بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 ديسمبر 2024

لنفسك عليك حق!

في الأشهر الأخيرة، قررت أن أرهق نفسي، والنتيجة كانت جيدة في البداية، وهكذا ظننت الحياة (ملايعة) المال، والنجاح، والتحقق، ورميت بنفسي وصحتي في آتون هذا السعي، ولكن ما هي إلا شهور حتى بدأ المفعول العكسي لنمط الحياة هذا بالظهور. وفي الأسابيع الأخيرة، بدأت شبح الخسارات، والقرارات الخاطئة، والتركيز، والأسوأ الجفاف الإبداعي، وهذا بالذات يعني خسارة هائلة على أصعدة متعددة في حياتي. سبعة أشهر! لم يحدث لي في حياتي من قبل أن عشت هذا الضغط الهائل، حتى الثانوية العامّة التي أحرقت أعصابي وخلّفت آثارا مزمنة لم تكن بضغط هذه الأشهر السبعة. كان كل شيء يسير بصورة معقولة، رغم الزحام، والانشغال، بسبب ورقة خفية وصغيرة لم أحسب لها حسابا! تنس الطاولة! تخيّل، هذه التي غفلت عنها، كانت هي السبب الرئيسي في احتمالي لكل ذلك الضغط، وفي اللحظة التي بدأت أعتدي فيها على حصص الرياضة الأسبوعية، بدأت الأمور تأخذ منحنى سيئا للغاية. أول شعور هو: ما الذي أفعله بالضبط! أتعب لأجل أي حياة؟ هل هذه الحياة التي أتعب نفسي من أجلها؟ وللنفس مناعةٌ تجاه هذا الاحتراق، ذلك الشغف الذي كنت أزود به نفسي للعمل وللدراسة انتقل إلى شعور هائل من شلل المهمات (Task Paralysis) والمهمة البسيطة أصبحت تؤجل وتؤجل حتى تحين جلسة تنس الطاولة، بعدها ينقضي العمل. ثمَّ انفرط العقد، وبدأت ألعب بالخطوط الحمراء، وصرت أسلّم وقت تنس الطاولة لاجتماعات مع الفريق، أو العملاء، أو أخصصه للرد على الاتصالات المعلقة، وهُنا بدأت النفس المرهقة برد الضربات، وبدأ العقاب الداخلي يأخذ عدة أشكال من الاضطراب، والعصبية، والضيق الشديد، والقرارات الخطأ! قال (زينهم) وهو لاعب تنس معنا في الأكاديمية ذات يوم كلمة لفتت انتباهي: "وقت التنس الذي نقضيه قد يكون الوقت الوحيد في اليوم الذي نقضيه بلا شاشات وبلا هواتف!" فعلا، استراحة المحارب الرياضية ليست رفاهية، أو متعة، إنها ضرورة. ضرورية للعمل، ضرورية لكي يسير على ما يرام، وضرورية لكي تكون الأفكار الإبداعية أكثر جودة. التخطيط يصبح أفضل، الواقعية تكون أكبر. وباختصار، تنس الطاولة جزء من جودة العمل، وهذا ما وصلت لها كخلاصة. وأنا أعيد حساب المكاسب والخسارات في الأشهر السبعة الأخيرة، ترسخت لدي هذه القناعة بشكل لا لبس فيه، وقت الرياضة لا تفريط فيه، هو وقت (التزام) وأي موعد يتعارض مع تنس الطاولة يؤجل، يغير، يفعل به أي شيء سوى أن تسلم رقبة الحصة الرياضية لأي مشاغل غير طارئة. أن تنفق وقتك في صناعة الفرص، وإمساك خيوطها هذا شيء جيد، لكنه لا يدل على أنك تفعل ما هو صواب، الصواب هو أن تعرف حدود احتمالك النفسية، وأن تجنب نفسك الاحتراق الذي نهايته وخيمة على كل الأصعدة. الأمر لا يتعلق بالمال، يتعلق بالحياة، وقد يصنع المرء مالاً هائلا باحتراق مدته شهر، ولكن احتراق مدته سبعة شهور، ماذا يعوضه المال إن ذهبت الصحة؟ أعتقد أنني تعلمت لأول مرة منذ أن بدأت حكايتي مع أكاديمية التنس معنى التنس وقيمتها في حياتي، ليست التنس فقط، ولكن الرياضة بشكل عام. خطأ لن أكرره، مهما كانت المشاغل، تنس الطاولة هي جزء من (المشاغل) لا تسلم قرباناً لأي مكسب مهما كان مغريا، لأن هذا الصفاء الذهني هو ما يقود لقرارات حكيمة، وليس الشعور بملاحقة قلق الخوف من التقصير ..  

وجيد أنني عدت للكتابة، وهذه وحدها لها دور آخر كبير، من الجيد أن (أكتب) عنها أيضا في قادم الأيام. 

أربع سنوات من الإعلانات!


