بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 13 مايو 2026

تأملات لغوية

 وتبقى مشكلة واضحة في الكتابة العمانية المعاصرة. تتبع التطوير، والتغيير في عمان حتى هذه اللحظة يحمل حساسيات هائلة جداً لجدة تغيير العهود في عمان.

تأسست الدولة المدنية الحديثة على يد السلطان قابوس. الوعي العام بأكمله متأسس، مترسخ على كلمة "التأسيس" .. النهضة الأولى، وتبلور الدولة التي كادت أن تتقسم، وكادت أن تنشطر، وذهب بها الفقر والجوع والغربة. كلنا نعرف قصة عمان؟

طيب، قصة عمان مستمرة، متصلة، فقط يبقى هذا الحاجز اللغوي الذي يجعل توثيق قصة عمان كما حدثت ناقصاً.

المقارنة بين حاكم وحاكم: من الأساس؟ لماذا؟ لا وجه للتشابه ولا للتطابق واختلاف الزمان والمكان سنة بديهية.

المقارنة بين نموذج ونموذج: هنا يبدأ الممكن من الكتابة، وقد يكون لأسباب تأريخية. ماذا عن الذي يريد الكتابة عن عمان الآن؟ ويريد توثيق ما يحدث؟ ويريد أن يضطلع بهذا الدور؟ هل يبقى متوترا فقط لأن جدة فكرة تغيير الحكم في عمان قد أخذت قرابة خمسين سنة، كم جيل وراء بعض؟ وفجأة صار انتقال للسلطة! نعم الوضع محير ولا سوابق له إلا من تاريخ بعيد كانت له أيضا ظروفه المغايرة جذريا.

دولة حديثة، شغر فيها منصب السلطان، النظام الأساسي للدولة ومادته حددت مسار انتقال السلطة، وثبت مجلس الدفاع السلطان الذي أشير له وفق مادة دستورية.

نقارن بين نموذج ونموذج؟
مرحلة ومرحلة
هل يخدم هذا الهدف الأكبر، أن يسرد الجميع زاوية من قصة عمان؟ بكل الآمال العالية والأحلام؟

الحل الجذري هو مقارنة عُمان بعُمان ..
هنا يخرج كل شيء من كل الحساسيات والمقارنات.

قارن عمان بعمان ..

ولذلك لو كان كلامي في محله، ستجدون تلقائيا الأغلبية يقارنون عمان بعام 2020 فقط .. لأنه مترسخ لدينا في وعينا الداخلي نموذج ثابت (الحاكم المؤسس).

وهذا لبس في التفكير ينعكس على اللغة، وهذه (اللخبطة) لو ترصدون كتابات كثيرة ستشعرون إنه البعض يكتب وهو فعلا ما عارف نموذج، لأنه البلاد تأسست، وانتقال السلطة تم سلميا، وبدأت مرحلة جديدة.

هنا أعتقد دور الثقافة أولا وأخيرا، نحت لغوي، ابتكار، رصف وسائل تعبير، وتراكيب جمل، وصياغات متعددة الجوانب.

ليش أتكلم متقين من ذلك؟

ارتفاع سقف الكتابة يدل على نموذج في التعامل مع الصوت الشعبي كمحرك تغيير، وكرقيب ربما، وكوسيلة ضبط جودة، كلها مفاهيم إدارية أيضا تتخلق مع الوقت. هذا فهمي الشخصي، ربما أكون مخطئا. المؤشر الذي أستمد منه هذا اليقين، هو الاستجابات المتتالية للصوت الاجتماعي، وكيف أصبح شيئا طبيعيا أن جهة حكومية تنشر (توضيحا) يقر بالرأي الاجتماعي.

لم يعد الموضوع (نهيب والملاحقة القانونية) ..

بالتالي من المهم أن يكون حراك الكتابة واعياً لكل هذه التفاصيل الصغيرة والمملة، وهي فعلا مملة بمعنى الكلمة وقليل من الناس يحبون الخوض فيها لأنها خالية من اللمعان البرّاق للكتابة.

