بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 22 مايو 2026

مقابلة أكاديمية (غير مكتمل)

 

 

 

 

الثقافة السياسية في عُمان

1.     هل يمكنك أن تحدثنا عن خلفيتك، وتخصصك في علم النفس، ودورك العام بوصفك مؤثراً، وما الذي دفعك إلى الانخراط العلني في القضايا الاجتماعية والسياسية؟

 

خلفيتي متعددة المجالات. مهتم بالأدب في البداية، ثم ناشط في قضايا كان معظمها مرتبط بسقف الكتابة الممكن قانونيا، ولا سيما سقف الكتابة الإبداعية والكوميديا تحديدا، بعدها تناثرت تجربتي من وإلى الشعبية، والكراهية، والعقل، والجنون، ولا أقول هذا كصفات أدبية وإنما كصفات رسمية موثقة في السجون والمستشفيات لذلك أرجو أخذ إجاباتي من زاوية فردية بحتة فقط لأنها زاويتي في رواية الأحداث. الذي دفعني للانخراط العلني كان ذلك عام 2006م مع انتقال عصر الكتابة الرقمي من عالم المنتديات إلى عالم المدونات، وانطلاقة عصر المنصة للكاتب الفرد. شكل ذلك منطلقا مختلفا عن تجربتي الأولى التي كانت كلها مرتهنة برأي محرر أدبي في ملحق يتنافس في النشر عليه عشرات، ولاحقا في منتدى أدبي يملك المشرف عليه سلطة إغلاق المواضيع وحذفها.

الدافع الأولي كان الانخراط، للتجربة، وبعدها أستطيع أن أقول أن الكتابة العلنية استحوذت على حياتي، والكتابة نفسها استحوذت على حياتي، وتضاءلت حياتي الحقيقية والواقعية حتى أصبحت بسيطة للغاية بينما لدي وجود رقمي هائل وكأنني لدي عشر حيوات في وقت واحد، أخذت القصة عشرين سنة حتى أكتب الآن أنني صرت أعيش حياة عادية للغاية، ومملة، وأكتب عن الشؤون التي لا يحب معظم النخب الكتابة عنها، شؤون مملة لها علاقة بالحياة، والمدن، وتفاصيل الإعلام، والعالم الرقمي، والرقابة، وهي كلها نابعة من حقي القانوني في الكتابة، ورغبتي في الحياة بسلام مستفيدا من كل حقوقي في التعبير عن الرأي وفي الوقت نفسه بأمل التغيير للأحسن. بلا شك أنني الآن صرت أتجنب كتابة أي شيء يعتبر غير قانوني، والفيصل في نشري لأي شيء هو القانون، وهذا قرار حياة أتخذه بوعي لكي أجعل حياتي أقلق قلقا وخوفا، ووجدت في هذا الهدوء إنتاجية أعلى وتأثيرا حقيقيا وجدت أثره في عدة مواضع عامة.

 

 

2.     كيف تشكل دراستك لعلم النفس هويتك الشخصية وإحساسك بالمسؤولية حين تخاطب جمهوراً عاماً في عُمان؟

من التطاول الهائل على علم النفس أن أتحدث باسمه في هذه المرحلة، ما زلت خريجا جديدا، سأتحدث بصفتي طالب حتى أجدُ طمأنينة بحثية تسمح لي بالحديث بتأكيد يقيني. الذي أفهمه حتى الآن، أن الميزة الهائلة لعلم النفس في تسمية كل شيء باسمه، وسعيه إلى الانتباه للتشوهات المعرفية كطابع فكري أصيل فيه قد ساعدني على تسمية كل شيء باسمه. القضية التعويضية صار اسمها قضية تعويضية، لم أعد أنسج المبررات وأواجه الاشياء كما هي. الخوف، أسميه خوفا، الضعف، أسميه ضعفا، المكابرة، أسميها باسمها. لهذا السبب تغيرت كتابتي مع الوقت دون أن أشعر، الصواب النفسي يجعل الإنسان يميل دائما إلى التعاطف والبحث عن الحلول، ومع الوقت يزاحم نزعة إطلاق الأحكام إلى نزعة أخرى وهي البحث عن أفضل حل ممكن، إن لم يكن للبناء وصناعة الأمل، على الأقل لتخفيف الأضرار.

