بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 نوفمبر 2018

عشر سنوات من التربص



 يااااه كم أخذ كل هذا وقتا ليتم. وكأنها لحظةٌ من لحظات قاطع طريق لا لحظاتِ كاتب هذه التي أصلُ منها إلى هذا المنزل الأول. هذه المدونة التعيسة التي ستحوي مصيري النهائي، والأخير ربما.
آخر ما يتوقعه المسافر بعد وصول غياب طاقة السفر والبقاء وقلقه إلى الوضع الجامد الذي يشبه كل شيء آخر. وهذه اللحظة تشبه كل شيء آخر، محطمة، وبائسة، وعنيدة وتعيش في الماضي الذي ترفض الخروج منه.
كابوس جديد أخرجني من النوم. والنوم سيد الأفكار القلقة، وقاهرها. ستثمر الكلمات بعد كل هذا الرماد. وسأكون هنا وقتها.
لم تحسم المعركة. وإنما النزال هو الذي بدأ بكل ألوانه الناعمة والخشنة. سأنام لأكتب غدا، عدا ذلك لا سبب منطقي لدي لأمارس النوم مطلقا!

برمنجهام
نوفمبر
2018


الخميس، 23 أغسطس 2018

لا شيء في رأسي



 بعد نهارٍ كاملٍ من الشعرِ والكلمات والأوزان. لا شيء في رأسي! هكذا هو رأسٌ كما كان وكما ينبغي عليه أن يكون. أم الضباع المجنونة افترست ما شاءت ونالت من الخيال، والآن لا رائحة للعطر في الكلمات. الحروف جافّة كالصحراء أي لعنة أنت أيها الشعر!
في لحظة الشعر يسكب العطر نفسه على الأفكار والمشاعر. حتى تلك الغاضبة المتوترة تفوح متناثرة بين المجاز والآخر.
كان يوما غريبا حقاً. والعودة للكلمات دائما تدهشني كأنها المرة الأولى.



الاثنين، 13 أغسطس 2018

إنها زنزانة أكبر!



تغيرت الجدران والسجن واحد! هذه الحقيقة المرّة التي لا أخشى قولها في حضرة الكلمات. أعلمُ من أكون وما أكون، ومن اللحظة الأولى التي قررت فيها الهجرة من الحياة الاجتماعية ذهبت إلى أقصى الخيارات الحادة. تغيرت الزنازين، وتغيرت الأماكن لكنني لم أتغير. الآن فقط أفهمُ الذي حدث، وأجيب بذهنٍ شاحبٍ على أسئلة كانت في الماضي مؤرقة وصاعقة. شعرتُ مبكرا أن الحياة غير مهمة، يؤسفني الاعتراف بذلك. لم أكن أطبق ذلك في حياتي، ولكن مع الوقت بدأت اللعنة في الاستفحال، وبدأ الحبر في التسرب في عروق الحياة ليُطفَأَ ماءُ دمائها الأحمر بماءِ الكتابة الغامق الصادق.
الأشياء واضحة تماما! ولا أسئلة كبرى، أيام تمضي وبعدها أيام تأتي. لم أعد الشخص نفسه، أعلم ذلك جيدا. هذا الكائن الهادئ الذي أصبح يحب الصمت غريب عني كليا، لكنه في النهاية والبداية أنا! وللأسف صرت أعرف جيدا من أكون! لم تعد هناك غيوم تمنع سقوط خلايا الذهن الساطعة على مشاكلي.
مشوش للغاية، وكلمة ضياع مجرد عذر بائس لوصف كل هذا العدم المحيط بي. لكل إنسان سجن، وأجمل السجون تلك التي نختار الدخول لها طواعيةً!



الأحد، 12 أغسطس 2018

الانتماء إلى أيامك



 طنينٌ مُشوَّشٌ يتوالدُ تلقائيا من نفسِه. مرّت عدة شهورٍ من الوحدة واللوعة والفراغ والفراق، لا سيناريو آخرَ يبدو في هذا الأفق المغلق. الجدران، والنفس الكسيرة وهذه الأفكار التي تتلاطمُ في الذاكرة والوجدان تخرج من جدران الجمجمة شاحبةً عمشاء بعينٍ نصف مغمضة، هل وجبَ الانتماء إلى أيامِك الآن يا رفيق جمجمتي التعيس؟


الأربعاء، 25 يوليو 2018

أغسطس القريب!



