بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 فبراير 2025

قليل من غياب الغربة

 تسلم يا يوسف، وشكرا لأنك خففت غربتي قليلا، فالموضوع حقا يستحق التأمل، كحالة. انظر للتفاعل الذي حدث ستجده يشفُّ عن غيابٍ شبه تام للموضوعية. نتكلم عن شخص ليس ملاكا، ليس شيطانا، له ما نقبله فيه، وبه ما نرفضه، الاتفاق على أنَّ النتائج التي يحققها في شيء خيّر حقيقية وواقعية هذا ليس موضوع رأي، هذه معطيات واقعية إنكارها غير منطقي.


سؤال النية، أيضا يقع ضمن دائرة الاستبطان الخارجي، والحدس، والظنون، ولا يخلو أيضا من التحيزات التي تؤكد فكرة مسبقة، عن الخير والشر، عن الخيّر والسيء، وعن الصادق والمرائي، أما الموقف الواقعي فهو خارج التوقعات، نسبة كبيرة جدا تقف في حالة حدية مؤذية للغاية.

الحالة الأولى: التفخيم المبالغ فيه، (ما حد كماه، أفضل واحد، الأفضل، الأعظم) وهذه ليست إفادات نافعة، نعم هي حسنة، ومليئة بالمشاعر الطيبة، تأثيرها النهائي؟ ضار، لأن هذا النفخ الزائد بالمديح مضر لأي إنسان إلا لو كوّن فهما نقديا عاليا لماهية المجاملة الزائدة وأثرها على المرء، وكيف أن الكثرة من المبالغة تغلب العقلانية في التمحيص.


الحالة الثانية: حادة، إلغائية، لا يعجبني كلامه، بالتالي ألغيه هو من أين جاء، له أخطاء! بالتالي أعتبر أي شيء جيد يفعله سيئا، أعتبره ضمن ظاهرة المشاهير، بالتالي أجازف بالصوابية، والتي من ضمن عواقبها توقف إنسان عن مساعدة الآخرين بسبب خوفه من الاتهام بالرياء، أو التزلف أو غيرها من الظنون التي لا يمكن حسمها كحقيقة. 


ثم نأتي إلى تأثير الأغلبية والامتثال لهم، وأدهشني حجم التعليقات الهجومية التي جاءت لي!! وكأنني جئت شيئا إدّا!! مع أن كلامي كان يتكلم عن جزئيتين فقط! الحدث الذي عايشته، والفكرة العامة وراء الحدث، وأيضا حقيقة الواقعة التي تُنتقد. تُظهر أشخاصا في حالة حاجة، تتهم بالاتجار بهم! طيب ما هي الحقيقة؟ هل أنت حقا تظهرهم وتلوي ذراعهم؟ أم تستجيب لطلبهم؟ وكيف تساعد شخصا عبر السوشال ميديا؟ تظهر بوجهك وتقول (إنسان وساعدوه) هذه لا تنجح.


وما الحقيقة فعليا؟ لو كان بيد هذا المتحامل زر؟ كأنه يقول لناس في أزمة: لا تظهر علنا، الشيء الذي تفعله (يحرجني) يضايقني، ذوقي لا يسمح لي برؤيتك وأنت (تتوسل) الخروج من أزمة، هذا يريق ماء وجهك! وهو لا يفهم أن السجن إراقة لأكثر من ماء الوجه، وأن صاحب الحاجة والأزمة له عقل يختلف عن عقل إنسان مترف يفكر بالصورة الاجتماعية لنفسه، والتي يسقطها على سجين، أو شخص محتاج.


البعض أيضا لديه منطلقات مختلفة، وكأن وجود حالات معسرة (يحرجه) فهو أيضا لديه تلك المبالغات، وأحدهم قال لي في نقاش عن المقال: يحرجني كيف يظهرنا أمام دول الخليج؟


أولوية مشاعره عند ذهابه لبلد خليجي ومحاولة إظهار نفسه أنّ مجتمع له الوضع المادي نفسه (مثلهم) أهم من قيام ناشط اجتماعي بإنهاء حالة، وعندما أقول إنهاءها نعم، واقعيا يحدث ذلك، عمليا يحدث ذلك لسنا أمام شخص (يحاول) نحن أما شخص فعلها مرارا، باتصالاته، وبعلاقاته، وبمساعدته لحالات، وباعتمادها، وبمصداقيته مع الجمعيات الخيرية، ليس هو وحده، معه آخرون لديهم هذا الوصول القادر على تحقيق نتائج. 


والبعض لا يهمه الموضوع ولا يعرف تأثيره الضار والسام، وجد معمعة رقمية ودخلها ليخرج أسوأ ما فيه. السؤال الكبير: يتساءل الناس لماذا يشطح من يسمون بالمشاهير؟ ولماذا تظهر منهم سلوكيات سيئة؟ ربما لأن من ينشد الاتزان يصمت، يتجنب اللسعات التي سوف تأتيه ساخرة ومستهزئة إن قال فقط ما يتحرى الإنصاف. 


الأمر لا يتعلق بمحمد المخيني، الأمر يتعلق بخطابنا الرقمي مع بعضنا البعض، ولا سيما مع أصحاب المنصات المنتشرة، أو أصحاب الحضور الاجتماعي الشرس، حساباتهم هي منصات تصفية حسابات، وتنمر، وتسميم، وإلغاء، أو هي حسابات مدح، وتفخيم، كلاهما مضر، وكلاهما يؤدي إلى خسارة أخرى وهي إنسان يفقد بوصلة الرأي الوسطي السليم، ينتظر الإشباع بالمدح ويفسد هذا جزءا من عقله، ويصاب بارتكاس في فهمه للمجتمع، وصدقني وأتحدث عن تجربة، تكوين صلابة ذهنية هائلة تجاه هذا الوضع أمرٌ صعب للغاية.


جلسات النهش في الذين يسمون المشاهير، النهش بمعنى الكلمة، تسمى (نقدا) الشخصنة تُسمى (رأيا) وظاهرة الاستحقاق الرقمي! يجب أن تسمعني، في منصتك، وفي حسابك، فهذا (حقي) تسمعني وإلا فأنت إنسان يحب الظهور!!


أقاويل غريبة: تحب الظهور!!! تحب المال؟ هي يكسبه بالحرام مثلا؟ وما الذي يجعل الذي يحب الظهور مخطئا؟ وما الذي يجعل الذي لا يحبه مخطئا؟ منذ متى من السهل للغاية التدخل في الخيارات الفردية بحجة المشاعية الاجتماعية؟ وكأن هذا الإنسان لا حقوق له. 


كُل هذا التدافع جزء من ظاهرة رقمية سببها نكوص المنابر الأصلية عن أداء دورها الاجتماعي، غياب الإعلام الاجتماعي الحقيقي الذي يعترف برأي الناس، ويدفع به إلى مناطق أكثر موضوعية، ونفعا فكريا.


مواضيع كثيرة تُشتق من حدث واحد، ولا أخفيك كدت أن أصاب باليأس وأن أتوقف عن الكتابة في هذا الموضوع لكي لا ينفجر عقلي من حجم التفاهة التي صرت أقرأها في حسابي، تفاهة الشامتين، وذوي الضغينة والاستحقاق، والدناءة والسقوط النفسي وذلك الخطاب العنجهي من قبل إنسان تنازل عن اسمه ولم يعط لكلماته مسؤولية! لم يتحمل قبحها!!! (علما أنني لست ضد ظاهرة الاسم المستعار ككل، وإنما ضد ظاهرة القناع الحامي للتصرف القبيح).


الكراهية حق لكل إنسان، والرفض حق لكل إنسان، السؤال الكبير هو، وأقوله لنفسي، منذ عامين تقريبا وأنا موقفي الداخلي هو ما سردته بالأمس، بعد ذلك الموقف العفوي المليء بالغفلة الاجتماعية في تغريدة الشكر لي! وهناك سألت نفسي: لماذا أمتنع عن كتابة شيء! ليس عن هذا الشخص فقط، وإنما عن كثيرين، لأنني في هذا الدفاع أيضا أدافع عن نفسي، وعن غيري.


من السهل على أي إنسان أن يكون قبيحا باسم مستعار، ومن حق كل إنسان أن يكره، لكن أن يصل الحال إلى الإملاء، ونسيان أننا أشخاص، نتساوى في الخطاب، نناقش بعضنا بعض، هُنا تغيب مسلمات الأشياء، لا شيء اسمه مشهور لكي يعطى مكانة خاصة أو مكانة أدنى، والذي يمارس هذا الدور يخطئ في حق نفسه أولا، ولا شيء اسمه شخص عادي لكي يسمح لنفسه أن يقبض (ضريبة الشهرة). 


الموضوع كله ضمن تجليات الظاهرة البديلة لكل التقصير الذي كان على مؤسسات إعلامية واجتماعية القيام به، لكن هذا موضوع آخر، وحديث آخر، فليهنأ كل الذي همّش، أو نكّل بالصوت النقدي بحجة الخطاب الواحد فليهنأ بهذه الظاهرة الاجتماعية التي أفرزها، وستمر  سنوات عندما يدعو المنادي: ليتنا لم نكن بتلك الحدية والحساسية في التعامل مع الصوت النقدي الوسطي، وليتنا لم نجعل كل شيء حديا، وشرسا! 


انظر إلى لغة الاختلاف السياسي، وعدوانيتها مما يجعل المنصف الوسطي غير قادر على ولوج مهرجان البصاق المتبادل، انظر إلى لغة الاختلاف الاجتماعي وكيف تُبنى على القسوة، وغيب احترام الطرف الآخر، انظر إلى بزوغ  ظاهرة التنمر الرقمي، والآن في أعمار محددة ظاهرة انتهاك الخصوصيات. كلها ظواهر وانفلات يتفاقم، والبعض يظن أن كل هذا: عادي.


كل هذا ليس عاديا، كل هذا مشكلة، ولها حلول، وهذه الحلول تحتاج إلى تحليل، وفهم، وتنظير، ولا تحتاج إلى رأي شخص واحد، أو إلى صوت عنجهي يظن أن بيده مقاليد الصواب، كل هذا له حل، وليس بالخوف، والشك وبالظن، كل هذا له حل، ولن يكون بالاستحواذ على كل من وصل رأيه للناس لكي يوضع رغما عنه ضمن معارك التلاسن، أو ضمن مهرجان التخدير أو التطبيل. كل هذا ليس عاديا.


لكل إنسان حق، أن يمدح من حقه أن يمدح، أن يذم من حقه أن يذم ويمتعض ما دام يقول حقا وليس جريمةً، والمحزن حقا أن كل هذا الارتفاع في الممكن من الكتابة مهدور في كل هذا النزف اللغوي الرقمي، بينما من كان واجبه أن يحتوي كل رأس المال اللغوي العام هذا، وأخباره، ونقاشاته، يتبنى موقفا هداما ضد ما يسمى (كلام الناس) .. كلام الناس رأي عام، وهذا الرأي العام تديره تفاعلاته، رأسمالية لغوية هي التي تحدد شروط العرض والطلب، ولهذه نهايات دائمة، نهايات واحدة.


وأنا متشائم للغاية، لأن نهاية الرأسمالية اللغوية العشوائية، مأساة يصنعها هذا الذي يتفرج ويده على قلبه وسكينه بيد عقله، ينتظر الويم التي تنجح فيها الفوضى التي صنعها في صناعة الضرر، وبالتالي، تأتي الأعذار، وتنتصر المدرسة التي لم تؤمن يوما ما بأن للناس لسان.


الأمر لا يتعلق بالمخيني، الأمر يتعلق بأشياء كثيرة للغاية يا صديقي، وشكرا لك لأنك خففت من غربتي. حقا حقا يا يوسف: شكرا ..

الثلاثاء، 18 فبراير 2025

سعيد جداد: الإجابة اسمها (مُجتمع)!

