بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 22 يناير 2026

حان وقت التعقيد الشديد!

 كنت مثل البقية، أعتبر أن هذه المشاريع هي مشارع مترفة، تسكنها الطبقة المخملية فقط. وكان كل همي وإلى الآن، الحلم الكبير لي هو مشاريع الإسكان الشعبي، (المتوسطة) بناءً على مفهوم اقتصادي مغلوط للغاية. ناقشت خبيرا اقتصاديا في المسألة، وسوف نبدأ في صناعة سلسلة تشرح الموضوع من زاوية علمية بحتة، وكل مادة رقمية سوف يوضع عليها اسم المراجع العلمي، بالتالي أكون في السليم من حيث المفاهيم العلمية، وأعبر عن رأيي خلالها.


بدأ اهتمامي بالاقتصاد ربما قبل عامين، بعدما تنيلت على رأسي وبدأت مشروعا تجارياً جعلني أواصل الليل بالنهار من أجل استدامته. وطبعا الكذبة إنك (تكون رئيس نفسك) وغيرها من الأوهام خلاص استيقظت منها. وكانت لي رحلة مستمرة في إصلاح المفاهيم المغلوطة التي اكتشفت أنها طابور متكدس وكبير.

المستوى الأول من الفهم الاقتصادي: أحياء جديدة، معناه لا تنفعني، ولا تضرني. اللي باغي يشتري يشتري، واللي ما باغي حياه الله.
يتضح لاحقا: هذه التجمعات تحرك اقتصادا آخر، وخدمات، ومنطقيا، تفتح أبواب للمشاريع الصغيرة، لكي تساهم في ذلك (الحي المتكامل).

المستوى الثاني من الفهم الاقتصادي: تهيئة أنماط حياة جديدة للمستثمرين خارج عُمان، وبالتالي يجد منطقة تشبه حياته في الخارج لكي يعيش فيها.

يتضح لاحقا: ثمة مهمة توازن سكاني اقتصادي لاحق في حال تحسن الجذب لعمان، وزاد عدد الناس الذين يأتون من الخارج، وتوازن مسبق يجنبك ظاهرة متكررة في عدة دول (الحي الصيني، الحي الألباني، الحي البولندي) وذلك له ما له وعليه ما عليه، نسبة التملك الأجنبي محددة مسبقا.

مشاريع الأحياء المتكاملة كثيرة، ولا طلب عليها. الفهم المبدئي: تقديم أسعار مخفضة للمستحقين للأراضي من وزارة الإسكان، يُحسم فقط في حالة واحدة، هل التخفيض كافٍ؟ هل يفوق سعر أرض؟ هنا أترك الحكم لمن يبحث بنفسه لن أبت برأي في هذه المسألة لأن كثير من المفاهيم حولها تحسم فقط بالعودة للرقم.

الفهم الاقتصادي المبدئي: تقصير وقت الحصول على منزل، وفي الوقت نفسه توفير خيارات، والخ الخ.

ثم ماذا تقول لك دورة الاقتصاد المعقدة للغاية: تراكم الأراضي غير المبنية، والحصول عليها وفي النهاية تراكمها في يد مجموعة من المشترين الذين يملكون السيولة، وضياع الهدف الرئيسي من فكرة المنحة والتي هي: التعمير.

هل هذا يطبق بالطريقة الصحيحة؟ لا أستطيع مجددا أن أبت في ذلك، الذي أستطيع قوله أن المفهوم الاقتصادي يذهب إلى هذا الاتجاه. بالعربي (ما أريد أنبش على نفسي جدال لا ينتهي).

هل عدد المشاريع كبير؟
الفهم المبدئي يقول نعم..
يتضح لاحقا: عددها لا يكفي مطلقا للمأمول من الانطلاق الاقتصادي، ولاحقا سوف تظهر الحاجة لها باسم العرض والطلب، وفي حال هطول العقود الحكومية وتأسيس الوضع الداخلي، وهطول الاستثمار الخارجي بعد تهيئة السوق، وبيئة عادلة للتنافس، وأيضا بيئة آمنة للطرفين، لا الشركات الخارجية بكل قوتها تسحق السوق الجديد والأقل خبرة، ولا الشركات الداخلية تخلق بيئة طاردة تضر الاقتصاد، توازن عويص جدا جدا ولن تمر التجربة بدون أخطاء هذا محسوم، لو كانت وصفة الاقتصاد سهلة للغاية لكان كل العالم الآن مدينة فاضلة.

نكمل:

هل لهذه الأحياء دور في حماية الطبقة الوسطى؟
المنطق الظاهري يقول: مدن مترفة، للأغنياء فقط، ما علاقة الطبقة الوسطى والمواطن متوسط الدخل بها؟
للوهلة الأولى يبدو ذلك منطقيا.

لكن ماذا يقول لك المفهوم الاقتصادي؟ العرض والطلب. حدث ذلك في عام 2007م عندما جن جنون اسعار الشقق؟ لماذا يا تُرى؟ لأن الملايين لا تأتي بدون مشاكل، والمليارات لا تدخل السوق بدون أن تصنع جذبا في جانب، وارتخاء في جانب آخر. لذلك، عندما يزور ذوو الدخل المرتفع عمان؟ أين الأكثر أمانا لمتوسطي الدخل؟ أن ينافسهم حيث يسكن المتزوجون الجدد؟ الذين يشقون الطريق في الصخر في امتيازات أقل بكثير من الجيل السابق؟
التزاحم إن حدث، وصنع جسراً إلى منطقة تزاحم ذوي الدخول المرتفعة، أضمن بكثير لنمط حياة متوسطي الدخل من دخولهم ونزولهم فجأة لسحب جميع الشقق والبيوت ليسكنها مهندس راتبه ستة آلاف جاء على هامش مشروع بعدة مليارات أو عشرات الملايين، حدث ذلك من قبل، واستباق كل هذا قبل حدوثه هو أبسط الحكمة قبل أن يبدأ قلق الوفرة.

كل يوم يمضي، أقول وأكرر، الوضع بحاجة إلى كتابة اجتماعية، وخطاب اجتماعي يقدم حقائق علمية عن الاقتصاد ومقارباته المختلفة. الانتقال من النموذج الريعي شبه المباشر، إلى النموذج الذي يبدو من كل مؤشرات القرارات الحكومية أنه نموذج جديد مبني على تحسين الطلب على عمان، وبالتالي صناعة سوق واقتصاد مختلف، كل هذا لن يحدث بسهولة أولا، ولكنه إن حدث فلن يمر مرور الكرام.

