بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الـــراهــــب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الـــراهــــب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 أغسطس 2024

إدمانات عميقة!

 

 

إنَّه يومي الثاني بلا تدخين. تغيرت العادة فقط ولم تتغير المادة الإدمانية. الذي كان يغزو الجسد عن طريق الرئة أصبح يستأذنه عن طريق الفهم. منتجات بديلة، طبية وأخرى شعبية، وكلها تصب في الهدف نفسه، إيقاف استهلاك الرئة، وإدخال الدخان إليها. وماذا عساك أن تدخن؟ السجائر؟ أو تلك الإلكترونية التي لا تخلو من أخطارها الأخرى. تدهشك بتجمع سوائل في الرئة فتضرب الأخماس في الأسداس وتتساءل: ما الذي جعلني أتقبل هذا الموت البطيء طوال هذه السنين؟

 

واقعيا، ومنطقيا قد أكون دخلتُ منطقة الخطر الأخير دون أن أعلم، قد تكون جينات الرئة قد تغيرت، لا أعرف هل هي الجينات أم الكروموسومات، أم شيء ما له علاقة بالحمض النووي الوراثي، الذي أعرفه وليست لدي رغبة الآن في [جَوْجَلَتِهِ] هو أنَّ التغييرات التي تؤدي للسرطان قد تحدث، وقد تؤدي إلى السرطان حتى بعد الانقطاع عن التدخين بسنوات، إن كنت تريد معرفة الحقيقة فوفّر عليَّ ذلك وابحث عنها بنفسك عزيزي القارئ، لست هُنا لكتابة نص علمي مُتقن، هُنا أنحت مفهوماً شخصيا، شيئا يساعدني لاحقا على مواجهة الهجمات العدمية، وتلك المفعمة بالاستخفاف بالعواقب، تلك التي ستأتي بعد شهرين من الآن. إن نجوتُ من العودةِ إلى التدخين لشهرين، وقتها سيبدأ التحدي الصعب، وأسئلة الإدمان العميق!

 

هل هناك حقا إدمان عميق وإدمان سطحي؟ يخيِّل لي هذا وأنا أنظر إلى عدة عوامل مختلفة بين إدمان وآخر. هل يمكنني أن أقول عن إدمان الكوكايين أو الشبو إدمانا عميقا! لا يبدو عميقا، يمتد لسنوات، وقد يحدث ذلك في ظروف خاصة جدا، هذه الإدمانات غير القانونية والتي تحيط بها العواقب من كل حدب وصوب قد تصيب الجهاز العصبي في مقتل، تصيبه بتلف دائم، لكن هل هي عميقة عُمق إدمان مسموح؟ إدمان القهوة مثلا؟ إدمان دوبامين الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي؟ أيهما أعمق حقا! يأخذني عقلي إلى الاستنتاج أنَّ إدمان القهوة أعمق بكثير، وأكثر تغلغلا من إدمان المورفين حتى! كم عساك أن تدمن المورفين، أو الهيروين قبل أن تصل إلى نقطة الخطر! حتى إدمان الحشيش، لا أتذكر أنَّه كان عميقا لهذا الحد، يعطل الحياة اليومية، يلفت الانتباه، يغير طريقة التفكير، لعله أعمق من الإدمانات الأخرى، ولكن هل هناك إدمان أعمق من القهوة؟ والشاشات؟ والنيكوتين؟ لا أظن! التدخين إدمان عميق للغاية! ولذلك محاربته تحتاج إلى تجهيزات فكرية ومجادلات دفاعية، فالهجمة لا تحدث الآن.

