بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

الكتابة العمانية والحب!




ساحةُ الكتابة ليست ساحة حب. نحن وأخصُّ العمانيين بذلك لا نجتمع لنكتبَ في حارة النت لنكون رسميين. هذه صفات اللغة الرسمية، الود والمجاملة حتى أثناء حوار الأعداء، لسنا كائنات رسمية، لا نعبر سوى عن أنفسنا فهل من المعقول أن يكون "الحب" هو الحكم الذي نحتكمُ إليه عندما نكتشف أننا أيضا نكره بعضنا البعض إلى حدٍّ ما.
الحب، والامتنان يصبحان لغة عامة عندما يعيشهما الجميع، وكذلك الكراهية والغضب عندما يموجان ضمنيا في خطاب ساحة الكتابة العام ويقتربان من حالة عامة، خطاب "كلنا نحب بعضنا البعض" وهذا الخطاب الوردي يسحب عباءته على الحقيقة المتربصة والكامنة بين السطور وورائها ولا سيما في عُمان التي يعتبر فيها مجاملة مَن تكرهه تصرفا اجتماعيا شائعا ويوميا ويمارسه الجميع.
لأننا لم نتفق من الأساس أننا نختلف عن بعضنا البعض، ولأننا من البداية لم نقرر أن نمارس الطيف البشري بمختلف ألوانه، ولأننا نصرّ على التنصل عن حالات الكراهية التي نعيشها، ويصرّ من حولَنا على تجاهل وجودها، لأننا نصر على أن فعل الكتابة هو من أفعال الحب، نصل إلى هذه الحالة الهجين حيث يتجاهل أطراف الصراع النقاش حول لب المشكلة ملتفين حولها بخطابات السلام الرائجة، والود العام، والألفة الأهلية، والوحدة الاجتماعية، وطبعا الكلمة الكبيرة [الهم الوطني].
تأصلت أوهام مثل "المصير الواحد" أو غيرها من الدعايات الكبرى التي يصر كل طرف من أطراف الكتابة في عمان على الانتماء لها بشكل اعتباطيّ. وآل حالُ الكتابة إلى حالة مائعة تختفي فيها الصراحة عندما يكتب أحدهم باسمه الحقيقي. المثقفون لا يحبون بعضهم البعض، هذه حقيقة واضحة، الناس لا يحبون بعضهم البعض دائما، لا يوجد وحدة عاطفية بيننا في ساحة الكتابة في عمان، يوجد لدينا اتفاق أن الكتابة حق للجميع، لكن بعد أن نبدأ الكتابة فإن اتفاقاتنا فعلا ستقل كثيرا، وربما تنعدم إلى درجة انبلاج الكراهية من مكامنها ..
اقرأ كتابات المثقفين العمانيين عن [المثقفين] بما في ذلك هذه المادة. جرب أن تترجم تلميحات المثقفين عن بعضهم البعض إلى كلمات ذات معنى، ماذا ستجد؟ ستجد ما أقوله لك في هذا المقال، أن ساحة الكتابة في عمان ليست من ساحات الحب، ولا المودة. وأنّ عصر الاختلافات الكبير بعد سنوات طويلة من قمع الحريات لن يبدأ بالاتفاق على مقاربة جماعية واحدة، وإنما على جدال أفراد وصراع أحزاب اجتماعية صغيرة، وكل هذا القش لا ينتظر أكثر من شرارة، وما أكثر القش في عمان!

الجمعة، 7 يونيو 2019

عن الحماسة

الحماسة تجاه الصواب سلوك جمعي يمارسُه معظم البشر. سواءً تلك الحماسة لدى المطوع الذي يكفّرك ويفسّقك ويخرجك من المل بسبب نصوص دينية يؤمن بحجيتها على الآخرين، أو تلك الحماسة التي يمارسها المثقف ضد المجتمع فيصفه بمختلف صفات التخلف والرجعية.