 

 

 لا أعرف لماذا أشعر أنني ملزمٌ اجتماعيا بكتابة شيء ما عن هذا الإنسان العُماني. ولأنَّ ملفَّه لا يخلو من الإشكالية المتعارف عليها في المحيط العُماني أضطر في البداية إلى وضع بعض النقاط على الحروف. ما أكتبه لا يتدخل مطلقاً في الموقف الرسمي مع أو من أو تجاه، أو ضد سعيد جداد. لا أتدخل لأنني لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، ولا أريد أن أتدخل، ما أكتبه يعبر عن فردٍ عُماني يكتب عن أخٍ له في المجتمع، وفي عُمان، وفي الإسلام، وفي العروبة، وفي أيامٍ جمعتنا، وطائرة عُدنا فيها إلى وطنٍ واحد، أكتب لهذه الاعتبارات، ولذلك فإنَّ من يحاول إخراج أي حرف أكتبه عن سعيد جداد عن سياقِه الاجتماعي فهو إنسانٌ يعتدي على حقي القانوني في حرية التعبير تحت إطار القانون، وهو إنسان يكيدُ ويستخدم الضغط على الآخرين لتبني موقف ليس موقفهم. هذا ما وجب توضيحه في البداية حفظا لسلامتي، وأيضا بُعدا عن أية مجادلات تُخرج السياق الاجتماعي الذي أوطّن في نفسي عدم الخروج عنه مهما كانت الضغوط محتفظا في حقي في الدفاع عن نفسي في حال قام أحدهم بالاعتداء المتعمد على هذه الحقوق أو أخرج ما أكتبه عن سياقه!

قبلَ كل شيء، سعيد جداد الذي أعرفه والجانب الذي أعرفه عنه هو جانب مختلفٌ جذريا عن ذلك المرتبط بسياقات التعبير الرقمي، يرى البعض (سعيدا جداداً) رقمياً ويكون ما يريده من تصورات، وأنا أرى (سعيد جداد) مختلف عرفته في زمن الغربة والتقيت به مرارا وهو إنسانيا شخصٌ دمثٌ للغاية، وخلوق، ويشهد بذلك من تعاملَ معه عن قرب، وهذا هو الجانب الذي يدفعني للكتابة مجددا عنه، شعوري بالأمل أنَّ الحلَّ موجود، وأنَّ من أفراد المجتمع وأبناء هذه البلاد الغاليةِ علينا من يمكنه أن يتدخلَ اجتماعيا ليوصلَ هذا الاحتدام غير المتوقع في الأحداث إلى برِّ أمانٍ مُطمئنٍ لإنسانٍ أتمنى له أن يعيش الباقي من عُمره في هدوء وطمأنينة وسلام. هل هناك سعيد جداد آخر لا أعرفه؟ لكنه مجدداً يقع ضمن إطارٍ ليس من مهمتي، ولا حقي، ولا واجبي، ولا وظيفتي، ولا وضعي الذهني، ولا حالتي النقدية لأتدخل فيه. لكن ماذا عن ذلك اللاجئ الذي عاد معي في طائرةٍ واحدة مسلما أمره وشأنه إلى بلاده؟ وواثقا كل الثقة بها؟ هذا موقف في حد ذاته ينمُّ عن الروح العُمانية التي به، من الصعب أن أشرح آلية تكون الغضب الداخلي، والتعبير عنه لغويا، وانسياق الإنسان مع هذا السياق الذي يمتد لسنوات، لكن يمكنني أن أشرح صعوبة التخلي عنه، والبدء في حياة جديدة مبنية على روح الاندماج مع المجتمع، والتعايش مع الممكن من الحياة فيه، فهامش الممكن من الحياة دائما متاح، في كل مكان في الدنيا وحتى في أصعب الظروف ثمَّة هامش للحياة، والإنسان واختياراته هو الذي يحدد هل يعيش في تلك المساحة أم يسعى في طلاب المساحة التي ينشدها، هذه قرارات فردية وكل إنسان يتحمل عواقب اختياراته.

إنه شيء يحزُّ في النفس ويحزن القلب أن يوجه إنسانٌ نداءً علنياً حول منعه من السفر. الذي يحزُّ في النفس حقَّا هو الصمت الاجتماعي الذي وصل به الحال إلى تجاهل هذا الحدث برمَّته. هل جئت لأكتب في هذا المقال رأيا في هذا الإجراء؟ كلَّا، لأنني لا أعرف الحيثيات، لكن هل أكتب عن المحزن في ذلك الصمت؟ نعم أكتب، لأنَّ التحيزات التي بنا قد تصل بنا أحيانا إلى تجاهل الزاوية الإنسانية واعتبار الإنسان (ملفاً) من الملفات! ونحن كبشرٍ من العُموم من المجتمع من المستغرب للغاية أن نتعامل مع إنسان آخر بهذه الطريقة، فنحن لسنا في سياق رسمي يحتم علينا النظر في الإجراءات الرسمية، ولسنا وكلاء نيابة، ولسنا قضاةً لكي تكون موضوعيتنا إجرائية بحتة! نحن بشر، من المحزن أن ترى نداءً لإنسان يقول أنَّه منع من السفر فيصمت الجميع لماذا؟ لأنه سعيد جداد! ذلك الذي قال كلاما يكرهه البعض، ذلك الذي يتبنى بين الفترة والأخرى سياسة (المغايظة) وربما لأنه الإنسان الذي نحيطه بالظنون والشكوك والتي إن صدقت وإن كذبت ليس من دورنا الحكم تجاهها، الأخذ بالظاهر جزء من تبرئة الذمَّة، ويحزنني حقاً أن يمرَّ ذلك النداء على قلوب كثيرة فيعتبر هذا كله طبيعياً. على الأقل فليفكر ولو شخص واحد في حلِّ ما لوضع هذا الإنسان قبل أن يستفحل الحال ويقود إلى مآلات يمكن تجنبها بالكثير من التعاطف الإنساني، والقليل من المبادرة الاجتماعية.

هل من واجبك أن تساعد سعيد جداد؟ كلا طبعا، هل أنت ملزم؟ كلا طبعا، ولكن هل بإمكانك وبمقدورك أن تساعده؟ تساعده على ماذا؟ على أن يصل إلى حالةِ استقرار اجتماعي تزيح سنوات وسنوات من حياةٍ سابقة. يمكنك أن تتنصل تماما منه وتقول (بلاه ويستبلى به) وهذا من حقك، ويمكنني أيضا أن أقول متعاطف معه وهذي حقي الاجتماعي، لكن ألا يحز في النفس ذلك النداء المدوي ونصمُّ آذاننا عنه بحجة أنَّه إنسان لا يروق لنا؟ أعيد وأكرر ما قلته من قبل، ولكن الآن بعد ظهور مؤشر جديد أقلقني شخصيا على شخص أعتبره صديقاً وأخا حتى وإن لم يعتبرني بالصفة ذاتِها، أنَّ وضعه هذا الإنسان أصعب من الاندماج بذاتِه وبنفسه، عُمراً، وتجربةً، وخصوصيةً ثقافية واجتماعيةً من الصعب أن يفعل كل ذلك وحده. ولمن أوجه هذا النداء؟ مجدداً إلى أي شخص لديه تأثير اجتماعي كبير، إلى أي إنسان ينظر لسعيد جداد من زاوية التعاطف الإنساني، إلى أي إنسانٍ قد يتحقق لديه شعور بفعل الخير إن يسَّر أمر هذا الإنسان، وساعده، ووقف معه، وأعانه على نوعية حياةٍ أفضل وأجمل في بلاده التي عاد إليها باختياره وقناعته. سعيد جداد يحتاج إلى إنسانٍ مثل هذا، لصيق بمحيطه. ليس سهلاً أن تندمج في المجتمع بعد مسيرةٍ طويلةٍ للغاية من التنفيس عن الغضب، وبغض النظر كانت أسباب هذا الغضب وجيهة أو غير وجيهة، نحن أمام إنسان قضى سنوات كافية لجعل اندماجه مع المجتمع الكبير أصعب وأصعب، ولوضعه خصوصيات كثيرة لست بصدد سردها الآن. من أراد أن يتنصل من سعيد جداد فهذا حقه، ومن أراد أن يدينه فهذا شأنه، ومن أراد أن يساعده وأن يقف معه فهذا هو الوقت الذي يُحسب في موازين الخير والفضيلة. لسعيد جداد من يحاسبه، ومن يعاقبه، وقانون يحميه من الخطأ، ويردعه عنه وهذا السياق ليس بيدي وليس بيد كثيرين التدخل فيه، ولكن أيضا لهذا الإنسان من يتمنى له الخير، ولعله الآن الوقت المناسب لكي يبادر ويمد يد العون لأخيه.

لا أعرف حقا سبب اختفاء حساب سعيد جداد من تويتر، وخشيت أن أرسل له رسالة فأجد ردا يؤذيني، أو يعاملني معاملة الإنسان الذي يريد أن يكيد به، وكم أخاف ثم أخاف أن يكون هذا الذي أكتبه يسبب الضرر له. أتمزق بين الموازين ثم أقرر أن أكتب، وأقول في نفسي لعل ما يكتبه لاجئ سابق، عاش ما يشبه تجربته قد يقنع أحدا بهذا الرأي الذي لا أرى صوابا غيره، أنَّ الإجابة اجتماعية، وتحتاج إلى مبادرةٍ خارج إطار الواجبات، مبادرة غير ملزمة، وتعاطف عالٍ، ونزعة حقيقة للمساهمة في جعل حياة إنسان آخر أفضل وأجمل. لا أعرفُ أين هو سعيد جداد، وستكون هذه المرَّة الأخيرة ربما التي أكتب فيها عنه، ولو شعر هو، أو شعر أي فرد من عائلته أن الذي أكتبه يزيد الأمور سوءاً فأعلن اعتذاري مقدما، وسأحذف كل شيء، لكن إن كان الذي أكتبه قد يصل إلى أي إنسان مؤثر في المجتمع، هذا الإنسان أحوج ما يكون إلى الغوث، وإلى أناسٍ ينظرون خارج منظور التحيزات، وإلى أشخاصٍ لديهم القدرة على تقديم اليمين المساند الذي يأخذ به الأخ مع أخيه. لم يفت الأوان بعد، لعل قليلا من المبادرة الاجتماعية هي الورقة الناقصة من البداية، لعل بعض الأفق الاجتماعي، يساعده على النظر بروح التجاوز والاندماج، لعل بعض الغفران والتجاوز يجعل من حياة إنسان آخر أجمل. لماذا أكتب هذا المقال؟ لأني سعيد جداد أخي، وأعتبره صديقا لي وإن لم يعتبرني صديقا، ولا أتنصل منه، ولقد وقف معي بالنصح مرارا، والذي لا يعرفه كثيرون أنَّ كان الإنسان الأوَّل الذي استشرته في أمر عودتي، وبارك هذه الخطوة مع أنَّ ملفه لم يكن واضحا وقتها، ولا عودته كانت منظورة وقتها، سعيد جداد الآخر شخص لطيف للغاية، ولعل سعيد جداد المُعلن قد استحوذ على سعيد جداد الحقيقي حتى أصبح من الصعب على الشخص الخارجي التفريق بينهما، أنا يمكنني التفريق، وغيري يمكنه التفريق، ولعل هذا النداء هو الأخير الذي أوجهه بنية صادقة في أن يجد هذا الإنسان من يعينه وييسر أمره، الأمر ليس مستحيلاً، وليس سهلا، هو ممكن. إن وصل هذا المقال لإنسان يحب أن يساعد الناس وأن يقف معهم أقول لك: عاش هذا الإنسان ما يكفيه من الحياة الصعبة، الإجابة اسمها "مجتمع" وهذا يكفي لإسناد إنسان، ولوضعه في رحلة التجاوز والطمأنينة بعد سنواتٍ كافية من القلق، والغضب، وغيرها من الترسبات التي لن تزول بين يوم وليلة. لا أقول أن أحدا ما مسؤول عن الوضع الذي آل إليه حال هذا الإنسان، أقول أن مبادرة خيرةً تحمل روحا اجتماعيا مليئة بالغوث والتجاوز قد تكون هي الورقة الناقصة. لا أظن أن لدي شيئا آخر أقوله عن حالة هذا الإنسان، يسّر الله أمره، وحماه، فإن كان ظالما فكفَّ الله شره عن نفسه والناس، وإن كان مظلوما رفع الله عنه الظلم، وأعانه، وأغاثه بقدرته قبل قدرة الناس. هذا ما لدي، والله غالب على أمره.