 

إنه السنة الخامسة لي وأنا أدخل حالة الإرادة هذه، أنجح وأخفق. أحاول تحويل فشلٍ متعدد الأركان إلى نجاح تعويضي، هذا ما أفعله مع جسدي الذي أرهقته بسنوات من سوء الاستخدام. تعافيت بنجاحٍ مُرضٍ من استخدام طويل المدة لمخدر الحشيش. عادات كثيرة تغيرت، صرت رياضيا، تغيرت أشياء كثيرة بي، عدت للدراسة، فعلت أشياء جيدة كثيرة، وبقيت هذه العادة الملعونة التي تعبر عن فشلي الرئيسي الذريع في هذه الحياة. كنت أعلم قبل عشرين سنة أنني سأندم كثيراً على دخولي عادة تدخين السجائر، كنت أعلمُ وأنا أورط نفسي بمادةٍ هجومية متوحشة متغلغلة يدعمها شيطان رأسمالي جعلها مباحة قانونيا أنَّ اليوم الذي أندم فيه وأحاول التخلص من هذه العادة سيأتي. كم محاولةً حتى الآن؟ عشر؟ عشرون! لا أظنها تقلُّ عن العشرين! وفي كل مرة أتعلم شيئا جديدا، طريقة جديدة لزيادة عدد الأيام الأولى. ودائما النهاية نفسها تحدث!

 

لدي خبرة كبيرة جدا في الانقطاع عن التدخين لمدة شهرين أو ثلاثة. لهذا أنحت الآن هذا المصطلح الذي لم أبدأ النبش عنه حتى الآن، لعله يستخدم في سياق آخر في أدبيات علمية أخرى. أميل إلى تسمية استهلاك النيكوتين عبر الرئة بالإدمان العميق! لأنَّه حقا متغلغل، مثل سوسة النخيل التي صنعت مساراتها في جذع النخلة! هل ستقطع جذع النخلة فقط لأن السوس قد هجم عليها؟ ستتركها، ستحاول رش مناطق العدوى، ستفعل الكثير، لكنك لن تقطع جذع النخلة! تشبيه قد لا ينطبق كثيرا على هذه العادة المباحة، ومن يعلم حياة المدخن غير المدخن؟ الحياة المُضافة، النشاط الإضافي، الاستيقاظ السريع، الهجمة السريعة على القلق، والاكتئاب، التخلص من عناء يوم مرهق، القراءة مع السيجارة، القهوة مع السيجارة، الكتابة مع السيجارة، هل عرفت لماذا أسميه بالإدمان العميق؟ لأنه يتغلغل ويرافق العادات مثل الآفة الضارة التي تضع بيوضها وتنمو يرقاتها في أنسجةٍ أخرى. وتمضي السنوات، وتتكاثر هذه اليرقات الفكرية في عقل المدخن، فيقبل السرطان، ويقبل ضعفه، ويقبل المصير النهائي المحتمل للمدخن، ومع ذلك، يبقى يلف ويدور ويضرب الأخماس في الأسداس، يقطعُ لبعض الوقت ثم تهجمُ عليه هجمات التفكير العدمي فيعود لعادته السابقة مفتقدا حياته المضافة، ذلك المنشط الكيماوي الذي تدخل في سلوكيات كثيرة في حياته.

 

أيشعر شارب القهوة المتطرف بهذا الشعور عندما يصاب بالقرحة مثلا؟ أن إدمانا عميقاً منحه حياةً مضافةً يُسحب من حياته. لا أجد إدمانا شبيها للسجائر مثل إدمان القهوة، أو إدمان الشاشات هذا الذي يجعلنا بهلعٍ نفتح [الواتساب] بذعرٍ شديد وكأننا نخاف أن يفوتنا شيء ما. منصات رقمية مصممة بعناية، مثل السجائر، لنستخدمها فنعود مشبعين بشيء ما، شيء ما من القلق المختلط بالراحة، من الانتباه المختلط بالشعور بالحياة الاجتماعية، أننا نرى الحياة من شُرفة تُطل على الكوكب كاملا! وتغرس العادة نفسها لسنوات وسنوات، يرقات الأفكار/الآفة تصنع مساراتها في جسد فلسفة الحياة، فنقبل هذا القلق العارم، ونتصالح معه، بل ونتصالح مع هاتف سخيف للغاية لا يحتمل يومين دون أن تفرغ بطاريته فيعيدنا رغما عن أنوفنا إلى مدنية الكهرباء، خاضعين، مذعنين، نقبل هذا الشتات، ننفصل عن حرية الطبيعة، نخترع الطرق التي تأخذنا إلى رحلةٍ صغيرة، مصطحبين بنوك الطاقة، ووسائل الشحن، ونحن في هذا الذعر، والرعب من فوات أي شيء، يدخل هذا الكابوس لكي يمنحك وسيلة راحةٍ من هذا القلق العالمي! إدمان عميق لتهدئة قلق إدمان عميق آخر، وهكذا دواليك، ننهرس تحت وطأة هذه العادات التي جعلتنا ما نحن عليه من كوكب فرداني متنصل، لكل إنسان صوت، لكل إنسان رأي، لكل فردٍ حياته المنعزلة وفي الوقت نفسه المتفاعلة مع كل ما يشبهه، ومن يشبهه في فضاء البسيطة الملغوم بالحروب والنزالات الفكرية!