 متى سأكتب؟ هذا هو السؤال الذي لا أتوقف عن سؤاله. كلما جئت لأتحرش بالمساحة البيضاء أجد نفسي في شلّالٍ من أعاصير النفس، غضبٌ حادٌ صافٍ قانٍ واضح المعالم صارخ الكلمات. سكين بمعنى الكلمة! ومرة أخرى أسأل نفسي: هل الكتابة وسيلة حقا لتفريغ الغضب أم لصناعته من الأساس؟ المسلمات الأولى الحمقاء التي يعلكها كثيرون ليست صحيحة مطلقا، أن [يفرغ] الإنسان مشاعرَ ما لأنه يشعر بها هي ليست أكثر من محاولة للتحايل عبر التشبيه، في الحقيقة النفس موضوع ديناميكي متحرك أكثر تعقيدا من فكرة الدخول والخروج، أو الاحتقان والتفريغ. لذلك لا أتساءل الآن عن شيء ما سيخرج من رأسي بالضرورة، أو جمجمتي وفق تعبير آخر، وإنما أتساءل عن اللحظة التي ستتفاعل فيها خلايا دماغي مع هذا الكوكب مجددا. ليس في قلبي سوى الغضب الشديد والشعور المرير بالغضب على النفس نتيجة أشياء كثيرة متراكمة. مع الغضب على النفس يأتي الآخر أيضا متجليا في أقبح حلله، الماضي الذي لا يمكن أن يفلت منه الإنسان. من هذا الذي اخترع الكليشيه الأحمق عن النسيان والغفران؟ هؤلاء الحمقى لا يكتفون بالوهم لنفسهم فقط ولكن يمررونه لتصبح مقولة أخرى بدون قائل، حقيقة جديدة من الحقائق دون اختبار، كالكتابة بشكل أو بآخر، نداء غامض من الأماكن المظلمة والساطعة في الروح، وماذا بعد؟ لا أحد يعرف كيف سيكون شكل الكلمات غدا، الإنسان يفهم مشاعره بشكل أو بآخر لكن الكتابة شيء آخر، أبعد من فهم النفس، خارجها وتكاد النفس أمام الكتابة أن تكون شيئا من أشيائها، حتى حياة الإنسان الكاتب تنعجن في عجين معركة تجربة الحياة حتى تبقى الكلمات فقط. من قال أن الكلمات قدر جميل؟ من هؤلاء الحمقى الذين فرشوا طريق الكتابة أمام الآخرين بالورود؟ أي كتاب فاشلين هؤلاء الذين يظنون الكتابة جميلة؟ والذين يظنون أن الكتابة شيء يُنال أو يوصل إليه، نقطة في الطريق. من هؤلاء الحمقى الذين وضعوا هذه القوانين؟ لماذا كل كتاب الأرض العظماء لم يتبعوا هذه القوانين؟ هناك سبب ما تعرفه الكلمات، والكلمات صفقة لعينة، إن أعطيتها كلَّك فربما تمنحك بعضها، صفقة بائسة من البداية وكل من يدخله يعرف جيدا الدرب القادم من الخسارات، هذه أسرار الكتابة الكبيرة التي لا يتجرأ كاتب على فضحها، خساراتها، ومآسيها وتضحياتها. الباقي سيتجلى في شكل من أشكال الاعتراف أمام الآخر ذات يوم، الكتابة درب لم يبدأ يوما، درب المشي في الخطوة نفسها مرارا وتكرارا، الكتابة استباق الخطوة الألف بتكرار الأولى ألف مرة. الكتابة شيء ما غريب ولا أفهم حقا ما معنى أن يكون [سين] كاتبا [وصاد] غير كاتب، الجميع يكتب، الكتابة من حق الجميع؟ أليس كذلك؟
أفكر بالكتابة فقط ولكنني لا أكتب. عقلي حصن نفسه وتعوذ مني. مشاعري هائجة يمينا ويسارا، غاضب ونقوم والحسرة التي كنت أظنها حزن من الغفران أصبحت سما من سموم العدوانية. إلى أين ستذهب بنا الكلمات؟ وهل من الحكمة أن تكتب أصلا وأنت غاضب على كل شيء؟ لا أعلم توقيتا مناسبا لأكتب، أعلم أنني أكتب بلا توقف. لكنني حائر، حائر للغاية، حائر ومرهق إلى الدرجة التي تجعلني الآن فقط أفهم لماذا كتبت هذه التدوينة.

يا أنتِ أيتها الكلمات؟ أي لغز تعيسٍ أنت؟


معاوية
24/7/2018

السبت، 21 يوليو 2018

لا تكن نفسك!



