نحن نعيش عهد تأسيس جديد. من أسئلة (ماذا؟ هل؟ من؟) إلى أسئلة (أين؟ كيف؟ متى؟) ....
ننتقل من وضع أن الغريب مصدر قلق شديد، وقد يؤثر على كيفية بناء الدولة الجديدة، التي بلا جيش وبلا مدارس، إلى أن الغريب هو مصدر قيمة مضافة معرفية ومالية وعلمية نبحث عن فائدته في نسيج الوضع الداخلي، مع الاحتفاظ بكل القدرات التي تحمي من تأثير سلبي قد يحاوله أو قد نسمح بحدوثه داخليا.
وكالعادة كل حد يتجنب الحديث عن الموضوع لأنه يظن إنه كبير للغاية، وإنه لا يجب الخوض فيه، بينما التنظير لأنماط الحياة، وأنماط الإدارة الحالية هو أول واجبات عهود التأسيس. نحن عمليا ابتداءً من يناير 2026م نعيش عهد تأسيس الاقتصاد العماني الحديث، وهذا لن يكون سهلا بسهولة كتابة هذه التغريدة، سيكون مليئا بالتحديات.
قبل: معك بترول + قياسات إنفاق + مجتمع قليل السكان، والأولويات يكون معاك ما كان مفقودا، صناعة شيء من العدم. الآن تجاوزنها هذه المرحلة.
الآن: معك بترول، تحتاج تضخم وفوراته في اقتصاد ينمو، معناه محتاج تحرك أدواتك الداخلية والخارجية، وأيضا تكون جاهز لتلقي بعض الضربات، وايضا تكون جاهز لكي لا تجهز الخسارة على مشروعك واستقرارك.
مع بلاد مترامية الأطراف محتاج تحسن الطلب عليها لكي تحصل على مردود استثماري أفضل مما تحصل عليه عادة نتيجة لغياب المكونات التي تجعل الغريب القادم من الخارج خائفا على رأسماله.
الأمان السياسي، ثروة أهدرت طويلا في عمان وكل مرة هناك سبب، بعضه خارج متناول القدرة الداخلية، وبعضه داخل متناول القدرة الداخلية، ولا ننسى مقاومة هائلة للغاية للتغيير، فضلا عن الخوف من المجهول.
دولة اقتصاد؟ يعني دولة قلق وتنافس، دولة يجب أن ترفع شعار الكفاءة أولا، والإنتاج يكون سيد الموقف، يعني تغيير هائل في عقلية التفكير العام، يعني انطلاق، وربما إخفاق، وإعادة تصويب المسار، ثم محاولة الانطلاق مجددا، وهكذا دواليك.
المفاهيم الإسكانية الجديدة، وكل هذه الأحياء بما تبدو عليه من (ملايين ضخمة) غير كافية من الأساس، وستحتاج إلى عشرات وعشرات منها حتى تحقق الانتقال الكبير من المدن القديمة إلى المدن الجديدة، وبالتالي يكون لديك ضغط سكاني أقل ضمن جسر انتقال تدريجي يسمح لك لاحقا بتطوير المشهد السابق وإعادة تجهيزه لكي يعاد ضخه كاملا في اقتصاد متحرك.
كل هذا لن تفعله وحدك، ليس بدون العالم، وأن تكون دولة دموية مشاغبة تتدخل في كل مكان ليس لها كلمة يختلف عن كونك عمان، دولة جاهزة تماما بمصداقية عالية. هذا سياسيا، هذا على صعيد الأمان، هذا على صعيد السلم الشعبي، هذا على صعيد غياب الفتن والحمد لله، لكن ليس هكذا يفكر الاقتصادي، يفكر في شيء واحد: ماذا يحتاجون؟ كيف أحل هذه المشكلة؟ وماذا سآخذ بالمقابل؟
المستثمر الخارجي يجي ويشوف على أمان البلاد عشان يقرر قرار المجيء، لكن ما كل هذا اللي يحتاج له، أولا يحتاج يشوف نمط حياة ممكن يعيشه، وسيجده، شعب هادئ متصالح وطيب ونسبة العنف قليلة جدا.