 

معاوية بن سالم بن حميد الرواحي

 

الخميس، 13 فبراير 2025

سعيد جداد من منظور اجتماعي بحت!


لي عدة أيام وهذا الموضوع يشغل ذهني. ربما لأنني أؤمن أن حلاً ممكنا في الأفق المنظور يمكنه أن يوقف تفاقماً لا داعي له في حياة إنسان آخر. أعلمُ أنني بكتابتي لهذا المقال أمشي فعليا في حقل ألغامٍ مزيَّن بالأسلاك الشائكة المكهربة على جانبيه، لهذا قضيت عدة أيام وهذا الموضوع يشغل ذهني، تمنيت أن أكتب شيئا نافعاً لعله يحقق خيرا، أو يدفع بصوابٍ غائب عن الأذهان للحدوث، وبالتالي يوقف ضرراً لا داعي له لأطراف كثيرة بعضها معنوي واعتباري، وبعضها شخصي وإنساني، وبعضها عائلي واجتماعي.

في البداية دعني أشرح بما لا يدع مجالا للتأويل معنى كلمة (منظور اجتماعي) أي أنني هُنا لست لأدخل طرفا في المجادلات بين سعيد جداد وخصومه. ومن يتابع حسابه يعرف جيدا إلى أي مدى عادت تلك الخصومات اللغوية، وأيضا يلاحظ أنَّ نمطاً ما من الكتابة والمواقف السياسية قد عاد أيضا إلى خطاب أبو عُماد، هُذا هو الجانب الذي لا أتدخل فيه، فأنا لا أضمن خصوم سعيد جداد له، وأيضا لا أضمن سعيد جداد أمام خصومه، وأرفض أن أدخل طرفا في معمعة الخطابات أو الملاسنات، فضلا عن الهجوم المتبادل بين الطرفين لست هنا لأكون درعاً له فأحارب نيابة عنه، ولست هنا لأكون رأس حربة يُطعن في كبده، أرجو أن يكون هذا الكلام واضحا للجميع لكي لا أجد نفسي في صداع أمام من يؤيده، ومن يعارضه وأضطر للحديث مع اسم مستعارٍ مصطف يظن أنه سيدفعني للانضمام تحت لواء طرف من الأطراف لأنني (تجرأت) وكتبت عن هذا الموضوع الذي يراه هو (من شأنه).


طيب يا معاوية، تقول أنَّك جئت تفكر بحل؟ أليس كذلك؟ نعم ولكنني أحتاج لهذه المقدمة الطويلة لأرصف السياق في هذا الطريق المزركش بالألغام، لذلك سيطول الكلام والذي لا يجد في نفسه القدرة على إكمال هذا المقال أتمنى أيضا أن يجد في نفسه القدرة على كف لسانه عني. أما وقد وضعت هذه المجادلة الدفاعية لكي لا أترك مجالا للتأويل، دعني أشرح وجه تضامني الإنساني العميق مع سعيد جداد.


عند الحديث عن أبي عماد، أنت أمام ملف نسميه نحن في لغتنا المتعارف عليها (سياسي) وهو فعليا، وقانونيا لا هو سياسي ولا هم يحزنون، أقصى ما يمكن أن نسمي به ملف أبي عماد هو ملف تعبيري رقمي، جزء من الظاهرة اللغوية الاعتيادية، مرتبط بموضوع التعبير عن الرأي، ومرتبط بموضوعات أخرى مثل القانون الذي يشمله، والصلاحيات التي تسمح أو لا تسمح بمحاسبته، وعندما نخوض في هذا الشأن فنحن نصطف تلقائيا، وبالتالي هُنا يصبح كل شيء صعبا للغاية، لأنك هُنا أمامك عدة خيارات صعبة.


الخيار الأول: أن تختار الوقوف مع سعيد جداد، وبالتالي تستخدم حجج المحامين لتبرئته، وتصطف ضد خصومه الذين يكيلون له اتهامات بعضها لا يخلو من التوقع المنطقي البديهي باحتمال صحته، وهو أنَّه يريد السفر ليشن هجمات ضارية على الحكومة وغير ذلك من التوقعات والتكهنات والتي قد نرجح بعضها وقد لا نرجح بعضها والخ الخ الخ، الخلاصة لا أحد يعرف ما في ضمير إنسان، الظاهر هو أنَّه يقول أنه يريد السفر من أجل العلاج، والظاهر يقول أنَّه لا يعرف سبب منعه من السفر، لذلك عن تصديق أن أبا عماد يقول الحقيقة والصدق، سوف تستخدم تلقائيا خطاب التصدي للظالم المتعسف، وبالتالي تدخل في المعمعة من أوسع أبوابها.

لا أختار هذا الخيار لسبب واحد، لأنني لا أملك أي حقائق تجعلني أستطيع الكتابة بأريحية وأنا مطمئن تماما أنني لا أعرض نفسي لمشاكل مع القانون، أن أزعم أنَّه ممنوع من السفر هذا يعني أن أكون قريبا من الحدث، لذلك من هذه الزاوية لا أجعل نفسي درعا لشيء غامض، وأمنع نفسي من اختيار هذا الخيار لغياب الوضوح، ولحفظ سلامتي الشخصية.


الخيار الثاني: إدانة سعيد جداد واتهامه بالنوايا السيئة. وهُنا نستدعي انطباعنا عنه، ولن يخلو هذا الانطباع من تتبع الخطاب السياسي (وهو ليس سياسيا بقدر ما هي مجموعة آراء) هل هي مستفزة للبعض؟ نعم، وقد تكون مستفزة بشدة. هل تقع تحت مظلة القانون؟ نعم، هناك قانون يتعامل معها بمنطقه وهنا لا أستطيع أن أفتي، وجود تكهنات ظنيّة حول سعيد جداد هذه حقيقة لا يمكن التشكيك فيها، هل هي صحيحة؟ هُنا يعلم الله صحة طرف دون طرف، لماذا لا أختار هذا الخيار؟ مجدداً لأن هذه ليست مهمتي، هناك قانون، هناك دولة، هناك أجهزة، أنا ابن مجتمع أتحدث عن ابن مجتمع آخر، هذا السياق ليس سياقي ولذلك لا أختار الخيار الثاني. لذلك أتضامن مع فكرة أنَّ كلامه لو كان صحيحا فهذا إجراء أتمنى أن يُرفع عنه، وركز على كلمة (أتمنى) وهي تلك الكلمة السخيفة الشاحبة التي نبديها فقط لنرفع عن أنفسنا الحرج والملامة لعدم اتخاذنا موقفا، وأنا أقول بالفم المليان لا أتخذ موقفا في معمعة الإجراءات، ولا في معمعة الخطابات، لا أدينه لأنني لا أعرف نيته، موقفي يكمن في مكان آخر سيسرد في نهاية هذه المرافعة الطويلة العريضة. الذي يختار هذا الخيار يبدأ من بساطة (خليه يستاهل/ وحده يدور حال نفسه) إلى نهايات معقدة مثل (هذا الشخص ناوي نية) ولكل طرف أسباب لكي (يظن) هذا الظن، أما الحقيقة فمجهولة لأنها تقع في قلب إنسان واحد.


ثم نأتي للخيار الثالث والأخير: التنصل والصمت. وقد كنت لشهور حتى شعرت بالخجل من نفسي أتخذ هذا الخيار. وفي الوقت نفسه أشعر بالحيرة، فالكتابة في مثل هذه المواضيع المتأزمة شيء صعب للغاية حتى على إنسان كتب آلافا مؤلفة من الصفحات والتدوينات، أخذ تقليب الأمر وقته في ذهني حتى أجد طمأنينة في الكتابة، وأيضا حتى أجد وقتا يسمح لي بإيضاح جميع أفكاري بما لا يفتح أمام وجهي بوابة أنصاف المجادلات مع الذين لا يجادلون وإنما يضغطون عليك لتكون مع أو ضد، فضلا عن جمهور غير قليل من ذوي المكائد الذين يتمنون عودتي لمواجهة الجهات الحكومية والهجوم عليها لا حبا في سعيد جداد وإنما كراهية في معاوية الذي يبدو أنَّه يضايقهم لأنه لم يعد مأساة متحركة تمشي على قدمين مكلبشة تتنقل من سجن لآخر. هل فهمت عزيزي القارئ صعوبة هذا المقال؟


جميع هذه الخيارات هي مواقف، وهي نابعة من معالجة موضوع سعيد جداد (كحالة) أكثر من أي شيء آخر. حالة، رقمية، عبارة عن مجموعة خطابات مواقف وتغريدات، وننسى أن إنساناً يكمن وراء هذه الحالة، وهذا هو منظوري الشخصي الذي أنظر به لهذا الإنسان.

أنا لا أعرف سعيد جداد السياسي، لا يهمني أمره، ولا شأنه، ولا يعني لي أشيء شيء، أعرف الإنسان الآخر وراء تلك الخطابات المتلهبة المتعلقة به معاً وضداً، ذلك الإنسان اللطيف للغاية، والدمث، وأتعاطف معه كل كثيرا. بينما يرى الناس إنسانا سياسيا مراوغا ومخاتلا ولا يخلو من التناقض، أرى إنساناً مجروحا بشدة، منذ فقده لفلذة كبده وأنا متقين أنني أمام إنسان تغير للأبد، وبترَ منه اسم (سعيد) الصفة ليبقى سعيد الاسم. كيف أعرف ذلك؟ أعرف ذلك بما يكفي لأقول: لا يوجد ألم يغير الإنسان أكثر من خسارته لفلذة كبده.

ما هي التفاصيل؟ لا أعرف، ما هي الحقيقة: سعيد جداد فعلا أب خسر فلذة كبده.


ثمَّ شاءت الظروف أن أعرف هذا الإنسان عن قرب، ولا ألومه لأنه دائم الحذر مني، فأنا أيضا قطعة من الجنون والتقلبات الخالية من المنطق مما يجعل أي إنسان في الحقل السياسي (الذي نسميه السياسي تجاوزا) يفكر ألف مرة قبل أن يطمئن لجانبي، وطبعا لا ألوم أي شخص في ذلك، لم أكتسب أي خط ثابت في حياتي إلا عندما غيرت مقاربتي من (ناشط سياسي/تجاوزا) إلى هذا الذي أعيش في كنفه الآن (الناشط الاجتماعي) وهي مجددا تسميات معلبة ما أنزل الله بها من سلطان، شخص يعبر عن مجموعة آراء في أحداث اجتماعية ما الذي يجعله ناشطا!! أهلا بك في عمان، حيث لنا تسمياتنا الخاصة دائما وأطرنا الخاصة بنا. ما علينا ليس هذا موضوع تفكيك مجادلات التسمويين بلا حدود!


أكمل سرد تعاطفي مع سعيد جداد، وأسبابه. لا أعرف منذ كم سنة وهذا الإنسان (حالة) بالنسبة للبعض (ملف) وبالنسبة للبعض (حدث) لا أعرف كم إنسانا يرى في سعيد جداد (إنسان). مضت حياته في معمعة مرحلة معينة، وتكهربت، وسواء كان ظالما أو مظلوما أصبحت حياته مليئة بالجروح والآلام، وهذا ما يجعلني أفسر ردات فعله التي قد أرفضها فكريا ولكنني أيضا (أظنُّ) أنها سبب ذلك التناقض الصارخ بين شخصيته الدمثة والخلوقة جدا وروحه الطيبة، (والكاركتر) الرقمي الذي يجعل كل من يعرفه عن قرب يفهم جيدا أن سعيد جداد (الحالة) يدور في فلك التأثير والخطابات، أما سعيد جداد الإنسان فكل من يعرفه عن قرب يعرف إجابة أسئلة (لماذا) التي تدور حول هذا الإنسان.