 ربما عندما تكتشف نفسك؛ تجد إنسانا لا يعجبك، فما الحل؟ أقرب الحلول الحمقاء التي تعالج المشكلة بمشكلة أكبر أن تخفي المشكلة عن الجميع وبالتالي تعيش حياة شبحية قد تفتك بك وبوعيك وقد تؤول بك إلى مهاوي الجنون. عندما تكتشف إنك شخص غير جيد ببساطة لا تكن نفسك!
هناك أشياء تعالج بالتوقف عنها؛ تركها بعيدة عن الاستفحال يشكل علاجا نهائيا لما يمكن أن تصل إليه من نهايات مؤسفة. الحياة من طبعها أن تملأ الإنسان بالحزن هذا شيء طبيعي؛ إلا أن قدرة الإنسان على أن يتحمل قلق الأشياء الرديئة والصدئة في معدنه أيضا تطرح التساؤل. في نهايات الأشياء السيئة يتحول الإنسان إلى قاتل وسفاحٍ وربما يصبح دونالد ترامب! نعم! هناك نهايات للأشياء السيئة؛ ولكن عندما نتحدث عن أشياء كلنا نعلم نهاياتها فور أن تبدأ، عن أحداثٍ يمكنها أن تجعلنا نرفضها بسهولة بالغة مثل فكرة القفز بدون مظلة على قماشٍ مطاطيّ، هناك مساحات تجعلنا نرفضُ هذه الخطر فقط بعد أن نعلم أن قلة في كوكب الأرض فعلوها. هل الشيء نفسه يتعلق بنا؟ بنا وبذواتنا الرديئة التي يمكنها أن تفعل الكثير من الأشياء السيئة؟
الأمر لا يتعلق بالنفس السيئة، ولكنه يتعلق بالأفعال السيئة. يمكنك أن تنوي إلى أن تشبع الكثير من الأشياء السيئة، الشيء الوحيد الذي تفعله بذلك هو غرس استعداد لفعلها في نفسك؛ ولكن فعليا حتى تفعل كل تلك المحفزات القبيحة في عقلك أنت تحتاج إلى ظروف أكثر تعقيدا لكي تصبح واقعا، مثل ما يحدث للجندي عندما يجد نفسه وجها لوجه مع عدوه؛ هناك لا مساحة للتأمل الإنساني وإنما تحسم ضغطة الزناد موقف الحياة من الموت! خارج هذه الميادين المعركة أقل تعقيدا بكثير؛ ربما لذلك يميل المسالمون إلى حل مشاكلهم بسرعة أكثر من هؤلاء غير المسالمين أو هؤلاء الذين يمارسون العنف الجسدي أو الإيذاء للآخر. النفس  السيئة واحدة سواء كانت توسوس لك أن تمارس الضرب والتعنيف الجسدي على شريكك العاطفي؛ أو تلك التي تجعلك تقطع يدك بالموس وأنت تجتر ما يمكنك اجتراره من بقايا دماغ مرهق لم يعد يمنحك أي استقرار أو سعادة، هي نفسها في الكيفية التي تبدأ فيها وفي الكيفية التي تنتهي فيها. الذي يؤذي نفسه يحول كل الظروف التي حوله إلى ظروف سالبة تجعله دائما يعود للخلف، ومن ضمن هذه الظروف النوع الآخر من البشر وهم الذين يؤذون الناس؛ هؤلاء يتعلقون بالمازوشيين تعلق القراد ومن هناك يجدون فرصة للتطور أكثر وأكثر في إيذاء الآخرين. فكرة إيذاء الآخر لا تتعلق دائما بالعنف الجسدي؛ هناك ما هو أشد عنفا من ذلك ألا وهو العنف المعنوي. البعض يجد كراهية هائلة في نفسه لأشخاص يمارس القرب منهم بشكل هو لا يفهمه؛ هؤلاء أيضا يبقون معه ربما للسبب نفسه ولكن في النهاية الأحداث هي التي تفرض المنطق بين الطرفين. من الصعب أن تتحدث عن نفس سيئة وأنت نفسك تعززها بالحديث عنها بالسوء؛ هنا فكرة دائمة التكرار بين المسوخ يظنون أن إيذاء النفس سهل وبالتالي لا يؤذون أحدا لكن عدم تعاطفهم مع ذاتهم يعكس أيضا غيابا للتعاطف البديهية مع الآخر، وكذلك هؤلاء الذين يحبون أذية الآخرين، يصنعون كل الظروف الممكن لإبقاء أنفسهم بعيدا عن أي شيء جيد يمكن أن يعزز في ذواتهم فعل الخير، هؤلاء يهربون من الحب وهؤلاء يهربون من الحياة، والذي يؤذي الناس يؤذيه الحب بشدة، ولا سيما هؤلاء الذين يحبون تدمير العلاقات الطبيعية للبشر، مثل تلك المراهقة التي تدفع أخرى للتمرد ضد عائلتها لتجد رفيقة لها للهروب من المنزل، الأشياء تبدأ مبكرا أحيانا من حيث لا نستعد لها، مثل اكتشاف صديق حولك يسرق المال من خزانة المنزل؛ هناك تبدأ الأشياء بالتبلور بعد حدوث المرة الأولى والباقي خاضع للظروف وللسلوك أو في الأحوال النادرة التي يتدخل فيها المجتمع لإيقاف سلوك سيء.
في ختام ما أريد قوله؛ إن اكتشف إنك شخص غير جيد؛ لا تكن نفسك، ولا تخفها. عندما تسمح لنفسك ألا تكونها ستسمح لنفسك ألا تخفيها وهناك يمكنك أن تعالج أشياء كثيرة، لكن ألا تكون نفسك وأن تخفيها فهناك ما تريد فعله بها، ولذلك أقول لك أن الخلاص لن يأتي بسهولة؛ سيأتي باعتراف هائل ومرير؛ ولكن النتيجة تستحق. إن كنت تعرف نفسك جيدا وترفضها؛ لا تكنها! هذا هو الحل باختصار واصنع إنسانَك من جديد، هناك دائما مساحة للتوقف عن الحماقة!