ثمة شيء شخصي جدا في حالتي كشخص أغضب الجميع يوما ما، أنني في وضع حرجٍ جدا لا يسمح لي بمساحة كبيرة للخطأ. لهذا السبب هذا الذي يجعلني أتمسك بحياد وموضوعية صعبة للغاية. لا أدعي نجاحي في ذلك، وقطعا لن أسلم من تحيزات لا واعية حالي حال أي إنسان آخر لديه دماغ وجهاز عصبي، الذي يشكل إحساسي بالمسؤولية هو تجربتي السابقة المليئة بالكوارث، والأخطاء، والسجون، والمصحات النفسية، والتشخيص العلني، وتقاريري الطبية المنشورة علنا، وحالتي العلنية في السجن خارج عمان، ثم الهجرة، ثم العودة بعفوٍ من حاكم البلاد، لهذا السبب المسؤولية ليست اختيارا، هي فرض حتمي في حالتي، ولأنني الآن رب أسرة لم يعد الأمر عرضة للتفاوض. علم النفس هو الميزان الذي يساعدني على ضبط هذه التعقيدات لما يقدمه من خيوط للإجابات، وعلى الأقل لما يقدمه من منطقة رمادية تجعل ما نقوله بالعربية (سدد وقارب) في منطقة تتجنب الضرر، وكما آمل أنني حتى الآن قد مضيت في ذلك بنجاح.

 

 

3.     كيف بدأت توظيف وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً للنقاش العام، وما العوامل المعرفية والانفعالية التي تدفعك إلى مواصلة الحضور فيها؟

بدأت منذ عشرين سنة في مختلف القضايا، في البدء كانت مناوشات متعمدة للكتابة الدينية، ومحاولة متعمدة لرفع سقف الكتابة ولو كان ذلك بما لا اؤمن به. وبشكل عام شكلت الوسائط الرقمية مناطق دهشة لها فوائدها للكاتب الحقيقي، وأيضا لها ما يلوثها من الأشباح والأسماء المستعارة.

أوظف اهتماماتي حاليا لخدمة عشرات القضايا الصغيرة، وكلما رأيت أثرا يحدث، زاد تمسكي بالقضايا الصغيرة، ولا سيما المملة التي يتجنب الكل الخوض فيها لما فيها من قلة لمعان. العامل المعرفي الآخر وجدت أن تجربتي كمتعافٍ من الإدمان، وأيضا كناشط سياسي سابقا تصنع نوعاً من التأثير الإيجابي في حياة كثيرين، ومع الوقت أصبح لدي تعزيز اجتماعي مستمر، ولا سيما مع عوائل بها شخص مشخص بمرض نفسي، أو مع عائلة بها مدمن يحاول التعافي من الإدمان، أو من عائلة لديها ابن سجينٍ يتمنون لو يعرفون ما السر الذي وفق ظنهم (جعلني بخير).

هذا الدافع الانفعالي الرئيسي، عوائل من يسمون (المرضى نفسيا) حيث أنني مشخص بمرض عقلي جسيم، ولولا علاجي المستمر والإشراف الطبي لربما كان وضعي كارثيا، أنا بخير، ومستقر، وأتابع علاجي العادي جدا الذي لا يتجاوز حبتي حبوب يومياً تمسك استقراري الذهني، تشخيصي لم يعد مهما ولكن أقرب شيء له حاليا هو الاضطراب ثنائي القطب، هذا هو الشيء التقريبي لكنني لم أعد مهتما. هذا الدافع الانفعالي يجعلني دائما أطرح تجربتي، لأنني وجدت جانبا جيداً في طرحها، مع حذري الشديد من إعطائها صفة بطولية، وصفة تجنب الصعاب، وغيرها من الشؤون السينمائية التي تجعل كل هذا صعبا على الجميع، تجربتي بسيطة جدا، تعافٍ من الإدمان، تمسك بالعلاج، محاولات أخذت عدة سنوات، تمسك تدريجي بالفرص والحياة، ومع الوقت شبكة أمان عائلية، وتجنب خوض الصراعات، وايضا صنعت علاقات جيدة مع القراء وفي المجتمع كلها مبنية على البناء والأمل، مع الوقت ببطء شديد أخذت حياتي هذا المنحنى، ليس نتيجة معجزات بطولية، وليس نتيجة أي عوامل خارقة، عملية تحسن، بطيئة، مملة للغاية، وعادة هذه المقاربات التي تنجح.