وكأن هناك علاقة بين كونك على صواب وكونك وقحا، تستمر ظاهرة الحماسة الفكرية في المجتمعات كلها بلا استثناء. في أوروبا يوقفك مسيحي زائغ العينين ليحاضرَ في كبد وقتك عن المسيح المنقذ، بعد خطواتٍ منه ترى داعيةً مسلماً جاحظ العينين يتكلم عن الدين الحق وأن القرآن منقذ البشرية، من النادر أن تجد يهوديا يدعو الناس لله في الشارع، لا أعرف لماذا يحدث ذلك؟

لا ننسى حماسة المثقف العربي تجاه قضاياه. المثقف الديني الغاضب الساخط على حال الأمّة، مع المثقف القومي الساخط على حال الدين. حماسة تتجاوز الفرد إلى الجماعة، تصنع المواقف التي تزين كلمة [القطيعة] بمختلف التبريرات.

هل هكذا يجب أن يكون الأمر من الأساس؟ حالة من حالات التقاطع لا التوازي؟ التدافع لا التضامن؟ هل من الخطأ أن نؤمن أصلا أن الأفكار بلا حماسة ليست سوى مشاعر تجريبية ستسقط مع الوقت؟

هل الأمل بعالمٍ بشريّ متوحد، متحد لا يختلف حول البديهيات مجرد حماسة حمقاء أخرى؟ حماسة تشبه دعاة السياسة في العصر الحديث، نشطاء الفيس بوك وثوار تويتر؟ هل كان القصيمي صادقا عندما وصف كل هذا الضجيج بالظاهرة الصوتية؟ أما في الواقع العمليّ فينتصر الدين، والمجتمع، والكتل العامة، والخوف الشعبي، والصمت، والهمود، والجمود والقلق على الطغاة والذي هو أحد أهم واجبات الفرد العربي في هذا الزمان!

نتحمس تجاه أفكارنا كثيرا، نتعلق بها كأنها لا تتغير. نلتصق بآرائنا ونخاف أن نغيرها، نخاف أن تحاصرنا الشكوك التي تساور المتحمسين تجاه أفكارهم. ما هو الصواب؟ أليس فكرة فلسفية من الأساس؟ هل الصواب أن تفعل الشيء الخطأ من أجل الشيء الصواب؟ هذا هو تساؤلي الدام، الذي طرحته على الجميع ولم أجد إجابة واضحة.

والسؤال الأخير: هل أفكارنا تستحق كل هذه الحماسة؟ أم سيحدث ونتغير يوما ما ونجد أنفسنا مع كائن آخر لم نعدْهُ، عالقين مع أفكارِنا التي تحمسنا لها لسنوات قبل أن نصل لذلك اليوم في الحياة ونقول: لقد غيرت رأيي كليا تجاه هذه المسألة؟ المضحك أن الحماسة تلعب لعبتها مع الطرفين، معك وأنت تؤمن بأفكارك، ومعك وأنت تنقدها وتنقضها، معك وأنت تلعن نفسك ومعك وأنت تقول: هذا هو الصواب!

الاثنين، 6 مايو 2019

منشطات ممنوعة


لم يتصور العالم الرياضي فضلا عن عالم الدراجين أن الاتهامات التي كان يسوقها الإعلامي الرياضي ديفد والش قد تتحول يوما ما إلى مهرجان اعترافاتٍ عامّة وموجه إصلاحية هائلة خصصت الكثير من الجهد لتناول قضية المنشطات في الرياضة.

كنت طفلا أعيش طفولتي في ولاية سمائل عندما عرفت لانس آرمسترونج لأول مرة. فوزه المتتابع سنويا بسباق طواف فرنسا يشكل جزءا واضحا من طفولتي. ما زال صوت المذيع العماني سابقا "الإماراتي حاليا" يعقوب السعدي يعبر في وجداني مترافقا مع تلك المقتطفات القصيرة من نهاية السباق، عندما يرفع لانس آرمسترونج [الفائز بالسباق] زجاجة الشامبانيا أو يلقي خطبة سريعة يرد فيها على [المشككين].