يمضي الوقت بسرعة! أليس كذلك؟ أعبر الآن في السنة الخامسة من دخولي هذه المهنة العجيبة. بدأت كاضطرارٍ، وأصبحت مع الوقت اختيارا، ثم قرارا، ثم شغفاً مستمرا.
لا يمكن فصل عمل الإعلانات عن صناعة المحتوى، فالمحتوى يقود للمنصات، ومع الوقت يقود للإعلانات، وعلى عكس ما يظنه البعض أن الإعلانات مرتبطة بما يسمى (الشهرة) هذا ليس أكثر من تصور غير دقيق أبدا، والبعض المتحامل الذي يخلط القضايا بين العمل التجاري وبين النشاط الاجتماعي يكرر هذا دائما. العمل في هذا المجال يحتاج إلى وعيٍ تجاريٍّ عالٍ، اشتهر كما تشاء لن تستمر في هذه المهنة إن لم تتعلم تجنب أكبر أخطائها، وأخطرها، تلك التي قد تنسف بك وبمصداقيتك وتذهب بك لنهايات مروّعة.

دائما ما أتكلم عن الجانب المخيف في هذه المهنة. أن تتعرض لخديعة من مُعلن، أو كما حدث في زد ميديا، تلك الشركة التي كنت على وشك أن أعلن عنها بحماسة، قدّر الله أنني كنت في صلالة وانشغلت عن الواتساب والحمد لله أنَّ الأمر لم يتم. يا إلهي! لا أتخيل حجم الكارثة التي كنت(سأندمر) فيها. مهنة لا تخلو من الخوف، أن تقع في خديعة من هو أذكى منك. تتعلم مع الوقت أن تعرف أن عالم التجارة ليس بريئا، وأن به ما به من مآزق، ومع الوقت تطور نفسك، ومعارفك، وتتعلم مهارات جديدة تجعلك تستمر، وبدون ذلك، لن تستمر في هذه المهنة الصعبة.

مهنة الإعلانات شيء، والتسويق شيء آخر، ومع الوقت الحملات. كيف تعطي أسعارا جيدةً وفي الوقت نفسه أنت لست شركة مترامية الأطراف، لديك مطور أعمال، ولديك قسم تسويق متكامل؟ من السهل أن يلوك البعض النصائح الفضفاضة الجاهزة.

نعم، الإعلان الواحد يمكنك أن تفرغ له قسما كاملا، وتصور بالدرونات، بل وترسل (كوينتن ترانتينو) أو ستفين سبيلبيرج ليخرجه، في عالم الأفكار والتخيل كل شيء ممكن، في الخيال يمكنك أن تنفق مليار ريال من أجل إعلان واحد، لكن في الواقع الكلام يختلف. وياما يأكل أذنك شخص خارج المجال يتكلم عن الجوانب الإبداعية فقط، نعم الإبداع!! يا سلام عليه، ما أجمله، لكن في الإعلان السؤال الكبير: كم ساعة عمل سيأخذ؟ كم موقع تصوير؟
الأمر لا يتعلق بالفكرة فقط، تكاليف التنفيذ هي التي تحدد السعر، وبالتالي الإبداع في التسويق في السوشال ميديا يتعلق في طريقتك في تكييف الفكرة الإبداعية بحيث لا يكلف الإعلان مائة ألف ريال، في النهاية، هي باقة من (500-800) ماذا عساك أن تفعل بها؟ تتأقلم وتقدم شيئا جميلا. الفكرة الجيدة تخفف تكلفة الإنتاج، هذا هو القانون الذي تتعلمه لاحقا، وتعرف أن الفكرة القوية رزق من الله حالها حال الفرصة الجميلة والجيدة.

ويمضي الوقت، وتتعلم مع الوقت ألا تسمع لذلك التنظير الجاهز، بل وتتعلم أن تصمت وأن تغلق الحوار. سهل جدا أن تطرح فكرة الذهاب لموقع سياحي، وتصوير (سنابات) من أعلى قمة جبل، ومن ثم العودة بالمظلة إلى الوادي، وتصوير كل ذلك بالجو برو، نعم هذه ريل ستحطم الأرقام، لكن السؤال هل وقتك يسمح؟ وهل وزنك يسمح؟ وما تكلفة كل ذلك؟

إن كنت سأختصر تعريف البراعة في عالم الإعلان فهو أن تكون موسوعيا قادرا على أن تعرف كيفية سير كل مشروع تجاري. تلك الشهيرة المتعارف عليها كالمطاعم والعطور هذه أسهل بكثير، ومتعارف على قوالبها، أسهل تنفيذا وأصعب وصولا، فماذا عساك أن تلفت الانتباه به في بحر من الإعلانات الشبيهة؟ الإعلان السهل أصعب في أن تبدع فيه، والإعلان الإبداعي المجنون أصعب من أن تنفذه، واستمرارك في هذا العمل التجاري مرتهن كليا بقدرتك على التوازن بين الأمرين.

العمل التجاري يعلمك دروسا لا نهاية لها، أساسه تعلم الأشياء الجديدة، ودائما ما أكتب عنه مركزا على التحديات التي فيه. لا أعرف لماذا أنسى أن أكتب عن الجوانب النفسية الجيدة فيه. الجانب النفسي السيء هو الإرهاق، والقلق، واضطرارك لأن تكون متأهبا للتغييرات والظروف المفاجئة، فضلا عن صعوبة بعض المعلنين الذين تماما هم خارج مجال التواصل الاجتماعي، معلومة ذهبية تنفع مشروعه لا يقولها لك، ماذا ستفعل وقتها؟ يشرح لك كما يشرح لزبون، وأنت تريد أن يشرح لك لكي تشرح للمتلقي، معضلة دائمة، ولسبب ما خلق الله الناس ليحتاجوا بعضهم البعض، وإلا كيف نتعاقد في هذه الحياة إن كنا كلنا نفهم في المال، والتجارة، والإدارة، والتسويق؟

