موقفي من اللاجئين قلته وأقوله مرارا وتكرارا، أنظر لهم من زاوية أملهم بالعودة الآمنة، لا أتفق مع معاركهم، لا أؤيدها، ولا أختلف مع الذين يتولون مناقشة خطابهم بالحجة والبرهان.
ثمَّة أشياء كثيرة أريد قولها، لكنني لست مستعدا نفسيا للعودة إلى تلك الأيام بقدر ما كانت مزرية ومؤذية.
ليست لدي ملاحظات على الذين يتولون الأمر كخطاب سياسي، القلة القليلة التي تعرف ما تقول، وتعرف كيف تتصرف، وأبسط شيء تمشي وفق القانون العُماني.
أمَّا الفئة المتطفلة على الخطاب السياسي هذا، ولا سيما هذه التي وجدت نظام (اللي يحب النبي يضرب) ويظن أن الرد على الشتم بالشتم هو شيء منطقي.
ما منطق هؤلاء:
اللاجئ في بلاد خارج عُمان، لا يحاسبه قانون على ما يُعتبر جريمة نشر غير قانونية في عُمان، بالتالي، يحق لي ممارسة جريمة تجاهه، وفي كل الأحوال هو صراع بين شخصين، لا علاقة له بأي خطاب سياسي، ولا خطاب اجتماعي، ولا نشاط تعبيري، هي حالة من الشتم المتبادل. هل هُناك شيء يجدي في ذلك؟ شخصيا لا أجد نفعا في ذلك، ولا أظن أنَّ هذا السلوك يفعل شيئا سوى زيادة الانتباه للخطاب القادم من الخارج.
لن أتكلم عن فلان بعينه من اللاجئين، أو الذين خارج عُمان، ومن الأساس لا أريد أن أتحدث عنهم بالخير ولا بالسوء لكي أبتعد عن دخول المعمعة.
سأتحدث بما أظنه نافعا للطرفين، وإن خذلني اجتهادي فهذا هدفي. أتمنى أن يستفيد أحدهم من هذه التجربة التي تمثل (تجربتي الشخصية فقط) وقد لا تنطبق على غيري.
عندما كنت في بريطانيا نصحني إنسان مخلص النصيحة وقال لي: "لا تحرق سفنك"
يشير إلى قصة طارق بن زياد في فتح الأندلس عندما قام بإحراق السفن التي كانت ستعيده وجيشه وقال مقولته الشهيرة التي نسبت إليه: "البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فأين المفر؟"
لم أسمع هذه النصيحة وأظن أن هذا الخطأ الاستراتيجي سبب لي تعقيدات غير متوقعة، وأثَّر على أي نفع اجتماعي من وجودي في بريطانيا وحوَّل الأمر إلى مهرجان من الاستنزاف في الملاسنات والتي البعض لا يدخلها بحسن نية وإنما يدخلها لكي "يشعللها" ظاهره الدفاع عن الوطن وباطنه تهييج لاجئ خارج عُمان لكي (يجلد) أكثر وأكثر، وهذه الجُملة مأخوذة من خطاب البعض الذي اعترف لي بعد عودتي أنَّه كان يتعمد استفزازي لأنني بالنسبة له (أكون أوكّيه لما أكون معصّب). جحش على هيئة إنسان أسأل الله ألا ألتقي بأمثاله مجددا.
أكرر تحذيري، هذه المشاركة لتجربتي لا أهدف منها نصح إنسان داخل عُمان، أو أهدف بها تغيير قرار لاجئ، لا أنصحه بالعودة، ولا أنصحه بالبقاء هُناك، كُل إنسان له خياراته وهو الذي يدفع ثمنها. هذا لكي أقطع الطريق على أي مغرض سيحاول اعتبار كلامي دخولا في هذه المعمعة، أو أي شخص آخر يفترض أنه يجب علي أن أؤمن بالمقاربات الحالية في التعامل مع اللاجئين تقود إلى أي نفع اجتماعي. أما عن الجانب السياسي، والتعامل الرسمي مع اللاجئين فليست لدي أية وجهة نظر عنها لأنني بعيد عن هذا المشهد كليا، ولا أستطيع أن أعرف ما به مطلقا والحمد لله.