معاوية

الأحد، 8 يوليو 2018

من أجل هذه اللحظة البيضاء!



 كل تلك الحياة! والصراعات! والانتقامات الشخصية! والمجابهة المتهورة مع الهوية السابقة ! هجرة المجتمع! الحياة في بلاد جديدة! المغامرة ببداية في لغة أخرى! مواثيق الخلاص! التدوينات المرئية! مقاطع ذلك المعاوية الرواحي التي تعبر من هاتف لهاتف! لحظات الجنون! التنظيم الشيوعي! ثنائية القطب! اضطراب الشخصية! الوثبة! والرحلة الأخيرة إلى النيبال!

حديث كثير لكي أتمكن من العودة بهدوء لنقطة البداية هذه. المدونة! وقد يبدو صراع كاتب مبتدئ من أجل الحرية شيئا من الكليشيهات الاعتيادية التي قد يزعم أي كاتب الانتماء لها؛ لكنني أنتمي للكتابة! أنتمي لها بشكل مطلق يجعلني أتساءل في لحظات عودتي الأولى إن كانت حرية الكلمات تستحق كل تلك الحياة التي عشتها، الحياة التي ألف وأدور عليها في كل كلمة أكتبها محاولا إنقاذ تفاصيلها من كوابيس الذاكرة الأخرى؛ فالذات ليست الكابوس الوحيد الذي يجب أن نخاف منه؛ يمكننا أن نخاف من الخوف! أن نقلق من جبننا عن التعبير عن رأينا الخاص وقت الشدّة؛ فحرية التعبير عن رأيك ليست فقط في الشؤون العامّة كما يوحي البعض إلى بعضه زخرف القول غرورا في عمان، هي حرية أن تقول رأيك أيضا عندما يكون رأيك حقا لك. كل ذلك الصراع الآن يلقي رماده الأخير على ساحة المعركة حيث تتجمع الرمال على الدروع والجثث الميتة؛ لا أصدقاء، لا وطن، ووحدة طاحنة! أي نصيب من صفقة الحياة والكتابة يصنع نفسه الآن في هذه الرابعة من الثلاثين العتيدة؟ كلها أسئلة تستحق الضياع، والكتابة أول الأسئلة الجسيمة!
كثير حدث وكثير فعلته للوصول إلى هذه اللحظة البيضاء؛ لحظة الكتابة الصافية. هنا ساحة الملاكمة بدون قفازات؛ هنا تقفز الكلمات للتاريخ لكي تضع معناها أو لكي تضيع في عشوائية اللامعنى وسدم التفسير والتأويل، كثير حدث لكي أصل اليوم مرهقا إلى هذا الميناء البعيد؛ وكأي بحار يصل إلى أرض المعنى، يقضي بعض الوقت في أسئلته، وهذه أسئلتي، هذه كلماتي، هذه ألحاني.
فعلت الكثير من أجل هذه اللحظة البيضاء، أكثر مما ظننت أنني سأفعل؛ وبعد كل هذا الركام والحياة الضائعة والكراهية والجنون والمرض والعزلة والوحدة الخانقة؛ ها هي الكلمات تولد جزافا من الظلام؛ كأي شمعة تحاول تفسير المكان الذي حولها بعين حارقة؛ تبدأ الكلمات وتواصل الأفكار لعبتها الأزلية وبينما يحدث العالم أجمع، تتلاطم الكلمات مع نفسها، والأفكار مع الأخرى؛ والشخوص مع الشخوص لتولد ورقة الكتابة البيضاء الأولى ومعها نقطة بعيدة جداً لم يئن أن تحدث أو أن تكون.