ثمة شيء مبهج جدا في هذه المهنة، مبهج نفسيا بمعنى الكلمة، وهي شهادتك على قصص النجاح التي تراها تتخلق أمام عينيك. أستمتع جدا بالتواصل مع المعلنين، كنت أستمتع بالدروس الخصوصية التي أتلقاها من (مجرّب) عاش التجربة، بدلا من شخص ينظّر لي بلا نهاية كيف أن الإعلان الذي يحتاج خمسين كومبارس، وعشرة درون سينجح، نعم سينجح، لكن النقاش مع المتخيل غير المرتبط بالواقعية، هو نفس النقاش مع الواقعية الجامدة الخالية من الخيال، مجرد تضييع وقت!

كان هذا ما يصبرني على ساعات العمل المهولة التي تأتي مع هذه المهنة، ثم مع الوقت بدأت أرى نمطا جديداً، بالذات مع المعلنين السابقين. نمط قصص النجاح! التي مع الوقت تكثر من حولك. الذي فتح مشروعا منزليا أصبح اليوم لديه محل، والذي كان لديه محل على وشك الإغلاق أصبح اليوم يفتح فرعا ثانيا في ولاية أخرى. قصص الجهد، والتعب، ونحت الصخور، كلها تلهمك، كلها تشحذ همتك، كلها تقول لك أن النجاح ممكن، وأن المزيد من التعب والتخطيط والتعلم من التجارب يمكن أن يقودك أنت إلى هذا المآل المثمر، والنافع بإذن الله.

وهي متوالية، إبداعية، وتجارية، في محيط يرى الإبداع عملا تطوعيا قسريا. حتى هذه اللحظة تميل بعض العقول المتحجرة إلى اعتبار ربحك من منصتك وكأنه (عيب) لا سمح الله! بينما العيب الحقيقي هو أن تقسر إنسانا باستحقاقٍ مليء بالسمية أن يبقى يلف ويدور في فلك اعتبار السوشال ميديا إما تضييع وقت، أو وكأنه نشاط بالوكالة، هو ينظر، وأنت عليك بمنصتك النشطة أن تحقق نظرياته الفذة التي ستغير العالم والمجتمع. نوع آخر من البشر من مضيعة الوقت النقاش معهم ولا سيما وأن منصتك هي حر مالك، ملكك، أنت الذي يحدد كيفية التصرف به، ولكن منذ متى النقاش مع المنظرين بالوكالة ينفع أحداً، سيلوك أذنك وهو يخبرك عن النشاط الاجتماعي، وعن تغيير الكون، بل وأحياناً حتى عن القيم الفلسفية الكبرى ثم يقول لك: لا تُعلن، افعل كما أفعل، أدخل تويتر وأقوم بكل نظرياتي (مجانا) من أجل الكون، نموذج آخر من الذين يظلمون أنفسهم وفي نهاية المطاف من يظلم نفسه ليس إلا مسألة وقت قبل أن يبدأ بإسقاط هذا الظلم على غيره.

لم أعد أملك أي رغبة في مناقشة شخص يظن أنه من حقه أن يفرض قرارات حياته على غيري. مثل هؤلاء الذين يربطون الإعلان في السوشال ميديا بالحلف الكاذب، تقول له: أنا لا أفعل ذلك؟ ولدي منهج، وقيم مهنية لا أحيد عنها.
يصمت، ثم يقول لك: ولكن هؤلاء الذين في سناب، وهؤلاء الذين في المكان الفلاني! طيب لماذا تزر وازرة وزر أخرى لا تفهم!

التجربة مستمرة، والآن تدخل نموها التدريجي. والقانون الكبير في هذه الحياة مثل القانون الكبير في البزنس: كل شيء يأخذ وقته!

للحكاية بقية

الاثنين، 23 ديسمبر 2024

هدف سهل

الأستاذ عبد الله الذهلي، قدم نصيحةً أبويةً لا تخلو من الحدة، لا يوجد شيء في كلامه يسمح لإنسان أن يتطاول على أحد الطرفين، فلا الأستاذ عبد الله أبواب الهجوم على من يسمى بامير الأحزان، ولا أمير الأحزان فتح بابا للتهجم على الأستاذ عبد الله! ولكن من الذي وجد سانحةً في كل ذلك؟

صناعة العبر أليس كذلك؟ لأن هذا الشاب الطيب للغاية هدف سهل، ليس قطعة من الشر فيختار أيضا عبرةً انتقائيةً من الذين يهاجمونه. هذا ما يتكرر دائما في الوسط الرقمي العُماني.

نشتكي من ماذا؟ من التفاهة؟ أين هي المشاريع التي تأخذ بيد صناع المحتوى لصناعة محتوى رصين؟ أين هي هذه المشاريع التي تأخذ بيدهم؟ كلا، هذا متعب، ومضنٍ أليس كذلك؟ دعونا نختار إنسانا لا حول له ولا قوة، لا يعرف عنه الغضب، ولا الشراسة، فنهجم عليه بكل قوتنا وطاقتنا، ولنصمم ما يكفي من (الميمات) وكأن تحطيمه نفسياً هو الذي سيصلح هذا الواقع الرقمي العالمي الذي تغيرت فيه أبسط السنن المنطقية، أما بثوث التكتوك، أو المحتوى المخصص لما يسمى (الجلد) فهذا شيء عادي جدا، يمر علينا، التشنج شيء طبيعي يمر علينا، ولا نراه ظاهرةً رقميةً تحتاج إلى وعينا الجمعي بكل خلاياه المناعية لتتصدى له!


