أبرز الأساليب المستخدمة في خطاب التلاعب الأمريكي دائما اعتبارها البدء من النقطة الثانية هو محل انطلاق النقاش. فلا توجد نقطة أولى تناقش من الأساس لأنها وفق وجهة النظر الأمريكية محسومة.
هذا مثال آخر على انطلاق الحوار من النقطة الثانية، وهي أن أمريكا لديها شروط، وهذه الشروط لو نفذت فلن تعلن الحرب، وأن عمان كوسيط لديها فرصة تاريخية لكي توقف الحرب، إذا نفذت هذه الشروط.
منطق بسيط أليس كذلك؟ ماذا عن الجذر الذي لم يتفق عليه؟ الذي يقول:
- نحن أمريكا، الأقوى، نفعل ما نشاء، ونخدم مصلحة إسرائيل بكل ما بوسعنا من صدق ومن أكاذيب، بالمال، وبالرجال، بالخطابات، وبالمواقف، وبالإعلام.
والله غالب على أمره
أمريكا في عهد ترامب لم تعد تناقش!
في وقت سابق، كان استخدام مجادلة "أقوى دولة في العالم تريد كذا وكذا" يقال بخجل تام، وبشكل غير مباشر، وتغالي أمريكا في تجميل شكلها البلطجي بمختلف الشعارات العالمية، وكانت على الأقل تلعب دور شرطي العالم الغارق في مسؤولية هائلة تاريخيا وبشريا وكوكبيا وإنسانيا بل وربما حتى جينيا وجويا وأرضيا ومحيطيا وسماويا!
خطاب أمريكا المعتاد الذي حفظناه، والذي كان مستفزاً بعض الشيء والآن نشتاق له ونتمنى أن تعود له أمريكا بعد أن جاء مخبول البيت الأبيض هذا بخطاب بلطجية الشوارع. "نريد، فافعلوا" .. بهذا المنطق البدائي البسيط الذي يؤمن به جنكيز خان، ويؤمن به البرابرة، وكأنه قائد مغولي من عصور ما قبل التاريخ، أو حاكم من حكام الصين القديمة عندما كان المُلك ينتزع نزعا من قائد جيش لكي يسلم تسليما لقائد جيش آخر.
وكذلك من زاوية "صهينة أمريكا" أيضا لم يعد هناك ما يخجل أحدا أن يضع أمريكا ثانيا، وإسرائيل أولاً. وعندما تظهر حركات مضادة مثل "أمريكا أولا" يبدأ المشهد الأمريكي بالانهيار الثقافي، والاستقطاب الحادث. بالغت إسرائيل في الضغط على أمريكا حتى بدأت أمريكا تكون خلايا مناعية بسيطة وطفيفة تعترض على هذا الوضع الملتبس والغريب!
يمكنك أن تكره السياسة الأمريكية كما تشاء. أمريكا أيقونة جميلة من أيقونات التاريخ الحضاري الإنساني، حضارة كأي حضارة قبلها، وكأي حضارة بعدها ستعيش دورة حياتها قبل أن تسلم الراية لحضارة أخرى. نحن الذين نعيش في العمر البشري النمطي نتطاول أحيانا بالتفكير لما بعد ذلك، وربما هو تفكير مدفوع بالأمنيات يجعلنا نتأمل أمريكا من هذه الزاوية، على الأقل هذا ما لأنكره عندما أتأمل هذه الدولة التي أصبحت اليوم حقا محل تساؤل!
الحوار يبدأ من النقطة الثانية دائما، النقطة الأولى: أمريكا تريد!
كلمة: لا ..
في وجه أمريكا لم تعد شيئا جديدا. قالتها دول النفط مرارا، وبلا شك يقولها بوتين كل يوم، والصين تقول لا الصامتة كل يوم في ت حركاتها ومحاولاتها الاقتحامية لأسواق جديد ونفوذ جديد.
ماذا فعلت بنفسك يا ترامب؟ وماذا ستفعل لكي تنجو من مصيرك المأساوي عندما تستيقظ لتجد أنه لا حزب جمهوري يعبأ بك، وبمصيرك، وبسلامتك، وبسجنك، وبمحاكماتك، وبملفات إبستينك، وبكل شيء يتعلق بك كرئيس (سابق؟).
