بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

كتف مكسور/ رسالة إلى صديق!

 


 


 

كنت جالس في مكاني،

أشرب الزمن في بالي،

كتفي متكسر وحالي،

ما يحسّه أي غريب.

 

فجأة جاني، من رماني

بالتحدي واصطفاني

كان يعرف ما أعاني

يا زمن هذا عجيب!

 

كتفي مكسور وشعوري

ما ظننت إنه ضميري

صار يتحمل خيانة

أو قساوة من حبيب

 

قال يتحدى المهذون

والتحدي يوم طحت

كيف يا سمعة مصيبة

هكذا فيها انزحطت؟

 

يعني لما كنت صاحي

ما خطر هذا ببالك!

جاي تتحدى جراحي؟

جاي تسحبني لمجالك؟

والله ما أخليك لحظة!

مستحيل ومستحيل

 

هذا ردك يا صديقي؟

هذا ردك للجميل؟

هذي فتنة واللي قادم

سيف والباقي صليل

 

باغي تلعب جيم؟ أهلا

بس تعال الساحة راب

لو أدسّك ميت مرّة

لست تنجو من عذاب

 

لا مواهب أو عجائب

سوف تنجيك العقاب!

 

....

 

جاي تتحدى المهذون؟

وانته في البليارد جاهل!

مطمئن، وما تطمّن

إلا يتحدى المقاتل؟

خلي طاولتك تنفعك

هات في الراب المسائل

 

أنت مليان بمواهب

يا ملحن للنشيد

لست في القرآن جاهل

لست في الدنيا بليد

أنت أقرب أصدقائي

بس ما أسمح تزيد

 

أنت أعظم من عرفته

في زمن قاسي وهبيل

ما أصدق إنه صاير

بيف مع صاحب نبيل!

 

كتفي مكسورة فهمنا!

أنت أشعلت الحريق

موهبة أخرى أضفنا

للمواهب يا صديق

 

أنت خائن للخيانة

أنت آمن للأمانة

جاي تتحدى بأمانة!

منكسر، يائس غريق!

 

ما أصدق إنه صاير

بيف ما بيني وبينك

بعد أيام الصداقة

هكذا توفي لي دينك!

 

كيف تكسرني بتحدي!

وانته عارف ما أعاني

كنت كتفي، وانكسر لي

من فِعالك، كتف ثاني

 

 

ماريو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


نرجسية الاستغلال والتضحية

 

 

 

في هذه الحياة أشخاص من نوع خاص، ليس لديهم قدرة على الصدق مع الذات، يعززون ويعمقون الوهم في دواخلهم لتعزيز سلوكهم الخيّر أو الشرير. فالخيّر، الذي يضحي ويساعد قد يفعل ذلك لغياب قيمة ذاته عنه، لشعوره العميق بأن الخسارة هي التعويض المعنوي، يخسر ويخسر لكي لا يكون أنانيا.

يدمن هؤلاء الخسارة، يبحثون عنها بجنون، تلتصق بحياتهم ومعها يلتصق أشخاص آخرون، هؤلاء الذين يلتصقون بخساراته، يلمّون الفتات الذي يتساقط من نزعتهم غير الطبيعية للتضحية، يخسرون ذاتهم فيتحولون إلى كائنات مُستغلَّة، لا يعنيها ما يفعله الآخرون من أنانية، المهم لديهم أنهم ليسوا كذلك.

بعض هؤلاء لديهم القليل من الحظ، يدمنون الخسارة وليس لديهم من يدفعهم لها، ولكن صاحب الوهم صديق لصاحب الوهم! يحل هؤلاء الذين يدمنون الأنانية واستغلال الآخرين، هؤلاء الذين لديهم إدمان من نوع آخر، إدمان الكسب تحت أي ظرف. تكتمل الدائرة التي لا نهاية لها سوى الصدام، خاسر، وصانع خسارة.

المستفيد من خسارات الآخرين يشعر أنه ذكي، وأنه يمارس فعلا طبيعيا، يشبه ذلك أصدقاء/خصوم القمار، فمنذ متى يهتم مقامر لراتب صديقه/خصمه الفقير الذي يبدد نقود وطعام وعشاء أطفاله في الكازينو! العلاقات القائمة على الاستغلال تستمر لفترات طويلة، وهذه أحد أسبابها، اتفاق النقيضين.

إن هذه العلاقات غير الطبيعية جزء من الحياة،لا يمكن للحياة أن تسير بغير هذه المعادلات القدرية.فمثلما الشخص الذي يعيش نرجسية البطولة والتضحية بما فيها من أوهام يعزز أوهامه بنرجسية من نوع خاص، كذلك يفعل الطرف المقابل، يعزز نرجسية الذكي، الذي يدير الظروف لصالحه مهما كانت خسارة الآخر.

وهُنا تحدث الكوارث، عندما تتطلق امرأة بستة أطفال ذهبت قروضها في البنك لتغطية نزوات زوج مُستغل نرجسي يسافر بنقودها إلى الماخور والمنزول، نرجسية التضحية واطمئنان الضحية مع توهم الذكاء، وقد يحدث العكس، أن تفعل المرأة ذلك، لا يهم الجنس في هذا المثال، بل طابع الشخصية وهويتها النفسية.