لا أدين نصيحة الأستاذ عبد الله الذهلي، فهي لن تختلف عن أي تأنيب محبِّ من المؤكد أن يهدف إلى نصح إنسان، لكنني أدين حقاً كل هؤلاء الذين وجدوا الفرصة للانطلاق بأسلحة التنمر، والتسميم، والفتك الجماعي بإنسانٍ لا حول له ولا قوة.

حدثت قبل شهور مع الذي يسمي نفسه (أيمون) وهو أيمن السيابي، المدرب الرياضي الذي يقدم محتوى كوميدي أكثر. هل كان سيهجم عليه ويفتك به لو كان (شرّانيا). إنها عادةٌ متكررة، تحدث بين الفينة والأخرى، انتقاء إنسان طيّب وعلى نياته وكأنه هو من صنع التفاهة في هذا العالم.

لا أرى أمير الأحزان تافها، ولا أطالبه بفوق طاقته، وإن كنت أملك أن أقف معه، سأهيئ له سيناريو وإعداد وأرفع من جودة محتواه وأفعل ما بوسعي لأجعله ضمن سياق رقمي تفاعلي نافع ومفيد، وحتى الكوميديا يمكنها أن تتحول إلى خطاب نقدي بمعايير فنية حقيقية. ولكن لا، أن ترفع عقيرتك منتقيا هذا الإنسان من بين الجميع هذا أسهل أليس كذلك؟ هذا أبسط؟ هذا أسرع؟ هذا أكثر إشباعا لشعورك بالصوابية وأنَّك من نخبة المعنى (والحقيقة) التي يلوكها البعض ناسيا أن حقَّ الإنسان الطبيعي في أن يكون ما هو عليه، فإن أردت منه ما ليس عليه، فإمَّا أن تعلمّه، أوتساعده، عدا ذلك، أمير الأحزان هدف سهل آخر، ولا عجبَ أن ترى هجمةً جماعية عليه لأن شرارة نصيحة رغم ما بها من حدة كانت كافية لينطلقَ المنتقصون، والمتهكمون، لتعكير صفو إنسان لا يمكن سوى أن يوصف بكلمة: طيّب!

ونعم، هذه هي الحياة، الطيبون يسقطون أولا!


هنيئا لكهنة الصوابية ضحيتهم الجديدة!


الاثنين، 16 ديسمبر 2024

ربما لأنني ساخط!

وهمٌ كبير للغاية، أنك أنت فقط من يدفع ثمن الغضب، أو السخط، أو الاستحقاق المبالغ فيه والخيبة التي تأتي عندما يتعامل العالم مع استحقاقك (كما هو متوقع) بدون اقتناع.
غضبك ينعكس على غيرك، ذلك الذي يفقدك مع الوقت، يراك تغلي، ولا يعرف كيف يتعامل معك، منهم من يخاف منك، منهم من يبتعد عنك، هذا فضلا عن الانفجارات التي قد تكون مؤذية، أو عنيفة. تغلي، وتغلي، وأنت لا تعرف كم يطيش منطقك، وكم تتسع دائرة صوابك بالتبريرات، ولو كنت تعيش في واقع عنيف، أو مسلح، هذه وصفة جاهزة لكارثة حقيقية.
سخطك ينعكس على غيرك، على أحلامهم، عندما تكون الكلمة الطيبة بعيدة عن لسانك، تتحول إلى ذلك الإنسان الذي يقول له شخص: "لقد قبلت في كلية التربية" فيرد عليك بسخطه (المنطقي) الذي يراه صوابا: هذيلاك، آلاف الناس متخرجين تربية وما محصلين وظائف!

سخطك مشكلة، ليست مشكلتك فقط، عندما تستخف بأحلامك، أو تحتقن بسبب استحالة حدوثها، أو ربما لأنك ظلمت، يجب أن تعال هذا السخط، سخطك من الواقع، سخطك من ظلم الحياة، سخطك من حقيقة أن الحياة غير عادلة؟ ماذا ستفعل؟ ستوجه طاقتك للمحظوظين في هذه الحياة؟ تنتقص منهم، تكرههم، تحسدهم، تشعر أن الذين نجحوا فعلوا ذلك بالحظ؟ بدون جهد؟ وماذا عن الذي ورث مالا طائلا؟ هل ستكرهه؟ 
ثم تنتقل، مع الوقت، من الذي لديه مال، إلى الذي لديه حال، وتتآكل بالحمض الكاوي للسخط. أو بالجمر الحارق للغاضب، بينما تلك الطاقة كان عليها أن تتجه إلى ترميمك، إلى إعادتك لمنطقة التحدث، وتحقيق الذات، والسعي من أجل ذلك.