 

هذه معركتي، التي عشتها مع السكّر، والقهوة، وتويتر، والفيس بوك، والآن مع إدمان النيكوتين العميق! أصعب ما في الإدمانات العميقة هذه أنَّها مباحة قانونيا، واجتماعيا. هل اتصلت بالشرطة ذات يوم لأنَّ مدمن سكَّريات طلب عشر كعكات من [الدونات] وبدأ يأكلها بشراهة أمام عينيك؟ لن تفعل ذلك ربما، وإن كنت مهووسا بإطلاق الأحكام قد تطلق تعليقا متنمراً، وإن كنت إنسانا طيبا قد تنصحه بشكل ما أو بآخر. هذه معركتي! وأواجهها مضطراً، ولا أعرف متى كان يجب أن أنتبه إلى أنني أصنع مشكلات عويصة تتفاقم مع تقدمي في العمر. قطعت شوطي الأوَّل في مواجهة الإدمان المباشر، لا حشيش في حياتي، لكنني هل أستطيع أن أقول ذلك عن إدمان الإنترنت؟ تحايلت على الأمر وحولته إلى مهنةٍ، كان هذا كافيا ليفقد الحضور الرقمي متعته، ولتتحول الأيام التي أقضيها بعيدا عن تغذية هذه المنصات الجشعة، والشرهة بالمحتوى، والكتابة، والتفاعل مع الناس! إن كان ولا بد أن أغذي عقلي دائما بشيء ذهني تفاعلي، فليكن الكتابة، وإن كان ولا بد أن أغذي هذه المنصات بمحتوى تفاعلي فلتكن مهنةً. لم أصب بالتعب، لكنني أصبت بفقدان الشعور تجاه جماليات جِدَّة كل ذلك. كيف لمدونٍ محترفٍ أن يتعايشَ مع عاديةِ الإنترنت، التي كانت يوما ما ثورية، وتغييرية، وصرخة في وجه تشابهات العالم وكثبانه الجمعية!

 

والآن ماذا؟ أعيش الفقرة الأخيرة في كتابِ الزمن الجديد. أعيش امتدادَه وما أخذته منه ليكون معي في خريف العُمر، الواقع الافتراضي في الطريق. سيكون صديق أوقات الفراغ الشحيحة. وماذا بعد؟ الذكاء الصناعي؟ أصبح أداة جيدة توفر وقت [الجوْجَلَةِ] المحيرة بين المصادر والنسخ المتعددة من الحقيقة الواحدة. في هذه التي اسمها "الأربعين" أدخل لليقين الجميل أنه ربما لن أعيش أكثر مما عشت، وخلال عشر سنوات، أو عشرين إن كنت محظوظاً قد أتدهورُ ما لم أتخذ قرارات حاسمة تجاه صحتي، التدخين قرار أوَّلي، إدماني العميق، معركتي التي يجب أن أنتصر فيها إن أردت التفرغ لباقي المعارك الصغيرة. سيدفعني إدماني العميق للحيرة، وسأضرب الأخماس في الأسداس، سيهاجم وقت الكتابة، ووقت الأفلام، ووقت الفراغ، ووقت الحديث مع الأصدقاء، سيضرب ضرباته بضراوة، سيرفض حياةً ناقصة، وستهجم، بعد شهر، أو شهرين! وأنا حائر، حائر ولا أعرف متى سأخفف من بدائل النيكوتين، وماذا سيحدث لي مع كل تخفيف؟