لا يخلو أبو عماد من عاصفةٍ من التساؤلات، وهذا ما أفقد الجميع عدسة النظرة الاجتماعية لكي نتضامن كلنا أجمعون في اعتباره حالة (سياسة/ تجاوزا) واكتمل هذا الانطباع بعد أن أصبح لاجئا سياسيا، ولست قطعا بصدد فتح أي قطعة مما حدث في بريطانيا، من خيره، ومن شره لاحترامي للعفو السامي الذي أغلق ملف كل شيء يخص الحق العام في تلك الفترة. الذي أستطيع قوله هو أنَّه كان لاجئا، وعاد لعمان بعفوٍ سامٍ، وبدأت حياته الجديدة في عُمان.

تخيل تخيل عزيزي القارئ، الآن فقط بعد كل هذه المجادلة الطويلة والعريضة أستطيع أن أفتح هذا الموضوع وأنا مطمئن أنني وضعت جميع النقاط على حروف السياق والموقف. السؤال الاجتماعي الكبير، لماذا وصلت حالة أبي عماد إلى هذا الوضع؟ أن يكتب لاجئ سابق عاد بعفو للبلاد أنَّه ممنوع من السفر هذا البيان من جانبه يشي بتأزم في حياته بعد العودة لعمان! السؤال هو: لماذا؟ هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ وهنا ما أريد أن أكتبه قبل أن يفقد الكلام قيمته.

كائن ناشط في الكتابة والمواقف الرقمية يستخدم حجة العلاج للسفر وشن هجمات ضارية هذا محتمل، وأيضا إنسان ممنوع من السفر يختنق بتأزم وضعه هذا أيضا وضع محزن. أين كان بالإمكان أفضل مما كان؟

تلقى سعيد جداد العفو السلطاني الكريم، تلقى العفو القانوني، ومعه العفو السياسي، وأتيحت له الفرصة للعودة إلى بلاده، لكن هل تلقى العفو الاجتماعي؟ هُنا أستطيع أن أجزم من متابعتي لكل ما يكتبه هذا الإنسان لأربع سنوات أنَّه لم يتلقه كما حدث لغيره، سواء ذلك المعلومة في العالم العلني أو ذلك غير المعلوم في العالم العلني. أعرف أن أحدا غاضبا عليه سيرد علي بلغة: "وحده باغي/ يستاهل/وحده يدور حال نفسه" لكنني أيضا أستطيع أن أقول له أن حجم (المشاكسات) الرقمية المتعمدة من أبي عماد لم تكن بهذه الوتيرة لفترة لا تقل عن العام منذ عودته. هذه المؤشرات تعني شيئا ما، وهُنا ينتهي الحديث عن الحتمي من الأحداث، والمنطقي، لأسرد وجهة نظري والتي هي مبنية على كل ما ورد أعلاه.

أنا حقَّا أحمل مودة حقيقة لأبي عماد. مودة الصديق الذي جمعتني به غربة واحدة، واللاجئ الذي عاد معي في طائرة واحدة، وإنسان تمنيت كل التمني أن يعيش حياةً هادئة في بلاده. ومن الذي يلام حقاً على وصول شخص على هذه الحالة من الاختناق الشديد، والضغط الذي لا محالة سوف يسبب الانهيار أو الانفجار؟ بكل صديق الذين ألومهم هم كل هؤلاء الذين من المجتمع العماني الكبير الذين لم يضعوا في حسبانهم أن حالة أبو عماد أصعب بكثير من حالة غيره، وأنَّ اندماجه من المجتمع هي عملية كانت تحتاج إلى بعض القلوب الصفوحة، والحليمة، وكان بالإمكان أفضل مما كان، لن يكون الأمر سهلا، ولن يكون التغلب على ذاكرة بريطانيا سهلا، ولكنه كان ممكنا، أما الآن وقد مرت السنون على العُمر، أصبح الأمر أشد صعوبةً ومع ذلك هو ممكنة بشكل ما أو بآخر، ممكن فقط من منظور اجتماعي. وهذا ما جئت أدعو إليه، وما جئت أتمناه، وهذا هو النداء الذي أوجهه لمن قد يقتنع بوجهة نظري: سعيد جداد يحتاج إلى مقاربة اجتماعية توقف ذلك الحاجز النفسي الهائل الذي يتعلق به، ونعم ستقول لي: ولكنه هو أيضا عليه أن يفعل شيئا ما!!! نعم، ولكن بكل صدق هل تشعر أنَّه سيتمكن من الاندماج بالمجتمع بهذه السهولة؟ أقول بكل ثقة من خاض التجربة: لن يستطيع لوحده، ثمَّة يد اجتماعية لعلها لم تمتد، أو امتدت بخجل، أنا متقين أن إجابة أسئلة سعيد جداد (الحالة) كانت اجتماعية، ولعل الأوان لم يفت، وليت أحدهم يفهمُ أنَّ هذا الإنسان قد عاد لبلاده، ولا يوجد أي منطق على معاقبته على حالة سابقة للاجئ عاد بكل ثقة ببلاده، سعيد جداد قضية اجتماعية، وليت أحدهم ينصت لما أقوله قبل أن يتدهور حال هذا الإنسان ويصبح مجددا (حالةً عامَّة) ونهاية حزينة لا أعرف كيف ستكون.


لا أريد مجادلة أحد في وجهة نظري، هي خلاصتي الشخصية التي لا أفرضها على أحده، وكذلك لا أريد مناقشة أي شأن قانوني، أو سياسي (تجاوزا) يخص سعيد جداد. لا أريد أن ألومه، ولا أريد أن ألوم خصمه، لست درعا، لست حربةً في كبده، أقول وأصرُّ أن الحلَّ اجتماعي، ولن يكون سوى حل اجتماعي مبني على هدف واحد هو الإيمان والتعاطف بحق إنسان في إكمال ما تبقى له من العُمر في حياة هادئة. لا أعرف منذ متى وسعيد جداد لا يعرف سوى هذه الحياة؟ لا أعرف أيضا ما عملية التأهيل الاجتماعي التي عليه أن يخوضها ليخرج من عزلة، وجدران، وحواجز، وتربص ذلك الوضع المكهرب الذي عاشه لسنوات طويلة، أقول كمجرب قضى فترة أقل بكثير مما قضاها أبو عماد أن الأمر صعب للغاية، صعب فوق ما يتوقع إنسان يلوك الصوابيات وهو لا يعرف أي تغيير عميق يحدث نفسيا لكل من يدخل هذا العالم، وأي ترسبات ثقيلة لكل من خرج منه.


لأضع الشك في موضعه الحسن أستطيع أن أختم كلامي بأنني أيضا لدي شكوكي ومخاوفي، لا يمكن الجزم ببراءة سعيد جداد كليا، فهو ليس ساذجا، وليس إنسانا عاطفيا على نيّاته لكي أراهن بكل ما معي من تصديق أنَّه لم يعد إلى لعبة المواجهات، وكذلك أيضا لا أجزم أنَّ الذي يحرك خلاياه المناعية الاجتماعية تجاهه أيضا ينظر له بنظرة تجاوز وعفو، ثمَّة ما تراكم ولم يتحرك أحد لإيقاف تلك الحالة الاجتماعية، والوضع الذي يحدث الآن وإن كان قابلا للحل، غدا! لن يكون قابلا للحل.


المآلات كلها غير حسنة، ولن تنفع لا بلادا ولا إنسانا. وإن اتضح أن حالة أبي عماد الصحية حقاً حرجة، وحقاً يمكنها أن تعرض حياته للخطر، فالضغط أكثر وأكثر قد يقود إلى نهاية مأساوية لكل هذا، ما النهاية حقا؟ كلنا نعرف: وفاته! وبعدها ماذا؟ ما هو الأثار الاجتماعي النهائي؟ وماذا عساه أن يجادل إنسان؟ إن كان أخطأ قانونيا في شيء، فهو حاله حال أي مواطن تحت مظلة القانون، ولكن ماذا لو حدث ذلك الآن؟ بعد أن خرج من صمته ووجه النداء لسلطان البلاد لإيقاف منعه من السفر. هذه النهاية الأشد ضررا في كل هذا السياق.

النهاية الأخرى: يتضح أن سعيد جداد يخدع الجميع، وأن الزمار يموت ويده تلعب، وأنَّ كل من سيتضامن معه يشعر بالخديعة، ونرى نهاية تبلور حياته الاجتماعية لكي يتحول هذه المرة إلى حال الذي ليس لديه شيء ليخسره، وبالتالي يعود إلى (حالةٍ) بدلا من أن يعيش إنسانا خاليا من هموم ذلك العالم المكهرب الذي يستدعي الأمر معجزات حقيقية للخروج منه. لا أستطيع أبدا أن أنفي هذا الاحتمال، وأيضا لا أستطيع بسبب هذا الاحتمال أن أتصالح نفسيا مع كونه ممنوعا من السفر (إن صح كلامه).


النهاية الثالثة: يذهب للعلاج، ويعود، ويتضح أنَّه حقا كان إنساناً لم يرد أكثر من السفر لهذا الغرض، وهذا ما يتمناه كل إنسان لديه تعاطف مع هذا الإنسان، وما يتمناه كثيرون من ذوي القلوب الطيبة، وذوي العقول التي تصدقه وتراه صادقا، وربما أكون من هؤلاء مع حفاظي على مساحة هائلة من الشكوك بسبب طبيعة عقلي الذي امتلأ بشتى الصدمات حتى أصبح لا يرجح شيئا بسهولة.


النهاية الأخيرة: تأجيل النهاية، ومد أجلها إلى أن يشاء الله، وأن يتحرك من المجتمع من لديه كلمة، ولديه قدرة، ولديه تأثير لاحتواء هذا الإنسان اجتماعيا، وتيسير أمره، ودمجه مع المجتمع، ومساعدته على تجاوز سنوات وسنوات عاش فيها في آلية النشاط (السياسي/ تجاوزا) ليجرب ولو لبعض السنوات هذه الحياة الاجتماعية. لا تضامني، ولا تضامن العشرات ممن يعرفونه يكفي، ملف سعيد جداد الاجتماعي ثقيل بمعنى الكلمة، وكل إنسان يتمنى مآلا نهائيا مطمئنا لأبي عماد سوف يتمنى ذلك، ولكن ماذا عساه أن أقول، العين بصيرة، واليد قصيرة، عسى أن يحتسب الأجر عند الله إنسانٌ يقف معه ويعينه على التجاوز، ويفتح له باب الاندماج مع الناس، والشعور بهم. في ذلك نفع من أولا وأخيرا؟ في ذلك نفع للمجتمع، وبث لروح التجاوز والبدايات الجديدة، ووفاءٌ للسماحة التي بنا في عُمان، ومآل حسن لإنسان، ورب أسرة، وأخ لنا في عُمان اسمه سعيد جداد. هذا ختام قولي، من منظور اجتماعي بحت، أظن به النفع، فإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وإن أصبت فمن الله، ومن محبة هذه البلاد الجميلة التي لا أتمنى أن أرى إنسانا فيها يصرخ طالبا السفر للعلاج فيصمت الناس عنه بحجة (سوء الظن به). إن كنت صادقا يا أبا عماد، وفقك الله ونصرك، وإن لم تكن صادقا هداك الله، وراجع نفسك مليا، وعش ما أمامك من عُمر في طمأنينة بين الناس، ومعهم. أسأل الله أنني لم أخطئ، وليحفظني الله من تبعات هذا المقال إن كانت له تبعات.


معاوية الرواحي

الأحد، 9 فبراير 2025

الغافلون!

 

 

بجناحيه، يبوح الطير

للعالقين في هذه المتاهة

بما فاتهم من سماء

نحن الذين نسقط من علياء الوقت

إلى سافلِ الطين

بين قصيدتين/ بين فضيلتين

بين جنة، وجهنم

بين مقصلة وميزان

ومطارق الأقدار

وهي تدقُّ على مسامير نعوشنا.

 

نختالُ

نطأ الممالك بالأحذية

"اسمها نملة"

نقول باستهزاء

ونمضي لحربٍ أخرى

لنحفر نهراً من الدماء

لننزل الإنسان

في مقام الجيفة

باسم سلامنا الداخلي المزيف

وحججنا المزخرفة بأناقة

 

نحن كل ما لم نؤول إليه

نحن كل أخطائنا التي لم تحدث

أما تلك التي حدثت

فهي حياتنا

ونعبر أقدارنا

وننسى ونحن نسأل السماء

عن ما باح به الطير مرارا

لكل غافلٍ نسي طينه في الرمل

ونسي رمله في الطين

فلا نامت أعين الغافلين!