لدي دافعٌ آخر وهو الدافع المهني، حيث أن هذه المنصات هي مصدر دخل لي ولعدة أشخاص في مشروعي في صناعة المحتوى. كونا مدرسة نظن أنها مختلفة، مبنية على تأسيس المفاهيم، ونراها مشروعا فكريا، حققت نجاحا مبدئيا، ولأن هذا حلم مشترك ولدي فيه شركاء فإنني أواصل الحضور عبر هذه المنصات مع أنني شخصيا لست الذي يدير هذه المنصات دائما، أنا أحضر عندما يكون لدي شيء أقوله، وعندما لا يكون لدي شيء، فريق يدير هذه المنصات، ويضمن استمرارية عقودها التجارية. أكتب في جلسات منظمة مكثفة، والفريق يحولها إلى حضور رقمي متناثر، تجربة أتمنى ألا تفشل لأنني أتمنى تعميمها إلى كتاب آخرين، والحلم الكبير هو أن نجعل الكتابة مهنةً قابلة لتغذية حياة أو على الأقل لنفع طالب أو باحث عن عمل، الحلم كبير ولن يكون سهلا ولكن مجددا، الطريق طويل الأمد، الممل، يبدو لي هو الذي يعد بنجاح أكبر من الشطحات الهائلة في الكوني والتاريخي وملاحقة الخلود. لا أريد الخلود، أريد الموت راضيا عن نفسي، تاركا لعائلتي ما يكفل لهم حياة كريمة.

 

4.     كيف ترى أثر منصات مثل تويتر على المواقف السياسية في عُمان، من حيث الانتباه، أو الاستثارة الانفعالية، أو الاستقطاب الجماعي؟

ثمة جلاءٌ لا لبس فيه من قبل كل راصد للمشهد الرقمي، بل وحتى الإعلامي أن الدولة أصبحت أكثر احتمالية لأي رأي نقدي مهما كان حاداً، ثمة نزعة عامة للاستماع للناس، ويبدو لي أنها صادقة للغاية ويؤيد ذلك أحداث كثيرة أصبحت ردات فعل المؤسسات الحكومية لها على شاكلة (تابعت المؤسسة الفلانية الحدث الفلاني، ونؤكد أننا فعلنا هكذا) النبرة الدفاعية تراجعت، ونبرة اللوم والتهديد أصبحت فقط عندما يتعلق الأمر بجرائم أو بخطوط حمراء اجتماعية.

