه يريدني أن أتقبل مصيري، أنا من؟ معاوية؟ من يكون؟ ذلك الكاتب الذي يدهشك أحيانا بدأبه في الكتابة، وصبره، وكثرة محاولته، وهو أيضا تلك المأساة الاجتماعية المليئة بالبذاءة. لا أنا برواية أنشرها، ولا بشعر أكتبه، والمثير للأسى أن كل كتبي التي نُشرت كنت وقتها في السجن.

عُدت لعُمان، قضيت بعض الوقت، ثم قررت الذهاب للنيبال. قررت في قلبي أن أهب كل أيام حياتي للكتابة، ولكن هيهات! ذلك الدماغ المفعم بالمخدرات، والصدمات النفسية، والاضطرابات، وأخطائي الكثيرة وما تركته في نفسي جعلتني أدرك أي مسخٌ تحولت إليه. حتى مع مقاومتي الشديدة ورغبتي الهائلة في العودة إلى عالم الكتابة المنطقية والهادئة، فشلتُ، ثم فشلتُ، ثم فشلتُ مرارا وتكرارا. أدركتُ أن بقائي في عمان وفق تلك الظروف يعني موضوع وقت قبل أن أدخل السجنَ في إحدى حالات الانفلات، لست أعرف تشخيصي الطبي، أعرف أنني أعاني من نوبات، وأعرف أن لدي اضطرابا في الشخصية، وكل هذا الإطار غير مهم، أعرف أن لديَّ مشكلةً جسيمةً بمعنى الكلمة، قررت الهجرة وقلتُ: فلتكن حرية الكتابة كما أريد!

أن تكون حرَّا في الكتابة يختلف عن أن تكون مقيدا. الحريةُ مفهوم داخلي. في بريطانيا لم أعرف ما الذي أريده بالضبط. النتيجة هي خيبةُ الأمل. إن كنتُ بذيئا مؤقتا في عُمان، أصبح حالي في بريطانيا هو بذيء بدوامٍ كامل. لعامٍ أو ربما أكثر كانت مهمتي في الحياة هي البذاءة. لاحظ عزيزي القارئ، لا أتكلم في سياق ندمٍ أو حسرةٍ، إنما أصفُ ما حدث كما حدث، قد يكون بعض ما بدر مني يقع ضمنَ تعريف [الجهرُ بالسوء لمَن ظُلم] لكن قطعاً هذا لا ينطبق سوى على بعض ما كنت أقوله. ماذا فعلت الحرية لمعاوية؟ جعلتني أفهم كل الذي يدور في لا وعيي الذي لم أكتشفه إلا بعد أن أخرجته للعالم، ومع أن تلك التجربة كانت مؤلمة، لكنها ويا للعجب! ساهمت في تبصيري بمشاكلي كلها دفعةً واحدة، وعندما حان وقت مراجعة الذات عرفت ما الذي عليَّ مراجعته. توقفت بذاءاتي منذ سنوات، بدأ هذا التوقف وأنا في بريطانيا في السنةِ الأخيرة لي هناك، نجحت في الخروج من الإدمان، وتغيرت المعادلة من البذاءة بدوام كامل، إلى البذاءة بين الفينة والأخرى، وكما هي هذه اللغة التي أكتب بها الآن، اللغة التي أنا شخصيا أرتاح لها وأستطيع الاطمئنان لها، عدت للقدرة على الكتابة. 

لم أكن أكذب عندما نويت تغيير حياتي السابقة، أنا حقا تغيرت، إنها السنة الرابعة لي وأنا في حياتي الجديدة الهادئة، هل هناك ترسبات سيئة! نعم، هل بي طبائع سيئة؟ نعم. هل هي المنتصرة الآن؟ هنا أقف بكل فخرٍ وأقول: الغلبةُ لذلك الجزء الذي بين الذي يقاومها. لم أشتم أحداً منذ أربع سنين! ولم أخالف قانوناً، سنةٌ من العمل الشاق للتخلص من الإدمان، ثم شاء رحمة الله أن أعود إلى عُمان، وهُناك تغير أسئلة الحياة والحريَّة.

أنا أحد منبوذي الوضع العام في عُمان. الوسط الثقافي يحتقرني لسوابقي وخياراتي السابقة. الوسط الحكومي لا يضمن جانبي نتيجة انقلاباتي وشدة خوفي منه، ومسارعتي إلى التشكيك بنواياه حتى وإن كان يريد مساعدتي. حياتي الشخصية تسير على ما يرام، وضعي العائلي مستقر، وصداقاتي القريبة مني جدا تساندني في رحلتي. إن كنت شخصا مشوها، قبيح الأفعال مثل حالتي فمن الحماقة أن تنصت إلى كلامِ الناس. يحسن كثيرون الظنَّ بي، وأنا لست كما يحسنون الظن بي. يسيء كثيرون الظنَّ بي، وأنا لست بالسوء الذي يظنونه، أو يتمنونه. الحقيقة الواضحة، أنني شخص مختلف حوله، الجميع يتفق أن بهذا الإنسان [الذي هو أنا] بضعة قذرة بمعنى الكلمة، ولكن أيضا هناك اتفاق ما أن هذا الإنسان [الذي هو هذا الذي يكتب هذه السطور] يرفض تلك البضعة القذرة، ضمن كل التأويلات وسياقِها، بقيتُ وأبقى مرفوضاً ومشكوكاً بي، إن فعلتُ حسَنا فهو موضوع وقت قبل أن أسيء، وإن فعلتُ سيئا فهو [أنا]. 

أكثر شيء أضحكني في حياتي هي تلك العقوبة القدرية أن أصنَّف ضمن [المشاهير] في عُمان. يا إلهي! وكأنني بحاجةٍ إلى عقوباتٍ أخرى. هذا الإطارُ الذي سُجنتُ فيه، واضطررت للتعايش معه لسببٍ واحد، هو أنني أحتاج إلى مصدر للدخلِ بعد عودتي لعُمان. نداء الكتابة، والحنينُ لها لم يتوقف، ولذلك مع ضرورة أن أركز على المنصات ذات الدخل الرائع مثل [سناب شات] أو منصة مفيدة تجاريا مثل [الانستجرام] بقيت لمدة عامين ملتصقا بتطبيق [تويتر]. ليس من السهل أن تكون بقبح أفعالي السابقة فتعود بكل سهولة للوسط الثقافي، كما قلت لك أعلاه عزيزي القارئ، أنا أحد منبوذي عُمان، من قبل النخب الثقافية المُجمعة تقريبا على أنَّ معاوية لا يستحق فرصةً ثانية مهما حاول.

هُناك شيء أحترمه كثيرا في نفسي، وضوحي التام. سعيتُ لكل إنسان أسأت له لأعتذر إليه. وناديت مرارا [من كان له حق من معاوية فليدلِ بحقه] وما كان له سأؤديه. صنع لي هذا الوضوح مساحةَ حياةٍ مريحة، فكما أنني أحترم وضوحي هُناك أيضا شيء ما أكرهه في نفسي، وهو حقدي، وعدم قدرتي على التجاوز والغفران. يؤسفني أنني إنسان لا يسامح، حتى وإن استطاع أن يهدأ لفترةٍ من الزمن، ما لم يجمعني مع خصمي عهد متفق عليه من الطرفين، فهنا معاوية القبيح الذي ينتصر، ذلك المتأهب للدفاع عن نفسه مهما كانت الخسارات. نعم قلت أعلاه أنني تغيرت، ولكن هذه طاقتي على التغيير، لم تصل إلى حدِّ إعادة تشكيل أطباعي، هناك ما سأتعايش معه حتى نهاية العُمر، وأحقادي التي تعاود الهياج هي واحدة من هذه المشاكل.