أفترض هذا الافتراض (قد أكون مخطئا)

أن الدولة تريد أن تسمع الناس، وأنها أصبحت نتيجة تغيير نماذجها الإدارية والاقتصادية وذهابها لنموذج تطوير مستمر، بالتالي تتعامل بشكل براغماتي مع ثروة مفيدة للغاية، ثروة الآراء، والرصد، والتتبع، والنقد البناء، وأيضا بعض الرقابة والمقارنة بين ما تقدمه المؤسسات الحكومية من تقارير، وما يدور عنها في المحيط العام، وسائل دراسة ذلك كلها وفيرة وكثيرة، ما دام: "لديك ناس تكتب وتعبر" ..

أعرف أن الموضوع صعب للغاية، بس انعكاساته هائلة حتى على لغة البحث العلمي، واختيارات البحوث. لأن موضوع حاكم أفضل من حاكم، ومقارنات أساسها الخطأ المنهجي في السؤال: لماذ من الأساس المفاضلة؟

لذلك أقول، المقارنة هي مقارنة عمان بعمان، المنجز بالمنجز، النظر لما تطور، النظر لما توسع، النظر لما تغير، وهنا يشعر الكاتب بأريحية في الكتابة دون أن يجد تلك الحواجز المكهربة أمامه.


أنا شخصيا أخذت خمس سنوات حتى أنتبه لهذه الفكرة، وكنت أيضا حائر، تعودت لعشرين سنة عن الكتابة عن عمان، ووجدت نفسي أعاني معاناة هائلة، لأن حساسيات المقارنات أصلا غير منطقية، والكتابة بلغة التبرير وغيره لا تنصف الواقع، والتلميع الزائد من الأساس شيء أصبحت الحكومة (تستكاوده) لأنه يرفع سقف التوقعات وهي تفضل الواقعية المتفائلة في خطابها.


من أين أستمد يقيني من ذلك، من تصريح ورد فيه أن جلالة السلطان "يود أن يعرف الناس حجم التحديات التي تمر بها البلاد" مجددا، نموذج في الخطاب العام. اسمه فقط "نموذج" هكذا يوصف، وترتاح تكتب عن انتقال الخطاب السياسي إلى مدرسته الجديدة بارتياح بدلا من الوقوع في حيرة، كيف تكتب عن هذه التغييرات.

فعلا الوضع ما سهل، أنا أصلا من مواليد جيل النهضة، يعني أصلا ما موجود في خيالي ولا كتابتي أي نموذج سوى دولة التأسيس. أسمي الدولة الحالية دولة الاستدامة ودولة الاستمرار حتى ما عارف بالضبط كيف أسميها لأنه ما شيء أصلا مفهوم في عقلي سابق ممكن، لذلك الكلمة المريحة هي كلمة "العهد" الجديد.

العهد الجديد كلمة جميلة، فقط أحيانا نقولها ونكتبها ولكن نحن نتحدث عن "التأسيس" .. وعشان كذاك تلقى نفسك تتلخبط، لأنه تو هناك تأسيس للاقتصاد مثلا، لمفاهيم عالمية جديدة، لسياسة تتحدث بالصوت العالي، لمواقف ثابتة، لكن تقدر تقول: "تأسيس من أول وجديد"...

لاحظتم كلامي صح؟ ورطة لغوية أعتقد كلنا يقع فيها.

أظن اللي أكتبه هو ضمن محاولة لغوية فقط عشان تكتب بسلامة موضوعية، وأيضا لتضمن إنه ما تنحاز أو تنساق وراء قوالب أحيانا ما صارت توصف الواقع العماني.

شيء مفاهيم جالسة تتغير، ومفاهيم تتطور، ومعها مفاهيم إنه عمان دولة جديدة من الصفر جالسة تنسحب.

بس لاحظوا خطابنا، متعودين على عمان التي (تؤسس من الصفر) ومتورطين في المفهوم فنحن لا نعرف غيره.

