ذلك الفقد! غيَّرني! أعاد تكوين أحماض ذهني النووية. نسجَ نهايتي، وسلَّط العناكب على الأفكار، والعقارب على الكلمات، وسم الأفاعي على ماء العيون!
كنت في طريقي لأصبح إنساناً آخر، وصرتُ إنساناً آخر، ولكن ليس ذلك الذي كنت أسعى لأكونه.
ذلك الفقد، دمَّرني. أعاد صياغة وجودي في هذه الحياة، وكلَّفني فوق طاقتي من الصبر، والاحتمال. كنتُ ظننتُ أنني عبرتُ الفجائع، ورسوت على شاطئ المأساة، موجوداً، على الأقل! وثمَّة ما لم يعد كما كان، بحرٌ جديد، ومحيط قاتم. الحياة التي لم تعد هائجة أصبحت غائبة، والنصال التي أطلقها البشر هذه المرَّة أطلقها القدر، نصلين من الخسارة، ونافذتين من التطلع الشاحب للمجهول. لم أعد من كان، ولا أعرف ما أكون، أسير مع سائر الوقت، وأطوف بين أفلاك البشر قطعةً من الظلام، والنسيان، والفقدان، مستنقصا ما كان، مستكثراً ما سيكون. لا اللعنة تعني وعودها، ولا الآمال تصدق موعودها. كل شيء غائب عدا الفقد، هو الموجودُ في حنايا الروح، يلسع الوجدان بإبر الذكريات.
للحنين ألغازٌ سريعة، كالصفعات المرتجلة من راهبٍ تعلّم الغضب بعد همود، كشوكة الوردة التي خانها طريقها إلى البتلة. لم أعد أدري، ولا أعرف ما الذي أعرفه! هل قبلتُ حقيقته؟ أم سلكت طريقته! لا أدري، ثمَّة ما يسكبُ في القلبَ دماءَه، وذكراه. من يحمي المقابر من وطء القدمين؟ لا أحد! لا أحد يحمي الموتى سوى الذاكرة، وذلك الفقد لا يُنسى، وأصعب من أن يتذكر، وأنا بين النسيان والذاكرة، أسير في أياما كالنائم، إمَّا صحو كالسكاكين، أو سلوان كضرب الفأس في الجلمود.
لم أعد أعرف ما صرت إليه! صرت شيئا ما، لا أعرفه، لا أفهمه، وطريقي طويل لأمسح زجاجه المكسور، لعل الطريق إليَّ يتوقف عن تجريح راحات الأقدام. ثمَّة ما حدث، وأقصى نصيب لي منه أن أتيقن أنني موجود، لا أكثر، وربما أقل من ذلك بكثير. الأمل كذبة صغيرة تتجلى في جملة (شكرا أيها الفقد) كأي أملٍ كاذب، تتوج رحيلة بكذبة صغيرة. لم تكبر، لكنك كابرت، لم تتجاوز غرقك، ولم تتنفس بعد، ذلك الكابوس لم يعبر بعد، والوعد البعيد/القريب، يلهبُ النفس بكل الدروع. لا طرت شعاعا، ولا نمتَ آمنا. هذا برزخك، وذلك فقدك، ولتكن كما تكون، لن تعود، لم تعد، ولا تريد أن تصبح ما كنت عليه، ولا تريد أن تكون ما تكونه، أنت لست أنت، ولا أعرف من أنت!
معاوية