الاستثارة الانفعالية شيء مستمر لا أظن أنه سيتوقف، لأن هذه طبيعة الرأي العام، الفارق هو أنَّه ثمة حس عام (أظن ذلك) بأنَّ توحيد الصوت تجاه الممكن هو الأولوية. لديك عدة حالات منها علاج طفل يحتاج إلى علاج قيمته مليون ريال كانت إثارة الانتباه المستمر سببا في وصوله لذلك. بشكل عام، هذه الأجواء عاشها المجتمع في أعوام سابقة، سقف التعبير مرتفع حاليا، وتفسيري أن الدولة أيضا تريد أن تستثمر الصوت الشعبي لعمليات متعددة وعميقة من تصويب المسار، وتعديل التشريع، وتهيئة الجميع لتغيير النموذج الاقتصادي إلى نموذج متعدد، متنوع. والجدال الحالي له جذور لها علاقة بالاختلاف في الرأي حول استمرار الريعية لجيل إضافي، وجانب آخر أضعف صوتا وهو الذي ينظر للأمر من زاوية منظومية بحتة، ويرى مصلحة المنظومة أولا، أما الفئة الكبيرة (الوسط) أعتقد وأرجو أنني لست مخطئا تفكر بشؤون الحياة، والوظائف، والحياة الكريمة، والجميع لديه تطلع لرخاء قادم وأمنيات بنجاحات اقتصادية تتحول إلى واقع. الجو العام به تفاؤل حذر، بعد أن كانت سنوات مقلقة من سياسات التوازن المالي والثقل الذي سببته ديون الدولة على السوق.

 

5.     هل أثرت تجارب كالنقد الرقمي والمضايقات والضغوط في شعورك بالأمان النفسي، أو دفعتك إلى ممارسة الرقابة الذاتية حين تتناول القضايا الحساسة؟

قانوني هو القانون نفسه. لدي نص في النظام الأساسي للدولة يسمح لي بمخاطبة السلطات العامة فيما ينوب عني. النقد الرقمي أتعامل معه مهنيا للبحث عن الفجوات في المفاهيم التي أطرحها، والآن مع تحولي إلى مشروع مهني أصبح الأمر سؤالا منهجيا. الرقابة الذاتية أمارسها دائما لكي لا أنسى أن الظاهرة الاجتماعية في عمان مؤثرة جدا على الفرد، لهذا السبب أختار خيار السلامة. لأكون صادقا لدي شك دائم في نفسي، هل أفعل ما أفعله دائما بصدق؟ أم لدي خوف؟ أو ربما لدي ما هو أسوأ لدي رغبة في صناعة هالة حولي بينما في الحقيقة هي ليست صادقة! أوجه هذه الاسئلة لنفسي منذ سنوات طويلة، الذي استقرت عليه سفني وقواربي هو أنني أبحث عن الصواب المنطقي واسعى لفعله، الوقائع التي يمكنني إثباتها أنني فعلت ذلك بشكل مستمر في آخر ست سنوات، باقي الأسئلة الداخلي لم أعد أطرحها بشكل ملح، أكتفي بالحياة، والشفاء التدريجي، وأحاول أن أكون نافعا.

الرقابة الحقيقية في عمان تبدأ عندما يبدأ الحديث في مناطق ملتهبة سياسيا، وعادة كلها متعلقة بنصوص قانونية واضحة. أنا شخصيا بعيد كل البعد حتى عن السقف المتاح الذي يكتب به هذا الجيل الجديد بأريحية، المواضيع التي اخترتها ليست جدلية، وليست لامعة أو حارقة، لهذا السبب أفضل العيش في سلام، وكما قلت أعلاه، البقاء في هذه المناطق المملة، التي تحتاج لتفاصيل وتحليل يناسبني أكثر، فقد قضيت وطري من المغامرات والمجازفات.

 

6.     كيف تنظر إلى الأعراف الاجتماعية والسياسية غير المكتوبة التي تحدد ما يعد خطاباً عاماً مقبولاً في عُمان؟

 