سأبدأ بأخطاء خطابي (من تجربتي الشخصية) الخارجي آنذاك، ومع أن الحديث يحتاج لمئات الصفحات، سأحاول أن أختصر قدر الإمكان.
- استهداف السلطان: كان لدي خلط كبير بين الحالة الفلسفية لسلطة السلطان، والحالة الواقعية لحقيقة ضلوعه في أي شيء حدث لي. هذا جرف الخطاب من أي نفع اجتماعي إلى نوع من المغايظة والانتقام اللفظي وكأنني عندما كنت أشتم السلطان قابوس رحمة الله عليه فإنني أحقق أي نفع اجتماعي أو إصلاحي. الآن بعد مرور التجربة أدركت أن إدانة السلطان لأي تصرف بحجة المسؤولية الفلسفية التي يحتمها منصب السلطان على كل مواطن لم يكن شيئا عمليا، أو نافعا اجتماعيا لي، وقد عطّل ذلك عملا إصلاحيا كان يمكنني أن أؤدي دورا جيدا فيه وحولني إلى كائن يتبادل الشتائم مع مئات الأشخاص الذين بعضهم متطفل على الخطاب السياسي ويهمه تضخيم تأثيري لكي يكون هو البطل الذي يردعني أكثر مما يهمه أي شيء آخر، والنتيجة تعرضت للشتم المقذع الذي يشبه الشتم المقذع الذي أطلقته، ودائرة لا نهاية لها. في الحقيقة السلطان بموقعه الفلسفي كحاكم هو الحل وليس المشكلة، والذي ينظر للأمور بالنظرة الفلسفية الكبير سيتعامل مع منصب السلطان وكأن كل مشكلة في عمان هو سببها، وهذا خطاب تمنيت لو أنني لم أسلكه تجاه السلطان قابوس رحمة الله عليه. على الواقع العملي السلطان كان هو الحل وليس المشكلة، هو الذي أصدر العفو، وعن طريق السفارة والتفاهمات وكل طرف أوضح للثاني ما له وما عليه، العفو الذي صدر بشأني كان يشمل الحق العام، والتعهدات من جانبي أنني لن أعود إلى استفزاز الدولة، أو أجهزة الأمن، وقد وفيت بجانبي من العهد وحتى الآن لم أتعرض لأي استدعاء ولم ألزم أو أجبر مثلا بالهجوم على اللاجئين فضلا أنني من البداية قلت بالفم المليان: "لا أريد إجباري على أن أدلي بأي معلومات عنهم" كانت الإجابة على لسان السفير عبد العزيز الهنائي: ستعود، حرا، طليقا، ملفك جديد وأبيض، ولست ملزما بأي شيء، عش حياتك وابنها وأكملها. أخذت عامين حتى اطمأن قلبي، والآن أكمل عامي الخامس والحمد لله بلا مشاكل. أكتب في مظلة القانون، وسواء نتفق أو نختلف مع سقف التعبير، لقد اخترت العودة لعمان، وأتقبل قانونها، أختلف معه أو أتفق، هو الذي يحكم في شأني، وأختار أن أبتعد عن أي شيء يجلب عليَّ استدعاء ادعاء، أو قضية في محكمة، ومجددا هذا خياري الذي من حقي تماما أن أعيشه، ليس موضوعا للتفاوض مع أحد.
- ظني أن أي شيء فعلته في بريطانيا يعزز فرصي في اللجوء، وهذه مغالطة شائعة، كل ما تفعله في بريطانيا يقع رسميا تحت إطار (أنت تحت السيادة البريطانية ما تفعله طبيعي جدا) اللجوء عملية معقدة للغاية، تحتاج لأدلة، ومن الصعب للغاية بمجرد استدعاء، أو حتى حبس على ذمة التحقيق دون انتباه منظمات حقوقية مثلا، وأدلة، أو حالات أخرى بها دليل على التعذيب مثلا، أو الاختطاف القسري، أو الطائفية، أو وجودك في منطقة حرب.
