ليست ليلة العيد، ولكنها إجازة العيد. ولا مفر من تلك الليلة التي تستعيد فيها أصعب ما في ذاكرتك! مررت على تويتر هذا، الذي يتذكر من فقده، والتي تخاطب بعيدا أحبته، والذي يكتب عن ممنوعته الحبيبة وحبيبته الممنوعة، كُل إنسان في هم، وكأن هذه الليلة ضريبة يجب دفعها في كل عيد!
ليلتي مع الأمس وذكرياته، وأبرزها أيام الإدمان التعيسة! خمس سنوات تقريبا بلا نكسة، سوى واحدة سخيفة للغاية انتفضت بعدها بكل غضب الكون.
كلما أعيش الآن في المشهد الاجتماعي، أو أنشر فيديو ما يتناثر في الواتساب، أو أكتب تغريدة تنال رضى عقول أحترمها، يبقى في نفسي ذلك الأثر الغريب، وكأنني أرى إنسانا آخر، وكأنني أطلق الأحكام على شخص غيري وأقول: تخيل! هذا الشخص كان يوما ما مدمنا على المخدرات!
خمس سنواتٍ من التعافي، والآن فقط أكون نظرة موضوعية عن خطوات التعافي النفسية. الأمر لا يتعلق بأن تتعافى لأنك خائف من القانون، ولا أن تتعافى لأنك تريد توفير مالك، الأمر يتعلق بأن تكون موقفا تجاه الشخص الذي تكونه وأن تحت تأثير المخدرات!
يا إلهي! كل ذلك الجنون حدث حقا! ذلك الهذيان العلني، ذلك الهياج، والأيام الانسحابية المجنونة، واضطراب القلق، والذهان، والتصريحات الحمقاء، والنوبات المتتالية، والفقدان التام للاتزان، وكأنني حقا أتحدث عن إنسانٍ آخر، والآن فقط أصلُ إلى ذلك التصالح التام مع حقيقة أن الذي حدث، ذاكرةً لا أكثر، أيام حدثت وفاتت، وخلاصة تنفع المداد، والكلمات، خلاصة لا بأس بها لطالب علم نفس يتمنى أن يكتب شيئا مفيدا!
الأمر لا يتعلقُ بالتعافي فحسب، ولكنه يتعلق بسؤال الذات الكبير: من أنت؟
هذا السؤال الذي دفع بي يوما ما إلى خوض مغامرة الانقطاع التام عن المؤثرات الإدمانية، من أنا حقا؟ فقدت نفسي بين سجائر الحشيش، وسنوات التعاطي، والاستخدام الخاطئ لمضادات الاكتئاب، ولاحقا الاستخدام الخاطئ لحبوب النوم! خلطة، لعينة، كفيلة بأن أفقدَ الشعور بمن أكون حقا! حتى صوابي، وخطئي، حتى شري، وجانبي الخيِّر، حتى الذي أحبه وأكرهه، حتى علاقتي بنفسي كلها أصبحت ضبابية، ومغبَّشة!
إجازة العيد، بها قانون دائم، أن ليلةً بها تتذكر فيها تعاساتك في هذه الحياة، ولحسن الحظ هذا العام، ليست ليلة العيد التي ندفعها ضريبة للذكريات التعيسة. قربان هذه الليلة، ذاكرة الإدمان، وجنونه، والذلة والمسكنة التي يفرضها على الحر. البحث المجنون عن أقرب مصدر، الإفلاس، الآثار الإنسحابية، فقدان الوظيفة، الجنون الرقمي، الخروج عن السيطرة، الذهان، الشك، الاكتئاب، الشعور المستمر باليأس! يا إلهي! تلك السنوات حدثت حقا!
لن أتوقف عن تعريف نفسي أبدا بصفة "مدمن متعافٍ" .. لا يوجد قرار في هذه الحياة كان صعبا كقرار التعافي النهائي من تلك الحياة المضطربة.
التعافي شيء غريب! وفعلا من الصعب شرحه لمن لم يخض هذه التجربة اللعينة. إنه لا يتعلق بكل ما يقوله غير المدمنين عن المواد المخدرة، كل كلامهم غريب عجيب! سطحي، ضحل! ولا يفهمون معنى أن تستولي مادة مخدرة على عقلك إلى الحد أنها تقوم بتغييرك إلى إنسان لا تعرفه، إنسان ليس أنت!
من هنا يبدأ موقفك، ليس ضد المخدرات، وإنما ضد ذلك الإنسان، ذلك المعزز بكل الخلايا العصبية المرتبكة، والنواقل العصبية المضطربة، والتوازن الغائب، من هنا يبدأ موقفك! تجاه ذلك الشخص الذي تتحول أو تحولت إليه، تلك البذرة البيضاء في روحك تتحول إلى شجرة صغيرة من نور تناديك ألا تذهب للنهاية في بئر الظلام.
بعدها! تبدأ المحاولات، والنكسات، والإخفاق، لكن الموقف ما أن يحدث فهو لا يتوقف، وسيصل المدمن إلى حالة التعافي التام، بمعونة أو بدون معونة، سيصل! فقط عليه أن يصبر حتى تشبك تلك الموجة على الطريق الملائم.