 

ستكون معركة منطقية هذه المرة، لن تحل بالنسيان، ولا بالتجاهل، ولا بالانشغال القلق بألف شيء، وأخشى أن أكتشف منطقة جديدة أستسلم فيها، أو أن يصدق الكلام أن الإدمان جينات لا يمكنك أن تتصدى لها، وأن القهوة، والنيكوتين، أو التدخين، والجلوس على المنصات الرقمية جزءٌ من المشهد الكبير، هل سأنتقل من إدمان الرياضة إلى إدمان الجلوس على الألعاب؟ أدمن المذاكرة؟ ثم أدمن النجاح؟ ثم أدمن الهرب، وهكذا دواليك، لأن الأمر أعمق من فهمي، لا أعرف! أشعر بطمأنينة لأنني عدت للكتابة، هكذا بلا مؤثرات تعينني على إطالة ساعاتها قدر الإمكان، أشعر بطمأنينة لأنني عدت لها دون أن أدمر حياتي الخارجية، وأصنع منها كل ما يجعل عزلتي ملاذا، فعلت هذا من قبل، ولا أعرف ما الذي أفعله الآن. أريد أن أكتبَ، والحياة لا تسمح لي بفعل ذلك بسهولة، ومع ذلك أكتب، ويوما ما لن أضطر إلى توظيف الكتابة لترميم الدمار الذي عشته في حياةٍ شاقَّة، ومضنية. يوماً ما، سأكتبُ وأنا أعلم أنني أترك رسالتي الأخيرة في هذه الحياة. يوما ما، سأكتبُ وأنا أشعر أنني لن أحزن لو تركت الكتابة بعدها، يوما ما قد يكون قريبا أو بعيداً، سأترك بصمتي التي لن أخشى بعدها من الموت، ولا أعلمُ كيف سأرحل عن الحياة، بجلطة، بحادث، بنيزك، بمرض عضال، بموت سريع، بموت بطيء، هذه معركتي، في هذه الحروف، وما التصدي لشيء سخيف من أشياء الحياة كالسجائر إلا واحدة من وسائل المقاومة لصناعة نهاية جميلة تعطي معنى أجمل لكل هذا الوباء الذي اسمه حياة، وهذا الكابوس الذي اسمه: الدنيا!

 

معاوية الرواحي

30/8/2024

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 27 أغسطس 2024

معي لوحة مفاتيح!

 

 

إلى البدايات سر! ولا شيء آخر. لسببٍ ما أكتبُ بلا توقُّف، ولسببٍ آخر أستمرُّ. تسير بي الحياة حيث لا أعرفُ. لسببٍ ما أواصلُ السير. تغيرتُ كثيراً عبر هذه السنوات. قناعاتٌ نُحتت نحتاً، وأخرى تناثرت أجذاذا في أرجاء المفازة الرقمية. مع ذلك، كما بدأتُ، معي لوحةُ مفاتيح، ولا أريد لهذه الغواية نقطة نهاية. إلى البداية سِرْ.

 

اكتشافُ شيء كبيرٍ تغيَّر بكَ وأنت تكتب يشبه اللحظة نفسها التي تسير فيها في مكانٍ مليء بالغيوم فتنتبه فجأةً إلى قناعةٍ جديدة تكوَّنت لديك. تلك الأشياء التي تؤمن بها! أليس كذلك؟ والحكايةُ الطويلة مع الكتابة، ووظائفها، وما تفعله، وما تغيره. أبسط الأمثلة هذه الورقة البيضاء الخالية من الضغوط. لا بشرَ في هذه الورقة، ولا آخرَ ينتظرُ فرصةً لينتزع حقَّه الرقمي فيكتبُ ما يشاء، يختلفُ، وينصف، ويظلم، أو ينشر شيئا عشوائيا، لا روبوت هُنا لكي يمارس حيل الخوارزميات في الزمن الجديد، هُنا ورقة بيضاء في محرر النصوص النبيل بما فيه الكفاية ليحافظ على ما كُتب فيه حتى وإن انطفأت الكهرباء فجأةً. شاشة بيضاء، وكل الذي معي، لوحة مفاتيح!