معاوية الرواحي
8/7/2018

الخميس، 21 يونيو 2018

يوميات اليوم الشاحب



 كغراءٍ وطحين، هكذا اللغة في وعي لحظة الكتابة هذه. بدأت قصتي مع الكتابة مبكرا ولم تكن الحكاية جميلة في البداية، ساعات متتالية، وساعات، وساعات من نحت الجمل بالكلمات، والكلمات بالحروف لأصل في النهاية إلى ثلاث ورقات كنت أظن أنها ستحتوي رواية. ساعد خطي السيء للغاية حياتي الأولى في الكتابة على التعاسة؛ لذلك لجأت للشعر، فهو من بين كل أنواع الكتابة لا يحتاج إلى سرعة، وكذلك فإن طبيعة الشعر أن يعيد صياغة نفسه بسبب الوزن على الأقل، وإن لم يكن الوزن فبسبب التعديلات الكثيرة التي تغلب على لحظات كتابة الشعر. اليوم يوم كتابة، ولا أعرف كيف سيكون، فمن جهة سئمت من إعادة تفسير الماضي، ماضي حياتي الشخصية، وقد لا يفهم كثيرون الأسباب التي تدفعني إلى فعل ما أفعله، البعض يختار التفسير المرضي كحل نهائي ومنها يحاول علاج مرض ما في الكلمات، والمرض لا يصيب الكلمات، يصيب الأسلوب، ويصيب منهج التفكير والطرح، ولكن الكلمات بريئة من الأمراض، إنها أدوات الفكرة الرئيسية، وكذلك نواقل الشعور الأولى، وهي مسببات للفرح والتعاسة، لكن أن تكون الكلمات نفسها مريضة! أشعر بالحزن عندما يجزم أحدهم بهذه كحقيقة! ومن جهة ثانية البعض الآخر يتولى [الحساب] والعقاب لي باستخدام الكتابة، أو غير ذلك، وهناك غالبا يتفاجأ بردة فعل هائجة دون أن يفهم، ما هو السر الذي يكمن وراء كل هذه الحكاية.
أعلم أسراري جيدا؛ لذلك لست مهتما كثيرا بالحياة الاجتماعية كانت أول القمصان التي أحرقتها استجابة لنداء غامض في الذات أصبح الآن واضحا مثل الكلمات التي أؤمن بها. في بداية الدرب، لم أكن مدونا. كنت أحد هؤلاء الذين يحبون خياطة الكلمات الجميلة لستر عورات الواقع الرديء. لم تكن القضايا الكبرى في منظوري قضايا تُخْدَم وإنما قضايا تُفهم. القضايا الكبرى مثل الحرية، أو الكتابة، أو حقوق الإنسان، وأخرى مثل الوطن القوي، أو المجتمع السوي هي أحلام كبرى تُستحق أن تُعاش؛ ولكن هل كل الأحلام الكبرى تستحق حياتها؟! هنا يأتي السؤال بعلامتيه، واللحظة الراهنة هي آخر ما يهتم به الإنسان، لذلك، ولأنني أعلم نداءاتي الغامضة جيدا، عرفتُ أخيرا المصير متأخرا، في الرابعة والثلاثين تبدأ الحياة. والكتابة ليست الآن محاولة لستر عورات أي شيء، وأي شخص، وأي فكرة، تبقى الكلمات هي الوسيط الصافي لهذه الأفكار والنداءات الخفية التي تحفل بها النفس البشرية، هذا سؤال يستحق الحياة من أجله لا الوطنية العمياء التي تقود للكوارث وكذلك لخسارة الذات وإنهائها.
ماذا سأكتب بعد؟ منذ عشرين سنة وأنا أقول لنفسي، الكتابة تبدأ اليوم وهذا خطأ كبير! الكتابة تبدأ الآن، تبدأ من اللحظة التي تقرر فيها التوقف عن الوقت الميت لتتحول إلى هذه الحالة الوجودية التي هي وراء الوقت وأقوى منه نظريا. ملاحقة الخلود أحد أوهام الكاتب السخيفة الكبرى، فما هو الخلود؟ الخلود هو أن تبقى مختلفا حولك للأبد ويصنع الخلود حقا الخصوم لا الحلفاء، فالحليف موضوع حياة أما الخصم فهو موضوع موت، لذلك لا أفهم عندما يخرج البعض الكتابة العربية من هذا السياق التاريخي القديم، لكي يعيدها إلى المهمة اليومية، أو المهمات الزمنية البسيطة مثل هذا الذي يكتب فقط لأنه يدرس تخصصا ما، ويجب عليه أن يكتب. وجوب الكتابة الوظيفية يفيد الكلمات، فأنت ربما كطالب في تخصص ما تستفيد من إلزامك بالكتابة هذا إن لم تكن مهووسا بها، ومهووسا بالكلمات،  وبالتالي فإن الحياة لا تعني لك شيئا كبيرا، لكن إن لم تكن من هؤلاء، يبقى أنك تمارس كتابة ما لن تعرف كيف ستؤثر على النداءات الغامضة التي بك. الكلمات لا نهاية لها، مثل الأفكار، مثل حياة البشر في هذا الكوكب منذ أن بدأت اللغة في لعب دورها الغامض بين الشعوب والحضارات بعدما أدت [هذه الأسماء كلها] عملها مع الفرد ونفسه الغامضة.