ورطة ثنائية، مع الثاني نتنياهو الذي يقود مؤسسة سياسية تكرهه حتى أقاصي نخاعه العظمي. مع متطرفيه العجائبيين البدائيين!! بالله عليكم بن غفير، ما الفرق بينه وبين دموية داعش سوى تصنيف الدين الذي ينتمي له؟ لا فرق، يمين، متطرف، مجنون، مهووس، وحصل على الرئيس المثالي الذي يجد في هذا الجنون طبيعةً غوغائية لرئيس يظن أنها في مرحلة الاستيطان الاستعماري الأول!
الفرق هذه المرة، لا بطانيات ملغمة بأمراض مميتة للهنود الحمر، وإنما استعراضات لا نهاية لها من طفل كبير لم ينضج وينتكس كل يوم بفضل صدمة جديدة إلى منطقة اللاعودة. لا يوجد وضع في العالم يلقي بقنابل نووية مثل الوضع الذي يحدث الآن، لا يوجد وضع في العالم يفتح أبواب حرب عالمية ثالثة مثل الوضع الآن، لا يوجد تصعيد منذ الحرب العالمية الثالثة يشبه التصعيد الحالي، والتأهب التام لإعادة تشكيل العالم كما يحدث الآن.
ومن منظور الدول العظمى كما تسمى، لا يوجد وقت أنسب لاقتسام العالم كالوضع الذي يحدث الآن. إثبات دامغ لطبيعة الشر في العنصر البشري في كوكب الأرض، وغياب المنطق والحقائق أمام اللغة البدائية والهمجية لرجال الكهف الأوائل.
عجيب أليس كذلك؟ منطق رجل الكهف والعصا؟ منطق القوة البحت؟ بدائي وهمجي مثل بن غفير! سفاح وقاتل وصاحب هولوكوست جديد مثل نتنياهو، رئيس يضع مصلحة دولة أخرى قبل مصلحة بلاده لدرجة الذهاب بنفسه فدائياً لأجلها؟ منطق غريب أليس كذلك؟
هل يصل هذا الوضع إلى حالة الفشل في بدء التفاعل المتسلسل الذي يخرج عن السيطرة؟ وبالتالي نعود إلى عصر جديد من التهيئة يتصاعد تدريجيا حتى يعيش جيل آخر هذه الأزمة العالمية؟ أم ببساطة بالغة سوف يقول العالم: (لا) في وجه رئيس أمريكا.
وكأنني نعيش فيلم ساخر لرئيس مخبول خارج السيطرة. يجمع رؤساء دول محترمة ورؤساء محترمين حقا في العمليات السياسية وتاريخ العمل السياسي حوله كأنه مدرسة عجوز لا تسمع جيدا وتجمع الطلاب حول طاولتها.
تلك المدرسة العجوز التي يتعاطف معها الجميع ويطالب بها أولياء الأمور ولا مساس بها ولا تحال للتقاعد لأن قيمتها المعنوية أكبر من وجودها الفعلي!
قد يحدث أن يستيقظ العالم، تستيقظ أمريكا، وتنتصر كل تلك الحركات المقاومة سياسيا داخليا في أمريكا. مع أن أحدا لا يعلم ما الذي يحدث في عمق أمريكا، لكن الجميع يعلم أن شيئا ما يحدث، وصدام كاد أن يعزل ترامب في عز رئاسته، وكاد أن يحاكمه، وكاد أن ينسفه في اليم نسفا، لكنه مهم، حاليا مهم، مهم للدرجة أنه رشح مجددا، والديمقراطيون مخابيل واهمين، كرروا خطأهم مجددا، وكأنهم لا يفهمون العالم!
دونالد جيه ترامب تارجيريان سيضخ بحرا من الحبر في أوراق التاريخ. كأغرب وأعجب فترتين رئاسيتين في العالم! إن بقي العالم كما هو، تقريبيا على الأقل، يمكن ترميم هذا الفج التاريخي العميق، ولعل أمريكا ستعيد ترميم نفسها، ولملمة أوراقها المبعثرة، ومؤسساتها السياسية التي يحدث فيها العجب العجاب كل يوم! حتى على الصعيد العسكري الذي هو حزام الأمان الأشد وثوقية في هذه الولايات شبه المتحدة.