"البرنامج" هكذا عُنْوِنَ الفيلم الذي صوّر لانس آرمسترونج كرياضي على هيئة مؤسسة. مؤسسة فاسدة ومتواطئة وتدفع المال الوفير لتغطية أخطائها. كبرت الموجه حتى ألزمت لانس بالوقوف أمام أوبرا وينفر والاعتراف على الملأ بما كان يفعله.
لم يثن هذا فريق لانس السابق عن قول الحقائق. تايلر هاملتون في مختلف الجامعات والبرامج الشبابية يتحدث بحسرة عن شبابه المدمر بسبب المنشطات ويرمي باللائمة على لانس الذي كان يتسابق معه من أجل فوزه. فلويد لاندز، الخصم القوي والشرس خرج للملأ بعد أن حلقت دليلة شعره ومثل شمشون الجبار أسقط المعبد على كهنته.

[Epo] ..عقار التستسترون، كورتيزون .. وغيرها الغش بأكياس الدماء. في عالم الدراجات

من يتخيل رياضيا محترفا وهو يتسكع بين الشوارع ليبحث عن غرفة فندق يقوم فيها بحقن دماءه مجددا، كل هذا من أجل تلك الأفضلية التي تمنحها الدماء الجديدة، وما تقدمه خلايا الدم الحمراء من طاقة إضافية للمتسابق مما يضمن له الفوز أحيانا.

ماركو بانتوني، كونتودور، غيرهم وقعوا في هذا الفخ. لكن من هذا الذي يشبه سقطة لانس آرمسترونج؟ تكالبَ على الرياضي الممنوع من ممارسة الرياضة كل شرطة المثاليات وصنع يهوذا الأسخريوطي في عالم الرياضة ليمنح اسم لانس الذي بقي صامتا حيالَ الغش الذي كان يمارسه آخرون في الرياضة نفسها.

تغيرت الفحوص، سقط مغامرون آخرون في فخ "اكتشافهم" .. شُنت معارك شعواء ضد الرياضيين الذين تساهلوا مع المواد المحفزة للأداء البدني. ها هو السير برادلي وجنز فخر فريق [Sky] يتعرض لهجمة شرسة ومن بين الجميع الإعلام البريطاني ضالعٌ فيها بقوة. ديفد والش يصف ما يحدث بأنه [مطيّن] كما نقول بالعربية. أي أن الحكاية "بها إنّ" كما نقول أيضا.

برادلي خرج للإعلام ليدافع عن قراره بحجة [الرأي الرسمي]. المختلف بينه وبين لانس، أن لانس طفق ينكر تهم استخدام المنشطات وهو يقود برنامجا معقدا أدى لتدمير مستقبل عدة رياضيين، باردلي بلطفٍ هائل واصل الشرح والتزم بالقصة الرسمية التي تقول أنه يعاني من الربو وأن كميات الدواء التي استخدمها كانت لغرض واحد: "الحفاظ على مستواه"

لم يبد مقنعا لكثيرين وهو يرمي بالورقة الرسمية في وجه عشاق الرياضة ويقول: أنا أتسابق بشكل نظيف!

تتوالى الضربات لتكشف لنا وسائل جديدة "للغش". الأفئدة العاشقة للرياضة تتساءل هل نحن أمام معجزات صنعتها الإرادة البشرية؟ أم حيال مجموعة من المغامرين وراءهم مجموعة فاسدة من أطباء الرياضة يغامرون بحياة رياضيين يريدون المجازفة بحياتهم.

عندما أكون على كرسي دراجتي. أفكر بلانس كثيرا. أفكر بتايلر هاميلتون، أفكر بفلويد لاندز وأفكر بالمرحوم ماركو بانتوني.

