بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 15 يناير 2026

المرحلة العُمانية: الوضع حاليا!

 

 

ملاحظة مبدئية:

هذه التدوينة، سردٌ لآمال مواطنٍ عُماني عاش خمس سنوات من الخوف، والشعور العارم والفادح أنَّ الأسوأ سيحدث. وما هو هذا الأسوأ؟ الفشل الاقتصادي، وحالة الركود الكبير، وأن جميعَ المساعي العمانية لصناعة حالة الانطلاق الاقتصادي، ستتأجل لسنوات طويلة، أو ربما ستفشل، لذلك إن وجدت تفاؤلا يزعجك عزيزي القارئ، أرجو منك ألا تكمل القراءة، وإن وجدت حسن ظنٍّ عالٍ بالواقع، فهذه مشكلتي، أنني أحاول التفاؤل، وأحاول إقناع نفسي بأنَّ كل شيء قابل للتحسن، ومجددا إن وجدت ذلك يزعجك، فلا تكمل القراءة، هذا المقال مخصص للمتفائلين، الحالمين بغدٍ أجمل، لذلك إن أكملت القراءة ووجدت خطأ منطقيا، وحقائقيا، فهذا نتاج اجتهاد وخطأ، أما إن كانت ردة فعلك عبارة عن حقن اليأس في الحماسة، فهذا ليس نقاشاً، هذا شيء أجنب نفسي إياها حفاظا على ما تبقى من رباطة جأشي، وشعوري العارم بأن السيناريو الأشد خوفا قد ولّى في المرحلة العمانية الحالية.

 

دعني في البداية أعترف بالسيناريو الكابوسي الذي كنت أخاف منه. ويتمثل منطق تسلسلي ستجده منطقيا وبسيطا. انظر لهذه الأحداث. منذ عام 2020م. كنت لاجئاً وقتها، والبلاد كانت في حالة طوارئ وحذر شديد امتد لست سنوات، السبب المعلوم الذي لا ينطق عنه أحد هي خطورات مرض السلطان قابوس رحمة الله عليه، والكوابيس التي كانت يمكن أن تحدث لعمان إن حدثت انقسامات، أو انهيار اقتصادي شامل، القروض المتتالية كانت سيدة الموقف، وكتب الله لعمان النجاة والبدايات الجديدة، والتي، كعادة عمان، تكون بدايات صعبة.

كنت متفائلا على الصعيد الثقافي كثيرا، أن يتولى حكم البلاد سلطانٌ قادم من الحقل الثقافي انعكس ذلك فوراً بتحسن ملموس في أحوال الكتابة العامَّة. حالة الحذر الشديد التي شابت الكثير من الأشياء في عمان بدأت تنحسر، وعاد الواقع الكتابي ليصب مجددا في منطقته المرتجلة البديلة (الإنترنت)، ورافق ذل تحسن طفيف في حالة الرقابة الإعلامية، وبدأت تختفي مع الوقت وسوم (الحرية لفلان الفلاني) ويقل عددها. هذا الجانب الذي كان يهمني في عمان وقتها قبل أن تتغير أسئلتي العمانية جذرياً وأنا أدخل وضعا جديدا. رب الأسرة العماني الكلاسيكي الذي عليه أن ينظر إلى شؤون أسرته، ولاحقا الأب الذي يرى الدولة منظومة صحيةً، وتعليميةً وتربطه علاقات مختلفة عن ذلك الشاب الذي كان يرى في العالم (حرية تعبير) ولا شيء آخر. خلال تلك المرحلة، كنت أصمتُ عن ذلك السيناريو المخيف الذي كنتُ أرى إمكانيات حدوثه معقولة، ولا أعرف كيف تجاوزت عمان هذه المعضلة، كل الذي أستطيع قوله هو الحمد لله أن الأسوأ لم يحدث.

إن الأسوأ الذي أتحدث عنه مرتبط بشكلٍ مباشرة بأي فشل اقتصادي ذريع كان سيحدث في بدايات العهد الجديد. انظر إلى هذا الافتراض، وهذا التخيل المليء بالخوف. تنتصر الديون، وتختار الدولة نظام التوزيع المباشر للثروة النفطية الذي يفلت كل يوم من اليدين، والاختيار يكون تأجيل الانطلاق الاقتصادي، وتحدث الأزمة الآن، بعد خمس سنوات من الاستمرار على نظرية اقتصادية خطرة للغاية من حيث الاستدامة رغم حلاوتها المرحلية وما تشكله من تخدير مباشرٍ للاحتياجات المهمة للطبقة الوسطى. السيناريو الآخر، المجازفة الاقتصادية الهوجاء، وأن تكون البلاد رهن التقلبات الاقتصادية وتحدث الخسارات الكبيرة، ونصل إلى حالة من الاضطراب بسبب الاقتراض المباشر، ولا أحد يعلم أي كوارث ستأتي من هذا الاندفاع غير الحكيم. سيناريو وراء سيناريو كله مرتبط بشيء واحد (الاقتصاد العماني الحديث) وهو الخيار الوحيد الذي يبدو في الأفق.