اللجوء لمجرد الكتابة عن السلطة وقبوله ليس سهلا، ولم أكن أعرف أنه كان بمقدوري أن أبدأ حياة هادئة، منطقية، خالية من الضغط النفسي الشديد وأنه لا داعي للهجوم على السلطان لأثبت أي شيء للجانب البريطاني أنني أستحق اللجوء.
تفصيلات اللجوء تقع ضمن قوانين ولوائح تتغير دائما، لذلك من المؤكد أن الوضع تغير الآن.
- من الأشياء التي ندمت عليها أنني قضيت وقتا طويلا وأنا أظن أن البقاء طوال الوقت على الشاشة، والتطاول بالشتم المقذع هو الذي "يغايظ" الفئة المتطفلة على الخطاب السياسي التي كانت تشتمتني شتما مقذعا. عندما اكتشفت أنَّ فئة من الناس ترى الأمر ذاتيا، وترى أن الإساءة الشخصية لي أولوية على تفنيد خطابي السياسي (إن كان لي من الأساس خطاب سياسي) يعني (الأكشن) أهم لديهم من أي اعتبار آخر، وهذه الفئة المتطفلة إلى الآن تصول وتجول في الساحة الرقمية لا تفقه شيئا في الخطابات، تعرف أن تشتم، وأن تفرغ غضبها وتعيد توجيهه إلى أي شيء يسمح لها لبعض الوقت أن (تبرد فوادها) في لاجئ، أو في حساب مشبوه، أو حتى في مشهورة سوشال ميديا تكلمت عن شيء يستفز الفئة المحافظة مثلا.
تواحيت على نفسي فقط في السنة الأخيرة من إقامتي في بريطانيا وبدأت الدراسة وأكملت سنة قبل مجيء فيروس كورونا، وما حدث من تغيير الحكم في عمان والعفو السامي والباقي معروف وعادي جدا، عُماني عاد لبلاده وترك السياسة وبدأ حياة اجتماعية جديدة.
- من الأشياء التي ندمت عليها أيضا أنني نزعت هويتي الفردي تماما وبقيت رهن الهويات الجماعية، وهذا ما جعل خطابي مهلهلا، غير مقنع، الهدف فقط هو كسر الخط الأحمر الممنوع في عمان، ومغايظة أجهزة الأمن، وكأن كسر حاجز الكلام سيصنع أي شيء بعمان. تمنيت لو أنني ركزت على قضايا موضوعية، وكنت على الأقل نافعا بقول الحقيقة، بدلا من لوك فلسفات مطلقة وعمومية الجميع يعرفها. (مجددا هذه تجربتي أنا فقط كلامي لا يشمل بالضرورة اللاجئين الآخرين).
- كل لاجئ ملف مختلف، وكل لاجئ حكاية، وكانت من أخطائي أنني لم أبدأ حياة جديدة، أدرس، أو أهتم بصحتي، أو أترك الإدمان مثلا، عشت في دائرة أنني لاجئ وكأنها تعريفي الوحيد، أربع سنوات في بريطانيا كان يمكنني أن أخرج منها متخرجا من جامعة، أو على الأقل لا أحرق سفن العودة لعُمان، كل ذلك الشتم وادعاء الإلحاد، وغيرها كانت أشياء هامشية، لا علاقة لها بقرار اللجوء، فقط في حالة كان هناك تهديد حقيقي على الإنسان وحياته ومثلا قادم من دولة إعدامات هُناك الملف يعني شيئا لدى السلطات البريطانية، عدا ذلك، الملف الذي لم يتخلق داخل بلاد اللاجئ السابقة، ويُثبت يجد صعوبة هائلة جدا في الحصول على اللجوء.
أن تصل بريطانيا وتبدأ في كسر أي خط أحمر داخل بلادك لا يعني أي شيء لدى السلطات البريطانية، ما حدث داخل بلادك هو المهم.