هل كان الضغط ساحقا للدرجة التي لم يعد "الحب" يعني فيها أي شيء. هل كان المال جارفا إلى الدرجة أن "الحقيقة" لم تعد تعني لأحد أي شيء؟ هل كان الإغراء قويا ويفوق قدرة رياضيين قدوة على تحديه؟

هل الخسارة مرة إلى الحد الذي تجازف بخسارة كل شيء لكي لا تجربها؟ يجول في ذهني كل هذا الهوس المجنون بالرياضة، والسباقات الشاقة. أشعر بفرحة غامرة عندما أتجاوز ست ساعات على كرسي الدراجة، أقطع مسافات متواضعة، وأعود للمنزل وأنا حائر بين المكملات الغذائي والكميات التي يجب أن أتناولها.

عندما يعتمد جهدك البدني على جسدٍ يمكن أن يعدل أو يعطل بالأدوية، هنا يفتح باب آخر للتساؤلات. هل الحياة تعني شيئا بعد أ ن تخسر قوتك؟ هل هذا شعور الملاكم؟ وأبطال الرياضات القتالية؟ ماذا لو كان محمد علي كلاي رياضيا فاسدا؟ ماذا لو كان يوسين بولت رياضيا فاسدا؟

ماذا لو اتضح أننا في آخر عشرين سنة كنا أمام مشهد رياضية يشبه الرياضة في عهد هتلر، والرياضيين الذين كان يجب عليهم إثبات تفوق العرق الآري بمنشطاتٍ تسبب الموت أو السرطان.

أكمل رحلة طويلة [بالنسبة لي على الأقل] .. أصل لمنزلي. أفتح برنامجا وثائقيا جديدا لأعرف ما الذي كان يحصل. بوزن تسعين كيلوغرام، وبجسد مرهق بالكحول والسجائر، ليس لدي خطط كبرى تجاه هذه الرياضة، كل ما أشعر به هو السعادة أنني لست مضطرا لإثبات أي شيء لأي أحد، لا توجد شركة كبيرة ترعاني، وليس لدي ضغط أن أكمل دربا إعجازيا يمكن بسهولة أن يخذلني جسدي وأنا أحاول تحقيقه.


ماذا لو كان مايك تايسون معهم؟ ماذا لو كان محمد علي كلاي منهم؟ ماذا لو كان الذي نراه من رياضة هو نسخة [مسرّعة] إلى سرعة واحد ونصف! ماذا لو كان كل هذا الذي اسمه "الرياضي الخالد" مؤسسة فاسدة يقودها مجموعة خفية من علماء الغفلة، وكاذب كبير يمكنه أن يمضي للنهاية في أكاذيبه، بحجة أن النسخة الرسمية تُخلي بولَه ودماءَه من تهمة "التنشيط" وهي الكارثة التي ما أن تقع في ساحة رياضي، فالخروج منها سالما شبه مستحيل فإما الفوز بكل شيء، أو خسارته مرة واحدة.



الجمعة، 19 أبريل 2019

مراحل




 تعبر مرحلةٌ لأخرى مثل تفتح زهرةٍ كانت بذرة. وأيضا كحال الزهور تبذر مراحل حياتنا بذورها لغدنا المحتمل. زهرة ذات شوك وأخرى ذاتَ عبير، والغد مثل الطين الذي يكوننا، لا يعبأ لأي بذرة صادفت ماءَها، ولا يهتم كثيرا للزهور التي تنبت منه وتعود إليه. نحن أيضا نقف أمام أيامنا هكذا. ربما كنا أقل عنجهية من طين الزمن الذي عجن كل شيء، مع ذلك نحن لا نخلو من الزمن، كما لا يخلو طين الحياة من البذور. أي غد سيحدث؟ أي بذرة ستنبت؟ كل هذه الاسئلة نحملها معنا إلى الطين الذي لن يعبأ لنا أيضا، ولن يهتم لهذه الكتلة البشرية التي أدركت معنى الزمن المؤقت بكل ما تعنيه الكلمة.