دون حبر، هذه مدونتي الآن. ستحمل حياتي في الغربة، وسأودع فيه أثمن الأفكار التي كنت أتمنى لو أستطيع نشرها في كتب ورقية، فات ذلك الزمان الذي كنت فيه كاتبا في بلادي، وأقابل فيها قرائي سنويا في معرض الكتاب، هذه أكبر الخسارات التي حملتها معي إلى أرض الحرية، والحرية للأسف حتى مع معانيها العظيمة ليست أكثر من قانون وضعه البشر، ويحميه البشر، ويطبقه البشر؛ فبهذا المنطق الشاحب، أحمل كلماتي هنا دون حبرها، [لا بدونه] .. وإلى أن يحدث ذلك، لدي الكثير من المختبرات الكتابية، وكذلك التدوينات العدائية التي سوف أرسلها نوازل على أشخاص محددين، فاللعبة التي عشت فيها لا أستطيع الخروج منها، وحتى عندما أحاول الخروج، يقفز لك هؤلاء الذين يذكروك بالمعارك الكتابية، ومعارك الرأي العام. مضحك كل هذا المشهد الشاحب، أمارسه وراء لوحة مفاتيح متسلحا بأدواتي، يمارسه الآخر هناك متسلحا بمنظومة كاملة من الأفكار الاجتماعية، والآن أين المجتمع وورقته من ألعاب الخصوم! هنا يظهر لنا الفارق الهائل بين كاتب الأفكار،  وكاتب الأحداث، وكاتب الشخوص، كاتب الأفكار لا يمكنه أن يهرب من الاثنين اللاحقين، وكاتب الشخوص إن لم يلتزم بطرح منطقي، سيتحول لموضوع إلى جلد موجع. ولكن هل هناك أي جلد صار يجدي؟
كنت أكتب بحس شاعر، وعشت أجمل سنوات حياتي وأنا أكتب بحس الشاعر، أفكر يوميا بالكلمات حتى ربما صرت أجده صعبا للغاية أن أفكر بدون صوت الأزرار الذي يصنع الكتابة أمامي. الآن، لست أعرف بالضبط مقدار [المسخية] التي تحولت لها، لكن كحقيقة بديهية أولى، لم أعد صاحب رحمة، أو تقدير، أو حتى تفاهم أو تآلف اجتماعي بسيط. جئت من حياة تختلف عن حياة الكثيرين الذين عاشوا خوفا من الخطأ الأول، وجميعنا نعرف أن عمان ليست بلاد الفرصة الثانية، لذلك، أتساءل كيف سيكون وقع الكلمات والكتابة، وهي الأقوى والأخطر من كل الهراء المرئي الذي يفيد ويثقف ويعلّم المرسل والمستقبل على حد السواء. الأمر أكثر شراسة بكثير الآن، وأصبح من ضمن الأيام العادية وجود سجين صديق، أو وجود كاتب الكتروني آخر في ورطة، أو أن يموت حسن البشام في السجن.
يموتون ويعيشون وهم يكتبون، أجمل حياة وأكثر موت صعب على النفس، مثل هذه العودة الشاحبة للكلمات، بعد أن أصبح كل شيء مرهقا ومتبعا، وبعد فصول طويلة ختمت بأقبح بشكل ممكن من أشكال الانفصال والتبرؤ، يموتون ويعيشون وهم يكتبون ومعهم في نفس الحياة كائنات عدوة لحريتها، عدوة لنفسها، عدوة لحقيقتها ورافضة لنفسها، مثل أي كاتب يكتب باسم مستعار في عمان، يقول أنه ينتصر لذاته لكنه يكفر أول ما يكفر بكلماته، كل من يخون الكلمات لا أمان له، وكل من يخون الكتابة سيبقى بلا أصدقاء، هذه الصفقة المرة للحقيقة والكلمات، ولا ألوم أي شخص يترجل عن حصانه ليمشي مطأطئا رأسها للأبد لأي شمس حارقة، أو أي عاصفة رملية، هؤلاء أيضا يعيشون الهزيمة، بعضهم نبلاء ويعيش هزيمته لوحده، وبعضهم لؤماء ويلزمون غيرهم بهزائمهم.
يموتون ويعيشون وهم يكتبون. لا أعرف كيف سأجمع كل هذه الأفكار التي صارت جزئا من كياني، كانت مشاعر ذات يوم لكنها عندما جفت كما تجف الشموع في قوالبها، أصبحت أفكارا واضحة المعالم، لا رحمة فيها، لا قلب، لا وجدان، لا مشاعر، لا نفس، لا روح، لا شيء سوى الكائن الذي يحاول التنصل من نفسه لأقصى حد وفي أسرع وقت ممكن. عامٌ مضى، بكل ما فيه ولم تفعل الكلمات فيه شيئا، كانت لعبة أحداث وشخوص، والآن، عندما جاءت الكلمات، أتفهم لماذا تشكل رعبا للكاتب وللقارئ، لا شيء بدأ الآن، لا الحرية والحياة، بدأت الكتابة، وكما قال سعيد الهاشمي ذات يوم [لا تجعلوهم ينتصروا مرتين] ..