كفردٍ عادي من أفراد العالم، هذا ما يستقر في وجداني عندما أقارن العالم السابق الذي كنت أرى مسلماته، وهذا العالم البدائي الذي أصبح بلا مسلمات. برابرة في زي أنيق يجوبون أروقة الأمم المتحدثة يضخون الخرافات، والسرديات، والسموم، والعنجهية، ويبدأ النقاش معهم دائما بعد اعتبار ما يريدونه حقا مقدسا لا تفاوض فيه!
كيف يفكر المتطرف؟
يبدأ الحوار بجملة: الله يريد!
والله يريد ذلك عبره هو، وعليكم أيها الناس تنفيذ مشيئة الله عبري، والنقاش لن يكون في حدوث هذه المشيئة وإنما في الكيفية.
كيف يفكر البدائي:
أنا أريد
قبضتي هي التي ستحدد الكيفية، بالشدة أم بطاعتك العمياء لهالة القوة التي جئتُ منها.
أتخيل عالما أسوأ يكون فيه بن غفير رئيس وزراء إسرائيل، ويكون فيه الرئيس القادم مجنونا يشبه ترامب. وأتخيل أيضا عالما أجمل يستيقظ فيه الجميع على شبح الدمار الهائل الذي يحاول مجموعة من المخرفين الدفع به بعدما يكاد الجميع أن يسقط في ثورة التغيير العميقة التي تقاد من مكان غامض.
الذي أسقط ترامب، واسقط أميرا بريطانيا، وعطل شبكة تشبه شبكة إبستين، يعيش حربه الآن مع كل شبكة شبيهة، ما هي هذه الشبكات؟ لا أحد يعرف! ماذا تفعل؟ لا أحد يعرف لكن الجميع يعرف أنها قوية وقادرة على تغيير معادلات هائلة ومؤثرة.
لقد تعفنت القيم الغربية كثيرا، تعفنت حتى أصبحت خبزا لا يؤكل. عاشت زهوها، ومجدها، ونصرها، وانتشارها، وقوتها الثقافية والعسكرية الساحقة عقودا متتالية، واليوم مخبول مثل ترامب هو المعادل الصارم لخبث أوباما وجوقته الحمقاء! وللآن لا أفهم!! كاميلا هاريس يا قوم؟ كاميلا هاريس أيها الحمير؟؟ ألا تتعلمون من أخطائكم؟
كفرد يعيش في هذا العالم، يفكر في بلاده ويتمنى ألا تصاب بمس من هذا السعير، أفكر بهموم. وكإنسان ينتمي لهذا العالم أفكر بهموم أكبر! أن الحقيقة أصبحت بلا معنى، وأننا كبشر فعلا كائنات بدائية حتى يثبت العكس، وأن السلام هو استراحة بين حربين. أفقد كل يوم إيماني بالعالم، وإيماني بأن أي شيء من هذا منطقي وطبيعي.
أنظر للعالم العربي، وأرى أصوات الشماتة في (خلايجة) النفط في الأرض، أنظر للخليج وأراه يلعب لعبة الحرب ضمنيا، ويتجنبها علنيا. أنظر لإيران وأرى دولة ترفع شعار القدس وفلسطين وتشطر دولا عربية بأكملها في الاستقطاب المذهبي وخطا (هم/نحن). أنظر لمجلس التعاون وكيف أصبح اليوم مستعمرة للخصومات، والمكائد، والصراعات.
ما الذي يمكنني كفرد في هذا العالم أن أفهمه! أن العالم حقا أصيب بالجنون! ورهاني فقط على الرأسمالي الجبان ترامب، وطبيعته، وحقيقته النفعية، وتراجعه المحتوم في اليوم الذي يرى فيه حسابات جرامات الذهب تميل لجانب آخر، ليختاره، ولكي يورط معه حتى إسرائيل التي يعبدها دون البيت الأبيض.
وأما عن منطقتنا العربية، منذ سقوط العراق، وكل هذا يحدث. ويتساءل المرء ألا يرون كل هذا الاحتمال التاريخي المفزع ممكن الحدوث؟
الخليج وإيران أعداء متحاربون، والخطوة الأولى الاعتراف بذلك، ومن ثم يمكن الذهاب إلى سلام متكافئ يعيد العداوة إلى الخصومة، ويعيد الخصومة ربما إلى هدنة متكافئة. عدا ذلك! سلام الله على الجميع! "أمريكا على الأبواب"
والله غالب على أمره!