- البعض وهو يسوق السرديات الخاطئة عن اللجوء يكاد يسوق تجربة اللجوء وكأنه تجربة مليئة بالعسل، ولا سيما فكرة (مدعومون، مرتزقة) بالمنطق ألا يشجع هذا إنسانا يائسا لكي يذهب ويطلب اللجوء وينعم بالمال الوفير! هذا ما يفعله البعض ممن يظن أنه يتصدى للاجئين وهو دون أن يدري يسوق تجربة اللجوء مصداقا لبيت أبي العلاء المعري (وإذا نهيت النفس عن شغف بها .. فكأن زجر غويها إغراؤها). ولا أفهم ما يفعله هؤلاء، ولا أظن أنني سأستطيع أن أفهم كوني عشت التجربة هُناك ولا فائدة من الشرح لهؤلاء الذين يظنون أن هذه السرديات تنفع! بينما هي تشجع البعض على الذهاب ويظنون أن هناك جنة من الدعم، والمال، وهذا غير صحيح.
- الفئة التي تشتم وتسب كتبت عنها مرارا، الذين يجيدون الكتابة في هذه الشؤون السياسية بحنكة قليلون، أما الذين يشتمون الأم، والأب، والعائلة، والقبيلة، بعضهم فعلا يقول كلمة يسميها كلمة حق، وحقا يريد بها باطلا، وهو أن يؤجج ردات الفعل ضد الحكومة.
- البعض يهمه أن يكون البطل الذي يتصدى لهؤلاء (الآبقين) أكثر من أن يهمه حقا حماية الوطن. وفعليا، يوجه الضوء ويضخم تأثير اللاجئين دون أن يدري بطريقته، لاجئ يشتم ويسب، تصوب عليه الضوء لماذا؟ بكل صدق لا أعرف، تفسيري الوحيد أن البعض يجد شعورا بالإشباع النفسي في دخوله هذه المعركة وينسى الجوانب المؤثرة على الخطاب وإقناع الوضع الداخلي بتنفيد منطقي. أليست هذه الفكرة؟ توجيه نظر المجتمع إلى الحقيقة؟ ما نفع ابتكار السرديات عن اللاجئين؟
- البعض لا يرد على خطاب اللاجئ، هو يرد على اللاجئ، شخص خسر قدرته على زيارة بلاده هل تتوقع أن عملية الاغتيال الاجتماعي ستضره؟ ستؤجج خطابه الآخر المليء بالتشنج، هذا ما حدث لي، هل يحدث لغيري لا أعرف، لكنني متأكد أن الذي لا يستخدم المنطق، ويستخدم السرديات والشتم هو الذي يضخم تأثير اللاجئين. لماذا يفعل البعض ذلك مع إنهم يريدون العكس؟ هل هذا متعمد؟ أم فقط سوء تقدير أيضا لا أعرف.
كوني لاجئ سابق، ليست لدي إدانات لأي لاجئ، أيضا ليس لدي تبرير لما يفعله. ما عشته في بريطانيا أن الكلام كان مجانيا. فقدت طعما كنت أشعر به في حياتي في عُمان، شعور النحت في الصخر. هل باقي اللاجئين لديهم نفس الشعور، لا أعلم، هذا كان شعوري. وأكرر، أن موقفي من كل لاجئ أنني أتمنى له عودة آمنة إلى بلاده، وأن يكف الله شره إن كان ظالما، وأن يعيد له حقه إن كان مظلوما، هذا موقفي من كل لاجئ ولن يتغير لأنني أنا لاجئ سابق وعشت التجربة.
- بعض اللاجئين لا يعرف خطورة أشياء قد يفعلها بشكل عرضي في الإنترنت وقد تذهب به إلى مشاكل هائلة، مثلا الدعوة للعنف، أو أن يساعد أحدهم على طلب اللجوء، الأمر هُناك جاد للغاية ويعتبر ضمن (Human Trafficking) والتي تترجم (الاتجار بالبشر)
- الدعوات للاعتصام والمظاهرات، عادةً إن كانت ستحدث فهي لتأثير داخلي، البعض لا أعرف هل يتعمد وكأنه يرد عليها بينما هو ينشر الخبر؟ أحيانا أصاب بشكوك أنَّ أحدهم يريد لهذا أن يحدث، وكل ما يفعله في الظاهر هو ادعاء بحت. لست متأكدا من ذلك لكنني لا أفهم، كيف البعض لديه قلق من حدوث تحركات ميدانية قد تقود إلى ما لا يحمد عقباه (وفق وجهات نظر كثيرة) ومع ذلك يسلط الضوء عليها؟ شيء لم أفهمه لا وأنا داخل عُمان، ولم أفهمه وأنا خارج عُمان.