وكل إنسان في العالم، يحق له الدفاع عن ذاكرته، وحقيقته، هذا هو الشيء الذي لن يفهمه أي إنسان ينظر للحرية كشي ترفي جانبي، أو ينظر للكتابة كشيء من أشياء الحياة. الحياة مجرد شيء من أشياء الكتابة، والكاتب الحقيقي هو فقط من يفهم ذلك، ويؤمن به، ويلتزم به، ويقبل خساراته، فأهلا، أهلا، أهلا، أهلا أيتها الكلمات.

ماريو الرواحي


السبت، 23 ديسمبر 2017

ندّاهةٌ اسمها الإنترنت


 هناك في الليل البهيم هذا، نداءٌ من كائنٍ غامضٍ من الصعب جدا أن تتركه. أكمل في معركتي مع مواقع التواصل الشهر الخامس دون انقطاع حقيقي يذكر. تتغير الحسابات فقط، ولا يتغير ما يسمى [بالتواصل] الذي أصبح السمة الغالبة على وجود كثيرين في كوكب الأرض، وللأسف كنت من هؤلاء، في خيار مبكر لم أحسب حسابه جيدا.
مع ذلك، لا يجب أن أشتكي. قطعت شوطا جيداً، عاد لي ما يقارب العشر ساعات من وقتي يوميا. وصار التواجد اليومي مقتصرا على الواتساب، والقليل من الرسائل هنا وهناك. الفيس بوك، يشبه نهاية علاقة سيئة مع شخص يضرك لكنك تحبه كثيرا. شخص يضرك بحكم وجوده، هذا هو الفيس بوك هو وخوارزمياته المحدودة ونصوصه البرمجية الكثيرة، وبنوك البيانات الضخمة التي يعيش عليها، نحن طبعا!! لا أحد يمانع أن يعيش الفيس بوك علينا، يبدو أن الفيس بوك هي الأداة المثالية لكي تثبت أنك على قيد الحياة. مع ذلك لا يجب أن أشتكي، قطعت شوطا، وباقي شوط قليل.
الأمر ليس سهلا بعد سنوات. لكنه يصبح واضحا عندما تكون كل أجزاء الحكايات المترابطة موجودة في مجموعة تغريدات، أو منشورات، أو تدوينات. قلت لنفسي مليار مرة، أن الفيس بوك ليس صديقا للكتابة ولو كان صديقا لها لما وضع لها [تايملاين] لتعبر كما تعبر أي لوحة في مطارات حملت رقم رحلة ربما وصلت الآن، ونسيت [اللوحة] لا الرحلة نهائيا بعد أن تحقق غرضها. [توصيل] المعلومة.
من ضمن الفضائل الصغيرة لهذه المواقع السرطانية اللعينة، أنها تجعلك مطلعا ثانية بالثانية على ما يحدث في العالم، أو في حياتك حتى، لست بحاجة ربما لمعرفة ما يحدث في كل مكان، لكن المكان الذي أنت به يخبرك تلقائيا بالكثير.
عدت لهذه المدونة، هذا شيء جيد. التدوين يجعلك تجمع الأفكار المتناثرة في نص واحد، كانت له ميزة كبيرة من البداية لا يجب أن يغفل عنها مدون. نداهة اسمها النت جعلتني أستيقظ شوقا لمكان اسمه الفيس بوك، فيه أصدقاء جميلون أشتاق لهم.
خارج الفيس بوك، الصداقات التي ما تزال ما هي، صداقات حقيقية. أما داخل الفيس بوك، فنحن في نداء مستمر، وإشباع معنوي دائم ومتواصل. استثارة شعورية كبيرة وعميقة، ترى صورك كثيرا، وحتى عندما ترى صور غيرك ترى [سيلفيات] لهم، مرآة عاكسة وشفافة عندما تشاء. وبمجرد وجودك فإن روابطك السابقة تجذبك إلى عالمك السابق، حتى عندما تنشئ حسابا جديدا، برقم جديد، وبإيميل جديد. يا له من عالم لزج جدا هذا العالم الأزرق. صعب الخروج منه، وسهل جدا أن تعود له وأن تدخل فيه.
أحتفل بعدة شهور بدون فيس بوك. هذا حقا يستدعي الاحتفال. أتمنى أن أقول الشيء نفسه عن تويتر، وعن مواقع التواصل الأخرى. تعبت من هذه النداهة التي اسمها الإنترنت، مثل الزوجة السيئة التي لا تصبر لتتخانق مع شريكها فتوقظه من النوم لتصرخ في وجهه وتسممه بكلام قاسٍ وتعود هي للنوم هانئة وتركته ساهرا، هذا هو التشبيه الذي يصف علاقتي بمواقع التواصل الاجتماعي، ولست حزينا أنني وصلت لهذه الخلاصة، أنا حزين لأنني في مدونتي، وأكتب كأنني لست في بيتي، لطالما كانت هذه المدونة بيتي. ، لا أعرف لماذا تركتها؟