 

معاوية

 

 

الجمعة، 7 فبراير 2025

الغفلة راحة أم مشروع صدمة؟

 تمرُّ علينا بين الفينة والأخرى جمل على شاكلة "لعنة الوعي/ذو العقل يشقى في الجحيم بعقله" معززةً فكرة أنَّ الراحة والطمأنينة في هذه الحياة مترابطة مع الجهل، وإن الوعي عبارة عن سبب للتعاسة والأحزان!

ولكن هل هذا صحيح؟ ماذا لو قمنا بمساءلة هذه المسلمات التي ترد وفيرا وكثيراً في متناثرات الكتابة العمومية؟ 

هل الوعي حقا مصدر تعاسة؟ ألا يحميك منها؟ هل نحن نتكلم عن الوعي أم عن الخوف الزائد من أشياء قد لا تحدث؟ 

الشر موجود، العصابات موجودة، القمع موجودة، الظلم موجود، وكذلك ما يمكن للإنسان العادي أن يفعله تحت الضغوط أيضا موجود، كل هذا وعي، نعرفه. 

أين الخطأ؟

ليس في وعينا بذلك، وإنما في تعاملنا الداخلي مع هذه المسلمات. الوعي يحميك من إنسانٍ يريد لك الضرر، سواءً كان يعلم ذلك، أو كنت تعلم ذلك وهو لا يعلم. 

الأمر لا يخلو من علاقة كوننا الداخلي بالخارج، وما نعممه على الآخر بناء على ما نعرفه عن أنفسنا. القلق شيء، الخوف شيء، الذعر شيء، والشلل السلوكي شيء آخر، وعيك يجعل هذه الأشياء منطقية، أما هذه التعميمات فربما من المنطقي أن نفتتها بعض الشيء، وأن نجعل من تجزئتها واجبا نفسيا لكي لا نغرق في هذا المنطق الجاهز، أنَّ الغافل سعيد في حياته.

حتى ماذا؟ حتى يتعلم دروس الوعي، أليس كذلك؟ كل ما نتناوله في هذه التعميمات له تسميات مختلفة، الصدمة تختلف عن إدراكك للشرور وللظلم والطمع في هذا العالم. الخوف يختلف عن يقينك بوجود الشر، القلق يختلف عن شللك السلوكي وخوفك من الخطأ.

إنسان يحاول ويخطئ؟ أم إنسان يقف بعيدا عن الحياة ولا يحاول أي شيء لكي يبقى "واعياً" يجيد الصواب حيث يكون، لكنه لا يفعل أي شيء به، مسكون بالخوف من أن يكون أحد هؤلاء الغافلين الذين يتهمهم بالجهل، وفي الوقت نفسه يحسدهم على الطمأنينة! 


الوعي، واليقين المعرفي أنَّ هذا العالم لا يخلو من قدرية بشكل ما أو بآخر، أو إن أحببت تغيير الشركة الراعية لتقول "عشوائية" لا يعني أن نذهب مذهب هذه التعميمات. 


تساؤل مر بعقلي قبل قليل، وأتساءل، هل حقا الغفلة راحة؟ أم مشروع مصيبة مؤجلة؟


ما رأيك؟

الأربعاء، 5 فبراير 2025

إنه الوقت المناسب حقا!

 مع تطور الذكاء الصناعي، ثمَّة نهضة أخرى تحدث جانبيا في عالم علم النفس. تلك النماذج التحليلية التي كانت تحتاج لأنظمة مكلفة، وساعات عمل هائلة، وأدوات إحصاء وتتبع تتطور الآن إلى أدوات ممكنة. المختص في علم النفس يصبح في هذا العصر الحديث أكثر فاعلية. والحديث عن نماذج الفاعلية لا حصر له.

بلا شك، التضييع الرسمي والمتعمد للوقت، وللحياة، وللبارض، والمزاج، وللروح النضالية في الحياة، بل وحتى للفضول المعرفي أن تحاول شرح ماهية علم النفس للذين لا يريدون معرفة ما يفعله علم النفس. 

الجدال الذي يُخاض دائما مع العقول (البزنسية) خير مثال على ذلك. توجه تساؤلها الإنكاري الصفيق عن علم النفس في عالم التجارة والوظائف! بينما التسويق، والوصول، وعلامة البراند، التوظيف، كلها قائمة على مبادئ نفسية، ومع تطور اختبارات السمات الشخصية، وأدوات التتبع المختلفة في نماذجها يقدم علم النفس إجابات تقترب للدقة، وعموميات مثبتة علمياً، يمكنها تشخيص مشكلة في موظف أو فريق، ويمكنها رفع إنتاجية فريق عمل.

علم النفس الرياضي هذا وحده كوكب متكامل الأركان بكل المليارات التي في عوالم الرياضة. 


النفساني يعيش غربةً حقيقةً في هذه الحياة، كل أدواته التي يقدم بها النفع للعالم مكلفة، ربما حتى هذا الزمان، ولعلها صدفة قدرية لم أخطط لها، لكن بعد عصر الذكاء الصناعي قد يكون هذا الوقت أفضل وقت لدراسة علم النفس، ما يفعله الذكاء الصناعي بتخصصات كثيرة هو أن يزاحم تأثيرها، ويسحب ساعات العمل المدفوعة من متخصصيها، أما في عالم علم النفس، الذكاء الصناعي يقرّب الآن ذلك التأثير المثمر لمختصي علم النفس في مجالات كثيرة.


تلك اللغة المتعارف عليها تخصصيا في مجال علم النفس، كأي لغة متعارف عليها في باقي العلوم، بادئة خيوط بحثية توصلك لإجابات قد تستغرب دقتها!

اليوم من الصعب أن تحلل حسابا في تويتر باستخدام أدوات الذكاء الصناعي، والتحليل اللغوي! خلال سنة، ثلاث سنوات؟ كم خدمة لتتبع الأثر الرقمي سوف تكون جاهزة، ومنها ما هي الآثار الإيجابية لكل هذا على النمو الاقتصادي؟ 


التفكير التقليدي في هيمنة الصناعة على الوظائف محق مرحليا، لكن هل هو محق على المدى الطويل؟ لأن الوظائف التي تشغلها الآلة ستفتح أيضا نموا اقتصاديا، ووظائف جديدة، وتخصصات جديدة، وهُنا الأمر شبه قدري، إلا ربما لهذه العقول الفارقة التي تخطط لحراك العالم الاقتصادي والابتكاري. 


بتُّ متقيناً، هذا الزمان يتجه إلى فاعليةٍ حقيقية لعلم النفس، ليس من النواحي العلاجية، واتقاء ضغوطات العالم التقني الجديد وابتكاراته، بل أيضا من حيث ما يسهله على المختص في علم النفس، وما يقدمه من أدوات، وما يسرّعه ويوسعه من تأثير.


الأحد، 2 فبراير 2025

بين براثن المذاكرة:الهرب الدائم من الحياة!

 

 

 

أن تكون طالباً في الأربعين من العُمر جُملة لا تخلو قليلا من مخالفة السائد من العموميات المطاطية التي نحب كبشر أن نلوكَها توكيدا، أو تشجيعاً. نعم! تلك الذات المتعلمة لا تقف عن تعلم الجديد. نزعة الإنسان لكي يعرفَ أكثر لا تتوقف. السؤال الحقيقي هو ليس عن ماهية هذه المعرفة، وإنما عن كيفيتها. أن تمتثل طالباً أمام هيكلٍ تعليمي مادي كالجامعة، وهيكلٍ تعليمي آخر كالمواد الدراسية معضلة أخرى، قد يجيب عليها إيلون ماسك بتفسيره أن الجامعة فرصة للطلاب لإثبات قدرتهم على الالتزام بمواعيد، ودراسة أشياء لا تروق لهم بالضرورة. لهذا السبب ربما آثرت إنفاق أربع سنواتٍ من العُمر لتتويج اهتمامي بعلم النفس بشهادةٍ تخصصية، ولإنهاء رحلة طويلة من التعلم الذاتي قد لا تكون ملائمة للباقي من سنوات العُمر التي تحتاج إلى مدينةٍ واحدة لا يكفي العمر لمعرفة سكانها أجمعين.

بين براثن المذاكرة، هذا العنوان الذي اقترحه عقل صديق، شعور لا يخلو من مسٍّ من الغربة. أن تتعلم هذا شيء، أن تحاول الغوص لأعماق أبعد من جلسة الغوص السابقة، هذا شيء أيضا، ولكن أن تقف أمامَ مهاراتِ التلقي واضعا نصب عينيك هدفاً اسمه امتحان جامعي هُنا تأخذ الأشياء طابعاً معقداً بعض الشيء. المذاكرة شيء ثقيل على النفس، لا أفهم حتى هذه اللحظة لماذا يجب أن نتجرع الغصص هذا بروح النضال والتحدي، ثمَّة شيء مختلفٌ حقَّا. حتى تلك الموضوعات التي نحبُّ أن نعرف عنها أكثر تتحول إلى واجبٍ ثقيل على النفس، وتنشأ من ذلك أسطورة النضال الدراسي، وأوهام الطلَّاب الأقرب إلى عقولهم.

 

طرائق التعلم الأكثر فائدةً متناثرة في أرصفة كتب علوم النفس التعليمية، وكتب التربية، بل وحتى في مناهج علم النفس المتعلقة بالذاكرة، والنسيان، فضلا عن علم نفس التعلِّم، وعلم نفس النمو، وقليل من العلاقة بين التكوين العصبي للإنسان وقدراته على التعلم، بين الحاسَّة والإدراك، بين التلقي والتحليل والتفسير، وعلاقة العصبونات بما تفعله، بدماغنا وما يختزنه. الطالب الذي يبحث عن الصواب الدراسي لن يعييه أن يجدَها جاهزاً. في عصرنا الحديث العصارات المهارية، والعلمية متناثرة في كُل مكان، ولا أنسى الذكاء الصناعي وما يضيفه الآن في سهولة البحث عن الحقائق العلمية، كل هذا جاهز ولكن أين المُهتم الذي يذاكر كيف يذاكر؟ هذه في حد ذاتها معضلة أخرى من معضلات النضال الدراسي. الصواب ليس صعباً. الصعب هو فعل الصواب! أليست معضلة بكل معاني الكلمة؟

أخذت معي فائدةً غير متوقعةٍ من الدراسة في عُمر الأربعين، غير موضوع الشهادة ولعنتها الدائمة وشحوب إيمان أهمية المهارات على النموذج الكلاسيكي لفكرة المتخصص. الفائدة تختصرُ في عودة هذه الجلسات المُخلصة القسرية، وعلاقتها بالتعلم القسري. كطالب عليك أن تذاكر لأنك مهدد، تحت إكراه الخوف من خسارة الدرجات، أو ما هو أشد، خسارة مادة من المواد، والفزع يتراكم لخسارة الفصل، أو خسارة الرحلة الدراسية ككل. هُنا يُحمد الكذب على النفس، أنني أحب هذه الرحلة، وأذاكر لأنني أتعلم! ياله من هراء أنيق!

براثن المذاكرة اختطافٌ مؤقت من كل مباهج الحياة، والوقت الممتد. كسرٌ مُحكمٌ في سيرورة الوقت، ينجيك من الخوف الكبير بالمخاوف الصغيرة. بشكلٍ ما أو بآخر تفتت (كمُذاكر تحت التهديد) ظلام الرعب الكبير بالشموع الصغيرة وهي تتكامل داخل دماغك، ومع خبرتك (كمذاكر دقيق) تتخلق أمام عينيك عقلية (المُختَبِر المحترف) فهذا سؤال سيأتي بدرجة واحدة، وهذه أسئلة سوف تأتي على هيئة مقال يحتاج إلى صورةِ شاملةٍ تُفهَمُ لكي تُسكب لاحقاً على هيئة مقالٍ صغير يكتبُ في امتحانٍ تُلاحقك فيه الدقائق والعموميات.