الأربعاء، 10 أبريل 2019

المجيء من باب الشوق



 ينتهي الشتاء ليأخذ الوقت وتيرة أسرع. الثواني التي كانت تتضخم أصبحت تتناثر مع هباء الأشجار الذي يرعب العين لبعض الوقت بسقوط الثلوج. الوقت بارد، لكنه ليس إلى ذلك الحد الذي يدفعك إلى تغطية أصابعك بهلع، أو النفخ في قفازيك لعل القليل من دفئ رئتيك ينتقل إليهما. بقفاز مبلل، وبدراجة تحمل معي عنادي إلى مسافة أبعد.
بعد عملي الأخير لم أعد أشعر بمرور الأيام. أحمل تصورا عن اليوم المثالي الذي قد يحدث يوما ما، وأعني بذلك اليوم الذي أتخلص فيه من أعباء وزني الزائد. تغير سلوكي كليا، لم أعد ذلك الدراج الملهوف وراء المسافات البعيدة، أصبحت فكرة الترحل لمدينة أخرى مرتبطة بالوقت، وبجدول الرحلة. عندما تكون وظيفتك على دراجة كل ساعة تقضيها عليها تضاف إلى الوقت الذي قضيته وأنت تفعل الشيء الصواب، تعمل! ولا تفكر بعد عودتك من عملك بساعةٍ أو ساعتين لا تروي ظمأ ولا تشفي غليلا ولا تشبع نهما.
ذهبت أبعد من تصوري البائس عن علاقتي مع الدراجات. كنت أحلم أن أتمكن من قضاء عشرين دقيقة يوميا، لم أكن أحلم أبعد من ذلك. أصبحت أتنقل الآن بها في كل مكان، ومع الوقت وعندما تمكنت من قضاء ساعتين متتاليتين عليها يوميا صرت أعرف شيئا اسمه النوم الطبيعي، والاستيقاظ النشط. ارتبطت عادة قيادة الدراجة بي بشكل مرعب، فمن جانبٍ عملي للغاية هي وسيلة تنقل عملية وسريعة، ومن جانبٍ صحي، الحياة والأكل والنوم والحركة كلها تختلف والتركيز والنشاط الذهني يصب كله في معينٍ واحدٍ من الاطمئنان، أنك تفعل الشيء الصواب، تحاول وتقول: ساعتان لا يكفي!
عندما بدأت في عملي، كنت أتحمل ست ساعات متتالية من الجلوس على كرسي الدراجة. أتحمل المسافة المترافقة معها حسب الارتفاعات في الطريق. كانت بدايتي متحمسة. سعي مهووس لمعرفة سقف ما يمكن أن أصل له وصدمة موجعة عندما قمت من النوم مرهقا لأكتشف أنني نمت عشرين ساعة متتالية!
هناك أخذت نفسا عميقا وبدأت أحسب ما يمكنني حسابه. أرقام الطعام ليست معقدة، المعقد هو إرضاء المعدة والذائقة والشهية في وقت واحد. مارست بعض الحيل، وتعلمت أشياء أخرى ولكنني بشكلٍ عام لم أعد أنظر لهذا كله. أصبحت لدي مشكلة أخرى مختلفة عن تلك التي أعاني منها. يمر الدراج الذي يعمل في مجال التوصيل على خمسين كيلو متر يوميا من الشوارع، وهي ليست كتلك التي يهنأ بها المتنقل في خطوط طويلة ممتدة، إنها رحلة مزعجة من التوقف والضغط وحساب سرعة المشاة والسائقين الذين يقفزون على المنحنيات بدون تأكد. بدأت من العشرين يوميا إلى الأربعين، وصلت للستين لكنني لا أظن أنه الوقت المناسب لفعل ذلك يوميا، ربما في نهاية الموسم وربما في بداية الموسم القادم الذي لا أعرف أين ومتى وماذا سيكون.
اشتقت لساعات الكتابة اللانهائية، لكنني لا أشعر بالذنب الآن. أقول في نفسي ساخرا، لو لدي القدرة على ركوب الدراجة لعشر ساعات متتالية لربما كنت كائنا آخر. أوزع جهدي بصعوبة وبقياس. أحاول ألا أستفز الركبة أو شيئا من تلك الأربطة العنكبوتية المحيطة بها، أقسم الجهد وأتذكر كيف أقطع الشارع الذي أعرفه والشارع الذي أعرفه. تمر على ذهني قصائد، وقصص، وأفكار وحكايات ومشاعر ويمر اليوم في حالة تأملٍ دائمة.
أعود للمنزل، وأطبخ عشائي، أقضي ساعة في حياة اجتماعية، ربما أخرى، ثم أخطط ليوم آخر، ولرحلة أطول. ليس لدي ما أباهي به الآن. أحاول أن أتجاوز خمس ساعات من الحركة إلى ست، وعندما أصل إلى ثمانٍ يوميا سأقف ولن أجازف بالتاسعة إلا بعد شهور تمضي، وعلى أية حال ثمان ساعات متقطعة أو تسع ليست صعبة عندما تحسب حساب التوقف والراحة، الفكرة هي مرة واحدة، أربعين دقيقة صافية في كل ساعة. هناك تصبح الحسابات في آفاق المدن، بل وربما الدول، ولكن منذ متى كان التعجل شيئا جيدا. أراكم بعد ألف كيلو متر ..