تبدأ بالغضب على ذلك الشخص، على ما تكونه تحت حالة التعاطي، ثم يتحول إلى الرفض، والكراهية، ولا يصبح سعيك التخلص من مادة مخدرة، بل يصبح سعيك استعادة إنسان تخاف أن يختفي، إنسان تؤمن في قلبك أن به من الخير، والإنسانية، والمحبة ما يفوق حالات الإدمان، والحبوب، ومضادات الاكتئاب، والأدوية الخطأ، والسهر الزائد عن الحد، والحياة القلقة، والخيارات الخاطئة!
وتنقطع عن المادة المخدرة، [وتلتعنُ] حياتك بمعنى الكلمة! لا يوجد وصف للألم النفسي كوصف الآثار الانسحابية، وأن تعاني من الأساس من اضطراب عقلي مزمن! أهلا وسهلا! بكل الألم الذي يمزق أوصال الروح، ألم حقيقي، ولا مخدرات هذه المرة، شياطينك التي في عقلك، وأوجاعك، وذكرياتك، جافَّة، حادَّة، ترقص كشظايا الزجاج المكسور في دماغك.
الناس تتذكر مني مقطع "العمااااني ما مال شغل!" وأنا أتذكر تلك الأيام الانسحابية المؤلمة، الناس تتداول غضب مهاجر ولاجئ، والبعض يضحك من مريض نفسي مجنون [فاصل] وأنا أتذكر ذلك المدمن المتعافي الذي قرر أن يخوض غمار التجربة دون إشراف طبي، وفي أيام أيام كورونا! بعد عامٍ كامل من المحاولات اليائسة، يتخذ القرار في ذلك الظرف الصعب، وذلك الوضع الصعب!
فعلا افتقدت معاوية، ذلك الشاب المرح، البسيط، الذي يأخذ كل شيء ببساطة ولا يقيم وزنا لأي شيء، كل الذي يبحث عنه هو الضحكة، والفكاهة، والكوميديا التي يقدسها بجنون، حقا فقدت ذلك الشاب المسكون بالمرح والفرح، ذلك الهائم بجنونه الذي لم يكن ضارا، ولا مؤذيا وقتها، ثمَّ حانت ذاكرة المخدرات، والحشيش، والحبوب، والمهلوسات، وكل أشكال التجارب ليصبح إنساناً آخر، انتهى بي المطاف إلى لفظه، ورفضه، والتعامل معه بقسوة عقابية لم يكن لها حقا أي داعٍ.
إجازة العيد، وليلة الضريبة، ذكريات الإدمان تعود، والشعور المطمئن بالتعافي يعود. أكاد أنساه ذلك المدمن، ويذكرني به هذا المتعافي الذي يمسك بتعافيه كما يمسك بروحه. أتذكر أيام بريطانيا، وأيام سجن الوثبة، وأيامي في القسم الخاص، أيام الخوض، ومسقط، وأيام البحث المجنون عن "التولة" حيثما حلَّت في أي جحيم كان!
ياااااه! كل هذا حدث حقا! تلك السجون حدثت، تلك التجربة اللعينة بكل تداخلها المضطرب حدثت، ذلك الأذى حدث، ذلك الظلم حدث، تلك الأخطاء حدثت، وتلك المصائب وقعت على رأسي، والآن! كل تلك ذكريات لا أكثر، ذكريات من الحماقة أن أنساها، ومن المحزن ألا تتحاول إلى كتابٍ متكاملٍ تربط خيوطه موضوعات الصحة النفسية، والسلامة والنجاة الفلسفية.
هذا الذي عاش كل هذا، شابٌ في الأربعين، يروض ثنائي القطب، واضطرابا في التفكير، يغالب القلق، ويفعل ما بوسعه للتصدي للاكتئاب، ويفرمل دماغه إن قرر القفز إلى نشوةٍ زائدة من النشاط، هذا الذي عاش كل هذا، يقدم قربان ليلةٍ من الأجازة، ليتذكر كل هذا الجنون الذي حدث، وليعيش مجدداً تلك الغربة مع الغرباء، الذين لا يعلمون ما الذي أحاق به، ولماذا يبتسم بعد كل هذا الكدر، ولماذا يضحك بعد كل هذه التعاسة، ولماذا اكتسب روحاً غاضبة، جاهزة للانتقام، وروحا خيرة تتمنى أن تكمل الحياة في شيء نافع.
وماذا نحن في النهاية كبشر؟ لسنا أكثر من خلاصات ذاكرتنا، وما تبقى من الآمال الممكنة، روحٌ تحمل جسدا هالكا، ومعنى نبحث عنه، وبينما تسقط أوراق العُمر، نراه يتجلى ليتركنا أمام هذه الليلة التي نستطيع أن نقول فيها أين ذهب ما ذهب من العُمر!
الحمد لله على كل حال، هو الموفق، وهو الرازق، وما يكتبه خير ..