سيحتاج إلى ضمان لحقوقه وإلى قضاء قادر على البت في منازعاته، سيحتاج إلى بورصة متحركة تحقق له أهدافه، سيحتاج إلى أن يشعر أنَّه ينمو في محيط محمي، لن يتعرض لضربات من حوت من حيتان السوق، أو يجد نفسه يفقد الأدوات التي يدير بها ثروته ومصالحه.
وأنت داخليا ماذا تحتاج؟ تحتاج تحمي نفسك كفاية من أنه لن يفعل ذلك باقتصادك، ولا بسوقك، ولن يغير قوانين اللعبة لصالحه ولن يصبح مصدر أرق وضغط لا يمكنك التخلي عنه، وفي الوقت نفسه لا يمكنك التفاوض معه من منطلق قوَّة ..
لنا أبسط مثال في شركة (طلبات) ما هي حصتها من السوق؟ وهل هناك أي منافس لها؟ وأنا أسأل لأنني لا أعرف الإجابة، إلى أي مدى طلبات هي كيان اقتصادي لا يمكن المساس به؟ ويفرض شروطه على الميدان؟
تجربة أولى، ماذا نستفيد منها؟ كيف نصوب المسار؟ وكيف نبدأ من البداية لكي لا نضع هذا العالم الهائل في وضعية أقوى منا.
تحسين وضع الطبقة الوسطى لن يكون تحديا كبيرا في حال نجحت المساعي الاقتصادية، لأنه حتى لو حدث ذلك الغلاء المتوقع (وسيحدث) سيتقبل متقاعد لديه خمسة أبناء لا يعملون الغلاء عندما يرى خمسة من أبنائه يعملون في وظائف في الشركات الجديدة، أو ربما في الدقم أو غيرها من البؤر الاقتصادية التي كل الهدف العام الآن جعلها منتجة، وقادرة على النمو.
الخطوة الأولى هي أن تنجو من السيناريو الأكثر مرارة. السيناريو الذي لا رحمة فيه، سيناريو الركود الاقتصادي الشامل، وسقوط البلاد تحت سيطرة الديون، وسلم على عمان إلى أكثر من عشر سنوات من الضغط وربما من الاحتقان الشعبي، وما يأتي مع ذلك من صعوبة في الحياة وطبعا بلا شك تراجع هائل في مستوى الحريات، وعشنا هذا الوضع من قبل، وكلنا نعرف أنَّه لا ينفع أحدا، ولا ينفع بلادا، ويقود إلى ركود خطير للغاية.
منحنى التعلم العماني يذهب إلى ما يلي: كيف نتعلم أن نمسك بخيوط الميدان، بدون أن نجعلها مشانق لمن يثق بنا، وبدون أن نجعلها حواجز لمن يريد المجيء، وبدون أن تكون مرتخية جدا لدرجة أن الغريب الذي سيأتي بقوة المليارات يفرض شروطه بسهولة علينا.
التحدي كلمة (صعب) ما قليله فيه، لكن مستحيل تدخله وأنت رأسمالك الذي إن خسرته سوف ينهش الدولة من الداخل! هنا وجه التفاؤل الكبير، إنه شيء مجال للخطأ، وإنه الخسارة لن تكون مساوية لأزمة مترامية الأطراف. كيف سيحدث ذلك؟ ومتى؟ وأين، هنا المنظومة كلها تتحدث، كلها تعطي نتائج، وكلها تحدد المسار الاقتصادي العماني يذهب إلى أين.
من النجاة إلى النجاح، هذا هو الفرق بين مرحلة الحماية والحذر، إلى مرحلة المجازفة المحسوبة التي إن لم تنجح، على الأقل لم تنسف بك وباقتصادك كاملا.
الجانب الذي أستطيع أن أتحدث فيه متعلق الآن بالكتابة والنشر: حان الوقت للتنظير المكثف حول أنماط الحياة الجديدة في عمان، وإعادة تعريف الكثير من الأشياء، كل هذا جديد، وعمان متعودة على حدوث أشياء جديدة، من النافع استباق كل هذا بالتفكير فيه، لاحقا ستعم الفائدة من هذا الاستباق عندما تكون الحياة مزحومة للغاية، ولا داعي أن نتعلم من الأزمات، فلنتعلم هذه المرة من الخطط، وبالاستباق والذي مهما كان دقيقا لن يحدث كما سيحدث في الواقع، ولكن على الأقل، استعداد جزئي خير من لا استعداد على الإطلاق.
هذي وجهة نظري ..