الخميس، 4 أبريل 2019


معيوف سونج





أنا ماشي في الحياة،
وحياتي في الجنون.
مرة صاحي، مرة واعي
مرة طايح في السجون!
كل حاجة في حياتي
جاية من أسوأ صفاتي
هل أراعي هل أحاتي؟
ولا أتقبل مماتي؟
أو حياتي في الظنون!

الحقيقة لعبة مرة
جربها لو حتى مرة
الحقيقة كل الثورة
كل كلمة كل فكرة
الجبان عدو لسانه
والحقير من غير عيون


خلي خوفك يمكن ينفع
بكرة تستسلم أو ترجع
والمصيبة إنك تدفع
من عمرك في وجه المدفع
والبقية في حياتك
والبقية ما يدرون

هي لعبة .. والمكان ملعب واضح للشيطان
لا خطوط ولا حواجز، أو صفارة أو ضمان
والحكم خاين حقير، والجمهور ابن حرام

وأنت جالس في مكانك
ومصيرك ما معروف
هذي حالة؟ يا صديقي؟
هذي حالة يا معيوف؟

القصائد والحياة مثل راكب للنجاة
في العواصف في القوارب
في ألاعيب المياه
الهروب حلول معارك
والجنود بدون دروب
الزمان مصيبة خضرا
والبشر بدون قلوب

هي حاجة يا صديقي في فؤادي
والجروح
أسئلة من غير إجابة
والسنين تروح تروح
كل ما أركب سفينة
أو أهاجر من مدينة
الزمن زمن رمادي
والحجر تطلع له روح

أي كلمة في كلامي من كلامي ما أخاف
الحروف طريق مصيري والقصيدة والزفاف
حرفي .. شمسي في الصباح
حرفي حي على الفلاح
حرفي دربي ... دربي حرفي
والجريمة
والسلاح



هذا دربي لا يقين
للأسف أسبابي دين!
والحلم مثل الحياة
صوت حاير في صداه
لا طريقة طريقة للحقيقة
غير كلمة ثم آه

المقاتل والمناضل والمجادل في الحدود
معجزة كانت جميلة
نهر حر ولا سدود
.كل  غابة في القبيلة
من وشايات الجنود
والتفاصيل الأخيرة
كلبشوها في القيود


كل ساعي له قضية، له رسالة له بريد
والإرادة كلمة حرة
ما يليق بها الحديد
كل كاتب في الحياة
له قضية في الوجود
أسئلة ملعونة أصعب
من عبادة من سجود








كل كائن في مصيره معجزة أو معجزات
حتى صاحب في المصايب يوَم تُستدعى الثقات
أي صاحب في الغرائب
في تجاويف العجائب
في الخسارة والمكاسب
يا صديقي معجزات

في السرائر والضمائر والحنايا والضلوع
كل واحد له نوايا، له مشاعر، له دموع
للأسف أيامي غبراء ...
بس خايف من الرجوع
القصائد والأغاني
والكتابة والجموع!