ذلك الإدراك البشري المفزع أنَّك تنسى سؤالٌ لا يزول. المعارف التي تنالها تحت الإكراه والتهديد تختلف عن تلك التي تبحث عنها كإجابات لمغناطيس الأسئلة الداخلية التي تتناطح في ذهنك. المذاكرة ليست إجابة على طنين الأسئلة الوجودية التي تعصف بك قلقاً ونغصاً في هذه الحياة، هي تلاعبٌ بآلية التذكر والنسيان، وفرصة ربما لطالب في الأربعين على تدريب عقله للمرة الأخيرة على هذه المعمعة المنظمة بإتقان على هيئة خطة دراسية.

ثمَّة انطباع نمطي طريف يُختصر بجملة (طلاب الداخلية). أؤمن مع الوقت بصحة هذا الانطباع. أقطع شوط عامي الثالث في تخصصي في علم النفس. أكتشف استيقاظ ذلك الكائن الدراسي الذي كنت عليه يوما ما، ذلك الذي أخذني إلى بداية طريق مستقبل مختلفٍ في كلية الطب، ويأخذني اليوم إلى طريق مستقبل أختاره في تخصص علم النفس. سأذاكر لسبب ما أو لآخر، وسأهرب من المذاكرة لأسباب عديدة، أبسطها أنَّ كل مشاغل الحياة المهمة تتقافز أمام عيني في اللحظة التي أبدأ فيها جلسةً إجبارية أخرى تفتت حالة القلق التي ستنزل على كل حبي للحياة مع اقتراب حزام الامتحانات، وعقاله، وحباله.

من تجربتي في المذاكرة لاحظت شيئا ما يساعدني، ويصنع الزخم الذي أحتاجه لأنطلق. لا شكَّ أن بديهيات (ربما بدهيات أصوب) مثل البدء بالمواد السهلة، أو اختيار المستساغ تمهيدا للعلقم القادم في نهاية جلسة المذاكرة صوابٌ متداول ومتعارف عليه. الذي لاحظته هو أنَّ البدء بجلسة من تعلم آلة موسيقية، وقليل من التدريب عليها، ثم تحفيز العقل بعدة مباريات من الشطرنج يصنع لسبب ما أو لآخر بدايةً لسفينة المذاكرةً؛ لتخرج من الميناء الآمن، وتبحر في محيط الوقت الضائع/ المثمر. ستفعل كطالب كل ما بوسعك لتتجنب الخروج من الميناء الآمن، لكن ما لهذه بنيت السفن، وما لهذا خلقت العقول، أضع مجموعة أوهام منسوجة بعناية قبل كل جلسة مذاكرة، وأقنع نفسي أنني أذاكر من أجل التاريخ، ومن أجل الإنسانية، ومن أجل بقاء الكوكب البشري في كوكب الأرض، تحفيز سخيف لكنه ينجح دائما، أما في حالة هذا المقال، كانت  استجابة أخرى لفعل أي شيء آخر إلا البدء في قراءة ذلك المنهج الدراسي الذي يحدّق بي بوجه متغّضن، وواثق، يعرف جيدا أنه صاحب السيطرة على هذا الطالب الذي يغالب النفس بلا توقف لكي يحقق نتيجة جيدة، وينهي هذه الرحلة بتفوق ونجاح.

 

معاوية الرواحي

الثلاثاء، 21 يناير 2025

هذا ليس ترامب!

 ترامب بادي ساخن!!! بس السؤال أي ترامب بالضبط؟؟


ترامب العاقل، يبدو هادئا للغاية، وكأنَّه تعلَّم من كل تلك الصدمات المتتالية، والملاحقة، والمحاكمة، والتصويت على خلعه. المؤسسي، الذي سمح لمنظومة أن تنظّر في التغيير الذي سيحدث باسمه وباسم عهده.

ليس هو نفسه ترامب، العنفواني، المشحون بالصدام واللغة الهمجية. الأمريكي الذي يكاد يكون جاهلا آخر من الشارع يصرخ بجنون وهو يلوح بالعلم الأمريكي ذي النجوم!

ليس هو نفسه، هذا رئيس آخر مختلف، بمشروع أكثر تعقيدا من كل ذلك التبسيط الذي دفعه للاندفاع العالمي وكأنه يريد أن يثبت شيئا ما. ليس هو نفسه بعد هذا الفوز، ليس هو نفسه الذي توجعه سخرية أوباما! ليس هو الذي أصبح يعبأ.

لغة إيلون ماسك تتسرب في خطابه، ولا سيما في موضوع (نظام الكفاءات) ..
قرارت محدد وكأنها كانت قرابين لإيلون ماسك ورغبته في فرض تغييره وتأثيره على العالم!!

هذا ليس ترامب الذي نعرفه، هذا ترامب جديد، منظوميٌّ بحت. أمريكي قبل أن يكون رئيسا. لم يترك الديمقراطيون والليبراليون مساحةً معقولة للنقاش، نزعوا عن أمريكا قيماً متتالية، وأهمها القيمة الإيمانية.

هذا ليس ترامب، ليس ذلك الذي اعتدنا عليه. وكأن نصفه (العيلوني) كان ينطق بكل تلك الرسائل الساعية للخلود، الوصول للمريخ، ونصفه الآخر الجمهوري كان يفتح أبواب الجيش على الجريمة المنظمة، ويعلن حربا هذه المرة حقيقيةً، وليست كتلك التي بكل ضحالة وسطحية اختارت منع المسلمين من الدخول، وشمل هذا القرار أيضا مواطنين أمريكيين من ذلك الترامب القديم السطحي.

هذا ترامب جديد، الذي نجا من رصاصة كادت أن تهشم جمجمته وتخلط عظامها بدماغه، ترامب أكثر هدوءا، يبحث عن الرخاء، والمال، والنفط، والصناعة، بلا خطط زائدة عن الحد لتحطيم العالم أكثر مما تحطم.

ستكون حكاية مختلفة هذه المرة، والسردية القديمة ستتغير. أمريكا، الجائعة، الاستغلالية، النهمة للمال، المستعدة لمنافسة الصين، الباحثة عن أسواق للمنتجات، والجاهزة لاستخدام قوة الجيش مع أقرب دولة ضعيفة، لعلها ستعود إلى ضحية أخرى.

هذا ليس ترامب، هذا إنسان هادئ تعلم من الصدمات والتجارب، وتعلم التفويض، تمسّك بتاريخية فوزه، وكأنه لم يعد يعبأ كثيرا بما سيفعله بمقعد الرئاسة، لم يعد الأمر يتعلق بنجم تلفزيون الواقع الذي احتقره وسخر منه أوباما، وسخر منه الجمهوريون، وسخر منه بايدن، لم يعد ذلك العنجهي الذي طفق يمرّغ أنف من شكك فيه وفي فوزه لأربع سنوات اختتمها بتحريض الجموع على العصيان.

ترامب المحاكمات أصبح أكثر هدوءاً، أصبح يرتجل أقل مما يقرأ في خطاب تنصيبه رئيسا، ترامب ستورمي دانيالز، والتصويت على خلعه، أصبح اليوم أمريكيا أكثر من كونه رئيسا.

لا يبدو أنه دخل بجنونه القديم، إلا ربما لو انقلب على من غرسه رئيسا، إلا ربما لو تسبب بانشقاقات متتالية في لحظة جنون، إن واصل على هذا النهج، سيحقق من خططه الكثير، وأتمنى على الأقل أن تنشغل أمريكا بأمريكا، لعلها تترك العالم قليلا وشأنه، وتتوقف عن إثارة كل هذه الفوضى فيه!

هذا ليس ترامب، هذا مؤسسة على هيئة إنسان، أصبح أخيرا مقتنعا أن أيامه الأخيرة، وجلوسه بجانب كل هؤلاء (الماضي) لم يعد سوى موضوع شهور على هيئة أربع سنوات.

وماذا عن عيلون؟ على ماذا ينوي؟ ومتى سيقف؟ لا أحد يعرف. المطمئن الوحيد في المسألة، أن تعاملك مع اقتصادي يطمح للمنافسة الاقتصادية والرخاء أفضل بكثير من دموي جاهز لإثارة الحروب، وخوضها، وإشاعة المواجهات العسكرية في العالم، والصمت عن جرائم الإبادة.

ثمة شيء مليء بالسلام في نبرة ترامب، قد تكون نبرة كاذبة، لكنها تكفي لكي تغذي ذلك الحدس أنَّ ترامب ليس هو ترامب القديم. هذا مشروع، بكل سيئاته، وبكل حسناته، أتمنى حقا أن يترك العالم قليلا وشأنه وأن يترك الناس تعيش في سلام.

عسى ألا نرى أمريكا مجددا، الأنانية، الدموية، تفعل الأفاعيل، وتثير الأزمات، هي وصوابيتها المزدوجة ونفاقها الإنساني. عسى أن نرى استعادة لروح الحرية الأمريكية الحقيقي، وربما على يد هذا المندفع المجنون ستعود الروح إلى هذه البلاد التي سجلت في تاريخ الحضارات عظمةً وحضورا، وعمقا، يكفي لكي تحترمها كإنجاز، ولكي تبقى حائرا في أكاذيبها كسياسة.

يريد أن يجعل أمريكا عظيمة مجددا؟ يا ترامب، أعد أمريكا أولا، ومن ثم اجعلها عظيمة كما تحب وتشاء!!!

من الذي هزم؟ ومن الذي خسر؟

ملاحظة هذه التدوينة تتعرض للإضافة بشكل مستمر:



* هذا التأمل وجهة نظري عن سبب حدوث ما حدث، هذه ليست الحقيقة، هذا ما أظنه! التفسير الذي يجعلني أرى ما حدث منطقيا. تفسير ما بعد المآل، وليس ذلك الذي قبل السؤال. وجب التنويه!



ياخي جدا يغيظك الشخص اللي معتبر الدمار في غزة هو الهزيمة! يتكلم عن فلسطين كأنه ولي أمر هذا الشعب المحتل، فهو الذي يعرف ما في صالحه، وهو الذي يحدد معايير النصر. 
غزّة خسرت، إسرائيل هُزمت .. وشتان بين خسارة وهزيمة.

الكيان الذي "لا يقهر" وقف أمام أنفاق المقاومين عاجزا، وقدمت المقاومة الفداء، من قادة، ومن جنود، من أجل ماذا؟ قضية التحرير، لبُّ النقاش. 
ولكن ماذا تنتظر من الذي يسيِّس كل شيء وكأنه في نقاش حزبي في مقهى شيشة؟ سيردد الهراء نفسه عن موازين القوة والضعف، وسيعيدنا إلى المربع الأوَّل، قوّة إسرائيل، وانبطاحه المستميت أمام قوته الهائلة، وسيبقى يلوم المقاومة مستخدما كل أجندة ممكنة ما دام الأمر تسييسا من لدن عقله العظيم.

غزة خسرت، البشر والحجر، وعاشت نكسة حقيقية، ولكن السؤال الكبير، هل كان لدى المقاومة أي أمل؟ مع اقتراب التطبيع العربي الكبير؟ هل لدى المقاومة أي أمل؟ ألم يكن موضوع وقت قبل أن تصبح المقاومة حجر عثرة أمام المشروع الكبير؟ 
فلسطين، منزوعة الدسم، والسلاح، ويتولى أمرها وشأنها من يضمن موت المقاومة، ونزع السلاح! 