ما الذي سيحدث تلقائيا؟ حالة من الركود، المزيد من التسريح، السخط العام يتزايد، ومع الوقت تبدأ المرحلة العمانية في دخول النفق المظلم، الغضب، السخط، وغيرها من أشكال الممانعة والرفض، وردات الفعل، وفليودّع المتفائلون أحلامهم، سيكون الواقع مكهربا للغاية، والتلميح يغني عن التوضيح، سندخل مجددا في حالة من الصرامة الشديدة، والضغط الشعبي سوف يصطفي مجموعة من الأشخاص مجددا ليتولوا واجب الحديث نيابة عن العموم الكبير، وهذا تكرر عدة مرات منذ عام 2005م إلى هذه اللحظة والذي عاصر أحداث عمان آخر عشرين سنة سيرى هذا النمط عدة مرات.

هذا كان السيناريو الكابوسي، أنَّ الأشياء ستسوء، ويبدو من المؤشرات العامَّة أن عُمان قد تجاوزت نسبيا هذا النفق المظلم، ودخلت مرحلة جديدة وهي (الوضع يقبل بالفشل) وأعرف أن هذا ليس ما يحب كثيرون سماعه، لكن أرجو أن يكمل القراءة لكي يفهم أن (الوضع الذي يقبل بالفشل) هو شكل مبدئي من أشكال النجاح. تحقيق ما يكفي من الأمان الاقتصادي يسمح للبلاد بدخول منطقة مجازفة اقتصادية محسوبة، إن نجحت وأتت بمردود كان بها، إن لم تنجح؟ لن يؤدي ذلك بالضرورة إلى الانهيار الكامل للمنظومة، وبالتالي يمكن المحاولة مجددا. هذا سبب تفاؤلي الحالي، أن الوضع يقبل بالفشل، ويقبل بالإخفاق، ويقبل بتلقي بعض الصدمات الخفيفة التي لن تكسر العمود الفقري للمنظومة الاقتصادية.

إعطاء رأي عن جدوى المشاريع الأخيرة عملية صعبة ومعقدة، وهي مهمة المتخصصين الذين يرفضون الدخول في التفاصيل، ويكتفون بالتصريحات العمومية، ولا أحد أصبح اليوم يسمع أو يقرأ الشرح الطويل، حتى هذا المقال كم قارئا سوف يكمله للنهاية؟ قليل جدا أليس كذلك؟

لهذا، الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يوصل الرسالة هي النتائج، وأعرف كم سيود كثيرون قراءة الكثير من المديح عن السلوك الاقتصادي العُماني. لم يحن وقت المديح والاحتفال بعد، هذا وقت تنفس الصعداء والشعور بالنجاة، والتحركات العمانية التي كانت تكثر مؤخرا تكشف لنا عن النظرية الرئيسية القادمة للمرحلة العمانية (الاقتصاد هو سيد الموقف) وبالتالي، إنشاء الاقتصاد في ظروف حذرة للغاية، تتجنب السقوط الكبير كانَ هو عنوان المرحلة في السنوات الأخيرة. التغيير الذي حدث في مجلس الوزراء مؤخراً يكشف لنا أن المرحلة الاقتصادية انطلقت رسميا، تعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم، الذي هو ولي العهد دستورياً في منصب مهم للغاية كنائب رئيس وزراء للشؤون الاقتصادية يجيب على كل التساؤلات التي قد تتخلق في فؤاد أي إنسان يتابع بترقب ما يحدث في الساحة العمانية، اتضحت المرحلة، وهذه بداياتها.

الرسائل التي يوصلها هذا التعيين كثيرة للغاية، وتحتاج إلى مقالات كثيرة وبركة كاملة من الحبر لكي تحسب حساباتها المعقدة، سياسيا، واجتماعيا، فضلا عن جوانب أخرى وجودية لها علاقة بعمان، وأيضا لا ننسى، عمان المدنية الحديثة لها من التاريخ حاكمان فقط الأوَّل هو المؤسس، والثاني هو الذي تولى مقاليد عهد الديمومة، والاستمرارية، والانتقال السلمي للسلطة وغيرها من المفاهيم التي كلها أيضا جديدة، مثل مفاهيم الاعتماد على دولة اقتصاد بعدما كانت عُمان عادةً دولة مبنية على الجهود السياسية الفردية المؤثرة للسلطان قابوس رحمة الله عليه. أما وقد وضعنا هذا على الطاولة دعوننا نفهم الآن أكثر.