الوفرة ستأتي مع قلق هائل، وتنافس، وزحام، ونعم ستحسن الدخل العام، لكنها ايضا ستكبد أعباء كثيرة، وتغييرات مستمرة، ونعم الجيل الجديد سيحلو له أن يعيش هذه الانتقالة، هل ستكون كبيرة؟ وإلى أي مدى؟ يعلم الله بذلك، ليس أمام عمان خيارات، إما الاقتصاد، أو الاقتصاد، لا خيار ثالث سوى أن تفلت أوراق التوزيع المباشر للثروة النفطية، ووقتها المتيسر منها ليصنع اقتصادا سيكون في حالة ركود هائل، وتصنيف استثماري تعيش، وحالة جذب بائسة، ولا سيناريو حسن متوقع من هذا النموذج، ورقة النفط لم تفلت من اليد بعد، وهذا النفط يسمح لك بهامش خطأ.

أنا متقين أن الوضع سيحتاج إلى كتابة من نوع مختلف، وإلى تنظير مستمر لأنماط الحياة الجديدة، وإعلام من نوع مختلف وجديد. وكل هذا يظهر من كل المؤشرات العامة، حتى خطاب وزارة الإعلام تغير الآن!!! كل هذا تمهيد لمرحلة قادمة، قطعا نجاحها لن يكون سهلا، ولن يمر هكذا سلاما سلاما دون تحديات، الأهم أن تشهد عمان الانطلاقة الاقتصادية بدون زلازل النكسات، وبدون زلازل الوفرة، لأن الوفرة أيضا ليست شيئا سهلا بدون مشاكل.

تحسن الجذب الاقتصادي، لن يجذب لعمان الصالحين فقط، سيجلب لها الطالح، والجريمة المنظمة، والزحام الذي يصنع النمو، والوظائف، سيصنع أيضا التحديات الثقافية. إن حدثت الوفرة، البنوك ستتغير، القروض ستتغير، الإنتاج سيكون سيد الموقف، والكفاءة والمهارة هي التي ستصنع النجاح، سيكون المشهد قلقا.

كل هذا مترابط ببعضه البعض، متداخل بشدة. ما يتحسن من هنا، يضغط من جانب آخر، الاقتصاد الذي يصنع وظائف، سوف يتعب المتقاعدين، الاقتصاد الذي يصنع الفرص، يصنع الغلاء أيضا، الاقتصاد الذي يجلب المستثمر الأجنبي، قد يصنع الاحتكار أيضا، الاقتصاد الذي يعامل الشركات المحلية بتفضيل هائل، قد يذهب الميزانيات في بناء مشاريع بثلاثة اضعاف سعرها، الاقتصاد الذي لا تضمن فيه الشريك المحلي كصمام أمان، قد يصبح فيه الشريك المحلي ضحية، قربته كثيرا يطرد لك المستثمر الخارجي، أبعدته كثيرا قد يصنع لك فراعنة من شركات عالمية تستحوذ على نصيب من السوق من الصعب استعادته إن تكون السوق عليها..

أمازون إن جاء لعمان، آلاف المشاريع الصغيرة سوف تبيع فيه، لكنه أيضا سوف يؤثر على آلاف المشاريع الصغيرة التي تبيع مباشرة. شركات التوصيل، لعلها تزدهر وترى منافسا لطلبات التي لا أعلم حتى الآن من الذي سوف ينافسها. نموذج آخر للنمو، وكل أسئلته المعقدة للغاية.

أنا شخصيا، مع تفاؤلي، لكنني أودع أيضا سنوات من الهدوء، كانت فيها عمان واضحة، اجتماعية بحتةً، رغم أن الحال ليس على أجمل ما يكون، لكن لشخص عمره أربعين سنة على وشك أن يفقد طاقته تدريجيا مع الوقت، ستكون عمان القادمة مليئة بالتعب، والتنافس، وربما ينجح الترف في التسرب، ونرى المشهد الذي يكون فيها الإنسان مساويا لما يملك من مال، وقد نرى العكس، ونرى مقاومة هائلة وعدوانية تجاه الوفرة، كل هذا متوقع. المؤكد هو أنَّ الوضع ليس سهلا كما يحاول البعض أن يصوره، إنه معقد، ولن يمر بسهولة. والذي سوف يعوض آلام مراحل الانتقال هو النجاح الذي يحمي الطبقة الوسطى من التآكل، ويدفعها لتكون هي صمام الأمان الإنتاجي، وبالتالي المشاريع الصغيرة والمتوسطة ستكون صمام أمان للدولة، وبالتالي سيكون من الطبيعي تشغيل السوق، وتحريكه، ومساعدته، ومدَّه بالعون السياسي المتمثل في العلاقات الدولية التي ستصبح مع الوقت (سياسية/اقتصادية) ومده بالعون بالتشريع، والتنظيم، ومده بالعون بمؤسسات قضائية متحركة جاهزة للبت في قادم الوقت في قضايا بالمليارات والملايين، واختلافات قد تكون عابرة للقارات بين شركات لديها رفع القضايا مثل السلام عليكم في سبلة الحارة.

على صعيد الكتابة، هناك موسم مثمر لمراقبة التغيرات في أنماط الحياة، وفي أولوياتها، وسأكون في الخمسين من العمر عندما أكتب بحنين هائل لأيام الهدوء هذه.

فقط، لكي أكتب عن حي الشروق في صلالة، اضطررت للمرور بكل هذه المجادلة الاقتصادية التي ما أسهل الكتابة عنها، وما أصعب متابعة حدوثها!!

الخلاصة التي أقولها: مقبلون على زمنٍ لم يعد فهم الاقتصاد فيه مهارة معرفية نتعلم منها نظريا، سيكون فهم الاقتصاد قرارا مصيريا يحدد قراراتك التجارية، وشراءك لبيت أو لأرض، وبيعك لشقة، أو قرار حصولك على قرض.

وسنرى شركات تقوم، وشركات تخسر، وسنرى تسريحا بسبب الضرورة، وسنرى أحيانا (سرقة موظفين) من شركة كبرى لشركة صغرى. لا أعلم متى سيبدأ الإنفاق الحكومي ليضخ في السوق مجددا، ولا أعلم متى ستتبلور نتائج الاستثمار، كل هذا سيأتي مع تحديات بناء جديدة، مع تحديات لوجستية حقيقية، مع إعادة تكوين مفاهيم اجتماعية، مع إعادة تكوين النجاح!