أحاول أن أفعل الأشياء الخيَّرة، والحق يقال، أن الصحبة مع الأنقياء تطهر النفس وتعطي شعورا جميلا بالحياة. هذا الذي يجعلني ألتصق دائما بالذين يفعلون الخير، مع علم أنَّ كثيرا منهم لا يطمئن لي. اندمجت مع دور النجم الاجتماعي، أو [المشهور] كما يقولون! وأكملت العامَ، والعامين، والثلاثة، والأربعة وأنا في حالي في أوضاع الكتابة في عمان، أكتب مثلما يكتب الجميع، وفق السقف المتاح. سؤال لقمة العيش حاصرني، ودفعني دفعا للمكوث في الإنترنت وفي عالم المنصات المؤقتة، ولم تكن ظروف العودة للكتابة متيسرةً مطلقاً وقتَها. بالجهدِ والعمل الشاق والساعات الطوال أسستُ لنفسي مخبزاً صغيراً متعلقاً بالإعلانات في المنصات الرقمية. انضمَّ لي الأصدقاء، وبدأنا نحلمُ سويا بفعل شيء ما متعلقٍ بصناعة المحتوى الرقمي، تغيرت بعض الأشياء، ولم تعد فكرةُ الكتابة بعيدة المنال، دخلت عالم الدراسة الجامعية، حققت معدلا جميلا للغاية، وها أنا أكتبُ مجددا.

بعد أن تقضي سنوات لا بأس بها في الحالات العامَّة. ويختلطُ وجودك الاجتماعي، بالكوميديا، والضحك، والبداهة، ويرتبط بماضٍ من الشتائم والسب، وغيرها. يفهم القارئ الحقيقي أنَّك قد توقفت عن كل ذلك وبدأت حياةً هادئة، ويدرك المتابع الحقيقي أنَّ المنطقَ العام الذي تمارس به إنتاجَ النصوص والمواد المرئية قد استمسك بعروةِ المشي وفق الممكن، ذلك الذي لا يذهب بالحياة إلى جهنمِ الخسارات. وفي جانبٍ آخر أنا ذلك الشخصُ الذي تجوب مقاطع الفيديو الشاطحة التي قطعها البعض ويعيد نشرها الهواتف والمنصات، لأنني معاوية، حتى وإن كتبتُ ما هو متوافق كُليا مع الكتابة، وتحليلها، ورؤيتها، واجتهدت، هُناك ما هو خارج النص يجعلُ الآخر يقرؤ الواضح من كلامي بطريقته الخاصَّة، ويصنعُ معناه بطريقته.

 

جرِّب يوما ما أن تعيد صياغة شيء مما كتبتُه، واعرضه على بشرٍ كثيرين، ثمَّ قل لهم هذا المقال لمن وستفهم الذي أقولُه. قبل قليل وأنا أكتب هذا المقال، تجلَّت ظاهرة [ربما لأنَّه معاوية] مجددا. بعد كل الدق والحطيم الذي دارَ حول موضوع حرية التعبير الجديدة في عُمان. كتبت مقالا بكل المعايير الصحفية يعتبر ملائما لكل اشتراطات المؤسسة الإعلامية، ومع ذلك ماذا كان سبب الرفض: لأنه مرتبط بكتابات أخرى لي؟ أي أن هناك رقابة خارج النص! وهذه الرقابة تجاه من؟ تجاه الشخص. لم يحزنني ذلك كثيرا لأنني منتبه لهذه الظاهرة منذ زمن بعيد، هناك شيء ما يتعلق بمعاوية يسمحُ لكثيرين بفعل ما لا يمكن فعله لغيري. التحيز، ومجددا هذا طبيعي جدا، لا أشتكي منه، لكنني أقدم مجادلة فقط لكل ذي لب يريد أن يكون منصفا، التحيز انفعالات غير منطقية عادةً، وحزازات، وعندما يُمارس تجاه شخص في غير موضعه، لا حلَّ لذلك لأنه من الأساس: الموضوع شخصي، لأنه معاوية، هذا هو السبب عادة.

حضوري في الساحة العُمانية يُقرأ من عدة جهات. هناك قارئ منصف، ومتلقٍ منصف، يأخذ المادة التي قدمتُها ويناقشها، ولست بصدد سرد المدارس النقدية، وجدلية موت الكاتب، وحياة النص، السؤال لا يتعلق الآن بقبولك أو رفضك لمادة، السؤال يتعلق بأشياء كثيرة، لحياة اجتماعية، لحقوق، لماذا يستمرئ البعض أن يتجاوزَ منظومة القيم التي يؤمن بها فقط [لأنَّه معاوية] الذي يكمل سنته الرابعة وهو [ماشي جنب الحيط]، حتى على الجانب الرسمي لم أسلم من قراءة معاوية خارج النص، خارج كلامِه، وإذا بموظف رسمي يتصل بمذيع ليقولَ له [معاوية مريض نفسي، ونخشى أن تتهم من قبل المنظمات الحقوقية الخارجية باستغلال المرضى النفسيين] وهُناك كنت مستعدا للحرب، وسأبقى مستعدا لها إن تم استخدام هذا الملف من الشخص غير المختص، نتحدث عن [أهلية إنسان] ولكن مجدداً ربما لأنه معاوية يتجرأ أحدهم ويتدخل في ملفه الطبي، وتشخيصه، مجددا [ربما لأنه معاوية!].

لقد وصلت للخلاصة التي تسبب كل هذا، لماذا أُقرأ خارجَ النص، لأنني لا أُقرأ مضمونا، وإنما شكلا. المتلقي العُماني العام [عادةً] يقرأ انفعالي، أو اندفاعي. قلت لصديق ذات يوم، اسمع مضمون الكلام، دع عنك صوتي الصارخ، أو الهادئ! ومن يومِها انتبه إلى هذه الظاهرة، والتي ربما تدور حول كثيرين، ولكن [لأنني معاوية] أُقرأ حتى بما لم أقل، كما كانت أيام ما، أحاسبُ وأُكره على ما فعلت، وأُحاسبُ وأُكرَه على ما لم أفعل. لا ألوم نفسي مطلقا في شيء، أنني تحولت للكراهية، ووجدت في الكراهية والغضب ما يكفي من عزة النفس لكي أرفضَ الحب المشروط، والحق المشروط بالقبول الشخصي، حياتي لم تكن سهلة يوما ما، ولن تكون سهلةً، الذي أعرفه أنني سأقاوم حتى النهاية.

 أنا معاوية! أعرف قيمتي، وأحترمُ نفسي، وقضيتي، وبذلت السنين في الإيمان بحق الكتابة للجميع، وحللت، وكتبت، ومهما حاول أحدهم الانتقاص من جهدي وتعبي في هذه الحياة، أحترمُ نفسي بما يكفي لأواصل المحاولة، أنا لا أتعبُ، ولا أكلُّ، ولا أملُّ ولا أتوقفُ عن الإيمان بقضية الكتابة، وقضية رفع سقفها الإبداعي في عمان، وقضية التصدي للرقيب المزاجي، كتبت آلاف الصفحات، وأكتب عشراتها في ساعةٍ واحدة، مرنت نفسي على الكتابة لسنوات طويلة، واشتغلت على نفسي، وإن كان هناك من يرفضني فلا يهم، أحترمُ ما آل إليه حالي من منطق وهدوء، وأنطلق من رمادي دائما، أنا الذي لا يقفُ عن الكتابة، لماذا؟ لأنني معاوية!

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

 

 

 

السبت، 11 مارس 2023

حضور ذهني: أسئلة القيمة!