في الأربعين من العمر، الصداع، والضغط النفسي، والمسؤوليات لا تسمح لي أن أستخدم المناوشات كموضوع لتدريب قلمي على الكتابة، كنت أفعل ذلك بهوس في عمر سابق، ملاحقا رغبة الظهور، وجنون الاختلاف وكل تلك المراحل التي مررت بها. الآن، أفضل أن أترك الأعراف وشأنها، أكتب في شأن اجتماعي بحت، يبدو لي أن صوتي يصل لكثيرين، لذلك أحاول توظيفه في عشرات القضايا الصغيرة التي أحاول تحقيق رسالة فيها هنا، وفكرة فيها هناك، وأحيانا في عدة حالات وجدت استجابة من مؤسسات أو أشخاص في الاستجابة لمبادرات أو نداء أطلقته. أتبع شعارا أدبيا أرجو ألا يثقل السياق الأكاديمي هذا وهو "إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما للناس للناس" .. أقصد بذلك، أطبق القانون، لا أناقشه، ولا أناقشه أسبابه، أتعامل معه كأمر واقع، وأؤمن بالناس، وبحريتهم وأتمنى أنني أسعى لشيء جيد لهم. كما قلت أعلاه، أسائل نواياي كل يوم، لذلك لجأت للمنطق الجامد في تعريف الصواب مستشيرا كل من أستطيع الاستهداء برأيهم، وأكمل أيامي الرقمي على هذا الأساس، في النهاية هذه مهنتي، والكتابة عن عمان هي أكثر شيء أجيده وقضيت فيه عشرين سنة، تبدو لي هذه المعادلة متزنة حتى هذه اللحظة.

 

7.     ما استراتيجيات التكيف أو تقنيات التنظيم الذاتي التي تستعين بها حين تخوض في الموضوعات الحساسة (كالتباعد الانفعالي، أو السخرية، أو اللغة غير المباشرة، أو إعادة التأطير)؟

هل يمكنني ابتكار مصطلح (تحويل الحساس إلى ممل؟). أظن أن مقاومة نداء الوهج، والتحقق، والشعور بالنفوذ والقوة هو الذي يثير حساسيات كثيرة يمكن للفكرة أن تصل بها بدون ذلك اللباس الزاهي البراق الذي تلبسه. أجعل كل شيء تحليليا، مكثفا، لا أترك فيه نقطة قابلة لممارسة ظاهرة إكمال النموذج الذهني، أو الاستعجال المعرفي، نصوص طويل بها مجادلة أجتهد فيها لكي لا أترك فيها فجوات، ومع الوقت كلما وجدت ردات الفعل تكشف لي فجوة، أدخل ذلك إلى النص القادم الذي أنشره أو الفيديو القادم الذي أنشره فاصلح تلك الفجوة، واضع لها أيضا طرحا محكما، مملا، طويلا، وهذا ما يجعل علاقتي مع المتلقي مبنية على المنطق، ولهذا السبب الشيء الوحيد الذي أستخدم فيه السخرية، أو الغضب مثلا قضايا قليلة جدا. فقدت أعصابي عدة مرات لكنني دائما أهاجم مفهوما ضارا، أو أسخر من ظاهرة اجتماعية معينة، أما الشخوص، وغيرهم، والدولة تحديدا فلا أقترب لها بالمدح أو بالقدح، وعندما تكون لدي وجهات نظر أكتبها في مقالات رصينة في جريدة من جرائد عمان اسمها جريدة الرؤية، وعندما أحاول تكوين الأفكار أتأملها وأكتبها في مدونة لدي اسمها (دون حبر) وملاحظة كلمة (دون) تختلف عن كلمة (بدون) في السياق العربي دون حبر يعني دفاعا عن الحبر، وليس (بلا حبر) كما يترجمها المترجم الآلي عادة.

 

 

8.     هل رصدت تحولات نفسية في السنوات الأخيرة، كتغيرات في القلق الجمعي، أو الانفتاح، أو إدراك المخاطر المتصلة بالتعبير العام؟

نعم كثيرة جدا جدا، وكتبت عنها عشرات المقالات. أبرز التحولات النفسية قادمة من حاجة الثقافة للمساهمة في نحت لغة جديدة تصف واقع عمان الجديد. تكون الوعي العماني الحديث على مفهوم الحاكم الذي أخرج عمان من الظلمات إلى النور. رمزية الأب المؤسس للدولة المدنية الحديثة لم تغادر الأذهان ولم تغادر الأقلام، لذلك حتى الآن ثمة من هو عالق في هذا الضيق اللغوي، لهذا السبب عندما يوصف عهد السلطان هيثم يجد البعض نفسه يعيد تكوين النموذج الوصفي السابق، فيكتب عن الدولة الغارقة في الديون والتي خرجت من (الظلمات) التي هي الديون إلى (النور) التي هي دفع الديون، وغيرها من الورطات الفكرية التي تحتاج إلى عمليات ذهنية عامة لكي يتجنب المرء حساسية المقارنة بين حاكم وحاكم إلى المقارنة بين نموذج ونموذج، وأيضا مقارنة عمان بعمان، بالتالي يصبح الأمر متصلا ومنطقيا.