لا أظن أن وقتا للكتابة عن كل هذا قد حان كما حان هذا الوقت. هل أقول أن كل هذا يحدث الآن؟ ويحدث سريعا؟ لا أعلم، الذي أنا متقين منه أن عمان ذاهبة إلى هذا الاتجاه، له ستنجح؟ هل ستفشل؟ الفرحة الوحيدة التي أشعر بها الآن هي فرحة النجاة من السيناريو المروع، ركود اقتصادي، ودولة تعجز، وتقع في الديون، وعرض ضعيف عليها، ويأتي من لديه وفرة من المال لكي يشتري ممكناتها وطموحها بثمن بخس.

وفوق ذلك، العامل السياسي، إن تحسن اقتصادك، وبالذات الموانئ، هل سيسكت من ينافسك بسهولة؟ نعم، الوفرة الاقتصادية حلم كبير، لكن لا حلم يتحقق بسهولة، ولا حلم يتحقق إلا بصوابية المفاهيم العلمية التي لاحقا كلنا سوف نضطر لتعلمها، لأنه أيضا لا خيار لنا، دولة اقتصاد!!! نعم جميل، ووفرة، وفرص، ووظائف، وخدمات أفضل، وتنافس، وسلع من صالح المستهلك، لكنها أيضا ستأتي مع تحدياتها. لذلك، هذا هو التحدي العماني حاليا. ولأن الطريق الوحيد له هو الاقتصاد، لا خيار سوى أن تعبر عمان هذه المرحلة بكل ما بها من تعقيدات.

ملاحظة جانبية: ستكون تجربة رائعة للكتابة في خضم كل هذه التغيرات. بانتظار الانطلاقة الاقتصادية، ومن المعلوم من عمان بالضرورة أنها ستكون هادئة، وتدريجية، وتتجنب الإيغال السريع، والاندفاع الذي عواقبه ليست سهلة. متى؟؟ يعلم الله بذلك، لكن هل عمان ذاهبة إلى هناك؟ هنا سيحكم الوقت، خمس سنوات إضافية؟ أو ثلاث؟ أو عامان، أو هذا العام؟ أو ربما إن ساءت الظروف، وحدثت الأخطاء، ربما يمتد وقت الانتظار.

اللهم يبلغنا يوم طموحنا العماني أحياء سالمين بصحتنا، وأعان الله من بيده كل هذه القرارات المعقدة في المرحلة العمانية التي عنوانها الرئيسي: الاقتصاد!

معاوية الرواحي

السبت، 17 يناير 2026

عن أسئلة عمان الجديدة!

 نحن نعيش عهد تأسيس جديد. من أسئلة (ماذا؟ هل؟ من؟) إلى أسئلة (أين؟ كيف؟ متى؟) ....


ننتقل من وضع أن الغريب مصدر قلق شديد، وقد يؤثر على كيفية بناء الدولة الجديدة، التي بلا جيش وبلا مدارس، إلى أن الغريب هو مصدر قيمة مضافة معرفية ومالية وعلمية نبحث عن فائدته في نسيج الوضع الداخلي، مع الاحتفاظ بكل القدرات التي تحمي من تأثير سلبي قد يحاوله أو قد نسمح بحدوثه داخليا.

وكالعادة كل حد يتجنب الحديث عن الموضوع لأنه يظن إنه كبير للغاية، وإنه لا يجب الخوض فيه، بينما التنظير لأنماط الحياة، وأنماط الإدارة الحالية هو أول واجبات عهود التأسيس. نحن عمليا ابتداءً من يناير 2026م نعيش عهد تأسيس الاقتصاد العماني الحديث، وهذا لن يكون سهلا بسهولة كتابة هذه التغريدة، سيكون مليئا بالتحديات.