 

ثمَّة شيء اختلفَ بين هذه المرَّة وتلك المرَّات السابقة. كنت في السابق أعود إلى مدونتي مندفعا، ثائرا، غاضبا على بديهيات الزمان الجديد، رافضا التأقلم مع ظروف الكتابة الجديدة. أقضي ساعاتٍ جيدة وأنا أكتبُ. أنصت بمللٍ بالغٍ إلى تنظير الذين يكتبون ساعتين في الأسبوع عما يجب عليَّ فعله ككاتب. أتفاعل مع مثقفٍ لديه مختلف أنواع الآراء عن الكتابة الصواب، والكتابة الخطأ، أضطر للتعايش مع الذين يفكرون بشكل جمعي، والذين يغرقون في الفردانية حدَّ ظنهم أنهم يعيشون في جزيرة نائية. مهرجانٌ من البشر، والقناعات. وأنا في قلب تلك المعمعة أحاول أن أنحت مساحةً للكتابة! كانت صفقة عادلةً تلك التي بيني وبين التدوين، منحته أجمل سنوات عُمري، ومنحني أجمل تجارب الحياة! الضريبة الوحيدة التي لا أريد أن تصل بي الحماقة للتعايش معها هو أن أبقى دائما وأنا أكتب بجانب البشر!

 

ثمَّة حماقاتٌ كثيرة يمكنني فعلها، تعريف الكتابة ليست واحدة منها. والإنصات إلى تعريف إنسان آخر عن الكتابة حماقةٌ أخرى، وهذه المرة أعرف أنها حماقة من المستحيل أن أفعلها. أكتب لأنني أكتب، رغم أنفِ العُصابيين الغارقين في قلقهم اللازوردي، رغم أنف سُميِّة مثقف في العشرين تعشعش النرجسية في رأسه، ويظنُّ أنَّه يعرف كل شيء، لا يكتبُ لكنه لا يجد مانعا أن يحدد لمن يكتب ما الذي يجب عليهم فعله! ذلك المهرجان الذي عليك أن تنجو منه لتعود إلى لوحة مفاتيحك سالما. تلك التجربة شرطٌ لتفهم ما تيسر من العالم، وهذه النجاة شرطٌ لتكتب تجاربك في قالبٍ ملائم لقارئ متعطشٍ سواء لقراءتك، أو للقراءة بشكلٍ عام.

عامُ 2006م بدأت الرحلة بلوحة مفاتيح، وعام 2024م أعود إلى هذه البداية. حدث الكثير خلال هذه الفترة، عُمرٌ كاملٌ يحتاج إلى عُمر آخر ليُكتب. ألعب القمار مع ظروف الجسد وصحته. أسأل نفسي بالعامية العُمانية: "أواحي؟" أأنال الوقت الذي أطمح إليه؟ فأكتبُ؟ واجبي يُختصر الآن في الاستمرار على الكتابة، والحفاظ على هذه المهارة في الانهمار السريع والوفير، وانتظار اللحظة التي يعطيني فيها ذهني الضوء الأخضر ليقول لي أنني جاهز لكتابة خامة الذاكرة الرئيسية، وخلاصات المنطق المُحكمة، أو على الأقل آخر التحديثات التي ترسبت بعد تيارات الشكوك التي لا نهاية لها.

 

أرحل تدريجيا من ورطتي الرقمية. الزحام الذي في تلك المنصات كان يفوق طاقتي منذ أن بدأت. كنت أحتاج إلى هذه المنصات طوال مساري السابق في الحياة، ذلك الذي كان يهمني فيه بشدة أن أكون فاعلا في التأثير الاجتماعي المباشر على جميع الأحداث. نظرت للأمر من باب التدريب على الكتابة، ولاحقا تمرين الذهن على استيعاب تلك الخطابات الاجتماعية، خرجتُ بخلاصة جيدة من هذا العالم الذي لا نهاية له، أشعر بالرضا على النتيجة النهائية، وهذه المرَّة لا قرارات حدية. لست بصدد الانقطاع عن العالم الرقمي، ولا عن غواية صناعة المحتوى الرقمي، ولا عن إدارة المنصات، ولا عن التفاعل مع الناس، الذي أعزله عن كل ذلك الزحام هو آلة الكتابة هذه.