الناس تشفى، وتتغير، تشفى من الغضب، وتشفى من التعاسة، والذي كان غاضبا على عدم حصوله على وظيفة يحصل عليها بعد حين، والذي كان غاضبا بسبب تأخر زواجه، يتزوج بعد حين، والذي كان غاضبا بسبب عدم إنجابه للأطفال يحصل على الأطفال بعد حين، وهكذا دواليك، ثمة مشاكل تُحل لكن السؤال ما هي ضرائب تجنبك للتراكم الهائل من الغيظ، والحنق؟ هي الخسارات، لأنك حتى إن شفيت بعد غضبك، الآخر الذي صببت جام غضبك عليه (ربما) لن يتجاوز، والذي ملأت رأسه بسخطك من استحالة كل شيء، واستحالة الحياة، وظلمها، ماذا ستقول له بعد أن تثبت أنت لنفسك أن الحياة ليست مستحيلة، وأن الاجتهاد مع الظروف المناسبة يمكن أن يحقق بعض الأحلام وإن كانت صغيرة؟

إن كان غضبك ظرفيا، أو كان سخطك مرحليا، وتجاوزته، عليك أن تتقبل أن بعض العلاقات كسرت، ولن تعود، وأنك خسرت بكل بساطة، تتقبل أنك خسرت، ما لن يعود، وإن عاد سيعود مكسورا لدرجة أنك لن تتقبل الاستمرار فيه. 
الاستحقاق يختلف عن الحق، وغضب المظلوم يختلف عن سخط الحالم، وكلنا كبشر نمر بهذه المراحل، فقط ربما علينا أن نعترف أنها مشكلة، علينا الانتباه لها، وعلاجها، وإن لم نستطع علاجها على الأقل الاعتراف بها، وصناعة الظروف التي تحمينا من المزيد من الخسارات بسببها. 

بعد أن تشفى من السخط، بسنوات وسنوات، وتتحقق أحلامك، ماذا ستجد نفسك؟ إنسانا لم يقل كلمة طيبة يوما ما، عاش غاضبا، ساخطا، حانقا، ألا يكفي من تراه حولك من نماذج؟ كيف طاشت كل تلك الأيام عن يدهم، وكيف كبر من كبر، وشاب من شاب، وهم يظنون أن تلك (طبيعتهم).

اسمها مشكلة، ولكل مشكلة علاج، لو تقبلت أنك بحاجة لعلاج، ومساعدة، وقليل من التوجيه، والإرشاد، وتعريف الشيء بمسماه. هذا خير لك من أن تكون ذلك الإنسان الذي لا يذكر أحدا بخير، ينتقص من الجميع بلا توقف، لا يقول (مبارك) ولا يقول (شكراً) ولا يفرح لفرح أحب من يحبهم، يتتبع الأحزان، والوفيات، والمصائب، وليس على لسانه سوى (فلان مريض، فلان مات، فلان أصيب بالسرطان). كلنا نعلم بوجود هذه النماذج حولنا، وربما لا نملك شجاعة لنقول لهم سبب ابتعادنا. 

خلاصة كلامي، السخط، الغضب، الإحباط الذي يحول الأمل إلى حقيقة، الضيق الدائم، كلها لها حلول، سلوكية، علاجية، تأملية، كلها تؤثر على المدركات، والسلوك، كلها ليست (ضريبتك وحدك) كلها ستتسرب بشكل ما أو بآخر إلى الخارج، إن لم يكن الآن، فمع التفاقم والزمان. وكلها يجب أن تتعامل معها كمشكلة تحتاج إلى حل، وليست كطبيعة توجه بوصلة ذهنك إلى التأقلم معها ..

الخميس، 12 ديسمبر 2024

تصويب السياق: أكاديمية الحياة لتنس الطاولة!

 

تغيرت المعادلة كثيراً، بعدما اضطربت وشبعت اضطراباً. عائد للتو من أكاديمية تنس الطاولة، ذلك المكان الذي أحبه، ويحبني، أعني فيه ما يكفي، ويعني لي الكثير، إن غبت أسأل عنه، وإن غبت يسأل من فيه عني. مكان لا يرتبط بالرياضة فقط، بل يرتبط بالصحة، وبقرارات الحياة، وبالصحبة الصالحة، وبمشاريع المقاومة لسنن الحياة، وآلام الظهر. الآن فقط، أشعر أن السياق قيد التصويب، وأنني عدت للحكمة والرشد بعد انفراط العقد والوقت لشهور متتالية كنت فيها بكل بساطة (مرهقا حد الجنون!)

 

أكمل حكايتي في عالم البزنس، وفي عالم ميزان لصناعة المحتوى الرقمي، والحمد لله، ثم الحمد لله، أعملُ مع شركاتٍ أفخر أنني أعمل معها، علاقتي الإعلانية مع الفيحاء العقارية تسير على قدم وساق، ومشاريع قيد التطوير، وبرنامج يوتيوبي نضع رتوشه الأخيرة. وأجمل تجربة مهنية لي في هذه الحياة قد انتهت قبل أيام، أن أكون مستشاراً لمؤسسةٍ رياضية، ولبطولة كأس عالم بأكملها! لكي تنتهي الحكاية المهنية هذه وتبدأ في وقت واحد، بكأس العالم! علاقة وطيدة مع صناع  الرياضة بدأت فصلا كبيرا في حياتي المهنية، ولكن ثمَّة ما هو خطأ، ما هو خطأ كبير كان يحدث بلا توقف لشهور متتالية، خطأ الاحتراق، وخطأ العمل زيادة عن اللازم، وهذا ليس خطأً تستخف به أبدا!