 

 

ينفث سيجارته على يمينه، وكأنه يحافظُ على الكياسة الاجتماعية، ويتجنبُ نفث دخانَه في وجهِ الكامرة التي تفصلُ بيننا وتجمعنا في آنٍ واحد. تتجلى عليه سيماء المُعالجِ النفسيِّ ذي المزاج الرائق، المتجاهل لذلك الذعر والقلق الذي أفيض به عليه من جانبِي الآخر من الاتصال المرئي من تلك البقعة الجغرافية التي اسمها عُمان. لم يعد يردد على مسامعي التأكيد المُطَمْئِن أن جلساته المجَّانية معي لا تعني أنَّه يأخذ العملية العلاجية باستخفاف، ويقاطعني عندما أقول له: هل أطيل عليك؟ هل آخذ من وقتك؟

-       أنت لا تأخذ من وقتي، أنت تنفعني كما أحاول أن أنفعك، أعرف منك أشياء جديدة، وبعد سنين سنكون زملاءَ في الحقل نفسه، الأمر لا يتعلق بالمال بقدر ما يتعلق بتبادل المنافع. هل تكرارك لهذه الجزئية تعود إلى عدم ثقتك بي؟

أؤكد له بهلعٍ أن الأمر لا يتعلق بذلك. أهدأ وكأن هذا السؤال كان القرصة التي أحتاج إليها لأتوقف عن تضييع الوقت في الشعور بالخجل. ذلك الألماني الذي جابَ العالم طولا وعرضا، درسَ في أعتى الجامعات، وعمل في مختلف الظروف مع مختلف العملاء، في السجون، في المصحات النفسية، تعامل مع مئات الطلاب، وقدَّم جلساتِه التحفيزية لألاف البشر. أحاول دخول لحظة التوعية النفسية الإدراكية معه، ويوقفني هذا الحاجز في بداية كل جلسةٍ من جلساتنا. تناقشنا في وقت سابقٍ عن هذه الجزئية، وشعوري بالخجل من فكرةِ أن إنسانا مثله لا يُقال له كلاما عاديَّا، وأن هذا حاجز يلعب دوراً في كلامي. يشرحُ لي: أنت حالة إنسانية تعلمني الكثير، شيء اسمه العرب، شيء اسمه الإسلام، شيء اسمه عُمان، وبلغة شارحة مستفيضة، استثمر هذا الوقت وانسَ كل هذه الحواجز.

لم أؤمن يوما ما أنَّ إنساناً يمكنه أن يساعد شخصا آخر [بالكلام]. أخذت الفكرة مقام السخف لسنين طويلة قبل أن تأخذني الحياةُ إلى بداياتي في عالم علم النفس، وما جاء مع ذلك من تهيِّب لهذا المحيط الواسعِ من التجاربِ، والحقول، والكشوف العلمية، والارتباط الكبير بين هذا العلم وباقي علوم الفلسفة، والإعلام، بل والسياسة، وآثارها على العلوم. علمُ النفس هو أوَّل العلوم التي نتعلمها ونحن نتعلم أنفسنا، أو كما يقول المصطلح الأنيق [نبحر في جوَّانيِّتنا] والذي يمكن استبداله بسهولة بتعبير أسهل فأقول: [نتعلم عن داخلِنا]. نفعل ذلك في بدايات الطفولة، ونتقنُ ذلك بعض الشيء قبل أن نكمل باقي الحياة ونحن نحاول أن نتعلم عن نفوس الآخرين. نكتسبُ هذه المهارة بعض الشيء ونأخذ منها ما يكفينا لكي نحاول تحقيق طموحنا في هذه الحياة. ولأنَّ الوعيَ لا يخلو من مشاكله المنطقية، نتوقف في مرحلةٍ ما عن النبشِ في الفوارقِ بين داخلِنا، بما به من لاوعيٍ مؤثر، وخارجنا بما به أيضا من تأثيرٍ لا وعي، نوقعه في الآخرين، ويقع علينا منهم. هُنا تأتي قيمةُ المُستشار النفسي، أو المُعالج النفسي، أو المُرشد النفسي، أو أية تسمية غير رسمية نحدد بها هدفنا من الجلوس إلى إنسان بنا قدر لا بأس به من الثقة أنَّه [يفهم الذي يفعله].

جمعتني الصدفُ بهذا الألماني الداهية في ظروفٍ لا محلَّ للكتابة عنها الآن، كيف صرنا أصدقاء، وكيف أصبح مستشاري النفسي لهذه حكاية أخرى. لم أشعر بحاجة للإرشادِ النفسيِّ بقدر ما شعرتُ في هذه الأيَّام الأخيرة من حياتي. بذلت جهدا شاقَّا بمعنى الكلمة لأنتشلَ نفسي من حالةٍ اجتماعية، وشخصية، وصحيَّة، وسياسية، وفلسفية تمزقتُ في تجاذباتها لسنين، وتشاءُ قلوبٌ وعقولٌ أخرى أن تعطي لوجودي في حياتي وفي مجتمعي فرصةً جديدة، لم يكن ذلك بيدي، كنت أريدُ ذلك. هذا هو الوضعُ الذي أطَّر لقاءاتي به، الرغبة في حدوث كل ذلك، وقد ظننت أن حدوثَها سيعني الدخول في منطقة خضراء من الهدوء، في جزيرة في وسط المحيط تشرق عليها الشمس، أجلس فيها على كرسي من الراحة. ما حدثَ كان هو العكسُ تماما، ذعرٌ شديد، وهلعٌ دفعني للاتصال به عدة مرات في قلب الليل لأقول له: أريد جلسةً عاجلةً معك.

ميزةُ التعامل، أو ربما في صياغة أخرى [التعاقد] مع معالجٍ نفسي أنَّك تتجاذب أطراف الحديث مع إنسانٍ مدرَّبٍ على تجاهل فطرةُ إطلاق الأحكام التي قد تكبِّلنا كبشر. أنت مع إنسانٍ يسمعك، ومن خلال حديثك يطبِّق علمه التجريبي، ينتبه إلى ما هو خارج وعيك، فينبهك لأشياءٍ لعلك كنت غافلا عنها. خلال جلساتي الطويلة معه بدأت التأقلمَ بعض الشيء مع هذا الشعور، الحديث مع إنسانٍ بعيدٍ عن حياتي، وإخباره بالذي يحدث فيها.

-       لماذا تشعرُ بالهلع؟ ألا يجبُ أن تكون في قمَّة سعادتك؟ الذي تعيشه هو النجاح بالمقاييس كلها؟

أشرحُ له مخاوفي. شيء مقلقٌ للغاية يتعلق بالعدوانية الشديدة. أفكارٌ وخيالاتي تتعلق بالقتلِ، والانتحار، كلها تنصبُّ حول غريبٍ غير معلوم. حربٌ مع جانبٍ من الدنيا أعلم بوجوده، ولا أعلم عنه شيئا. أشرحُ له مخاوفي، خوفي من الأعداء الذين قد يقومون بإيذائي، خيالاتي المستعدة للدخول في معركةٍ أخيرة نهايتها القتل أو الانتحار، استعدادي للعودة إلى حياةٍ من الانتقام. أعلمُ في قلبي أن هذه الحالة مرتبطة بكل إنسان مرَّ بالصدمات، وأن تلك الجملة شائعة التداول [الذي تعود على الشقاء تشقيه الراحة] تنطبق علي. شرحتُ له ذلك وهو يبتسم، وكأنه يوكد لي أن الوعي بالنفس لا يعني بالضرورة القدرة على التعامل مع هذه المآزق غير الظريفة التي توقعك فيها. بعد ساعةٍ كاملةٍ من الشرح، وتوتري الشديد من هذا العنف الذي أتخيله، وتساؤلي عن السبب الذي يجعلُ عقلي منصبا في انتظار الخسارةِ الكبيرة. أطَّرتُ ما يحدثُ لي من تغييرات من مداخل متعددة. الشعور بالامتنان حاضرٌ بشدةٍ في ذهني، أسمي نزعتي لإرضاء الآخرين بتسميات متعددة، فهي ردُّ الجميل، وهي القيام بدوري، وهي أشياء كثيرة. في عالم علم النفس كل هذا غير مهم، الإطار الاجتماعي لا يغير من حقيقة تصنيف السلوك، [سلوك لإرضاء الآخرين]. لماذا أفعل ذلك؟ السبب واضح لدي، إنسان كان منبوذا، يعيش في حالةٍ اجتماعيةٍ لا تسمح له بالاندماج، الغرباء الذين يسقطون الأحكام بوفرة وبذخ جعل ذلك حياتي جحيما، وأوصلني إلى حالٍ من عدم القدرة على العودة لحياة اجتماعية. بذلت جهدا شاقا بمعنى الكلمة للعودة إلى ما يشبهُ الحياة الطبيعية التي تسمح لي بتكوين الأصدقاء، والتي تردعُ الغرباء عن تشويش مسار حياتي، وبالتالي عن طموحي في حياةٍ اجتماعية أساسها السعي للنجاح، وللتحقق.