كل ما أفهم حياتي، أكتشف مليون سر
والعمر لعبة صغيرة نرد في أيدي القدر
أيها الخائف تمهل
أيها الماضي استدر
كلما تبعت دربا
جاء في دربي القمر


لا نوايا، لا قضايا، لا مصاحف لا شموع
كل ما أكتب قصيدة، كل  كلمة للرجوع
كل نزوة، كل همسة..
تندب الأيام نفسه
أيها الساري المَروع

أصدقائي في حياتي !
في حياتي أصدقاء؟
من أصدق من أكذب؟
والمحب بلا نقاء؟
كل قائل له مقوله
كل كاذب له حلوله
كذّب الحمل بحموله
شك عاصف
لا صفاء


باقي من أيامي عمري
كان ماضي في فراغ
والثواني تجري تجري
أغلى من كل المصاغ
لا وسيلة كل حيلة معضلة أخرى طويلة
والكتابة درب أسود تجعل الغاية وسيلة
بعد أن يأتي البلاغ


كنت ساري عمري ناري والحطب ورد وزهور
غايب الدنيا وأداري مشكلة كبرى بسرور
لم أجد عقلي التجاري، عقلي مليان بشرور
ثم ثاري .. ودماري
جاء من هذي النذور



ما أخاف إني أعيش أو  أكمل في الجنون
كل كلمة في حياتي، تجعل الدنيا تهون
كل طايش له نهاية ..
أو بداية ..
أو حكاية ..
أو رواية
أو سجون

دمعة أخرى أمي تُبكي أمي مستحيل ومستحيل
العمر بلاوي غبراء ... بس أنا ابن النخيل
ألحق النجمة البعيدة
كل أفكاري العنيدة
للسما يعصف فؤادي
عاشق الرملة ذليل



معاوية الرواحي


الأحد، 31 مارس 2019

إلى هلال الحجري



 تمضغُ الأيامُ أسمالَ الأمسِ
والمعنى ظل "سيدافةٍ" وحيدةٍ
في نهايةِ الوادي الأجدبْ.
أبهرتنا نهاياتٌ لم ننلها
حتى الماء تعب!
ثم فاض إلى السماء.
ضاع السعاة في الجدوى
أما نحن يا صديقي
فنرفع أنخاب الشجعان
في وجه البداية المديدة
ومكائدها النائحة
وضحكاتها المجلجلة
وصداها المودّع جفنَ اللحظةِ
 إلى دمعةِ الأمس
مجد الحسرة
والشعراء!
معاوية





الخميس، 21 مارس 2019

أنا من أنا!



 أنا عجيني وشياطيني وشظاياي. هامشي في المهم، ومهم في الهامشيّ، قدريّ لو أردنا الدقة ثوريّ لو شئنا التهويل، لعبةٌ علكها الزمان ولم يغلبها، أضحوكة مريرة، أهزوجة هادرة، بائس يعرف السعادة، وتعيس سعادته البؤس، أنا من أنا، ذات الجمر التي جُبلت عليها، طين سمائل، ومعدنُ الأيام العتيق.
أنا من أنا، والباقي رهانٌ مع العمر والحياة.

الأربعاء، 6 مارس 2019

آلة اسمها الجسد!