قبل: معك بترول + قياسات إنفاق + مجتمع قليل السكان، والأولويات يكون معاك ما كان مفقودا، صناعة شيء من العدم. الآن تجاوزنها هذه المرحلة. الآن: معك بترول، تحتاج تضخم وفوراته في اقتصاد ينمو، معناه محتاج تحرك أدواتك الداخلية والخارجية، وأيضا تكون جاهز لتلقي بعض الضربات، وايضا تكون جاهز لكي لا تجهز الخسارة على مشروعك واستقرارك. مع بلاد مترامية الأطراف محتاج تحسن الطلب عليها لكي تحصل على مردود استثماري أفضل مما تحصل عليه عادة نتيجة لغياب المكونات التي تجعل الغريب القادم من الخارج خائفا على رأسماله. الأمان السياسي، ثروة أهدرت طويلا في عمان وكل مرة هناك سبب، بعضه خارج متناول القدرة الداخلية، وبعضه داخل متناول القدرة الداخلية، ولا ننسى مقاومة هائلة للغاية للتغيير، فضلا عن الخوف من المجهول. دولة اقتصاد؟ يعني دولة قلق وتنافس، دولة يجب أن ترفع شعار الكفاءة أولا، والإنتاج يكون سيد الموقف، يعني تغيير هائل في عقلية التفكير العام، يعني انطلاق، وربما إخفاق، وإعادة تصويب المسار، ثم محاولة الانطلاق مجددا، وهكذا دواليك. المفاهيم الإسكانية الجديدة، وكل هذه الأحياء بما تبدو عليه من (ملايين ضخمة) غير كافية من الأساس، وستحتاج إلى عشرات وعشرات منها حتى تحقق الانتقال الكبير من المدن القديمة إلى المدن الجديدة، وبالتالي يكون لديك ضغط سكاني أقل ضمن جسر انتقال تدريجي يسمح لك لاحقا بتطوير المشهد السابق وإعادة تجهيزه لكي يعاد ضخه كاملا في اقتصاد متحرك. كل هذا لن تفعله وحدك، ليس بدون العالم، وأن تكون دولة دموية مشاغبة تتدخل في كل مكان ليس لها كلمة يختلف عن كونك عمان، دولة جاهزة تماما بمصداقية عالية. هذا سياسيا، هذا على صعيد الأمان، هذا على صعيد السلم الشعبي، هذا على صعيد غياب الفتن والحمد لله، لكن ليس هكذا يفكر الاقتصادي، يفكر في شيء واحد: ماذا يحتاجون؟ كيف أحل هذه المشكلة؟ وماذا سآخذ بالمقابل؟ المستثمر الخارجي يجي ويشوف على أمان البلاد عشان يقرر قرار المجيء، لكن ما كل هذا اللي يحتاج له، أولا يحتاج يشوف نمط حياة ممكن يعيشه، وسيجده، شعب هادئ متصالح وطيب ونسبة العنف قليلة جدا. سيحتاج إلى ضمان لحقوقه وإلى قضاء قادر على البت في منازعاته، سيحتاج إلى بورصة متحركة تحقق له أهدافه، سيحتاج إلى أن يشعر أنَّه ينمو في محيط محمي، لن يتعرض لضربات من حوت من حيتان السوق، أو يجد نفسه يفقد الأدوات التي يدير بها ثروته ومصالحه. وأنت داخليا ماذا تحتاج؟ تحتاج تحمي نفسك كفاية من أنه لن يفعل ذلك باقتصادك، ولا بسوقك، ولن يغير قوانين اللعبة لصالحه ولن يصبح مصدر أرق وضغط لا يمكنك التخلي عنه، وفي الوقت نفسه لا يمكنك التفاوض معه من منطلق قوَّة .. لنا أبسط مثال في شركة (طلبات) ما هي حصتها من السوق؟ وهل هناك أي منافس لها؟ وأنا أسأل لأنني لا أعرف الإجابة، إلى أي مدى طلبات هي كيان اقتصادي لا يمكن المساس به؟ ويفرض شروطه على الميدان؟ تجربة أولى، ماذا نستفيد منها؟ كيف نصوب المسار؟ وكيف نبدأ من البداية لكي لا نضع هذا العالم الهائل في وضعية أقوى منا. تحسين وضع الطبقة الوسطى لن يكون تحديا كبيرا في حال نجحت المساعي الاقتصادية، لأنه حتى لو حدث ذلك الغلاء المتوقع (وسيحدث) سيتقبل متقاعد لديه خمسة أبناء لا يعملون الغلاء عندما يرى خمسة من أبنائه يعملون في وظائف في الشركات الجديدة، أو ربما في الدقم أو غيرها من البؤر الاقتصادية التي كل الهدف العام الآن جعلها منتجة، وقادرة على النمو. الخطوة الأولى هي أن تنجو من السيناريو الأكثر مرارة. السيناريو الذي لا رحمة فيه، سيناريو الركود الاقتصادي الشامل، وسقوط البلاد تحت سيطرة الديون، وسلم على عمان إلى أكثر من عشر سنوات من الضغط وربما من الاحتقان الشعبي، وما يأتي مع ذلك من صعوبة في الحياة وطبعا بلا شك تراجع هائل في مستوى الحريات، وعشنا هذا الوضع من قبل، وكلنا نعرف أنَّه لا ينفع أحدا، ولا ينفع بلادا، ويقود إلى ركود خطير للغاية. منحنى التعلم العماني يذهب إلى ما يلي: كيف نتعلم أن نمسك بخيوط الميدان، بدون أن نجعلها مشانق لمن يثق بنا، وبدون أن نجعلها حواجز لمن يريد المجيء، وبدون أن تكون مرتخية جدا لدرجة أن الغريب الذي سيأتي بقوة المليارات يفرض شروطه بسهولة علينا. التحدي كلمة (صعب) ما قليله فيه، لكن مستحيل تدخله وأنت رأسمالك الذي إن خسرته سوف ينهش الدولة من الداخل! هنا وجه التفاؤل الكبير، إنه شيء مجال للخطأ، وإنه الخسارة لن تكون مساوية لأزمة مترامية الأطراف. كيف سيحدث ذلك؟ ومتى؟ وأين، هنا المنظومة كلها تتحدث، كلها تعطي نتائج، وكلها تحدد المسار الاقتصادي العماني يذهب إلى أين. من النجاة إلى النجاح، هذا هو الفرق بين مرحلة الحماية والحذر، إلى مرحلة المجازفة المحسوبة التي إن لم تنجح، على الأقل لم تنسف بك وباقتصادك كاملا. الجانب الذي أستطيع أن أتحدث فيه متعلق الآن بالكتابة والنشر: حان الوقت للتنظير المكثف حول أنماط الحياة الجديدة في عمان، وإعادة تعريف الكثير من الأشياء، كل هذا جديد، وعمان متعودة على حدوث أشياء جديدة، من النافع استباق كل هذا بالتفكير فيه، لاحقا ستعم الفائدة من هذا الاستباق عندما تكون الحياة مزحومة للغاية، ولا داعي أن نتعلم من الأزمات، فلنتعلم هذه المرة من الخطط، وبالاستباق والذي مهما كان دقيقا لن يحدث كما سيحدث في الواقع، ولكن على الأقل، استعداد جزئي خير من لا استعداد على الإطلاق.
هذي وجهة نظري ..

الخميس، 15 يناير 2026

المرحلة العُمانية: الوضع حاليا!

 

 

ملاحظة مبدئية:

هذه التدوينة، سردٌ لآمال مواطنٍ عُماني عاش خمس سنوات من الخوف، والشعور العارم والفادح أنَّ الأسوأ سيحدث. وما هو هذا الأسوأ؟ الفشل الاقتصادي، وحالة الركود الكبير، وأن جميعَ المساعي العمانية لصناعة حالة الانطلاق الاقتصادي، ستتأجل لسنوات طويلة، أو ربما ستفشل، لذلك إن وجدت تفاؤلا يزعجك عزيزي القارئ، أرجو منك ألا تكمل القراءة، وإن وجدت حسن ظنٍّ عالٍ بالواقع، فهذه مشكلتي، أنني أحاول التفاؤل، وأحاول إقناع نفسي بأنَّ كل شيء قابل للتحسن، ومجددا إن وجدت ذلك يزعجك، فلا تكمل القراءة، هذا المقال مخصص للمتفائلين، الحالمين بغدٍ أجمل، لذلك إن أكملت القراءة ووجدت خطأ منطقيا، وحقائقيا، فهذا نتاج اجتهاد وخطأ، أما إن كانت ردة فعلك عبارة عن حقن اليأس في الحماسة، فهذا ليس نقاشاً، هذا شيء أجنب نفسي إياها حفاظا على ما تبقى من رباطة جأشي، وشعوري العارم بأن السيناريو الأشد خوفا قد ولّى في المرحلة العمانية الحالية.