كان يسمعني ويتدخل من وقتٍ لآخر، يتأكد من إدراكي لواقعي الحالي. قدرٌ مبهج من الحضور، والالتفاف الاجتماعي، عودتي إلى حقي المنطقي كمثقفٍ عُماني في تناول شؤون الفكر، والمجتمع. استردادي لاعتباري ككاتب له احترامٌ لا بأس به، نهاية تربصي بالسلطة، أو تربصها بي، وتنظيفي لدائرتي الاجتماعية من أي [صديق/عدو] يمارس السمسرة على لحظاتي الهشَّة، أو الثرثرة عن خصوصياتي. شرحتُ له في جلساتٍ سابقةٍ عنما اضطررت لفعلِه، [ضع خطا تحت كلمة اضطررت لأنها ذات دلالة] وتناول معي فكرة اللوم، والشعور بالذنب، والندم، والتبرير. أخبرتُه عن حذري الشديد، وصعوبة ثقتي بالآخرين، وعن خططي الجاهز للانتقام من أي إنسان إن وصلَ إلى مرحلةٍ كشف لي فيها بما لا يدع مجالا للشك المنطقي أنَّه متربصٌ دخل حياتي، وبقي فيها فقط لكي يتشفى بسقوطٍ كبير، كما حدثَ ذلك من قبل ممن كنت أسميهم أصدقاء. قطعتُ شوطا كبيراً معه في إعطاء وصفٍ جديد لكل ذلك، وصف أكثر منطقية، وأقل انحيازا، وأوضحُ من إعادةِ المماحكة، وشرح الحدث نفسه بصياغات مختلفة، أنا خائف من الخديعة، وخائف من الغدر، وقلق للغاية من إمكانية تحول أي جزء من الدفاعات التي بنيتها إلى ثغرة يلجُ منها خصمٌ قديم، أو عدو موتور كل الذي يفكر به هو الانتقام مني. التفكير في القتل، والانتحار هو الذي أثار قلقي، ولذلك كنت بحاجةٍ للجلوس معه، لأفهمَ لماذا.

يسألني: هل تفكر بإنسانٍ معيَّنٍ؟ شخصٍ معيَّن؟

أوضح له:

كلا، إنني أهدد شبحا بالقتل. اما الانتحار فهي النهاية الاضطرارية التي إن وجدتُ نفسي أعيش هزيمةً لا تسمحُ لي بالحرب. يقاطعني مرارا ليستوضح عن سبب اختياري للمصطلحات. أتعامل معه كما لو كنتُ أنا خارج سيطرتي على نفسي، وكما لو أنَّ هذا سيحدث بالضرورة، ناقشنا ذلك من قبل، وأوضحَ لي لماذا أفكر بهذه الطريقة. الذي أثار قلقي هو سبب حدوث ذلك بعد أن أخذت الحياة مسارا جميلاً، ووجدت لنفسي موطئ ذهنٍ في هذا المجتمع الذي أنتمي له. أخذت أكثر من ساعةٍ قبل أن يهدأ صوتي، وتنتهي حالة [الفضفضة] ويبدأ التحليل لأسباب ذلك. يأخذنا النقاشُ إلى أسباب ذلك، أشعر بالهدوء، أبدأ بالاقتناع بعض الشيء، وتأخذ عملية التفكيكُ المنطقي لتلك المخاوف غير المنطقية طريقَها. وعندما وصل الاتفاق إلى طريقة جديدة لشرحِ ما يحدث، شعرتُ بالهدوء، فالأمر لا يتعلق بنزعة مرضية تهدف إلى الانتقام، والقتل، والانتحار، كان الأمر أبسط بكثير من ذلك الذعر.

لقد انتقلتُ من كوني إنسانا غير مبالٍ، بمصيري إلى إنسان يعبأ بشدة بمصيره. شرحَ لي كيف أنني تحولتُ إلى أحد [فناني الألم]، هؤلاء الذين يعلقون أجسادهم بخطاطيف، أو يجرحون وجوههم بالموس، يتعمدون أن تلدغهم الدبابير، فنانون استعراضيون حولوا مشاكلهم النفسية إلى مصدر دخل يغذي الجماهير التي تدخل لترى شخصاً يضرب رأسَه بلوح خشبي مليء بالمسامير، ينزف دمَه، دون أن يقطع عروقه، أو أن يعمي عينيه، وبعد نهاية العرض يذهب للطبيب، الذي يضمد هذه الجروح ويعطيه جرعة من المضاد الحيوي ويذهب للراحة لعدة أسابيع حتى تشفى الجروح. فنانوا الألم هؤلاء يتعاملون مع ندوبهم كعاملٍ إقناعٍ للجماهير الجديدة. ونعم هذا ما كنت أفعله، أتباهى بقدرتي على إيذاء نفسي، وعلى التعالي على بقية الناس الذين لم أشعر بالانتماء لهم، عوضا من أن أجرِّح جلدي، كنت أشوّه سمعتي، وأستمتع أن أكون مكروها. عندما تكون مكروها لا يخلو الأمر من شكلٍ مريض من أشكال الحريَّة، ألا تعبأ برأي الناس، وأن تستخف بأحكامهم شيء، على الجانب هُناك ألمٌ دائم ينمو في قلوب الذين يحبونك ويريدون لك الخير، وعندما شاءت الأقدار أن أنتبه لذلك متأخرا بدأت معركتي الضروس في استعادة اعتباري الطبيعي [العادي] والذي أبسط ما له هو ردع الغرباء عن إيذائي، وأكثر ما فيه تعقيدا هو حفاظي على مكانةٍ اجتماعية جيدة تسمح لي أن أكمل مساري في الحياة، مهنيا، وثقافيا ككاتب له حضورٌ معقولٌ في محيطِه الاجتماعي. حُلَّت العقدةُ التي جئتُ إليه من أجلها، وانتقلت من حالة الشرح المذعور لما أشعر به، إلى تأكيد أسبابها.

 

إنسانٌ مذعورٌ عانى من صدمات. لديه إرثٌ من تأنيب الضمير، وتشاء رحمة الله أن يفلت من دوامة عوالم الشد والجذب، والتدوين السياسي، والصراعات، وما يفعله بنفسه في لحظات الهشاشة، واستجابته العالية لمن يجيد التلاعب به، إلى ما يشبه النجم الاجتماعي، أو كما يسمى الآن [المشهور] الذي يستمدُّ طاقةً ومحبةً كبيرة من الآخرين الذين يتمنون له الخير، بدءا من دائرة العائلة، ثم دائرة الأصدقاء، وأخيرا إلى دائرة المحب من بعيد أو الصديق الذي يشعرُ أنه صديق قديم حتى وإن لم تتح الحياة فرصة لقاء. يجد هذا الإنسان المذعور نفسه بعد ظرفٍ مسح تاريخ مخالفاته القانونية في وضعٍ [عادي] للغاية يسمح له بخوض آمال الحياة بدون منغصات كبيرة تتعلق بصدام مع قانون، أو حكومة، ويجد هذا المذعور نفسه في حالةٍ من الصفاء الفكري سمحت له بالكتابة، وبالمشاركات الاجتماعية مما أدى في نهاية المطاف إلى حالةٍ من النجوميةٍ المعقولة، فماذا حدث له؟ لم يشعر بالسعادة، بل أصبح يغلي بالشعور بالعنف، وخيالات أن يقتل أحدا أو أن ينتحر في نهاية معركةٍ طويلة من الخسارات هي التي سيطرت عليه؟ ما هو المنطق الذي يجعله يفعل ذلك؟

هُنا جاء المُعالج الذي شرح بكل هدوء:

الإنسان غير المبالي أصبح يبالي. ولأنه لم يتعود على التطبيع معه حياةٍ عادية، ولم يتوقف عن الشعور بمكتسباته كوَّن حسا دفاعيا مليئا بالعنف. الصدمات السابقة تكفلت بجعله يتوقع الأسوأ دائما، والبهجة التي يعيشها مرتبطة دائما باحتياجه للتأكيدات، هو ليس مدمن مخدرات، ليس إنسانا يبحث عن كراهية الناس له، يحمي هشاشته من هؤلاء الذين يجيدون استغلالها، ويرفض أن يكون أداةً. الذي يحدث أنَّك تحبُّ التغييرات التي في حياتك، ولأنها أصبحت ذات قيمة لديك، صرتَ تبني دفاعاتٍ طويلة وعريضة وتضع خططا جانبيا لكل شيء يمكن أن يسوء. هذا انعكاس لا مبالاتك السابقة، وتحولك إلى إنسان متمسكٍ بحياتك وبفكرة الحب، وأن تسعى لكي تكون خيّرا وفق تعريفك. الذي تحتاج إليه لكي تعرف هو تحديد قيمك الحقيقية في هذه الحياة! هل تعرف ما هي القيم التي تؤمن بها في حياتك الآن!