- عندما كنت لاجئا لم أكن أفهم أن كثيرا من البشر لا يرون بي أكثر من إنسان (طاح من كيس حيّانه) بهذه البساطة، لا يعبأ لمصيري، ولا يعبأ بأي تعاسة أعيشها، لا يعبأ بالغربة، ولا بعدم قدرتي على لقاء عائلتي وأصدقائي، مجرد ملف آخر، مجرد غريب. ليتني كنت منتبها لهذه الحقيقة قبل أن أمر بعلاقات سيئة للغاية مع بشر كانوا يريدون إطالة بقائي في بريطانيا.
- العودة لعمان تكون فقط عن طريق السفارة، والذي يريد العودة عليه أن يفتح فمه، وأن يعرف ما له وما عليه، وأن يصله التطمين من السفارة فقط، يحدث أنَّ بعض الناس من المتطفلين يتدخلون لسبب ما، وبعضهم لا يريد خيرا، وبعضهم له أجندة خاصة، وبعضهم فقط يتملق للحكومة بحجة إنه سبع البرمبة الذي يقنع اللاجئين بالعودة. الحذر من هؤلاء كل الحذر، عائلتك هي التي تمسك إجراءات العودة، وستأخذ وقتا.
- لم يطلب مني صراحة حذف أي فيديو في حساباتي، من الأساس لم ألتقي بأي موظف أمن، وأي موظف ادعاء منذ عودتي لذلك لا أعرف هل هذا الشرط كان سيوضع أمام، قمت بنفسي بحذف المواد التي تعتبر جريمة نشر في عمان، والذي يقوم بنشرها وإعادة تداولها هو الذي سيحاسب. لذلك، هذه المعلومة لست متأكدا منها.
- الذهاب إلى بريطانيا، وشتم السلطان، وشتم المقدسات، بل حتى وادعاء الإلحاد بحجة أنك لو عدت هذا سيسبب لكم خطرا طريقة غير مضمونة للحصول على اللجوء. والبعض يظن ذلك ويقع في هذه المشكلة، أحيانا يأخذ ملف اللجوء سنوات من الاستنزاف، وقد تصل إلى خمس سنوات بلا قدرة على العمل، وبلا قدرة على الدراسة، وبريطانيا مع الوقت تضيق على اللاجئين أكثر وأكثر. لذلك هؤلاء الذين يروجون لحياة اللاجئ الذهبية المدعوم بالملايين مجرد أغبياء حمقى يسوقون اللجوء ولا يردعونه كما يتوهمون.
- أختم كلامي بأنني لن أهاجم لاجئا، ولن أؤيده، وأرفض أن يحاول لاجئ إقحامي لسكة السياسة لإيذائي شخصيا، وأفرض أن يحاول شخص في عمان وضعه في مواجهة مع اللاجئين، موقفي من أي لاجئ واضح وصريح، اعرف وضعك جيدا، اعرفه قانونيا، تبين، تثبت، دع عائلتك تتولى الضمانات، إن كانت عودتك تتطلب عفوا ساميا فاطلب العفو (الرسمي الإجرائي) وانتظر الإجراءات إن كتب الله لك صدور العفو. أمنيتي أن يعود كل لاجئ إلى بلاده آمنا مطمئنا، وأمنيتي ألا يخسر إنسان قدرته على الحياة في بلاده، هذا يشمل أي لاجئ وأي عماني.