 

دعني في البداية أعترف بالسيناريو الكابوسي الذي كنت أخاف منه. ويتمثل منطق تسلسلي ستجده منطقيا وبسيطا. انظر لهذه الأحداث. منذ عام 2020م. كنت لاجئاً وقتها، والبلاد كانت في حالة طوارئ وحذر شديد امتد لست سنوات، السبب المعلوم الذي لا ينطق عنه أحد هي خطورات مرض السلطان قابوس رحمة الله عليه، والكوابيس التي كانت يمكن أن تحدث لعمان إن حدثت انقسامات، أو انهيار اقتصادي شامل، القروض المتتالية كانت سيدة الموقف، وكتب الله لعمان النجاة والبدايات الجديدة، والتي، كعادة عمان، تكون بدايات صعبة.

كنت متفائلا على الصعيد الثقافي كثيرا، أن يتولى حكم البلاد سلطانٌ قادم من الحقل الثقافي انعكس ذلك فوراً بتحسن ملموس في أحوال الكتابة العامَّة. حالة الحذر الشديد التي شابت الكثير من الأشياء في عمان بدأت تنحسر، وعاد الواقع الكتابي ليصب مجددا في منطقته المرتجلة البديلة (الإنترنت)، ورافق ذل تحسن طفيف في حالة الرقابة الإعلامية، وبدأت تختفي مع الوقت وسوم (الحرية لفلان الفلاني) ويقل عددها. هذا الجانب الذي كان يهمني في عمان وقتها قبل أن تتغير أسئلتي العمانية جذرياً وأنا أدخل وضعا جديدا. رب الأسرة العماني الكلاسيكي الذي عليه أن ينظر إلى شؤون أسرته، ولاحقا الأب الذي يرى الدولة منظومة صحيةً، وتعليميةً وتربطه علاقات مختلفة عن ذلك الشاب الذي كان يرى في العالم (حرية تعبير) ولا شيء آخر. خلال تلك المرحلة، كنت أصمتُ عن ذلك السيناريو المخيف الذي كنتُ أرى إمكانيات حدوثه معقولة، ولا أعرف كيف تجاوزت عمان هذه المعضلة، كل الذي أستطيع قوله هو الحمد لله أن الأسوأ لم يحدث.

إن الأسوأ الذي أتحدث عنه مرتبط بشكلٍ مباشرة بأي فشل اقتصادي ذريع كان سيحدث في بدايات العهد الجديد. انظر إلى هذا الافتراض، وهذا التخيل المليء بالخوف. تنتصر الديون، وتختار الدولة نظام التوزيع المباشر للثروة النفطية الذي يفلت كل يوم من اليدين، والاختيار يكون تأجيل الانطلاق الاقتصادي، وتحدث الأزمة الآن، بعد خمس سنوات من الاستمرار على نظرية اقتصادية خطرة للغاية من حيث الاستدامة رغم حلاوتها المرحلية وما تشكله من تخدير مباشرٍ للاحتياجات المهمة للطبقة الوسطى. السيناريو الآخر، المجازفة الاقتصادية الهوجاء، وأن تكون البلاد رهن التقلبات الاقتصادية وتحدث الخسارات الكبيرة، ونصل إلى حالة من الاضطراب بسبب الاقتراض المباشر، ولا أحد يعلم أي كوارث ستأتي من هذا الاندفاع غير الحكيم. سيناريو وراء سيناريو كله مرتبط بشيء واحد (الاقتصاد العماني الحديث) وهو الخيار الوحيد الذي يبدو في الأفق.

ما الذي سيحدث تلقائيا؟ حالة من الركود، المزيد من التسريح، السخط العام يتزايد، ومع الوقت تبدأ المرحلة العمانية في دخول النفق المظلم، الغضب، السخط، وغيرها من أشكال الممانعة والرفض، وردات الفعل، وفليودّع المتفائلون أحلامهم، سيكون الواقع مكهربا للغاية، والتلميح يغني عن التوضيح، سندخل مجددا في حالة من الصرامة الشديدة، والضغط الشعبي سوف يصطفي مجموعة من الأشخاص مجددا ليتولوا واجب الحديث نيابة عن العموم الكبير، وهذا تكرر عدة مرات منذ عام 2005م إلى هذه اللحظة والذي عاصر أحداث عمان آخر عشرين سنة سيرى هذا النمط عدة مرات.

هذا كان السيناريو الكابوسي، أنَّ الأشياء ستسوء، ويبدو من المؤشرات العامَّة أن عُمان قد تجاوزت نسبيا هذا النفق المظلم، ودخلت مرحلة جديدة وهي (الوضع يقبل بالفشل) وأعرف أن هذا ليس ما يحب كثيرون سماعه، لكن أرجو أن يكمل القراءة لكي يفهم أن (الوضع الذي يقبل بالفشل) هو شكل مبدئي من أشكال النجاح. تحقيق ما يكفي من الأمان الاقتصادي يسمح للبلاد بدخول منطقة مجازفة اقتصادية محسوبة، إن نجحت وأتت بمردود كان بها، إن لم تنجح؟ لن يؤدي ذلك بالضرورة إلى الانهيار الكامل للمنظومة، وبالتالي يمكن المحاولة مجددا. هذا سبب تفاؤلي الحالي، أن الوضع يقبل بالفشل، ويقبل بالإخفاق، ويقبل بتلقي بعض الصدمات الخفيفة التي لن تكسر العمود الفقري للمنظومة الاقتصادية.

إعطاء رأي عن جدوى المشاريع الأخيرة عملية صعبة ومعقدة، وهي مهمة المتخصصين الذين يرفضون الدخول في التفاصيل، ويكتفون بالتصريحات العمومية، ولا أحد أصبح اليوم يسمع أو يقرأ الشرح الطويل، حتى هذا المقال كم قارئا سوف يكمله للنهاية؟ قليل جدا أليس كذلك؟

لهذا، الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يوصل الرسالة هي النتائج، وأعرف كم سيود كثيرون قراءة الكثير من المديح عن السلوك الاقتصادي العُماني. لم يحن وقت المديح والاحتفال بعد، هذا وقت تنفس الصعداء والشعور بالنجاة، والتحركات العمانية التي كانت تكثر مؤخرا تكشف لنا عن النظرية الرئيسية القادمة للمرحلة العمانية (الاقتصاد هو سيد الموقف) وبالتالي، إنشاء الاقتصاد في ظروف حذرة للغاية، تتجنب السقوط الكبير كانَ هو عنوان المرحلة في السنوات الأخيرة. التغيير الذي حدث في مجلس الوزراء مؤخراً يكشف لنا أن المرحلة الاقتصادية انطلقت رسميا، تعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم، الذي هو ولي العهد دستورياً في منصب مهم للغاية كنائب رئيس وزراء للشؤون الاقتصادية يجيب على كل التساؤلات التي قد تتخلق في فؤاد أي إنسان يتابع بترقب ما يحدث في الساحة العمانية، اتضحت المرحلة، وهذه بداياتها.