عليك اللعنة أيها الألماني الداهية! هل هذا ما يفعله العلاج بالتوعية الإدراكية؟ حولت حالة الذعر تلك إلى خطة! وإلى طريقة واضحة للفهم! جعلتها قابلة للحل! كلامه صحيح جدا. لدي حياة تستحق الحفاظ عليها، أتمسك بها. بعد أن كانت مخاوفي تتعلق بحساسيتي المفرطة تجاه كلام الغرباء، أصبحت اليوم متعلقة بحياةٍ أريد حمايتها، وبشعور بالإنجاز، وبشعور بالنجاح، وبشعور باحتمالات المزيدِ منه. وكأنني أقول: العدو الذي يريد إيذائي سوف يغلي أكثر وأكثر، يجب أن أكون جاهزا لفعل أي شيء لكيلا يستمتع بأي انتقامٍ إن نجحَ. التفكير خارج العقلانية والمنطقية يقول ضمنيا: بما إنك صرتَ في وضع يسمح لك بالشعور بالسعادة، تلقائيا توقعت أن ذلك سوف يجذب عدوك إلى حياتِك، شعورك بالريبة والاستهداف جعل هذه حقيقة حتمية الحدوث، ولأنك آمنت بهذه الفكرة المغرقة في الارتياب كونت ردة فعل وبدأت تدريب نفسك عليها، هذا ما يحدث لك من قبل، تتفاقم الريبات، وعندما تحدثُ لحظة الاندفاع فأنت تنفذ كل تلك الخطط التي كانت في عقلك من قبل، هُنا خطورة التفكير غير المنطقي، وأنت جاهز للاندفاع إن فقدت سيطرتك على عقلك ومزاجك. ليس ثنائي القطب، هو الذي يجعلك تفعل ما تفعله، إنه هذا التفكير الذي تتجاهل تحليله مع محلل يفهم عملَه. انتهت الجلسة وأنا أشعر بالهدوء، على الأقل أدركت السبب، وعلمت ضمنيا الظروف التي قد تقود لهذه النهاية، لم يتوقف شعوري الداخلي العميق بالعنف، لكنه على الأقل تحولت من خيالاتٍ لتربصي بخصمٍ أذاني، إلى فهمٍ لماذا. العائلة حاضرة في ذهني، فكرة أنهم فخورون بي وأنني أجلب لهم السعادة والشعور بالاعتزاز فكرة لا أريد أن أفقدها. وبحجم الخسارة، يكون الانتقام. لقد وصلتُ إلى السبب، وبدأت خطة علاج هذه المشاعرُ المضطربة.

يخوضُ المستشار النفسي [والذي أرفض بتسميته بالمعالج] معي في خطواتٍ الاستقرار الشائعة. تمرين الحضور الذهني، تمرين [التأريض] وبعض الرسوم البيانية التي توضح لي لماذا صرتُ مدمن عملٍ لا يكل ولا يمل ألاحق نداء لم يعد غامضا في النفس. ثمَّ جاء الواجب المنزلي، هل تعرف ما هي قيمك في الحياة؟ ولا يخلو الأمر من إخراج هذا مما يندرج تحت تصنيف الفلسفة إلى ذلك الذي ينتمي إلى الحالة اللحظية. ما هي القيم التي تؤمن بها في هذا الوضع الذي فيه.

 

بدأت القيم المعدلة التي صرت أؤمن بها، والتي عدت للإيمان بها بالتشكل في ذهني. هذا الألماني اللعين على صواب! هذا السؤال يجب أن أجيب عليه!

أوَّل إجابة تطرأ على ذهني هي قيمة [الاستقلالية]. أريد أن أكون إنسانا مستقلاً لا يصلُ الحال بالظروف الخارجية إلى تدخل في أبسط حرياتي. أولها أنني لا أريد دخول السجن بسبب هجمةٍ على السلطة، أو على الدين. هذه قيمة جديدة دخلت حياتي بعد أن جربت حياة الإنسان الذي يعيش متعايشاً مع ظروف القانون الاجتماعي في بلادٍ ما، والقانون العرفي أيضا. إن كنتُ ابتليت بشربِ الخمر، فهل سأفعل ذلك علنا في بث علني؟ أم سأفعل كما يفعل الجميع، يحمل خطيئته بعيدا عن الغرباء ويتأقلم؟ إن كنت [أقلُّ أدبي] في الكلام؟ فهل أفعل ذلك بما يهدد استقلالي؟ فكرتي عن الحياة بوضوح [وتعرٍ] تامٍّ وكأنني بلا حياةٍ خاصَّة بي تغيرت. أن أعرض نفسي في سوق النمائم، والفضائح، وأفتح بابا للشامتين أو للمغرضين وأن أتخذ موقفا من العناد يقول: لا أعبأ بكلامِكم لم يعد حاضرا في ذهني. يبدو أن هذه القيمة أصبحت رئيسية في حياتي، ومن هنا تبدأ أهمية تفكيك مجادلات المبغضين الذين يتكلمون عن [الصدق] وهم يتكلمون فعليا عن [الفضيحة] والذين يجادلون باسم الوضوح وهم يحرضون على حياةِ الذات المُشاعة لمن هبَّ ودبَّ، حياة تحت وطأة لسان الغرباء، وفي بلادٍ مثل عُمان، قليلة السكان، محافظة، يهتم المجتمع فيها بشكلك الخارجي كثيرا، هذه القيمة تداخلت مع القيم الأخرى، لكنها لا تخلو من البروز. أريد أن أكون مستقلا، وأفضلُ أن أتجنبَ الصدام، حفاظا على ما أؤمن به، أو على الأقل على تلك الحرية السلوكية التي تضمن لي أن أتفوه بالحماقات في محيطٍ قليل من الأصدقاء الذين لا يحولونني إلى مزرعة من النمائم يغذون بها مشاعر الآخرين [مستحقةً كانت أم غير مستحقة] والتي يحلو لها احتقاري، أو ببساطة حسدي على ما صرتُ إليه من استقرار، واستقلال. أي هديةٍ للمبغضِ أن تكون مادة دسمةً، وكيس ملاكمة، وإنساناً يستطيع تعميق الكراهية تجاهه نتيجة حالة الهشاشة التي تمرُّ بها. نعم، قيمة الاستقلالية قيمة رئيسية أؤمن بها، ويبدو أن دفاعي عنها قد وصل إلى التفكير في العنف، والانتحار، والمعارك التي أجد فيها النهاية.

قيمةٌ أخرى حاضرةٌ في ذهني، أحاول الإمساكَ بها وتعزيزها داخليا وهي قيمة [النزاهة]. أريدُ أن أكونَ كاتبا نزيها، لا يكتب بإملاء من الآخرين. ويبدو لي أن هذا هو السبب الذي يجعلني أتجنب الاصطفاف تحت أي ظرف ممكن، سواء مع السلطة، أو ضدها، أو مع الدين، أو ضده، أو مع الثقافة، أو ضدها. القيمة الأولى [الاستقلالية] تتداخل مع هذه القيمة التي أريد تكوينها. سأفترض مثلا أنني عدت لعادة سيئة مثل شرب الخمر، هل سأكتب كما كنت أفعلُ عن مقتي لها؟ الحل هو أن أستر على نفسي، وأتمنى بيني وبين نفسي أن أنجو منها، وهذا ما يمهد للقيمة الثالثة، قيمة الاستقلالية تجعلني أغلق الباب على تدخل الغرباء الذين لا حق لهم، ولا خير منهم في سلوكي، وقيمة النزاهة تجعلني على الأقل إن ابتلاني الله بالعودة للخمر، ألا أكتب أنني أعيش بدونها، أو أتباهى بأنني أحد الناجين منها، الحال نفسه مع إدمان المخدرات، ما دمت بعيدا عن الإدمان، من النزاهة أن أبقى دائما في حالةِ تذكير لنفسي ولغيري أن هذا شيء حسن، نعم، هذه القيمة حاضرة في ذهني، وتتكون كل يوم لتحيط بأشياء كثيرة أحارب فيها مغرياتٍ مثل انتهاز علاقتي الحسنة بالسلطة لكي أعود إلى اللعب في مساحات الرأي العام، سواء لدفع الشر عني، أو لكسب المنافع.