القلق الجمعي منصب على فهم النموذج الاقتصادي الجديد، والرهانات التي عليه، والتحالفات الاقتصادية التي تشتغل عليها عمان، رغم وجود الرغبة التي يفصح عنها كثيرون في العودة إلى النموذج الريعي المباشر، وتوزيع الثروة على هيئة وظائف ذات ضمانات عالية كالوظائف الحكومية، ثمة إدراك (أرصده شعاعيا بلا أدوات قياس أملك بها إثبات دامغ) أن هذا الزمان فات، وعمان ليست عمان التي كانت بلا جيش، وبلا تعليم، وبلا مدارس، وبلا معلمين، ثمة فهم عام تقريبي لذلك، مع ذلك النداء الحقيقي هو نداء الاستقرار الاجتماعي، و حماية الطبقة الوسطى، كل يوم يمضي وأخبار تمضي تحمل تفاؤلا، الواقع فقط يعترف بالأرقام، وأهمها أرقام التوظيف، ثمة مغالطات منطقية اقتصادية كثيرة تدور في أفق الكلام الرقمي، وأيضا لا يبدو أن الصحافة الاقتصادية قد نشأت وتبلورت بما يكفي لري ظمأ المتلقي العام، لهذا السبب كل شيء في طور النشأة، وكالعادة يحدث رقميا أولا ثم ستغادر نخبه لاحقا إلى منابر الكلام والخطابة بل وبعضهم حتى إلى مناسب الاستماع المباشر من السلطة العليا. أنا شخصيا لدي موقف من هذا في ملتقى اسمه معا نتقدم كانت حادثة عن  منحة للأطفال عبارة عن مبلغ شهري، تحول الفيديو الذي قدمت فيه مداخلتي لفيديو منتشر وبعدها أعلنت الجهة المختصة عدم إلغاء علاوة الأطفال. كان شيئا رمزيا وعاديا، لكنه يكشف الكثير عن ملامح الصوت العام في العهد الحالي، تفسيري لذلك أن الدولة أصبحت تستفيد من الصوت الشعبي لأن التوجه العام سيكون أكثر فردانية، بطبيعة النموذج الاقتصادي الجديد، ومع الوقت لدي شعور أن عمان تتجه إلى واقع رأسمالي، وأيضا لدي شعور أن عمان التي سأعيشها في الخمسين ستكون مرهقة للغاية، ومادية، وكلها قصص نجاح واقتصاد ومشاريع، وستكون لدينا مشكلات أخرى وقتها لها علاقة بالمعنى، والثقافة، والتقاليد، والعولمة، والتأقلم مع العدد الكبير من الناس الذي سيفد لعمان، ولا ننسى أن النموذج العماني في حال نجاحه فلن يجذب الأخيار فقط، سيجذب أيضا الأشرار، وغسيل الأموال، والتجار، والمهربين، والجرائم المنظمة، كما حدث في كل الدول التي غيرت نموذجها الاقتصادي وحدثت لها مشاكل مختلفة نتيجة (النجاح) لا أقول هذا بتشاؤم، أقوله باستباق الذي رأى دولا أخرى تمر بالوضع نفسه. لا يبدو لي أنني سأرتاح كثيرا في عمان القلقة التي سأقضيها خمسينيا، مع أن الأمل أن تكون الخدمات الطبية وقتها قد جعلت حياتي أفضل بكثير بينما الجيل الجديد يصنع نجاحاته الجديدة ويصنع التطبيقات ويتحدث لغة العالم والمال وريادة الأعمال.