- إن كان ثمة نصيحة أوجهها لأي لاجئ، يدك في الماء، أنت آمن، فكر مليار مرة قبل أن تحرض إنسانا داخل عُمان على شيء قد يذهب به للسجن، إن كان الناس يثقون بك، وجود ضحايا لك سوف يعود عليك بالضرر، وإن كتب الله لك العودة ماذا ستجد؟ ستجد شخصا أقنعته أن يسلك مسار النشاط السياسي، وتعود أنت إلى عمان لتجد إنسانا خسر وظيفته، ومستقبله، وحياته وهو كان يظنك قدوة أو مثالا وكنت تشجعه على هذا الدرب، هذا الدرب الذي يختاره هو الذي يدفع ثمنه، هذه نصيحتي الوحيدة لكل لاجئ، لا تكن سببا في سجن إنسان، الظروف تتغير، وقد تجد نفسك في ظروف تسمح لك بالعودة، وإن كنت إنسانا تعرضت للظلم فقد يكتب الله لك أن يُعرف من ظلمك، وربما يُعاقب. وإن كنت إنسانا ظالما فهو موضوع وقت قبل أن تقع في خطأ، وسيعرف الناس حقيقتك، ولا أنت بالغربة، ولا أنت بأي تأثير داخل عُمان، أسأل الله السلامة لكل لاجئ، وإن كان ظُلم أن يعود له حقه، وإن كان ظالما أن يكف الله شره عن نفسه والناس وعن عمان.
رغم أنني أشعر بقلق شديد جدا من نشري لهذا المقال الطويل، وضعت فيه مجادلة محكمة تمنع أي مغرض من إخراج كلامي من سياقه، وهذا هو الشعور الذي كنت أفتقده خارج عمان، هذا الشعور بالنحت في صخر، والسعي في مسارات حرية التعبير، والأمل أن يرتفع السقف الرقابي على الأقل، ذلك الأقل من القانوني بكثير، آمال صغيرة للغاية في حياتي الهادئة التي اخترتها، لا أسمح لأي إنسان بإخراج حياتي من هذا السياق، وما أكتبه من دافع الضمير عسى أن ينفع أحدا.
وبما أنني أريد النفع، رسالة لعائلة كل لاجئ، لا تقطعوا أبناءكم، لا يوجد أبدا أي مانع قانوني من التواصل معهم، لا تقعوا في هذا الخطأ فتزيدوه غربةً فوق غربته، قربكم منه ينفع ولا يضر، ولن تزر وازرة وزر أخرى هذا ما أظنه بعمان وهل أنا مخطئ يعلم الله، هذه زاوية تجربتي، وقد لا تتفق مع تجارب آخرين.
كتبت هذا الكلام انطلاقا من خوفي أن أكون (من كتم علما) هو اجتهاد إن أصاب فالحمد لله وإن أخطأت أسأل الله أن يرشد بصيرتي لأكتب ما هو نافع.
الرد على اللاجئين سياق صعب، أخذه كمباراة في التطاول، والرد على شخوصهم مرارا وتكرار (في رأيي) يضر ولا ينفع، هل رأيي صواب، هل هو الحقيقة قطعا إنه يقبل الخطأ، لكنني مؤمن تماما به، إن كان ثمة مقاربة تنفع تجاه الشتم والسب فهي التجاهل، وإن كانت مقاربة تنفع تجاه البيان السياسي فهي المجادلة، وإن كانت ثمة تفاوض لعودة لاجئ فهي ضمانات القانون، وإن كان ثمة موضوع اجتماعي فهو ألا يقطع، ويُهجر لكي تكون الغربة خياره الوحيد، هذا ما أظنه صوابا لكل من يريد نهاية حسنة لكل لاجئ، أما الذي يريد التنكيل، والانتقام المعنوي، والاغتيال الاجتماعي فهو مسؤول عن نفسه، وعن كلامه، ويحاسبه الله في السماء والقانون في الأرض، أيهما أنفع؟ لا أعرف، لكل إنسان أسباب يراها وجيهة، هذه وجهة نظري الفردية.
هذا جزء من تجربتي في عالم اللجوء، فإن نفع ما كتبته أحدا، فهو كذلك، وإن لم ينفع فهو اجتهاد.
والله الحافظ من شر كل مغرض سيحاول إخراج كلامي من سياقه.