ما هو السيناريو البديل؟ لمقاوم جاهز لحرب؟ إن لم تنتصر في هذه الجولة فهو يسلّم الجيل وراء الجيل من أجل هذا النصر البعيد؟ من أجله أرضه التي احتلَّت والتي أهداها من لا يملك إلى من ليس له حق؟ 

ليس مخالفة للمنطق أن نقول أن المقاومة حقا افتعلت هذه الحرب، عن سبق الإصرار، والترصد. هجمة السابع من أكتوبر لم تكن عملية نوعية صغيرة تهدف إلى اختطاف أسرى فحسب، كانت حقا افتعالا متعمدا لمواجهة كبيرة، ولكن دعنا نسأل أنفسنا لماذا؟

لأنَّ الموت كان قادما في الطريق، هكذا أو هكذا. تخيّل أن تصبح إسرائيل دولة طبيعية في العالم العربي؟ ولو امتدَّ التطبيع لكي يصبح واقعا؟ مقابل ماذا؟ دولة فلسطينية منزوعة الدسم؟ ليس بها سوى شرطة، وأدوات قمع لأي فكرة بها جيش، أو مشروع لجيش؟ فلسطين بلا مقاومة؟

ضع عقلك مكان المقاوم الذي يرى كل هذا الكابوس يحدث أمام عينيه وستعرف لماذا انطلق جنود المقاومة لتوجيه الضربة الأولى في هذه الحرب، واختطاف أكبر قدر ممكن من الرهائن. هل سيموت بيد عربية؟ أم بيد صهيونية؟ أراد على الأقل أن يموت محاربا، فالمعركة قادمة قادمة، ولا سبيل سوى تمرير الرسالة، الدائمة، رسالة الشهادة، والحق الذي لا يموت، وهذا ما حدث. 

هذا ما أظنه، وقد بقيت حائراً طويلا في السبب الذي يجعل المقاومة تستعجل تلك الهجمة؟ لا تفسير آخر لدي، أرادوا الموت مقاومين، فالاحتمالات الكارثية للتطبيع العربي الشامل، وصناعة فلسطين بلا مقاومة كان مشروعاً يطل برأسه، وإسرائيل كانت سترضخ، وستوافق، وستقبل بتلك الدولة (اللادولة) بكل سهولة، وكيف ستحدث دولة (اللادولة) هذه؟

من ستواجه المقاومة وقتها؟ كل ذلك المد العربي الكاسح، الذي سيفعل ما بوسعه لاستئصال شأفة المقاومة، ونزع سلاحها، واتهامها بالخيانة، وخيانة الشعب، وخيانة الأمل، وخيانة الدولة، وطبعا ذلك كابوس العمالة المقيت جاهز لتفتيت ما تبقى، وهات يا أدلجة، وهات يا صناعة للشخصية الفلسطينية الأنانية، والرخوة، والتي (باعت) أرضها من أجل مجموعة عمارات وكثير من الدولارات.

لم تكن المقاومة منتحرةً، ولم تكن في موضع القوة، والجاهزية، ولم يكن لديها وقت للمزيد من الإعداد والتجهيز، كل ذلك التطبيع كان جاهزا ويتمدد، وكان عربيا، ونهايته ماذا؟ الحرب ستكون عربيةً عربيةً، فما الذي تنتظره المقاومة؟ المصير البديل؟ أم رمي الشرارة في برميل البارود، فكان ما كان من إبادة، وجرائم حرب، وموت، ودماء، وكوارث، وهي الحرب، أقبح ما في إنسانية الإنسان. 

المشغول بلوم طرف والدفاع عن طرف، أعمى سوى عن همّه السياسي، وشعوره بأنَّه هو ولي أمر فلسطين السياسي، الذي يملي عليها ماهية الصواب من أجل حق ذلك الشعب، لا يختلف خطابه عن إسرائيل، التي أيضا تنظر في شأن الفلسطينيين، وحياتهم كما يفعل هذا المُسيّس الذي أعمته موازين القوى وحسابات الجنود عن بوصلة التاريخ، وعكس مساره، إن لم يكن الآن فبعد أجيال. 

هُزمت إسرائيل، وأخرجت للعالم حقيقتها، هزمت أكاذيبها، وفقدت إيمان العالم الغربي بها، غرست كل تلك التضحيات واقعا جديدا، وستكون ألف حرب عربية مع المقاومة، حرب صعبة، حرب فشلت فيها إسرائيل قبل أن تصبح فلسطين بلا مقاومة، وبلا حماس، وبلا قسّام. 
لم يعد مطروحا كل ما كان من تسليمٍ مترف لفلسطين منزوعة الدسم، لم يعد مطروحا كل ما كان من آمال إسرائيل بإعادة السيطرة على تلك العصبة الشجاعة، لم يعد مطروحا أن تحلم إسرائيل باجتثاث المقاومة من جذورها، سنة كاملة والنتيجة النهائية التسليم بالأمر الواقع، المقاومة لم تمت، لم تفتت، والشهيد، ابن الشهيد، ابن الشهيد يمررون بالفداء رسالة التحرير، هل خسرت غزة؟ نعم خسرت في الحرب الكثير، أما إسرائيل، فقد هزمت وجرّت أذيال الخيبة، أخرجت أقبح في في أقبحها، ورضخت في النهاية، وأوقفت الحرب.

يسأل البعض عن النصر، وكأن إعادة كل الأراضي المحتلة سيحدث غدا، هذا تعريفه للنصر، هل تعرف أين انتصرت المقاومة؟ أنَّها لم تمت، ولم تسقط بيد كابوس العمالة، ولم تقبل بصفقة (الفلسطين) منزوعة الدسم والسلاح، وتركت للتاريخ ما يكفي لكي تبقى شعلة الأمل باقيةً، أنَّ النصر وإن تأجل، فهو حلم لا يموت. انتصرت المقاومة فقط لأنَّها لم تمت، وقد يبدو هذا النصر شاحباً، وغير كافٍ لسياسي محنّك في مقهى شيشة، لكنه يكفي لمقاومين اختاروا الخيار الصعب، اختاروا الموت على الحياة، وكشفوا للعالم، أن فلسطين أرض الموت والولادات، غزة عوقبت بالإبادة التي فاقت البادئ بالحرب، أما إسرائيل فقد فشلت، وهزمت، وانقسمت، وكسر أنف عنجهيتها، والآن تتفسخ وتفترق.
 أما المقاومة، وهذه الأمَّة، فتجرعت من الكرامة جرعةً مُرَّة ولاذعة، كانت تكفي لكي تخلد الرسالة: فلسطين حرةَّ، ذات يوم، ذات جيل، ذات قرن، ذات عقد، ذات أبد. فلسطين حُرَّة ولم تمت بعد.
وهذا نصر مبين، وإن لم يكن مبهرجا بما يكفي لمسيّس بائس، لا يعرف سوى لغة الرياضة والأهداف: من مات أكثر هُزمت في الحرب! 

وكأن كل هذا لعبة والمنتصر من حصد أكبر عدد من النقاط! 

هذا العالم العربي عجيب فعلا! عجيب بمعنى الكلمة!




يعتمد على تعريفك للنصر. وبالمناسبة ما كتبته أعلاه هو رأيي الشخصي، وهو رأي متواضع جدا وقد وضحت هذا في بداية المقال.

وجهة نظري أنَّ كل ذلك الاستعداد كان لحرب مؤجل، أو فلنقل (مواجهة مؤجلة).

من منظور استعماري بحت! إسرائيل المنيعة، الحصينة، القوية، ذات اليد الطويلة هُزمت من أي منظور؟
النفسي: كسرت أنف تلك العنجهية، فإسرائيل التي تتحدى دولا بأكملها، اليوم تعجز أمام قطاع صغير، لجأت للوحشية، وانتقمت من المدنيين، هذه هزائم نفسية متتالية، تنخر في الاقتناع الداخلي بأخلاقية الحرب، والبلاد، والقيادة السياسية، حمضٌ كاوٍ يتغلغل ببطء في نفوس الإسرائيليين أنفسهم.
دفعهم للوحشية هذا في حد ذاته هزيمة أمام الدعم العالمي لهم، المقاومة هُنا لم يكن أمامها سوى أن تحارب في اللحظة الخطأ. أما قيام إسرائيل بمعاقبة المدنيين، هذا ليس من الحرب في شيء، هذه دموية، ووحشية، وجرائم حرب صمت عنها العالم أجمع، أين الهزيمة إذن؟ الهزيمة في كل ما تنازلت عنه إسرائيل في سبيل الوصول للمقاومة. 

الصف الأول، الصف الثاني، الصف الثالث: هي مقاومة ميليشا ثورية إن صح التعبير، ليست مقاومة جيش دولة منظم، السؤال هو شكل الهزيمة الثانية؟
إسرائيل فشلت في التصدي (لحركة) مقاومة، متناثرة دعمها شحيح، وقد لا يخلو ممن يلعب على أوراق سياسية ما (ليس محور النقاش هنا).
إذا على المقاييس العسكرية، المقاوم يدرك أنَّه ميّت ميّت، لكنه هل كان موت مهزوم؟ هل قادت إسرائيل قادتهم للمحاكمات، ومرغت أنوف المقاومة في التراب؟ والتفكيك، والاستئصال؟ أم بقيت 15 شهرا تحاول حسم ما تظنها حربا خاطفة سريعة لتتحول إلى استنزاف مدته عام ونيف، والنهاية؟ انكسار نفسي إسرائيلي هائل، وشعور بالنذالة، والقذارة العالمية، وخسارة كل الأفضلية الأخلاقية! أما لوم المقاوم لعدم قبوله بالهزيمة هذا في حد ذاته هزيمة.

كما قلت أعلاه، بقيت في حيرة هائلة! لماذا المقاومة استعجلت افتعال متعمد للحرب، الآن بعد الحسابات الأخيرة! يتضح أنها حرب ستقوم هكذا أو هكذا، أي حرب صعبة ستكون بعد التطبيع الوشيك؟ هل ستسلم سلاحك ليد عربية تريد استئصاله؟ معناه ستحارب من؟ انظر للسياق القادم سياسيا؟ تسليم المقاومة سلاحها لمن؟ لأدوات إسرائيل؟ مجددا، الذي يلام على الحرب ضد المدنيين هو إسرائيل، الذي يلام على محاولات الإبادة هي إسرائيل، كون المقاومة تعلم حقارة الخصم هذا لا يجعلها مضطرة لقبول ذلك. نتكلم عن وطن محتل، وطن لن يقبل الاحتلال نتكلم عن (شعب) صاحب حق، وفي كل الأحوال، هل الواقع يسمح بتمثيل تشريعي يعلن الحرب عبر برلمان فلسطيني؟ المقاومون مسلحون وجيوش بلا دولة، انتظار تحرك سياسي/ عسكري منظم منهم ليس أكثر من ضرب من تعجيز الضحية لتكون مثل الجلاد. 

هو سؤال جوهري: ما تعريف النصر؟

النصر الإسرائيلي هو فقط بتفكيك حماس جذريا، وإعادة احتلال غزة، وإقناع العالم أن هذا من أجل الخير والإنسانية، لكن قتل منك ألفان ثلاثة فتقتل خمسين ألف مدني؟ هذه هزيمة في موازين الوحشية الأخلاقية، حتى ما فعلته حماس بالمنظور الغربي كتصرف (إرهابي) واجهته إسرائيل بإرهاب دولة، وإبادة. هل هذا انتصار؟

النصر ليس بالنتائج النهائية للمأمول الكبير (التحرير) النصر في الموت المستحق من أجل راية تسلم للتاريخ القادم. لقد قضيت هذه المرحلة، لكنه لم تقض بنهاية المقاومة، وإنما بإدراك نهاية فصل وبداية آخر، وإعادة التموضع، والتعامل مع (الإسرائيل الجديدة) التي كشفت وجوهها الشوهاء، كل هذا تقدم استراتيجي، نحن لا نتكلم عن حرب مساحات (لم تبدأ بعد) نحن نتكلم عن استحقاق التحرير، عدم فنائه هذا شيء.

المقاوم جاهز للموت، أن تموت محاربا، وتعطي معنى لموتك، أن تقاوم، هُنا شيء من الصعب فهمه على شعب انتزعت منه أرضه باسم قرارات استعمارية ويطلب منه باستماتة أن يقبل الأمر الواقع، وأن يسلم هويته، وروحه، وترابه فقط لأن مجموعة حسابات دولية، لديها حسابات مختلفة عن النصر والهزيمة.
غزة ليست دولة، والمقاومة ليست جيش دولة، وأن ترغم أنف إسرائيل على التفاوض معك هذا في حد ذاته مساواة لها ما لها في الوعي الجمعي، وعي المقاومة، وحلم التحرير.