الرسائل التي يوصلها هذا التعيين كثيرة للغاية، وتحتاج إلى مقالات كثيرة وبركة كاملة من الحبر لكي تحسب حساباتها المعقدة، سياسيا، واجتماعيا، فضلا عن جوانب أخرى وجودية لها علاقة بعمان، وأيضا لا ننسى، عمان المدنية الحديثة لها من التاريخ حاكمان فقط الأوَّل هو المؤسس، والثاني هو الذي تولى مقاليد عهد الديمومة، والاستمرارية، والانتقال السلمي للسلطة وغيرها من المفاهيم التي كلها أيضا جديدة، مثل مفاهيم الاعتماد على دولة اقتصاد بعدما كانت عُمان عادةً دولة مبنية على الجهود السياسية الفردية المؤثرة للسلطان قابوس رحمة الله عليه. أما وقد وضعنا هذا على الطاولة دعوننا نفهم الآن أكثر.

تعيين ولي العهد الشاب في هذا المنصب الحيوي يعني الكثير، ولكن ما هي الأهمية القصوى لهذا التعيين؟ أن هذا الشاب المتعطش للنجاح وللتمكين قد وصل أخيرا إلى الموقع الذي يسمح له بالتحرك أيضا من أجل الاقتصاد العماني؟ ومن الذي يفعل ذلك قبله؟ السلطان نفسه كان يفعل ذلك، وأيضا شيء جديد على عمان، عادةً جهود فترة التأسيس كانت في المقام الرئيسي سياسية والاقتصاد لم يكن ضمن أولويات المرحلة، ولأنه من الأساس مبني على التقلبات كان حذر فترة التأسيس الكبير يتجنب جعله النموذج الرئيسي الذي يموّل الدولة، ويضخ (مال) الحياة في المنظومات الإدارية والعسكرية. كبرت عمان اليوم، وعدد السكان زاد، وتغيرت خارطة المكوّنات السياسية والمنظومية في عمان. وجود ولي العهد في هذا الموقع يعني الكثير، وأبسطها أن الدافع الضخم لهذا الشاب لتحقيق النجاح، وللوصول الدولي، بينما عملية التهيئة المستمرة تحدث على مسمع ومرأى الجميع، ترقياته العسكرية تظهر في المناسبات العامَّة، تحوله من وزيرٍ إلى منصب سيادي رئيسي في الدولة وأين؟ في أهم مفصل من مفاصل احتياج المرحلة العمانية (الاقتصاد) كل هذه خطوات لا شك ولو لثانية أنها محسوبة ومخطط لها بدقة، وبحذر شديد، وبحماية تامَّة للاقتصاد من نوائب الزمان، وربما لهذا السبب كان الدين العام والتقليل منه سيد الموقف الاقتصادي لسنوات متتالية، ولم يخل ذلك من صعوبات في مناحٍ كثيرة، آمل كل الأمل الآن أن تقل مع الوقت مع تحسن الأداء الاقتصادي العماني.

 

ما الذي (أتخيله/ أتمناه) أنَّ المنظومة السيادية كلها الآن تتحرك بكل قوتها في ضخ قوَّة عمان السياسية، ومصداقيتها الدولية لتضيف لها قيمة مضافة، وهي تحسين الطلب على الاقتصاد العماني، وجلب الاستثمار لها، وتفعيل الممكنات الكثيرة التي يمكن لعين الأجنبي أن ترصدها، فقط في حالة واحدة؟ في حالة كان لديك اقتصاد قادر على تحمل الضربات، وقادر على تحمل (بعض الفشل) ولذلك، هنا جوهر الفكرة. أن يكون الوضع العماني جاهزاً لأي ظروف قاهرة، أو حروب في المنطقة، أو ركود اقتصادي كبير كما حدث من قبل عدة مرات، الأزمة المالية العالمية في منتصف المراهنة على الدقم، تسليم السلطة في منتصف وباء كورونا، إن كان يمكن تلخيص الكثير من الأشياء في عمان إضافة إلى احتياجات النزاهة والحرب على الفساد والتخطيط السليم، فإن سوء الحظ أيضا عاملٌ كبير للغاية في كثير مما حدث.

تهيئة الوضع للانطلاق (كما يظهر من المؤشرات العامَّة) تمَّت، ومن المؤكد أن تعيين ولي العهد كنائب لرئيس الوزراء هذا في حد ذاتهِ دليل على طمأنينة وشعور بالأمان الاقتصادي يسمح بالمزيد من المجازفة الاقتصادية، فالاقتصاد والربح لا يحدث بدون مخالفة، أخبار جهاز الرقابة المالية للدولة، والتمكين الإعلامي له، الخطاب السلطاني الذي يجعل المرحلة مبنية على المحاسبة والمساءلة يتحول مع الوقت إلى أخبار واقعية، وفي الوقت نفسه الرحلات المكوكية من دولة إلى دولة، والزيارات، كلها تصب نحو الانطلاق الاقتصادي.

إن وجود صاحب السمو ذي يزن في هذا الموقع يضيف إلى جهود المنظومة السيادية الاقتصادية، ويجعل الاقتصاد قبلة رئيسية، ومن هذا النمو، والرعاية الاجتماعية، ومع تحسن الوضع المالي للدولة هُنا ستدخل عمان مرحلة اجتماعية مختلفة فقط الجيل الجديد سيكون قادراً على فهمه، الجيل الذي ترعرع على قيم عالمية في مجتمع عمان الطوارئ قليل الفرص، ماذا تعلم هذا الجيل: اصنع فرصتك بنفسك لأنَّ العالم لن يترفق بك!