قيمةٌ أخرى حاضرة، وهي قيمة التأقلم. أبسطها تعايشي مع حدود الحياة في عمان. القانون، والمجتمع، والاشتراطات العرفية التي قد تجعلك عدوا للمجتمع، أو هدفا له. لذلك ربما أتجنب الكتابة عن أشياء كثيرة، كصراع الاستقطاب الثقافي والديني. أو قضية مثل النسويات. توقفت عن الكتابة في هذه المواضيع ضمن تجليات حضوري في منصات التواصل الاجتماعي، وأكتفي بالكتابة عنها ضمن محيط ثقافي، أو تحليلي، أو نقدي، أو فكري، كل شيء خارجَ فتح باب يهدد استقلالي. القيمة الثانية [النزاهة] حاضرة عندما أحاول جاهدا أن أقول رأيي الصادق الحقيقي، والذي إن فشلتُ في قوله خوفا من ضياع تأقلمي في الحياة أفضل التحليل وبيان وجهات نظر كل جانب، كتعويض عن تنازلي عن قوله فقط لأتجنب الصدام، ومعركة لا داعي لها مليئة بالنفوس المشحونة، والحساسية العالية، نعم هذه قيمة حاضرة بشدة.

قيمة التفرد حاضرة بقوّة. إصراري على الحفاظ على مكانةٍ معنوية تتعلق بالإبداع. الكتابة، تعلم الموسيقى. وتتداخل مع قيمةٍ أخرى وهي قيمة النمو الشخصي. كلاهما يعملان في جانبٍ داخلي [جوَّانيٍّ]، العودة للكتابة، ونيل الاعتراف العائلي، والاجتماعي، وبعد كل ذلك الصلة الدائمة بيني وبين القارئ الذي لسنواتٍ أتعاملُ معه بخجلٍ تام نتيجة توالي سنوات الاضطراب الذي حولتني من كاتبٍ إلى مهذونٍ. لعل هذا الذي أقنعني في نهاية المطاف بالتوقف عن هذا اللقب العبثي [المهذون] والعودة للكتابة، بما في ذلك تلك الساخرة التي يجب أن تحمل قيمة بها عزّة نفسٍ وكرامة تمنع تافها أو لئيما من إيجاد ثغرة ليستهزئ بي كما يفعلون عادةً. لسنواتٍ طويلةٍ كنت أعلم أن الذي يناديني [المهذون] هو إنسانٌ يجب أن أحذر منه، كان يجب أن أحسم قيمتي الداخلية بيني وبين نفسي قبل أن أتوقف عن استخدام هذا [الفلتر/ المرشح] لحماية نفسي من نرجسية الآخرين التي يحلو لها اللعب على هذه المساحات. هناك قيم مثل الكرم والشجاعة حاضرة بشدة لدي، أحيط بها برؤية نقدية تحمي القيمة الأولى الرئيسية [الاستقلالية]، التعرض لاستغلالٍ من صديق أو شبه صديق كل ما يهدف له هو سحب المال من يدي، أو التعرض إلى جبانٍ يريدني أن أحارب في معركته نيابة عنه، قيم حاضرة في مساحتها مثل قيمة العطاء أو فعل الخير، ولعلها تحت الصيانة والتفنيد بسبب اختلاطِ شخصيتي المنساقة أحيانا تحت ضغط الآخرين مع شخصية الشاعر الهائجة والتي لا تفرق أحيانا بين الشجاعة، أو التعرض لضغط الأقران، وقيمة الكرم والاستغلال. يبدو أن القيمة العائلية هي التي أعادت هذا التمييز لدي، الكرم مع العائلة، ومساعدة الوالدة، والوقوف معهم، والشجاعةُ في حماية عائلتي من أي ظرف يمكن أن يؤثر عليها، بما في ذلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، أو الصدق، مع قيمة أخرى متعلقة بالاستقلالية وهي رفضي أن يحاسبني على خطأ من لم يقع هذا الخطأ عليه. لذلك أنادي كل من أسأت له أنني مستعد للتعويض، أو للاعتذار، لكنني لا أتقبل أن ينتقم، لذلك كما يبدو أفكر بالعنف، والقتل، والانتحار في خيالاتي التي قام هذا المعالج النفسي اللعين بتقديم الحلول الذهبية لها. اشعر براحة كبيرة الآن بعد أن رأيت كل هذا يتحول إلى نص مكتوب يسمح لي في وقت لاحق بالمقارنة. قيمة الامتنان، والتي تتداخل مع قيمة العائلة، وقيمة الشعور بالنعمة، مع قيمةِ الاستمرارية والمرتبطة بالتفرد، وتطوير الذات. كم أنت لعين أيها الألماني، كل هذا كان حاضرا في ذهنك؟ يبدو أن علم النفس أكثر قدرة على مساعدة المضطربين مما كنت أتوقع! عليك اللعنة! أشعر براحة هائلة بعد أن سردت كل ذلك، كنتُ عادةً أنسب الفضل للكتابة، اليوم أنسب الفضل لك، أرجو أن ترجمة جوجل سوف تسمح لك أن تفهم كل هذا المكتوب هُنا، وأظن أنها ستفعل ما دمت أكتب اللهجة البيضاء وخارج الزخرفة الشعرية التي تجعل جوجل عاجزا عن فهم ما نقوله نحن العرب. يبدو أن القيم المرتبطة بالداخل لدي هي التي تجعلني خارجياً أفعل أشياء خارج قدرتي على توصيفها. التفكير بمنظور القيمة فكرة جيدة للغاية أيها الألماني اللعين.

ذعري وهلعي له أسبابه الوجيهة. وبغض النظر عن نوعية حياتي، كنت كاتبا، أم لم أكن، كنت نجما اجتماعيا يحبه الناس أم لم أكن، هي قيمة إنصاف حقي كفرد، حقي في الحياة. أظن أن أسئلة القيمة النفسية التي وضعت بعض نقاطها على حروفها الآن هي التي تتفاعل في النهاية لتصنع لي ذلك الضغط النفسي الشديد، حيث لا أعرف أي قيمة تتداخل مع الأخرى، وأي آمالٍ تتداخل مع القيم التي أؤمن بها، وأي حياةٍ تتداخل مع الآخرين، كل هذا التقاطع بين هذه المفاهيم كان يحتاج لجلسة الكتابة هذه كيف أفهم. شكرا أيها الألماني اللعين، لقد ساعدتني بصورة مذهلة، فشكرا لك على نقطةٍ لم أكن أعرف في أي حرف كانت يجب أن توضع.

 

 

ماريو

 

 

 

 



 

 

 

الخميس، 9 مارس 2023

حضور ذهني: نقطة الآن والمكان!

 

 

 

أبدو من الخارجِ مرحاً، ولا يخفى عن عينِ المنتبه أنني إنساني أعيش حالةً مكثفة من القلق، ثمَّة شيء يدفعني لفعل ما أفعله، والمبصرُ يعرفُ أنَّ بركاناً متكامل الأركان يضخُّ حِمَمَه في عروقي. هكذا أبدو من الخارجِ، إنسانا متلاطم الوجدان، نشطٌ ومليء بالطاقة وفي الوقت نفسه ثمَّة غضبٌ شديد مدَّخرٌ جاهز للانطلاق في الوقتِ المناسب. لم تكن حياتي سهلةً، وبغض النظر عن الأسباب، وإن كنت أستحق ذلك، أم لا أستحق، وإن كنت أنا السبب كليا، أم كان السبب خارج فعل أناملي كليا، أو كما هو المنطقُ أن استحقاقي لحياتي منطقة رمادية، كأي إنسان آخر، أخطأ، وأصاب، فعل خيرا، وفعل شراً، به من حسن الخصال وسوئها حاله حال أي شخص آخر، الحُكم بهذا الترجيح القاطع بين الأبيض والأسود طبيعة نقدية يتشابه فيها المحب والمبغض على حد السواء.