 

9.     كيف تؤثر مفاهيم من قبيل الثقة الاجتماعية والمصداقية والشرعية المدركة في طريقة تجاوب الجمهور مع المؤثرين الذين يتناولون القضايا السياسية والمدنية؟

الوضع في عمان وفق تفسيري الشخصي، كدولة قليلة السكان يأخذ دائما طابعا له علاقة بالشخص. الثقافة الاجتماعية تتوازن بين الفرداني والجمعي بطريقة رشيقة للغاية. كلمة (القضايا السياسية) لها مفاهيم عامة تختلف عن الواقع الحقيقي، هناك أشخاص نشطاء في الدفع (بسياسات) عامة، وهو عمل سياسي، السياسة الحقيقية كما تعرف في الأدبيات العلمية. أما كلمة (السياسي) المتداولة فعادة هي كلمة مشوهة التعريف، تخلط بين انتقاد الحكومة، وبين مواجهتها، حتى التعبير عن الغضب الفردي، أو تحريض الناس على الغضب يسمى في التعريف الهائم العام (سياسة).

القضايا المدنية حاليا بدأت تحمل صفات تخصصية مختلفة، كل في مجاله. انسحبت حاليا سلطة المثقف المنظر الأعلى، أو الأكبر، الذي كانت عادة هي الهرمية الرئيسية للافكار في نماذج ثقافية سابقة. حتى على صعيد الخطاب الديني، أصبح الأمر تعدديا، هل لدى البعض آراء سياسية حقيقية، وتطرح، وتمضي بأمان؟ نعم. هل هناك من يجد نفسه أحيانا في صدام مع نص قانوني مثل (إثارة الرأي العام، التحريض) نعم. حاليا، في شهر مايو عام 2026م لا أخبار كثيرة عن معتقلين، البلاد ليست في حالة طوارئ كما كانت في فترة رحيل السلطان قابوس رحمة الله عليه، والجو العام يعيش توازن الأمل والتفاؤل، مع الشعور المستمر بانتظار الانطلاقة الاقتصادية.

النخب كثيرة التجاوب مع الطرح الذي ينحت المفاهيم، يحاول فهم الواقع من عدة زوايا. العموم الكبير لديه هم واحد، تحسين جودة الحياة، وانتظار النتائج، ثمة استشعار أرصده (أرجو أن يدرس فأملك قدرة على وضع مرجع يثبته) أن الواقع يتغير، والفرد أصبحت مساهمته في الشأن العام ضرورية، فهو جزء من صناعته، ورقيب على نجاحه، وشاهد عليه. الواقع ديناميكي بعض الشيء، لا يخلو من تكلس النداء القديم وعناد المتمركزين في مواضع التأثير على مدارسهم القديمة. أبسط شيء، انتقاد وزير من الوزراء الذي كان يعتبر شيئا جللا، أصبح اليوم شيئا عاديا، بل من الأساس مملا، لم يعد فعلا هائلا وكأنه اجتراح للحرية من فخاخ المجهول والمتاهات، لم يعد السؤال انتقاد الوزير، بدأ يتحول لانتقاد الوزارة، ولم يعد السؤال الرئيسي من يقدم كقربان، أصبح السؤال: ما الحل المنظومي لما يحدث في القضية الفلانية.

 

 

10.  من منظور علم النفس الاجتماعي، كيف يوازن المؤثرون بين الامتثال للسرديات السائدة والحفاظ على الأصالة والتفكير النقدي؟