إن حدث النجاح الاقتصادي العماني المأمول، سيغير هذا الجيل المعادلة، وتذكروا كلامي، هذا الجيل الذي تلقى الرأسمالية الرقمية، والابتكار، ويصمم التطبيقات، وولد ويعيش في عصر الذكاء الصناعي، والأسواق العالمية تصنع الأنماط الجديدة العالمية العابرة للحدود للنجاح ولمفاهيم النجاح. الاختيارات الاجتماعية القادمة في الطريق ستتغير، والذي يعمل لكي يعيش سيجد شيئا مختلفا عن الذي يعيش ليعمل، من هم ناجحو عمان الجدد؟ وما هو شكل نجاحهم؟ وما هو شكل التنافس بعد أن تضخ الأموال في السوق وتعود المشاريع الكبيرة للعمل؟

لا أعرف إن كانت الدولة العمانية قد سيطرت بما يكفي على جشع القطاع القاص، أو على جوقة المحتكرين، المؤشرات تقول أنَّ الخيارات الاقتصادية الجديدة، وأن المنظومة السيادية وهي تدخل بكل قوتها يجعل الأمر صعبا على أي مجازفٍ بممارسة الضغط على الدولة للحفاظ على أي مكتسب اقتصادي، تعادي الاقتصاد، تحاول احتكار أي قطاع، مباشرة هذا يعني أنَّ تحاول إفساد عمل الدولة وسعيها الرئيسي لصناعة العهد الاقتصادي القادم، ومن الأساس عمان تسابق الزمان لكي تصل إلى هذا الوضع المنفتح على العالم، والذي يسمح بتبادل المصالح بموقف تفاوضي قوي. تحسين الطلب على عُمان يكمن وراؤه الكثير مما لا يقال، يهمس به عن العوائق التي توضع أمام مشاريع ضخمة وكبيرة، بعضها بسبب خارجي، وبعضها بسبب داخلي. هل هذا ما أفهمه من الواقع؟ أم الذي أتمناه؟ بكل صدق لا أعرف، هذا ما أتمنى أن يكون أنَّه يحدث في الواقع العماني.

ما هي مآلات الانطلاق العماني الحالي؟ كما آمل، تحسن الوضع الاقتصادي، المزيد من الجذب العالمي على عمان، المزيد من الدول تجد في عمان فرصة استثمارية، مع الوقت رؤوس الأموال تصب، أنماط الحياة الإسكانية والأحياء الجديدة تصبح حالة انتقال عمومية للواقع الاقتصادي العماني الجديدة، نظام رعاية مختلف، وربما منفعة إسكانية عامَّة ومشاريع أسكان شعبي، هذه أحلامي لا أعرف إن كانت خطة الدولة هكذا أو لا. اقتصاد يسمح بالابتكار، والتنافس، وفي الوقت نفسه به حماية عالية للطبقة الوسطى وللمشاريع الصغيرة، كل هذا ممكن فقط بطريقة واحدة: اقتصاد صحي، نامٍ، متين، يتحمل الضربات إن ظروف الحياة مضت بما لا يؤاتي الطموح والخطط.

 

أعود للواقع وأتوقف عن الأمنيات. هذا السرد كله هو محاولة تفكير في الوضع الراهن لعمان. شعور عارم بالنجاة من السيناريو الآخر الذي كان يمكن أن يحدث لو فشل الاقتصاد العماني، شعور يشعر به كثيرون ولا ينطقون به علنا. ما الذي ننتظره الآن؟ ننتظر أن يتحول كل هذا السعي إلى واقع جديد، ينمو تدريجيا، ويتحول مع الوقت إلى حالة زخم، وبعدها إلى انطلاق، ومنها إلى المأمول، هل سيكون ذلك خلال سنة؟ ثلاث سنوات؟ خمس؟ لا أتمنى أن يتأجل ذلك، الجميل في المرحلة العمانية هو هذا الشعور بالنجاة، والأمل في المرحلة القادمة هو الشعور بالنجاح، ومن النجاة إلى النجاح، تمضي المرحلة العُمانية بكل أسئلتها وتحدياتها، وعلى الإنسان السعي، والباقي بأكمله في يد الله وأقدارها الذي أسأله أن يلطف بعمان وبشعبها وأن يكتب لهم الوفرة والرخاء، وأن يحميهم من الترف والعجب وإتلاف المنجزات. لا أعرف كيف أصف هذه التدوينة، هل كانت تخيلات حالمة؟ أم كان واقع به الكثير من الأمنيات؟ أم أمنيات بها الكثير من الواقع، هذا ما شعرت به، وتخيلته، وفكرت فيه مجموعا في تدوينة واحدة.

 

وللحديث عن عمان بقية

 

معاوية الرواحي

الاثنين، 12 يناير 2026

عمان 2026

 تبدو حكاية عُمان من الخارجِ عاديةً للغاية. ربما لهدوئها الدائم وبعدها عن الضجيج العالمي. الواقعُ مختلفٌ تماماً عندما تعرفُ عمان من الداخل، وتحاول فهمَ وضعها الداخلي. نصيب عُمان من حُكَّام الدولة المدنية الحديثة هما اثنان:


- السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه. - السلطان هيثم بن طارق حفظه الله وأيّده. منذ 1970م وظروف عُمان لم تكن في أحسن حال. حربٌ قائمة، وتغيير غير نمطي في نظام الحكم، وتغيير اسم البلاد، وعصر النشأة، والتأسيس، وعُمان الحديثة التي أصبح يعرفها القاصي والداني. عاشت عُمان مراحلها، واختتمت بتسليم الأمانة بإشارةٍ من السلطان الراحل إلى سلطان عُمان هيثم بن طارق آل سعيد. لكن هل حكاية عُمان دائما محفوفةٌ بالسهولة واليسر؟ كان تسليم السلطة سلميا، وهادئا، وواضح المعالم. العالم وقتها لم يكن واضح المعالم، والتحديات بدأت من اللحظة الأولى، أزمة عالميةٌ خانقة، وديونٌ تستنزف الميزانية العامة، وإغلاقٌ وراء إغلاق. كعادةِ عُمان، لا تكون الأمور أبدا سهلةً عليها، ولا على بداياتها. كما كان كل ما يحدث من قبل في سنواتٍ معيَّنة في تاريخ عمان الحديث جديدا، فاليوم ما يحدث جديد أيضا. سلطانٌ برؤية اقتصادية، وهذا الاقتصاد ليس اختياراً، بل هو أقصى ما تفرض الضرورات الجديدة في دولة تغير عدد سكّانها، وأصبح المضي قدماً في نظرية التوزيع المباشر للثروة الطبيعية أمراً يفلت من اليدين مع كل يوم يمضي من زيادة عدد السكان. لذلك اختار السلطان هيثم مقاربة بناء الاقتصاد العماني الحديث، ومجددا، شيء جديد في عمان، تأسيسٌ، وإعادة النظر في السوق، وبناء التغييرات. اختار التدرج في التغيير، وسعى بكل جهده إلى تجنيب البلاد زلازل التغيير المفاجئ والجذري، وهذا ما يتضحُ من نهجِه المستمر. إن تسميةَ السلطان هيثم بالسلطان الاقتصادي لن تكون تسمية في غير موضعها، فمسيرة عُمان حتى هذه اللحظة تُكمل النشأة، وتقصر المسافة التي تسابقُ فيها باقي الدول والأمم لتصل إلى حالة التنافس على الفرص العالمية. فالاقتصاد ليس قراراً داخلياً واحدا، وإنما تهيئة للدخول في مناطق الفرص، وهذه لا تأتي بدون منافسين، وتنافس، وعواصف اقتصادية عالمية وسياسية، فضلا عن الحروب التي تطل برأسها على المنطقة. إن الحديث عن السياسة الخارجية العمانية إن بدأ، فدائما ينتهي في مجموعة جمل قصيرة. دولة لا تتدخل في شؤون الآخرين، وترفض أن يتدخل أحد في شؤونها، نقطة في نهاية السطر. وقد استمرَّ السلطان هيثم على هذه السياسة، وأكمل عليها بنهجٍ آخر، هو العفو عن اللاجئين الذين يطلبون العودة. وماذا بعد سياسيا؟ لا شيء آخر، عُمان مستمرةٌ على نهج هادئ ومسالم، ونسأل الله ألا يتغير ذلك تحت أي ظرف من ظروف. نعود إلى الاقتصاد: إنشاء نموذج اقتصادي لعُمان هو التحدي الحقيقي الذي تعبره عُمان في خطوات حذرة للغاية. في فترة التأسيس، لم تكن فكرة المراهنة أبداً بنشأة الدولة ووضعها تحت يدي الاقتصاد العالم المتقلب مطروحةً، كان اختيار (المنطقة الآمنة) هو سيد الموقف حتى عبرت السنوات بعمان إلى مناطق الاكتمال لمؤسسات الدولة، وبناء أعرافها الأولى، والتي استمر معظمها حتى في عهد السلطان هيثم. فما التحدي الذي واجه حاكم عُمان الحالي؟ التحدي الاقتصادي، الذي حتى هذه اللحظة هو بكل مفاهيمه جديد للغاية، يحمل كل يومٍ توسعاً في مناطق متعددة، ويحاول أن يوزع النمو بين القطاعات، وخلال كل هذا التوازن بين الاستثمار، وصناعة الفرص اقتصاديا، والحماية الاجتماعية قدر الإمكان. توازنٌ يحاولُ كل يوم أن يُدخل عُمان إلى منطقة الزخم الاقتصادي، وإلى جذب الاستثمار، وهذا ما يمكن فهمه بسهولة من المشهد العام بكل ما فيه من مشاريع جديدة، ومفاهيم اقتصادية تتبلور، ورؤية إسكانية مختلفة، وكل هذا مجددا، جديد للغاية، وينشأ بكل تجاربه، ونستطيع حتما أن نقول بكل صوابِه وأخطائه، وتصويب المسار مستمر. تحسنت أحوال حرية التعبير كثيراً بعد انتهاء فترة الطوارئ الحذرة التي صاحبت السنوات الأخيرة من حكم السلطان قابوس، وعادت أنهار الكتابة إلى مجاريها، والقانون سيد الموقف. لعل الأجيال الجديدة الآن التي تكتب لم تكن تعرفُ مجددا حكاية عمان التي تبدو هادئة للغاية من الخارج، أما في الواقع فكل مراحل عمان كانت صعبة، لا أظن أن مراحل عمان كنت يوما ما سهلة إلا في سنواتٍ قليلة من الرخاء والوضوح. الملحوظ تماما على عهد السلطان هيثم هو المساهمة المباشرة من قائد المنظومة السيادية في صنع التحافلات الاقتصادية. الاعتياد العماني على فعل ذلك سياسيا، أضيف إليه اليوم عامل جديد آخر، وهو أن السلطان ذاته يذهبُ ويعزز دور الاقتصاد العُماني. التوازن الصعب للغاية بين العرض والطلب، وماذا ستقدم للغرباء المستثمرين في بلاد واضحة المعالم ولكن في الوقت نفسه مجهولةٌ للغاية. عرضٌ وطلبٌ، وكيف تحسن الطلب على عمان فتقلل من التنازلات الاستثمارية (والتحفيز) الزائد عن الحد الذي يُفرض عليك من قبل الاقتصادات الأخرى؟ إحدى التحديات الرئيسي في عهد السلطان هيثم، والواضح أن شوطاً واضح المعالم قد قُطع، وشوطٌ طويل آخر في الطريق المستمر إلى عصر الديمومة والاستمرارية بعد نهاية عصر التأسيس على وجه واضح من وجوه الاكتمال في بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. تستمر الحكاية العمانية في كتابة نفسها، بالصعوبة نفسها، بالتحديات الكبيرة نفسها. كانت يوما ما دولة جديدةً تسعى للتأسيس ووضع نفسها على الخارطة السياسية، وأصبحت اليوم اقتصادا جديدا يحاول وضع نفسه على الخارطة الاقتصادية، مدعوما بالإرادة السياسية العمانية. وكل ذلك ليس سهلا، ليس سهلا في عهد وباءٍ زلزل العالم، ثم في عهد حروب في المنطقة، وفي عهد دينٍ عامٍّ ثقيلٍ، وتغييرات مستمرة كلها تسعى نحو هدف عمان الرئيسي: دولة اقتصاد نامٍ، يثمر، ويربو، ويتحولُ إلى صمام الأمان الرئيسي للدولة وللمجتمع لاستبدال الواقع النفطي المتذبذب أيضا، والذي لا يمكن الاعتماد عليه للأبد. عهد آخر من عهود عمان المليئة بالتحديات، والإنجازات، والنمو التدريجي، والمحاولات المستمرة للحظة الانطلاق الاقتصادي. نصر الله سلطان عمان، وأيده بالبطانة الصالحة، وكتب له برَّ بنيه وعائلته، وأعانه على الأمانة، ورزقه فرحة اكتمال الخطط، ونجاح التنفيذ وكتب على يديه رخاء عُمان وسلامتها، واستقرارها، وأمانها، ونموها الاقتصادي الكبير بإذن الله. معاوية الرواحي