عشان كذاك، الحديث يدخل ورطة أخرى لطيفة:

ملاحظين كيف كثرة الكلام عن الديون، وكيف كانت عمان، نفس اللوعة مالنا على عمان قبل السبعين، بس نتورط!!! صح كانت ديون، والوضع صعب، بس البلاد أيضا بخير وما منهارة؟ وواصلت السلامة والنجاة رغم كل الظروف.

هذا تفسيري إلى لجوء كثيرين لهذا القالب المريح، قالب الخروج من أزمة وجودية، وأنا شخصيا كنت أفكر كذاك إلين شفت المنطق قبل فترة وجيزة وقلت لنفسي!
لحظة!
ما كأني أيضا أحاول أرجع للنموذج اللي اعتدت عليه، عمان كانت قبل السبعين كذا، وبعد السبعين كذا؟
صرت تلقائيا أكتب أن عمان كانت قبل 2020 هكذا، وبعد 2020 هكذا.

أظن إنه هذا هو السبب اللي يحاصر تفكيرنا، ونحت واشتقاق نماذج جديدة عاد هنا شطارة الثقافة، والكتابة، والإعلام، وأحيانا النقد للخطاب إلى أن يهتدي الفرد العادي كما حالتي إلى اللغة الأكثر دقة في وصف الواقع.

ليش أكتب هذي التدوينة مع إنها فعلا صعبة؟
لأنني أؤمن أن الكتابة مهمة، وهي جزء لا يتجزأ من التفاعل الاجتماعي لأي كائن كاتب، وإنه لها دور، وإنه دورها (ككتابة منفصلة عن كاتبها) يتفاعل مع العالم تفاعل حميد وغير حميد، ويمكن أن تقود إلى نفع، وتبصير، وتوضيح مفاهيم.

ليش أختار هذا الجانب الممل جدا؟

لأنه بصراحة الجانب البراق لو جلست أشطح فيه أتوقع الجميع يعرف النتيجة إلى أين ستذهب، أحسن لي أجلس هنا، في اللغة، والقضايا الاجتماعية، والتدوين عن عمان لأنني حقا لا أتصور لي حياة بدونه! عشرين سنة من يوم بدأت مدونتي إلى اليوم يوميا! وإن عجزت عن الكتابة فيديو، هذا شخص فعلا القضية الاجتماعية صارت جزء من تكوينه ولا أستطيع أن أكون معاوية آخر وفجأة أهتم بقضايا أخرى!

أشعر بقدر جيد من الطمأنينة لهذه الخلاصات، خمس سنوات بصراحة وأنا أحاول أفهم نفسي، ليش مع إنه سقف التعبير ارتفع لكن جزء من الكتابة عن قصة عمان وتوثيقها وتدوينها واجد صعب، صعب لدرجة إنك تلقى نفسك في هذاك المأزق، إنه كلمة تكتبها توديك لمقارنة بين العهود، وبين الحكام، ومفاضلات، وندخل في منطقة اللي يريد يدخلها هذا شأنه واختياره وهو يتحمل نتائج ذلك، بس اللي يريد يكتب خارج لغة المناكفة السياسية، سيجد حقا صعوبة.

عسى إنه كلامي يحقق بعض النفع لكل من كان يعيش هذه الورطة اللغوية ويشعر إنه نموذج الكتابة الوحيد اللي تعود عليه جالس الواقع يغيره. على أية حال الإنسان كائن متأقلم، مصيره اللغة المتفق عليها بين الناس ستتخلق عبر مرشحات ثقافية كثيرة، وعبر اتفاق معنوي غامض الأركان، ككل ما يحدث للبشر، وككل ما يحدث للظاهرة الإنسانية، وعاد عمان واختلافها العجائبي، وحدها تحتاج لغة خاصة بها بس عشان تفهم هذي البلاد اللي تحبها ومهما حاولت ما تقدر تفهمها وتكشف سر اختلافها الواضح، مع إنه كل شيء بها يبدو عاديا وطبيعيا، بس الجميع يعرف إنه ليس كذلك! هذي البلاد حقا فيها سر ما، ما لأني عمان، يبدو أن العالم كله متفق إنه هذي البلاد حقا لديها سر ما!

معاوية الرواحي