أكملُ العام الثالثِ منذ عودتي لعُمان. من لاجئٍ مليء بالغضب والحسرةِ والندم إلى لحظة الآن والمكان هذه! أتتبع ظروفَ هذه العودةِ بتقصٍ دقيقٍ لما هو داخلي، وبانتباه أقل لما هو خارجي. وبقدر ما أبدو هادئا لذلك المتأمل اللامبالي فالحقيقة أنني لست هادئا. تعرضت لما يكفي من الآلام في هذه الحياة، هذا يكفي لكي أفقد طمأنينةَ سطر بوب مارلي الشهير [كل شيء سيكون بخير]، كانت أياما جميلةً عندما هذا كانَ معتقدي اللاعقلاني الداخلي الذي أسير على نهجه. بعدَ العفو السامي، قضيتُ وقتاً لا بأس به خائفاً أترقبُ، ومر العام، والعامان وكل المؤشرات تقول لي بوضوح تام: الحكومة لا تريد بك الشر! هل تريد بي الخير! هل تريد أن تضعني ضمن خططها مع الرأي العام؟ هل لديها نوايا! كل المؤشرات تقول: هو وشأنه، وإن تعدى خطوط القانون فإن القانون له بالمرصاد له ولغيره، وهذا ما يطمئنني عندما أتعامل مع هذه المنظومات التي نصها النظري كله غير شخصي، هل ينجو الإنسان من بطشِ الشخصنة في التعامل معه؟ طبعا لا، هذا هو الاحتمال الدائم من قبل الحياة ونفوس البشر التي تحاول تطبيق أسماء العقد الاجتماعي، مثل القانون، والسلطة، بما في ذلك من أدوات معقدة لإنفاذه.

عامٌ كان كافيا لأعرف أن الحكومة لم تعد تريد بي شرَّا، وعامٌ آخر كان كافيا لأفهم أنَّها لا تريد مني أي شيء، أن تكون كائنا اجتماعياً يعني أن تعيش بعيدا عن تعقيدات الغابة السياسية، والتي هي في كل مكانٍ غابةٌ مليئة بالصراع والتنافس، كنتُ لاعباً في هذه الساحة ذات يوم وخرجت منها بهزائم لا تعد ولا تحصى، أبرزها خسارة الذات، وأغلاها ثمنا الخسارة الاجتماعية التي أفرزت في النهاية مسخاً انتقامياً جاهزا للفتك بكل من يقترب منه، المسخ نفسه الذي تزيَّن الآن بملابس جميلة، ويحاول جاهدا، وأظن بصدق نية، أن يعوَّض بعض رزاياه بفعل بعض الأشياء الجيدة، أظنُّ ذلك عن نفسي وأتمنى ألا أكون مخطئا.

العامُ الثاني بعد عودتي لعُمان كان عامَ الحسمِ فيما يخصُّ خوفي مما أسميه [الغدرة]، هو خوف مستحق وفي محله وفي مكانه، هل هو منطقي؟ كل شيء في [الما حول] يقول لي هو غير منطقي، مع ذلك، من سمات أي نفسٍ تعرضت لصدمات مهولة أن تبقى دائما متربصة بالأسوأ، تترقب حدوثه، أستطيع أن أقول أن عامين كانا كافيين تماما لكي أبدأ الاطمئنان لهذا الأمر، الحكومة لا تريد بي شراً، لم أعد لاعباً متناقضا في ساحة الرأي العُماني، لا أمدحُ، لا أذمُّ وكما يقولون: كاف خيري وشري، وملتزم بحياةٍ في سياقٍ اجتماعي لا أحيد عنه.

الذي عاش حياةً كما عشتُ من الصعب أن يتخلى عن الدروع والأسلحة، وهذ المرَّة ليست بحُكمِ وجود معركة تتربص به، فلدي أعداءٌ قادرون وأقوياء، بعضهم مسلحٌ بالحقدِ الغاشم، وقليلٌ منهم لا يكلُّ ولا يملُّ ويغلي غضبا في كل لحظةٍ أبتعدُ فيها عن حلم اليقظة الذي حققته له، عندما قلتُ بكل جنون [بيدي لا بيدك يا عمر] وبدأت رحلتي الطويلة في تحطيم كل ما يتعلق بمعاوية في مجتمعِه، كم هو مؤسف أن تنهار تحت وطأة الضغط حتى تحقق أنت بنفسك، ودفعةً واحدةً ما يتمناه المبغض لك. وقتها كان كل ذلك مبرراً ومنطقيا، البحث عن الخلاص دفعة واحدة، والتخلي الكلي عن أي حضور اجتماعي، حتى ذلك الذي يشمل حقوقي العادية، والمنطقية، والقانونية والتي تشمل حقي في عدم الاعتداء عليَّ لفظا، أو إهانتي، ناهيك عن الحقوق الاجتماعية المتعارف عليها، مثل حقي في ألا أهان أو أتعرض للاستهزاء من قبل السفهاء، والغرباء، وهؤلاء الذين يتغذون من مآسي الآخرين ولا يعرفون القوَّة سوى على هؤلاء الذين أثقلتهم ضربات الحياة حتى طرحتهم في التراب والطين.

هذه هي نهاية كل الأفكار اللاعقلانية التي تتحول في نهاية المطاف إلى تصرفاتٍ اجتماعية، وفي عمان، وبالذات في عُمان، وبالتحديد، والتخصيص، والإجمال، والتعميم، والتنميط، بالذات في عُمان مثل هذه الحالة الذهنية، وما تتحول إليه من سلوك، يتحول كل شيء إلى مأساة تمشي على قدمين، وهذا ما حدثَ، كاتبٌ لمع نجمه لبعض الوقت تحوَّل إلى مدمن مخدرات زائغ العينين، متربصا من كل شيء، ومن هبَّ، ودبَّ، ومن له حق، ومن ليس له حق قادر على الإساءة له بكل سهولة. وكأنني خلقتُ لتحقيق أمنيات المبغضين تواصلت رحلتي الطويلة في الانتقام مع ذاتي، ووقتها أجمعُ رصيد الكراهية الذي أجهزه للانتقام، ربما كنت أبحث عن المظلومية بكل جنون لكي أتحول في نهاية المطاف مسخاً قادرا على إيذاء إنسان، وفعلا حدث ذلك، وأدركت أنني لستُ طيباً، وغفوراً كما كنت أظنُّ في نفسي. دائرةٌ مريرةٌ من التراكم أصبحت تُمارس بوعيٍ مرضي مسبق، قم بإيذائي، وواصل ذلك، ووقتها لا ضمير يوقفني عن إيذائك بلا توقف، هو نصابٌ من الجنون عشتُه بما يكفي لأجمع حزمة من الأعداء سنتبادل التربص إلى نهاية العُمر، ولا أحد يهربُ من عواقبِ حياةٍ مليئة بالخصومات.