كلما كتبت تدوينةً أشعرُ برغبةٍ دوبامينية في نشر وصلتها في منصة تويتر، تلك التي بها مائة وخمسون ألف حساب يُتابع، وعلى أقل تقدير عشرون ألف إنسان يقرأ. أقاوم هذه الرغبة بشراسة وأقول في نفسي: هذه المدونة يبحث عنها من يريد أن يصل لها. هذه مساحتي الخالصة لذهني، الخالية من ظلِّ وجودي في مجتمعي، المُسلمة كليا للحظات الكتابة الطويلة، المستسلمة لوحي الذهن المحمي من تدخلاتي. لا منطق اجتماعي هنا، لا منطق تأثير، لا علاقة لكل الذي يحدث في هذه المدونة بشيء يحدث في الإطار الضيق السريع للأحداث المرحلية سريعة الرحيل.

 

أنسحب تدريجيا من حياةٍ عشتُ فيها خمس سنواتٍ تقريبا. حياة النجم الرقمي كثير الحضور. اختبأ الكاتبُ وراء هذه الحياة واحتال عليها ليحتلها، وفعلا! أكتشف أنَّه كان يحفر لعامين كي يستحوذَ على حياتي مجددا. ذلك النداء الغامض العميق انتصرَ، هل تعرف لذة الاحتفال بهزيمتك أمام كائنك الكاتب؟ أجمل الهزائم التي يمكنك أن تحتفل بها، أنَّك اخترت الكتابة رغم كل مغريات هذا الزمان الجديد بكل نجوميته المهنية! نعم! النجومية مهنةٌ يمكنها أن تصنع لك رزقا لا بأس به، ما دمت تعملُ، وتلتزم بها، وتشتغل على صناعة تلك المنصات التي ستصنع واقعك الرقمي الموازي هي مهنة لا بأس بها. مهنة للأسف عدوةٌ للكتابة، وللوقت، ولراحة البال. مهنة أؤديها بإتقان لا بأس به، لكنني لا أحبها مطلقاً. أنا أشد تعاسةً من أن أكونَ هذا الشخص، هي لقمة العيش وما تفرضه عليك! وما أشد إكراهات الحياة مرارةً على النفس الحرة الباحثة عن الصفاء بين الكلمات والحروف والسطور والجمل والفقرات والفصول والكتب!

 

أعود مطمئنا هذه المرَّة، عازلاً الكلمة عن الضوء، نازلا بكل حماستي على الورقة البيضاء، مؤمنا بكل لحظةٍ أسترقها من الزحام لأكتب. آمنت من قبل أن النص الجيد يصنع طريقه بنفسه، وأعود إلى هذا اليقين مؤمنا بالأمل، أنَّ القارئ على قيد الحياة، وأنَّ الكتابة على قيد الحياة، وأن كل الذين يضعون قوانين الكتابة والقراءة هم حقا في حالة ضياع حقيقي، فالكاتب الذي يحب أن يكتب، يكتب! والقارئ الذي يحب أن يقرأ، يقرأ، بكل هذه البساطة الفادحة، السطور ستأخذ ترتيبها وشكلها المعتاد، والفقرات ستطول، ومهمتي أن أصنع الظروف التي تجعل لحظات الكتابة هذه مسالمةً، وصافيةً، وخالية من كل التعقيدات الأخرى التي صنعتها خياراتي في هذه الحياة. عدت إلى هجرتي الأولى. أنا هُنا لأمكثَ، لست هاربا من شيء، لست لائذا بشيء، جئت لأكتب ومعي تجربةٌ في هذه الحياة، ومعي لوحة مفاتيح!

 

معاوية الرواحي

27/8/2024