تعيين ولي العهد الشاب في هذا المنصب الحيوي يعني الكثير، ولكن ما هي الأهمية القصوى لهذا التعيين؟ أن هذا الشاب المتعطش للنجاح وللتمكين قد وصل أخيرا إلى الموقع الذي يسمح له بالتحرك أيضا من أجل الاقتصاد العماني؟ ومن الذي يفعل ذلك قبله؟ السلطان نفسه كان يفعل ذلك، وأيضا شيء جديد على عمان، عادةً جهود فترة التأسيس كانت في المقام الرئيسي سياسية والاقتصاد لم يكن ضمن أولويات المرحلة، ولأنه من الأساس مبني على التقلبات كان حذر فترة التأسيس الكبير يتجنب جعله النموذج الرئيسي الذي يموّل الدولة، ويضخ (مال) الحياة في المنظومات الإدارية والعسكرية. كبرت عمان اليوم، وعدد السكان زاد، وتغيرت خارطة المكوّنات السياسية والمنظومية في عمان. وجود ولي العهد في هذا الموقع يعني الكثير، وأبسطها أن الدافع الضخم لهذا الشاب لتحقيق النجاح، وللوصول الدولي، بينما عملية التهيئة المستمرة تحدث على مسمع ومرأى الجميع، ترقياته العسكرية تظهر في المناسبات العامَّة، تحوله من وزيرٍ إلى منصب سيادي رئيسي في الدولة وأين؟ في أهم مفصل من مفاصل احتياج المرحلة العمانية (الاقتصاد) كل هذه خطوات لا شك ولو لثانية أنها محسوبة ومخطط لها بدقة، وبحذر شديد، وبحماية تامَّة للاقتصاد من نوائب الزمان، وربما لهذا السبب كان الدين العام والتقليل منه سيد الموقف الاقتصادي لسنوات متتالية، ولم يخل ذلك من صعوبات في مناحٍ كثيرة، آمل كل الأمل الآن أن تقل مع الوقت مع تحسن الأداء الاقتصادي العماني.

 

ما الذي (أتخيله/ أتمناه) أنَّ المنظومة السيادية كلها الآن تتحرك بكل قوتها في ضخ قوَّة عمان السياسية، ومصداقيتها الدولية لتضيف لها قيمة مضافة، وهي تحسين الطلب على الاقتصاد العماني، وجلب الاستثمار لها، وتفعيل الممكنات الكثيرة التي يمكن لعين الأجنبي أن ترصدها، فقط في حالة واحدة؟ في حالة كان لديك اقتصاد قادر على تحمل الضربات، وقادر على تحمل (بعض الفشل) ولذلك، هنا جوهر الفكرة. أن يكون الوضع العماني جاهزاً لأي ظروف قاهرة، أو حروب في المنطقة، أو ركود اقتصادي كبير كما حدث من قبل عدة مرات، الأزمة المالية العالمية في منتصف المراهنة على الدقم، تسليم السلطة في منتصف وباء كورونا، إن كان يمكن تلخيص الكثير من الأشياء في عمان إضافة إلى احتياجات النزاهة والحرب على الفساد والتخطيط السليم، فإن سوء الحظ أيضا عاملٌ كبير للغاية في كثير مما حدث.

تهيئة الوضع للانطلاق (كما يظهر من المؤشرات العامَّة) تمَّت، ومن المؤكد أن تعيين ولي العهد كنائب لرئيس الوزراء هذا في حد ذاتهِ دليل على طمأنينة وشعور بالأمان الاقتصادي يسمح بالمزيد من المجازفة الاقتصادية، فالاقتصاد والربح لا يحدث بدون مخالفة، أخبار جهاز الرقابة المالية للدولة، والتمكين الإعلامي له، الخطاب السلطاني الذي يجعل المرحلة مبنية على المحاسبة والمساءلة يتحول مع الوقت إلى أخبار واقعية، وفي الوقت نفسه الرحلات المكوكية من دولة إلى دولة، والزيارات، كلها تصب نحو الانطلاق الاقتصادي.

إن وجود صاحب السمو ذي يزن في هذا الموقع يضيف إلى جهود المنظومة السيادية الاقتصادية، ويجعل الاقتصاد قبلة رئيسية، ومن هذا النمو، والرعاية الاجتماعية، ومع تحسن الوضع المالي للدولة هُنا ستدخل عمان مرحلة اجتماعية مختلفة فقط الجيل الجديد سيكون قادراً على فهمه، الجيل الذي ترعرع على قيم عالمية في مجتمع عمان الطوارئ قليل الفرص، ماذا تعلم هذا الجيل: اصنع فرصتك بنفسك لأنَّ العالم لن يترفق بك!