 

اختلطت ما يكفي بعالم رواد الأعمال، وأصحاب البزنس كما يسمونه عادةً. وتعلمت منه القليل الكافي لأعرف أين الخطأ الجسيم والكبير. ما يبدو في عالم الأشخاص الخارجيين عن عوالم التجارة يختلف عن ما تنظر إليه في عالم البزنس. في عالم الخارجين عن التجارة والاستثمار، أن تعمل لساعات طويلة، وأن تجتهد، هذا يعني دخلا مستمرا، ووقتا إضافيا أليس كذلك؟

سيكون مدعاةً للتباهي أنك إنسان مجتهد، وفعلا، هذه الطاقة، وهذا الجهد هو ما يجعل الموظف مديرا، وما يجعله يترقى، وما يجعله يستلم راتبا أعلى، ولكن هل ينطبق هذا الكلام عليك؟ كصاحب مشروع تجاري؟ أو شريك في تأسيس مشروع تجاري؟

ينطبق لفترة وجيزة، لكن لا تظن أنك كإنسان يواصل الليل بالنهار ويعمل أن هذا مدعاة للثقة، أو للتباهي، نعم يمكنك أن تستخدم تعبك لكي تبدو كقدوة لأبناء أختك وأخيك، يمكنك أن تسامع به أبناءك وهم يسرفون في أموالٍ تكد وتكدح لكي توفرها، لكن في عالم التجارة! أن تعمل ليل نهار! هناك شيء خطأ.

الذي يعمل للاحتراق، ليس مدعاة للطمأنينة والثقة، فالذي يحترق يخطئ، والذي يخطئ (يجيب العيد)، وهذا ما حدث لي في الشهور الأخيرة، كنت أعمل من الصباح حتى العصر، ثم من الصباح حتى السابعة مساء، ثم السابعة مساءً أصبحت التاسعة، ثم امتد الوقت حتى صرت أنام خمس ساعات طوال فترة البطولة، كنت أعلم أنني رميت رهانا كبيرا على صناع الرياضة! لم أتوقع أبدا في أجمل أحلامي أن تكون نهايته حصول المنتخب العماني السداسي على كأس العالم! النهاية التي جعلتني أوقف جنون الأحصنة هذه، وأدخل حالة إجبارية من الهدوء.

لا يوجد مال، ولا فرص يمكنه أن يعوض صحتي، وأن أكون في حياة منطقية وطبيعية بضغط معقول هذا هو ما يحمي مشروعك من الانهيار السريع نتيجة الأخطاء، والضغط، وما يأتي مع كل ذلك من هلع وقرارات خاطئة، وتوظيف سريع تحت الضغط، وانهيار هائل قد يفقدك من الأساس معقولية عملك التجاري. العمل حتى الاحتراق ليس مدعاة للفخر، ولا التباهي، إنه مجرد خطأ، وأنا شخصيا صرت أنظر لأي شخص أتعامل معه وهو يعمل بهذه الكفيفة بحذر شديد، الذي يحترق يخطئ، هذا هو القانون الذي صرت أطبقه.

 

رائد الأعمال الحقيقي يجب أن يفوض بذكاء، وأن يمتلك تلك الحنكة لكي لا يكون هو الذي يقوم بكل الأدوار، الجميع يقول ذلك ويظن أنه سهل، هُنا تأتي أهمية التوفيق، وحسن المعاملة، وبناء قيم الوفاء، وأن تكون أنت نفسك موثوقا لمن آمن بك، كما تؤمن بمن وثقت بهم. ألا تضع نفسك في موقف ملوي الذراع الذي يُفرض عليه مزاج من هب ودب، وألا تضع نفسك في موقف المتسلط الذي يجب أن يمشي كل شيء برأيه، وألا تسكت كثيرا، وألا تعترض كثيرا، وأهم شيء، ألا تعمل فوق طاقتك وجهدك، هذا ليس مدعاة للوثوق بك، الشخص الذي يعيش هذه الحالة هو شخص إما في أزمة، أو في طريقه لأزمة وفي الحالتين عالم البزنس يختار الحذر الشديد، فرأس المال جبان، وصاحب رأس المال شجاع عندما يطمئن فقط.

 

فعلا، هذا المساء من أكاديمية تنس الطاولة أعاد تصويب السياق للحياة التي أريد أن أعيشها.  حياة أجد فيها وقتا لصحتي، ولرياضتي، ونعم، يمكن أن أفرط بهذه الاشتراطات لأسبوع، أو أسبوعين! ولكن عدة شهور متتالية! هناك خطأ في القرارات الوجودية للحياة، وهناك درس يجب أن أتعلم منه، وتصرفات يجب أن أوقفها أو أبدأ بها.

 

أحتجت كل هذا لتصويب السياق، لأعرف أن للجسد حدودا، ويا إلهي الآن أنتبه!

أنا أكتب!

ههههه هذا هو التصويب الحقيقي للسياق! لم أنتبه لهذه الجزئية، أنني أنفقت وقتا طويلا في مراقبة ما أكتبه، وتفاعله، وعلاقته بمنحنى التعلم الكبير بين الكاتب وقرائه!

 

الهدوء، واستعادة الروح الإبداعية، والتفكير خارج منطقة الاحتراق والهلع، عنوان هذه المرحلة التي يجب أن تكون منطقيةً. خرجت من هذه الشهور بخسارات معقولة، ومكاسب جيدة للغاية، مهنيا واجتماعيا وشخصيا. ولكن! لا مزيد من الاحتراق!