أبدو مرحاً وسعيداً بصورةٍ غير منطقية. لعل نعمة ثنائية القطب تلعب في صالحي بعد الشيء بعد أن استقرت ظروف الحياة حولي، فالاكتئاب أصبح يورث الحكمة والعزلة بعد أن كان يورث الاعترافات المخزية بما فعلتُ وبما لم أفعل، والهوس الطفيف أصبح يورث لحظات الحضور الاجتماعي، وتلك الكاريزما التي يحسبها البعض من خصالِي الأصيلة، طاقة ثنائي القطب التي تتسرب بسهولة إلى الآخرين رافعةً من وجدانِهم، ومانحةً إياهم شعورا بالبهجة الهرمونية التي تبثها النواقل العصبية في أدمغة ثنائيي القطب. العبور من وإلى تلك المأساة أخذ خمس سنوات، فهل الظاهر هو الحقيقة؟ قطعا لا. الظاهر هو جزء منها، أما آثار تلك السنين من الريبة والخصومات فقد تركت أثرها، لا أتوقف عن بناء الدفاعات، وفي أبسط المواقف لا أرعوي عن الدخول في عدائية من التحذير المتتالي، لم أصنع خصما جديدا بلا سبب، ولم أصنع عدواً جديدا، ولم أسمح لصداقة أن تنهارَ حدَّ تحولها إلى معركة. هل أنا جاهز لذلك؟ للأسف الشديد نعم، جاهزٌ لرمي كل شيء وراء ظهري من أجل انتقامٍ من ندٍّ يظنُّ أنَّ الكراهية لم تعد في دمي. كم هو مؤسف أن يعيش إنسانٌ كل هذه النعم وداخله اللاعقلاني مهيأ للأذى والتدمير لهذا الحدث. المحزنُ حقاً أن تكون واضحاً مع فهمك لذاتك، وتقوله للآخرين ومع ذلك يأتي بعض الأغبياء للمجازفة باختبار تحول ذلك لحقيقة، وقتَها، طريق اللاعودة جاهز للذهاب إلى نهاية الشر.

أعيش دقائق الضوءِ وما يأتي معها من أعباء وتبعات. حياةُ النجم الاجتماعي هذه التي أقومُ بها كوظيفةٍ اضطرارية، يجدر بي الاستمتاع بها، والعيش في نشوتها. هل أفعل ذلك؟ قطعا لا. أحيطُ نفسي بأصدقائي الذين أتعلقُ بهم، ولا أجازف بالدخول في صداقات جديدة إلا في أضيق الظروف، مع أصدقاء أصدقائي، بعدَ تأملٍ واستقصاءٍ، بل وأحيانا اختبارات لا داعي لها، فقط لأطمئن، هذه الطمأنينة التي تفوق قيمة السعادة لدي. محزنٌ أن تصل لهذا الحد من الخوف، أن تفسد على نفسك الشعور باللحظة بسبب كل ما دفعته من ثمن بعد تصديقها.

يغضبُ وضعي الجديد البعض، ولا أجد غضاضةً، ولا أشعر بالانزعاج والأذى عندما يكون هذا الغضب ممن أسأت لهم يوما ما. تدهشني رحمة الله الذي يبثُّ الغفران في قلوبٍ بعضها جرحتُه بشدة، ويدهشني ذكاء إبليس عندما أجدُ غريباً لا علاقة له من قريب ولا من بعيدٍ بخطايا لم تكن في حقه أو حق من يحب وهو يتفنن في الاحتقان تجاهي. لكل من أسأتُ له يوما ما نصابٌ ما من الإيذاء، إن أراد حقُّه فلا أنكره، وأؤديه، وإن أراد اعتذاراً ولم يكن يدين لي بمثله كان له ذلك، أمَّا من أراد انتقاماً، فكأنني أبحث عن ذلك اليوم الذي أعودُ فيه إلى شرّي الداخلي، واستعدادي للتطاولُ في الأذى، كم هو محزن أن يبهجك اقتراب أحدهم لك بسكين، ربما لأنك ادخرت ما يكفي من السيوف والمقاصل جاهزاً لاختبارها على خصم أرعن! هذا محزن! محزن فحسب!

لقد انحصرت حياتي في التفكير في كيفية التصرف تجاه ظروف الحياة. أما كيف أشعر! فكل ما أفعله هو التجاوز، تجاوز الشعور بالأسى، تجاوز الشعور بالسعادة. تحولت حياتي إلى حالةٍ عمليةٍ موغلةٍ في السببية، وكأن الذي يعيش هذه الأحداث هو شخصٌ آخر. شخصٌ آخر بالمصادفة أعيش داخل عقله، وأتولى اتخاذ قراراته نيابة عنه. ما زلت غبياً، لساني تسبقني، ولا أخلو من صفات الهبالةِ والتغابي المستمر. أصدقائي يعرفون ذلك عني، وعائلتي تعرف مشاكلي فلماذا أعبأ بالغرباء؟ بعد سنواتٍ من التأمل والعلاج الداخلي قطعت الشوط الأخير في استعادة الرأس الصماء، عندما يفقد الكلام قيمته، ويبقى كل شيء محصورا في التصرف المناسبِ تجاه الاعتداء غير المبرر. قراءة هذا النص تكفي لكي يوضح التفكير اللاعقلاني الضمني الذي يحركني خارج وعيي، لا إنسان يسيطر كليا على وعيه ولا وعيه، وهذه حقيقة مثبتة علميا، كل ما أستطيع هو الانتباه، الانتباه لا أكثر إلى هذه الألاعيب التي يغدقها الذهنُ على طين ولحم يسكنها بقدر ما تسكنه.

لن أعتذرَ لأحدٍ أنني أحاول الحياة. لقد انتقلت حياتي من القلق تجاه ردات فعل السلطة تجاهي، أو الخوف من السجون، أو التحقيقي إلى قلق عاديٍّ بمعنى الكلمة، المثير للسخرية في هذه الحياة أن تجنب الاحتكاك بالسلطة أسهلُ بكثير من تجنبِ الخصومات الاجتماعية. كلا الأمرين مؤذٍ، وأكثرهما تأثيرا هو ذلك الذي يبدأ بالتربص بمحيطك العائلي، أو بالأصدقاء. بينما يغرقُ البعضُ في التأويل زيادة عن اللازم، أغرقُ أنا في ترميم حالتي الاجتماعية، وفي ذلك الشعور الجميل الذي أصادفه من عائلتي، ولا سيما صغارها الذين صرت في هذه الأربعين من العُمر أخشى كل الخشية أن يكون خالَهم مصدر عارٍ، أو خجلٍ، أو تعيير لهم. بينما يحلل البعضُ زيادة عن اللازم تصرفاتي، وما أنوي عليه، وهذا يربطني بالسلطة، وذلك يربطني بأحقاده الداخلي، وذلك يعاملني بحسن الظن الفائق، وذاك يقرؤني بسوء الظن الفائق، كل ما أفكر به هو هذه الحياة الاجتماعية التي أريدها أن تكون هادئة قدر الإمكان، ومحمية إلى أقصى حدٍّ ممكن. أبدو هادئا للغاية، ومرحا، وقد أبدو جميلا بعض الشيء، وقد أبدو خيّرا، الحقيقة هي أن كل ذلك هي لإنسان كان يائسا، وذميما، وعاش ما يكفي من القبح لكي لا يجعله هذا الجمل يغفل عن معركةٍ أخيرة نهايتها الموت، قد تفرضُ نفسها عليه، وقد يؤجلها الله برحمته فينجو من خسارةِ كل شيء فقط لأنَّ عدوا لئيما قد كفَّ الله شرَّه وشغله بمن يشبهه. رغم كل هذا الجمال والنعمة التي أسأل الله أن يستقر في قلبها شكرُها وأداء جميلها، هذا الإنسان الذي يكتب هذا الكلام عاشَ حياةً أقبحَ من أن يغفل بسبب هذا الجَمال، عن كل القبح الذي نفسه، وعن كل القبح الذي في العام وفي نفوس البشر.

كل ما أحلمُ به في هذه الحياة، هي حياة جميلة، غير مسيّسة، لا أضطر فيها إلى الرد على قبح نفوس الغرباء بقبح ما في نفسي، إلى حياةٍ أغادر فيها كل الصداقات التي آذتني، وأغادر فيها كل الظروف التي تجعلني مؤذيا. لن أعتذر لأحد لأنني أحلم بهذه الحياة، ولن أغفر لأحد يحاولُ أن يجعلها ساحة صراع فقط لأنه خسر دميةً كان يمرّن ضغائنه عليها. مختصر كل شيء قالَه شاعرٌ يعلم ماهية الحياة: "فإمَّا حياةٌ تسرُّ الصديق، وإمَّا ممات يغيظ العدا"

 

معاوية