إن حدث النجاح الاقتصادي العماني المأمول، سيغير هذا الجيل المعادلة، وتذكروا كلامي، هذا الجيل الذي تلقى الرأسمالية الرقمية، والابتكار، ويصمم التطبيقات، وولد ويعيش في عصر الذكاء الصناعي، والأسواق العالمية تصنع الأنماط الجديدة العالمية العابرة للحدود للنجاح ولمفاهيم النجاح. الاختيارات الاجتماعية القادمة في الطريق ستتغير، والذي يعمل لكي يعيش سيجد شيئا مختلفا عن الذي يعيش ليعمل، من هم ناجحو عمان الجدد؟ وما هو شكل نجاحهم؟ وما هو شكل التنافس بعد أن تضخ الأموال في السوق وتعود المشاريع الكبيرة للعمل؟

لا أعرف إن كانت الدولة العمانية قد سيطرت بما يكفي على جشع القطاع القاص، أو على جوقة المحتكرين، المؤشرات تقول أنَّ الخيارات الاقتصادية الجديدة، وأن المنظومة السيادية وهي تدخل بكل قوتها يجعل الأمر صعبا على أي مجازفٍ بممارسة الضغط على الدولة للحفاظ على أي مكتسب اقتصادي، تعادي الاقتصاد، تحاول احتكار أي قطاع، مباشرة هذا يعني أنَّ تحاول إفساد عمل الدولة وسعيها الرئيسي لصناعة العهد الاقتصادي القادم، ومن الأساس عمان تسابق الزمان لكي تصل إلى هذا الوضع المنفتح على العالم، والذي يسمح بتبادل المصالح بموقف تفاوضي قوي. تحسين الطلب على عُمان يكمن وراؤه الكثير مما لا يقال، يهمس به عن العوائق التي توضع أمام مشاريع ضخمة وكبيرة، بعضها بسبب خارجي، وبعضها بسبب داخلي. هل هذا ما أفهمه من الواقع؟ أم الذي أتمناه؟ بكل صدق لا أعرف، هذا ما أتمنى أن يكون أنَّه يحدث في الواقع العماني.

ما هي مآلات الانطلاق العماني الحالي؟ كما آمل، تحسن الوضع الاقتصادي، المزيد من الجذب العالمي على عمان، المزيد من الدول تجد في عمان فرصة استثمارية، مع الوقت رؤوس الأموال تصب، أنماط الحياة الإسكانية والأحياء الجديدة تصبح حالة انتقال عمومية للواقع الاقتصادي العماني الجديدة، نظام رعاية مختلف، وربما منفعة إسكانية عامَّة ومشاريع أسكان شعبي، هذه أحلامي لا أعرف إن كانت خطة الدولة هكذا أو لا. اقتصاد يسمح بالابتكار، والتنافس، وفي الوقت نفسه به حماية عالية للطبقة الوسطى وللمشاريع الصغيرة، كل هذا ممكن فقط بطريقة واحدة: اقتصاد صحي، نامٍ، متين، يتحمل الضربات إن ظروف الحياة مضت بما لا يؤاتي الطموح والخطط.

 

أعود للواقع وأتوقف عن الأمنيات. هذا السرد كله هو محاولة تفكير في الوضع الراهن لعمان. شعور عارم بالنجاة من السيناريو الآخر الذي كان يمكن أن يحدث لو فشل الاقتصاد العماني، شعور يشعر به كثيرون ولا ينطقون به علنا. ما الذي ننتظره الآن؟ ننتظر أن يتحول كل هذا السعي إلى واقع جديد، ينمو تدريجيا، ويتحول مع الوقت إلى حالة زخم، وبعدها إلى انطلاق، ومنها إلى المأمول، هل سيكون ذلك خلال سنة؟ ثلاث سنوات؟ خمس؟ لا أتمنى أن يتأجل ذلك، الجميل في المرحلة العمانية هو هذا الشعور بالنجاة، والأمل في المرحلة القادمة هو الشعور بالنجاح، ومن النجاة إلى النجاح، تمضي المرحلة العُمانية بكل أسئلتها وتحدياتها، وعلى الإنسان السعي، والباقي بأكمله في يد الله وأقدارها الذي أسأله أن يلطف بعمان وبشعبها وأن يكتب لهم الوفرة والرخاء، وأن يحميهم من الترف والعجب وإتلاف المنجزات. لا أعرف كيف أصف هذه التدوينة، هل كانت تخيلات حالمة؟ أم كان واقع به الكثير من الأمنيات؟ أم أمنيات بها الكثير من الواقع، هذا ما شعرت به، وتخيلته، وفكرت فيه مجموعا في تدوينة واحدة.

 

وللحديث عن عمان بقية

 

معاوية الرواحي