هنا القضية الأصعب. لأن السرديات العامة عندما تكون منحوتة بفعل فاعل، مثل مؤثر خارجي، أو خطاب ديني مثلا، أو خطاب قومي فهي مريحة قابلة لحمل جدالاتها إلى مناطق الاستنزاف والمكابرة. الخروج عن السرب وتكوين رأي فردي عادة لا يواجه بالرفض والمقاومة إلا إذا حمل مثلا انتقاصا من المجتمع واتهاما له بالجهل، أو إدانة للحكومة بشكل يستفز الناس التي لا تحب هذا الصوت وتخشى منه أو تمارس الامتثال الاجتماعي في حماية السلطة من الهدم كخوف عميق. حتى السرديات العمانية لها طابعها الخاص، لأنها تميل دائما إلى حس براغماتي تجنبي، الجميع يريد العيش في سلام عندما يتعلق الأمر بالسرديات العالمية. الجميع متوافق مذهبيا عندما يتعلق الأمر بالوحدة الاجتماعية، الحاكم خط أحمر، ثمة تفريق بين الحكومة والدولة يتضح كل يوم.

ثمة مواجهة حقيقية للمؤثرين مع الرقابة الإعلامية التي بكل قوتها تحاول للاسف الشديد وفق رأيي الفردي الذي قد لا يخلو من التحيز العاطفي (تحذير، الأمر عاطفي جدا بالنسبة لي) لذلك هذا السجال لم يصل حاليا للاستقرار الذي يمكن وصفه كنتيجة نهائية، المؤسسات الإعلامية الرسمية ممثلة في وزارة الإعلام تمد يد السيطرة بلا توقف، والمؤسسات الفردية أو الصوت الفردي يحاول الحفاظ على هويته، أعتقد أن خلاصة الأمر أن القانون هو الذي سيحسم الموقف فالحياة لم تعد في عام 1960م عندما كانت السياسة الإعلامية هي من الاساس السبيل الوحيد للوصول إلى الناس. لدي تفاؤل كبير تجاه هذا الموضوع.

 

11.  إلى أي مدى تؤثر العلاقات المؤسسية أو المناخ السياسي العام في شعورك بالاستقلالية، أو إدراكك للسيطرة، أو إحساسك بالمسؤولية الأخلاقية بوصفك صوتاً عاماً؟

12.  كيف تصف الانتقال من عهد السلطان قابوس إلى عهد السلطان هيثم من حيث الذاكرة الجمعية والارتباط الوجداني والهوية الوطنية؟

13.  منذ عام 2020، هل لاحظت تغيرات في الثقافة السياسية تعكس فوارق جيلية في المواقف، أو إدراك المخاطر، أو توقعات المشاركة؟

14.  ما مدى الجاهزية النفسية للجمهور العُماني للمشاركة السياسية والمدنية في رأيك، وما الدور الذي يؤديه التعليم والإعلام والتعلم غير الرسمي في تشكيل الوعي السياسي؟

15.  من وجهة نظرك بوصفك طالباً في علم النفس، كيف تؤثر رؤية عُمان 2040 في الدافعية العامة، والتفكير المستقبلي، وإدراك الفاعلية لدى الشباب؟

16.  كيف ترصد التحولات في أشكال مشاركة الأفراد في الحياة السياسية في عُمان، ولا سيما لدى الأجيال الشابة؟ وهل تتحول هذه المشاركة نحو الفضاء الرقمي على حساب الأشكال التقليدية؟

17.  إلى أي مدى أثرت الأحداث الأخيرة في غزة على الوعي السياسي لدى العُمانيين؟ وهل عززت إحساسهم بالارتباط بالقضايا الإقليمية، أم أعادت تشكيل أولويات النقاشات الداخلية؟

18.  في ظل تصاعد التوترات والحرب في إيران، كيف ينعكس ذلك على النقاشات السياسية في وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل أصبح الخطاب أكثر حدةً، أم أكثر تحفظاً، أم يجمع بين الاثنين؟

19.  كيف تتعامل السلطات السياسية مع هذا التفاعل الرقمي المتنامي؟ وهل ترى فوارق أو تناقضات بين السرديات الرسمية وما يتداوله الناس في الفضاء الإلكتروني؟

20.  هل تعتقد أن المجتمع سيصبح أكثر انخراطاً سياسياً نتيجة هذه النزاعات الإقليمية؟ وهل يمكن أن يغير ذلك من تصورات الناس للمشاركة السياسية وممارساتهم لها؟