معاوية الرواحي
أولدبري

23/12/2017 

الاثنين، 28 أغسطس 2017

لا أشعر بشيء!


 عمري 33 عاماً، ما زلت أكابر أن العمر لم يمر بدون جدوى. أفتح الماضي وأرى ما به، أعلم أن هناك شيئا ما خطأ! لكنني أتجاهل، وأعود لهذا الصمت، ولا أشعر بأي شيء.
لا أشعر أنني متهور، أو أنني فعلت شيئا جسيما عندما مارست فعل الصدق القبيح علنا، كذلك لا أشعر بالندم على كل الحيل المتهورة التي كنت أحاول يائسا بها حصار ما بقي من الحقيقة، في مكان. لكن لا المكان خلاص، ولا الغربة عزاء. لا أشعر بشيء، لا أشعر أنني في حياة مختلفة أو غير عادية، كل شيء عادي، الأيام تمضي، والعمر يمر!


برمنجهام
أغسطس

2017

الاثنين، 21 أغسطس 2017

المنزل بدون كهرباء!


 من ضمن الأيام المضحكة لصانعي الشموع، أن تقلق ذات يوم على غياب الإنارة في منزلك تحت أي ظرف. بدءا من تلك المشية المظلمة العشوائية في الظلام، في الطريق من زر الإنارة إلى السرير، أو وجود ضوء بشكل عام، تستدل به على ملامح المنزل الشبحية وهي تسلم أشكالها مندمجة مع الظلام. من ضمن أيامي المضحكة، أن تنقطع الكهرباء، مباشرة بعدما أعددت الشمعة الأولى، لذلك، لا أستطيع في أي سياق منطقي ممكن أن أكون قلقا!

الشمعة جيدة، ولكن لا يبدو الخيط مناسبا لها. اضطررت لشراء خيوط جاهزة بدلا من تجهيزها بنفسي وتشميعها واختيار أطوالها بنفسي، خطأ لن أكرره بعدما تجاوزت الوقوع فيه في بداية صناعتي للشموع. مع الوقت، ستتناسب الشموع، مع القوالب، مع الخيوط، مع المدد الزمنية للاحتراق، والأهم تناسب [الوعاء/ الشمعة] مع العطر الموجود في جسد الشمع. إنها حكاية طريفة، صناعة شمعة ذات عطر جميل، وليست مهنة سهلة للغاية، بسبب العناية اليدوية المباشرة بكل شمعة على حدة، وكذلك التعامل مع الشمع الخام والتذويب، حكاية تحتاج إلى منزل تملكه، أو إلى مكان به سعة لكي تصنع كميات جيدة، ولكن هل الكمية مهمة في الشموع. شموع الإنارة لا تحتاج إلى [دق طبل] لكي تصنع، الشموع المعطرة هي الصداع، والمضحك أن الصنعة في الشموع المعطرة كلها عبارة عن هدية، فلا تعتبر قيمة الشمعة ماليا مكلفة مقارنة بالعطور التي تجعلها جميلة الرائحة، قمت اليوم بشراء عطر بينوكلادا، آمل أن يكون جميلا عندما أعود لصنعه، ولكن متى؟؟ فقط فقط، بعد عودة الكهرباء.

21 أغسطس .. ليس من أيامي الأجمل هنا في هذا المكان!