لو كان تعريفك للنصر هو سقوط إسرائيل نعم، هذه هزيمة، ولو كنت تبحث عن الانتصارات المتراكمة معنويا، سنرى أن المقاومة لم تمت بيد عربية.

أنا شخصيا متشائم، وأتوقع الأسوأ، والسيناريو المفزع الذي سيحاول فيه العالم شراء فلسطين، وتمييع قضيتها، ودفعها لاعتبار المقاومة شغبا يمنع دولة منزوعة الدسم والسلاح، هذا هو خوفي، أن ما لم تصلح فيه الدبابات سوف تفعله الدولارات، وبعدها نرى إسرائيل تختال في ردهات التطبيع العربي كجزء من النسيج الثقافي، أما فلسطين؟ فماذا يحدث لها؟ عمارات، ودولارات، وتجهيز لاستئصالها لاحقا بيد عربية وربما بيد فلسطينية!!

لم يكن أمام المقاومة سوى أن تعلن معركتها، أن تقدمها، وما حاولت إسرائيل فعله في ميدان السياسة عطلته المقاومة في ميدان الواقع. أما لوم حماس لأنها لم تقبل الهزيمة فهو عجيب غريب، مارست إسرائيل دمويةً حقيقية، وجرائم حرب، فلو كنا سنحكم المنظور الغربي، والقانون الدولي هذا، فليحاكم الطرفان أما محكمة عدل، وليفرض مجلس الأمن على الطرفين مشيئة القانون العادل (نظريا فقط) والمجحف عمليا وثقافيا بكل تحيزاته إلى دولة احتلال شرعيتها الوحيدة فجوة سقوط العثمانيين وبدء عصر التقسم العربي.


لهذا أقول (وجهة نظري) هنا وجوه من الانتصارات الصغيرة، أما النصر الكبير فقد سلمت راياته إلى جيل آخر، وطوبى لمن مات مقاوما، ومنح حياته وموته معناه. هذا نصر آخر، لكل من يتوق إلى قضية تستحق موتها وحياتها.

أتمنى أنني وفقت في شرح وجهة نظري بحذافيرها.


#تصويب_السياق:

الجدال مستمر، جدال الغرباء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في غزة ولا أهل غزة، ولا رصاصة لهم ولا مسدس في المقاومة وجنود المقاومة. ما هو السياق في ذلك القطاع الذي تقيس عليه إسرائيل الغذاء بالكالوري لكل نسمة؟
لو كان على الإنسانية في المقام الأوَّل، فهو ردع إسرائيل جذريا، ردعها من الدول وليس من الأفراد الذين يصرخون بهلع العاجز عن فعل أي شيء. هذا هو الحل الجذري. مبدئيا انتزاع جميع الأراضي التي تخالف القانون الدولي، وتأسيس الحلم الكبير لأرض فلسطينية متكاملة الأركان.
من بعد هذا المقال وأنا أتلقى مجادلات تثير حيرتي بمعنى الكلمة. ولقد كنت حذرا في الكتابة، فتجنبت الحديث عن موقف أهل غزة لغياب أداة القياس، هل فيديو واحد يقول (فداء المقاومة) يعبر عن أهل غزة؟ كلا طبعا، مثل الفيديو المضاد لإنسان غاضب أو جريح يقول (كل هذا الدمار بسبب قرارات المقاومة)، السؤال: ما هو البديل حقا؟

كُل من يأتي لائما بعد كل هذا الدمار مُحق، الخسارة البشرية مهولة ومفزعة، اللوم على من بالضبط؟ أليس اللوم على إسرائيل ونزعة الإبادة، وهم الذين (يسامعون) العالم بما حدث لهم من طغيان؟
ماذا يقول صاحب هذه المجادلة ضمنيا: (أقبل حقارة إسرائيل) و لأنني أعلم ذلك، أقبل بالهزيمة المسبقة أمامها، ولأنني أقبل هذه الهزيمة أذهب إلى مذهب أنَّ المقاومة عليها أن تسلك درب المفاوضات حتى النهاية، لا يقول هذه البادئة، لكنه يقول ختامها، وللأسف بعض الخطابات وكأنها شماتة في خيبة، لا أعلم الذين يأتون بعد أن عاد غبار المعركة إلى إسفلت الشوارع هل يرون ما يقولونه.

غزة ليست دولة، إنها قطاع، والمقاومة ليست جيشا، إنها حركات مسلحة، من الذي يعرف رأي أهل غزة؟ ما أداة القياس؟ لذلك نحن كغرباء نجترئ بكل بساطة محاولين رصد الإشارات الممكنة، وكلانا صواب جزئيا. السؤال الكبير لنا كغرباء نرصد المشهد من بعيد؟ ما هو الخيار البديل؟

عندما طبقت أدوات الديمقراطية في القطاع وفي الضفة ماذا حدث؟ حتى هؤلاء المتخمين بالشرعية الدولية متى آخر انتخابات حقيقية حدثت؟ إذن نحن في سلطة أفراد، هذه حقيقة دامغة، وسلطة استغلال أو استثمار للفراغ السياسي، والسيادي، وكل شيء آل إلى قوة الميدان. غزة ليست جنَّةً صوابيَّة لكي يذهب التحليل إلى إسباغ صفات واقعنا المدني النمطي كغرباء على ذلك القطاع.
الموقف موقف قوَّة، واستلاب، وهذه ليست تهمة، نحن لا نتكلم عن قطاع يُعطى فرصةً لكي يكوَّن أدواته المستقلة، ولا عن قطاع يمكن للمقاومة فيه أن تشتغل في إدارة جموع أهالي غزة سياسيا، نتكلم عن سعي مهول باسم المعتقدات السياسية لتقرير مصير القطاع نيابةً عنه، هذا لا يختلف عن ما تفعله أمريكا وإسرائيل، وعن ما يفعله أدوات الدعاية البائسة بكل أسمائها المستعارة وكأنَّها ستغير وجهة نظر الشعوب عن حقيقة المصيب والمخطئ في هذه المذابح كلها.

فعلا استغربت!!!! شخص بكامل وعيه يكتب خطاب شماتة! لكن ما هو الضمني المفزع في كلامِه؟ لوم المقاومة شيء، ولاحظ عزيزي القارئ، أسميها المقاومة، بكافة أشكالها، بكل من يدعمها، بكل منظومتها، فهي كيان روحي، معنوي، بطولي، يلاحق تاريخا أزليا، وأمدا بعيدا، وإن لم يكن أمدا، كان أبداً أقصى. الأمر ليس احتفالا بالنصر، الأمر أين لم تحدث الهزيمة، أين تراكمات الانتصارات الصغيرة، ومن الذي عاد محتفلاً بحركة الردع الداخلية؟ وما هي الخسارات؟

اسرائيل لم تحارب المقاومة، إسرائيل حاربت الشعب، والمدنيين، ولجأت للتحطيم، وأخرجت كل ما في العنصرية من حقائق، أصبح العالم يعرفها جيدا.

القرار بيد القوَّة، العسكرية، بيد من له السلاح، وهذا الوضع من الأساس وضع مؤقت ينتظر الحرب، عاجلا أم آجلا. تلك الحرب، وهذه المواجهة حدثت مبكرا لظروف أكبر، للسياق العربي الذي يركض نحو التطبيع، والمصالح الاقتصادية، والرأسمالية القادمة من رخاء الشرق الأوسط (البديل) ولا أقول الجديد. القرار بيد قوى الضغط. لذلك لا منطق يمكن أن يناقش والسياق الكبير غائب، سواء ذلك ضمن الدائرة المصغرة، أو الكبيرة العربية، أو الأكبر عالميا.

السياق في الدائرة المطلقة، دائرة العقائد والانتماءات. وكغرباء، نصيبنا محاولة الفهم وليس فرضه، ما أكتبه محاولة فهم فالحقيقة ليست بيدي ولا بيد الذي يجادل باستماتة (كل هذا بسبب المقاومة) وكأن صواريخ المقاومة هي التي دكّت منازل المدنيين في غزَّة! عجيب فعلا هذا المنطق!

أنا شخصيا متشائم جدا، هذا التواطؤ العربي، والعالمي، والسعي المهول إما لتحقيق خطط إسرائيل بأقصى قدر يميني ممكن، أو لتحقيق التمييع النهائي للقضية. هذا هو التفسير الوحيد في رأسي، المقاومة أدركت هذه النهاية فاختارت أن تكون حربا. هل هناك ما لا أعرفه؟ من المؤكد نعم، لكن أيضا، هجوم السابع من أكتوبر هو إشعال متعمد للحرب، يجب أن نسأل أنفسنا، هل كان يمكن تجنبه؟ وهل هذه الحرب كان يمكن ألا تحدث؟ كانت قادمة في الطريق، إما بزحف العالم نحو حصارٍ للمقاومة في غزة، أو بالمواجهة المباشرة للاحتلال، وترك العالم يتفاعل، والموت ثم الموت في سبيل رحلة التحرير، النصر بعيد، للعله الآن ليس مستحيلا، وإن كان بعيدا.

أقول في نهاية كلامي (ربما) هذا ما أكتبه محاولة لأجيب على تساؤلات عقلي، ولأتفاعل مع العالم لعلي أرى وجهة نظر مقنعة، أما مجادلة هؤلاء الذين يقولون خبر الجملة، ولا يقولون المبتدأ، لا يمكن مناقشة مهزوم، لسبب بسيط، لأنني نفسي عشت سنواتٍ كافيةً في تلك الأوهام الغبية، أن إسرائيل (النووية) قادرة على تحطيم كل أعدائها، اليوم واجهت حركة وغرقت في حرب العام ونيف ولم تحقق سوى التدمير، دولة تجيد التدمير ولا تجيد الانتصار، هذا وهي في مواجهة قطاع عرف الجوع والنَّصَب، هل كابوس إسرائيل في الحرب العربية الشاملة هو ما يدفعها الآن للتنازل، وللتطبيع المذل لها؟

أنا متشائم، وظنون متشائمة، وأنَّ نجاح مهرجان التطبيع هو موضوع وقت، وأنَّ خطة الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح كانت ستحدث عاجلا أم آجلا، بيد عربية، وأن المقاومة كانت ستحارب في كل الأحوال، وقد اختارت هذه الحرب المبكرة لأن الحرب الأخرى ستكون قذرة تاريخيا، حرب اليد العربية المطبعة مع المقاومة (التي تخرب كل الخطط) ووقتها سيكون السياق قد تغير، وستحارب إسرائيل مع اليد العربية المطبّعة، التي ترى في المقاومة خيانةً لفلسطين، وبالتالي هات يا انقسام فلسطيني، وهات يا إغراق بوعود الترف والرخاء، وهات يا نهاية قبيحة جدا. أظن (ركز في كلمة أظن) أن المقاومة تجنبت هذه النهاية المرعبة.

هل كان قرارها خطأ؟ هل كان قرارها صواب؟ لا أعرف. النتيجة النهائية خسارة غزة البشر والحجر، وهزيمة إسرائيل داخليا، وعالميا، وانقسامها. كل ما يحدث له ما بعده. هل تأجل التطبيع العربي الشامل؟ لا أعرف، ربما تأجل وربما تغيرت خططه، الذي لم يتغير أن السياق الداخلي لغزة يجب أن يكون حاضرا في النقاش، تلك المناطق لها خصوصية متخمة بالاختلاف، من الصعب أن نسقط سياق حياتنا العادية عليها.

لست بصدد نقاش إنسان يعتبر الأمر سياسيا فقط. ولا هذا الذي يتشنج باستماتة في تأكيد تحيز، أو موقف سياسي، الفرد له رؤيته، وطريقته في النظر للأشياء، وهي دائما ناقصة. لكن عاد!!! الشماتة في الشهداء من أجل موقف سياسي؟ هذا ضرب من ضروب العجائب، غفر الله لكل من ذهب في طريق الله، اجتهد فله أجر، أخطأ أم أصاب، لم تكن هذه الحرب سوى موضوع وقت، وقد اختارت المقاومة أن تحارب العدو، بدلا من أن تحارب طوفان التطبيع الذي كان موضوع وقت!

ربما!