 

جازفت بصحتي، وباستقراري النفسي، وربما حتى بعملي التجاري، أن تسير في هذا الدرب نهايتك الخطأ، والحمد لله الأخطاء مقدور عليها.

 

كنت حقا أحتاج إلى تنس الطاولة لأستطيع الانتباه إلى كل هذا. وكنت أحتاج إلى لحظة الكتابة هذه لأعرف أين انجرف السياق، ومتى عاد إلى صوابه!

 

الحمد لله رب العالمين على كل خير وشر ..

 

معاوية 

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

تصويب السياق: صناعة الرياضة/ الهواة أولا!!

 

 

إنه لشيء صعب حقا! أن تصف أسباب شغفك بشيء. والأصعب، أن تبرر حماستك. كيفية ذلك -بكل صدق- لا أعرفها، ولكنني سأحاول. وكيف تتعرض لمواضيع متداخلة لا تخلو من التعقيد. دعني أحاول.

 

صناعة الرياضة اشتقاق من أسئلة أكبر في عُمان. ومن أهم أسئلة عُمان حاليا هو سؤال الاقتصاد العُماني، تعميق مركزه وتوسيع أطرافه. هُنا يأخذنا السياق عن الدقم، وعن تعديل أوضاع الشركات الحكومية، ومراجعة أوراق كثيرة متعلقة بالخصخصة، والحوكمة، وغيرها من المصطلحات التي تمرُّ علينا في الجرائد وقليل منا يفهمها فهم اليقين، ومنها المصطلح الأحب للقلوب الصحفية (الاستدامة) والذي كلنا نفهم منه بشكل ما أو بآخر ملمحا من المعنى له علاقة بالديمومة. لأنني لست خبيرا اقتصاديا نصيبي من فهم كل هذا التعقيد هو فهم الطرف المتلقي للبيانات الاقتصادية، فهم الذي يحاول الفهم.

 

كعُماني، أعلمُ علم اليقين أن التحدي الحقيقي في صناعة الوظائف في عُمان هو التحدي الاقتصادي، عدد السكان المتزايد غيّر معادلات التوظيف في بلادٍ كانت يوما من الأيام ترسل السيارات للولايات لكي تدعو الناس لقبول وظيفة. ومنذ السبعينيات والحكومة هي الجاذب الأوَّل للتوظيف، وما رافق عصر التأسيس والنشأة من اضطرارات، وما جاء معه من ظروف غير نمطية، كتوزيع الأعمار، وأعداد المواليد، فضلا عن تغير إحصائيات كثيرة، معدل العمر المتوقع، دخل الفرد، والتناسب بين القوى العاملة الوطنية والقوى العاملة الوافدة، إلى الثمانينيات، وبدء دخول العمالة الوطنية المؤهلة بشهادات جامعية، إلى سنوات التسعينيات، ودخولنا الألفية الجديدة.

 

وضع التأسيس والنشأة يفرض شروطا مختلفة على وضع الاستمرارية (والاستدامة) والآن، يتجه السؤال العُماني الكبير للاقتصاد. صناعة الدخل العام، والاستثمار، والابتكار، والنقطة الأهم (صناعة الوظائف) كلها الآن تأتي من منظومةٍ مختلفةٍ عن النموذج الكلاسيكي العُماني الذي سادَ في سنوات النشأة الحديثة العشرين الأولى. لصناعة وظائف تحتاج لاقتصاد، وللاقتصاد تحتاج إلى شركات نامية ومنتجة، ولوجود شركات نامية ومنتجة تحتاج إلى بيئة ابتكار، وعدالة في السوق، وحرب على الفساد، ومقاومة للاحتكار، ورعاية للبراعم الصغيرة، ودعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، وجهاز استثمار ناجح، تحتاج إلى ذلك كله فضلا عن استراتيجيات في التعلم، والصحة، وسياسة هجرة ذكية، وضرائب ديناميكية تُرفع على قطاع وتخفض على قطاع آخر، تحتاج لامتيازات استمثارية، وإلى مراقبة للخطط، وتعديل في التنفيذ، وإلغاء بعض الخطط، و الدفع بأخرى، صتحتاج إلى حركة شاملة تكاملية متكاملة قادرة على الدفع بالنمو إلى وصوله لحالة الزخم، وبعدها إدارة هذا الزخم لضمان عدم خفوته، وكذلك عدم اتجاهه إلى ما لا يناسب المصلحة العُمانية العامة.

 

يا إلهي!! كل هذه مقدمة فقط للبدء في السياق الصغير المُشتق من كل هذه التعقيدات الأولى. صناعة الرياضة ملمحٌ واحدٌ صغيرٌ له أهمية وأولوية قد تختلف عن صناعة البتروكيماويات، وقد تختلف عن ميناء الدقم، لكنها كلها تتفق في الهدف الكبير، صناعة بؤرة اقتصادية نامية، ومن هذا النمو تأتي الحركة والاستمثارات وتحريك رؤوس الأموال، وفي النهاية صناعة سوق، وهنا نصل إلى لب الحدث (صناعة الوظائف).