هل اكتملَ الشهرُ؟ لم أشعر بمرور الأيام. القلق الذي اعتدت أن أشعر به كان يتمثل فقط في كوني كائن عاطل عن العمل، والذي لا يعمل لا يعرف طعم الحياة مطلقا. اكتملَ الأسبوع الأول. كل همي منصب على ملاحقة احتياجات جسدي الذي أصبح محرقة طعام. لا جوع يشبه جوع الدراجة، لا يمكنك أن تصاب بالجوع وأنت تستخدم جسدك كآلة، لا يمكنك أن تصاب بالعطش، نوبة عطش في وقت خطأ قد تعطلك يومين وأنت هامد تتساءل عن السبب الذي يجعلك لا تستطيع إكمال عشرين دقيقة على كرسي الدراجة.
ذهبت لبرمنجهام. استلمت دراجتي الجديدة التي ستكون مخصصة للعمل. جهزت الدراجة الخضراء [Hulk] وأهديتها لأصدقاء أعزهم. أحاول جاهدا أن أقودهم إلى إدمان هذه الرياضة، وكما سمعت دائما فإن حقنة المورفين الأولى تكون مجانا، ربما تنجح هذه الطريقة مع الدراجات من يدري؟
جسدي مرهق. متعب، شاحب. لكنني أنام جيدا، أستيقظ مبكرا على غير العادة. أتناول غذاءُ ثابتا لا يتغير أتمنى لو كانت لدي معرفة غذائية أوسع لأقوم بكل شيء بدقة، لم يفت أوان تعلم تجربة جديدة. دراجتي الأولى نائمة في برمنجهام، يجب أن أستلمها في فرصة قريبة لتكون الاحتياطية بعدما كانت الأولى والرئيسية لسنوات، شعرت بالحزن وكنت أربت عليها وأكلمها، شاهدتني فتاة في الشارع فضحكت. لم أعد أضحك، لم أعد أبتسم كثيرا، ثمة صخرة في وجهي تجعلني أقل اهتماما بالعالم، أقل اهتماما بكل شيء، أنا وحدي، في منزلي، وحدي، في دراجتي، وحدي، في عزلتي، لا تتوقف، لم أكتف بعزلة الجدران حتى اخترت العزلة في الطريق، وفي المهنة. أنا وهاتفي، وملابسي ودراجتي أنتظر المحطة القادمة والرحلة القادمة. كل شيء مرهق بما يكفي لأقتنع أنني أفعل الشيء الصحيح، هل صحتي ستخذلني؟ أخاف من ذلك، الذي لم أعد خائفا عليه أن يخذلني هو عقلي، كل تلك التجارب تعمل الآن دفعة واحدة لتقول لي، كن بعيدا، كن بعيدا وأبعد ما يمكنك، كن وحدك، عش وحدك، واعلم أنك أنت من بين كل الناس من يستحق أيامَه الذي يعيشها بكل ما في ذلك من معانٍ.

الاثنين، 4 مارس 2019

مع الكلمات وإليها!



 مرّت ينابيع الكتابة الممطرة وغَفت. الحقول الخضراء أصبحت مكسيّة بالورق الأصفر، والخريف يحدث أكثر من مرة واحدة في العمر. القلق صديق مثمر للكاتب، حاله حال الجنون، والأرق، والغياب الساحق في الذات. كل هذا يحدث حتى تقرر الخروج من هذه الحواف الحادة للجمجمة، تسقطُ من السفحِ الذي نما فوق دماغِك إلى عالم الواقع، حيث لا كلمات تنبلجُ من الوجدان الشغوف بالمعنى. حتى هذا الأخير المفضل للكائن الكاتب وغير الكاتب، حتى هذا المعنى يقرر أن يستريح من الطنين قليلا، أن يتأملَ شيئا ما آخر خارجَ اشتباك النفس الدائم مع نسخها الميتة في غياهب الإنسان. تمر ينابيع الكتابة، وتعود. وطين الذاكرة مليء بالبذور دائما، وأشجار الكتابة دائما جميلة، ودائما خضراء، ولن تتوقف الكلمات يوما ما عن مصائرها.