 

تُصنع الوظائف بذكاء اقتصادي، والابتكار والتجديد والتحديث إحدى ملامح هذا الذكاء الاقتصادي. والاقتصاد الرياضي لا نحتاج لوصف أهميته في ديباجة وكليشيهات مكررة، إنه مهم كأي اقتصاد آخر، ومرتبط بالاحتياجات الشعبية والثقافية. ولهذا تبدأ هذه الإجابات بالحلول على الاحتياجات والفجوات الموجودة في السوق، سوق رياضات الهواة التي تشكل جسرا مبدئيا يرمم تلك الفجوة التي تصنعها قلة عدد السكان، وما يشكل ذلك من تأثير على الرياضة ككل. عدد سكان قليل، عدد تذاكر أقل، مرافق لا تعيد مردودها الاستمثاري في وقت مناسب للمستثمرين وبالتالي نعود إلى الدائرة الأولى: اعتماد كل شيء على الدعم الحكومي.

أتمنى ألا يفهم أحد من كلامي أنني أنادي بإيقاف الدعم عن أي رياضة من الرياضات، ليس هذا ما أقوله، الذي أقوله هو أن الدعم الحكومي من الأساس يهدف إلى صناعة نمو في السوق، لا إلى أن يكون هو السوق كله! أي سوق رياضي سوف ينشأ إن كانت فكرة رأس المال الجامد هي سيدة الموقف الاقتصادي؟ كل شيء سيتحول إلى الجمود، وسيقف، وفي دولة قليلة السكان مترامية الأطراف التحدي أصعب وأصعب!

 

الابتكار، والتجديد والحلول الذكية بداية لتغيير معادلات سابقة ومقاربات كلاسيكية حتى هذه اللحظة يظن البعض بها أنها الإجابة. وما نشهده الآن من بداية وصعود لنجم رياضات الهواة قد يكون مؤشرا جيدا على بداية شيء جميل، ولكن أيضا، علمتنا الحياة أن الأشياء الجميلة تنهار، ولا سيما عندما تُخرج عن سياقها، أو تُعامل كإجابة على سؤال آخر.

 

صناعة الرياضة تحتاج إلى سوقٍ نشطٍ متعدد المتنافسين، إلى عدة شركات توسع نافذة هذا السوق، والكلفة العالية للرياضات الاحترافية يمكنها أن تصنع عشرات المشاريع للهواة، ولا أقول أن يؤخذ من هذا ليعطى لذاك، وإنما أقول أن يبدأ مشروع جديدٌ يرفع من القيمة السوقية لرياضات الهواة، ويصنع اندماجا اجتماعيا بينهما. قد يحلو للبعض أن يتوقع أن المالَ يحل كل شيء، وأنه به فقط ستحدث النجاحات الرياضية، ليس بالمال وحده تُصنع النجاحات، الإدارة الذكية، والمهنية، وتحويل الرياضة إلى مهنة معقولة الدخل، بكل ما يأتي مع ذلك من نشاطات، وفعاليات، وشركات صغيرة ومتوسطة، ومعارض، ومنصات داعمة. والأهم: عدة شركات تغطي الاحتياجات الاجتماعية العُمانية للهواة في عمان من أقصاها إلى أقصاها.

 

المشهد الاحترافي العُماني سياق متصل، وينمو، ويسير في مسارِه، والآن ثمة مشهد يتجلى في بدايته، مشهد أتمنى أن يستمر، كما أتمنى أن تنتبه العقول الاقتصادية إلى نشأة هذا السوق، فارتباطه الوثيق مع المجتمع، ومع نزعته المحبة للرياضة، فضلا عن القيم التربوية، والثقافية، وقيم النجاح والتنافس الشريف، كلها قابلة للتحقيق بتكاليف معقولة للغاية، ومتى ما اتجهت العقول الاقتصادية، وبدأ رواد الأعمال في نقل مشاريع الهواة لديهم إلى مستوى أعلى، يمكننا أن نقول أن نشأة هذا السوق في طريق التوسع، ومع هذا التوسع تأتي صناعة الوظائف، والمهنية، والربح، وضرائب للدولة، ودخل للناس، وفعاليات في المحافظات، وكل ذلك نشاط اقتصادي سيعود بمردود كبير. رياضات الهواة بداية اقتصادية موفقة، وهي تحتاج إلى شركات كثيرة، ورواد أعمال أذكياء، ومغامرين حكماء، والأهم، تحتاج إلى روح تؤمن بهذا المجتمع، وعقل يجيد التعامل معه.

 

لا المشهد الاحترافي يلغي رياضات الهواة، ولا رياضات الهواة تلغي المشهد الاحترافي، التكامل الذي سيحدث بين هذين العالمين المتوازيين سيحدث بعد سنين، عندما يصبح الهاوي محترفا، وعندما يصبح المحترف المعتزل هاويا، كل هذا سيحتاج إلى جهود، وسنين ليحدث، وما دامت الفكرة قد بدأت، عسى أن تستمر، وتثمر، وتربو، وتتحول مع الوقت إلى مشهد اقتصادي نافع للبلاد، وللمجتمع، ولكل أصحاب الأفكار المبتكرة الذين قد يحققون ذلك الحلم القديم، أن تكون (الرياضة) مهنةً ذات مردود كافٍ لبناء مستقبل لاعب مجتهد، ليس اليوم ربما، ليس غدا، ولكن بعد سنين! هل سنقول أن هذا كله بدأ من فكرة بسيطة؟

 

عسى!