الذي يستغل الآخرين يشعر أنه ذكيولديه شعور عالٍ بالاستحقاق، والذي يتم استغلاله يشعر أنه نبيل ولديه شعور عالٍ بالبطولة، والنبل، وهكذا دواليك، لذلك ما تميل الشخصيات النرجسية إلى أحد هذين الطابعين، طابع البطولة المفرطة، أو الأنانية المفرطة، ومن النادر أن تجد نرجسيا ليس به هذه الخصلة.

يعيش معظم الناس في منطقة رمادية يدرسون فيها المكاسب مقابل الخسارات، أو الخسارات مقابل المكاسب، قد تجد أكبر بخيل وأناني في العالم يساعد أعز أصدقائه الذي يحتاج لعملية طائرة، وقد يحدث العكس أن يتعلم الذي قام بالتضحية الحفاظ على مصالحه، أو ما هو أسوأ، أن يتحول إلى أناني.

المثير للعجب أن الطرفين ليس لديهما قدرة على الصدق مع الذات، فلا الذي يتم استغلاله صادق مع ذاته ويعترف أنه غافل، ولا الذي يستغل الآخرين يشعر أنه يفعل شيئا سيئا، وعندما تصل الحالات المتطرفة إلى المحترفين للعلاج يجدون أمامهم معضلة عمرها سنوات طويلة انطبعت في وجدان الطرفين بعمق.

عندما يقولون كمثال: الفلوس تغير النفوس. هذه من أصدق العبارات في كوكب الأرض، وجزء من معادلة [الخسارة/ الاستغلال] سبب كبير لذلك، كم من كريم كان شهما في فقره أصبح قذرا يتهم الناس بأنها تسعى نحو ماله بعد أن أصبح ثريا، وكم من بخيل في الفقر مستغل أصبح كريما بعدها!

الناس بشكل مدهش.

إنها معادلة، قد تصل لحالة التوازن، وتتلاشى حديتها مع الزمن، أو قد لا تصل لحالة التوازن. "فلان أفقره كرمُه" عبارة حقيقة وصادمة ومتداولة، وعلى الجانب الثاني "فلان خسر كل من حوله" هُنا تعلم الحياة الناس دروسها الصعبة والموجعة، وبالطريقة الصعبة والموجعة أيضا.

الصدق مع الذات قد يكون أصعب ما على الإنسان أن يقوم به. نحن نحتاج إلى الأوهام بشكل كبير، نحتاج لها لنتوازن، من هذا الذي سيوافق أن يقول عن نفسه أنه "سيء" يستغل الآخرين، ومن هذا الذي سيوافق على أن يقول عن نفسه "غافل" يُستغل بسهولة؟ لا بد من أوهام تطبّع ماضينا، تجعله منطقيا.

يعزز الإنسان أوهامه باحتراف، يخترع التبريرات التي [تبرر] ولا تفسر له سبب ما يفعله، وتعلمنا أعمار الآخرين وأخطاءهم أن لكل وهم نهاية، إنها لحظة مريرة في حياة كل إنسان عندما ينتهي هربه من ذاته ولا يجد أمامه حلا سوى أن يواجهها، ليتغير، أو على الأقل ليوقف تدهورها إلى الهاوية.

الحياة تلسع الجميع، حتى هذا المتزن الذي يعرف ما يجب أن يفعله. يمكن لطالبٍ من عائلة ثرية أن يكون ضحية سهلة لصديق يدعوه إلى الخمر، ليجد نفسه مدمنا وحيدا يحتاجُ إلى الناس التي تشرب معه، فيدفع لهم خمرهم مقابل الصحبة. يعزز أوهاما كثيرة في قلبه ليتغلب على حقيقة أنه تدهور وأصبح مدمنا.

يتعلم الناس من أخطائهم أو من أخطاء الآخرين. من الغباء أن تصر على أن تتعلم بالخطأ، هذا ليس سلوكا منطقيا ومعياريا، لذلك في مثل هذه الحالات التي بها معادلة الاستغلال ثمة نهاية حتمية، كلما كانت قريبة كان المظلوم فيها محظوظا، أما الظالم فيتمنى أن تتأخر هذه النهاية ما استطاع.

وفي الختام، كلنا نعرف إنه [هذه هي الحياة] .. من المستحيل أن تكون هذه الدنيا الخالية من المثالية خالية من مثل هذه التجارب، مؤلمة، ومحزنة وتترك أثرها في النفس، وسواء كنت الشخص السيء الذي يستغل أو الآخر الذي يُستَغل، كن شجاعا في تغيير ذلك، الطريق صعب والنهاية تستحق.

انتهى

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

مشكلة ما!

 

 

مشكلة الاهتمام بالسياسة إنها تجعلك مع الوقت إنسان متقلب. تتشنج بالمخاوف، أو الهجومية وينشأ لديك مع الوقت حس جمعي يمحق فرديتك ويجعلك تفعل ما يصدمك من نفسك. نعم، السياسة تتحكم بمفاصل الحياة لكن هذا لا يمنع إنه حزب الكنبة عايش حياته ويتعامل مع المعطيات النهائية بلامبالاة وراحة بال.

لا أتهم ولن أتهم المهتم بالسياسة بإنه يضيع وقته. غصت حتى غرقت في بحر الكتابة السياسة لمدة تقارب نصف عُمري، وجزاك الله خير أيها السلطان هيثم بن طارق، العفو الذي نلته من لدنك جعلني أشعر بقيمة الحياة خارج طوفان التحفظات، والمعارك التي لا نهاية لها وليت عمان استفادت منها شيئا!

المهتم بالسياسة والفاعل فيها يتعلم الكثير ، عن نفسه، وعن الناس، وعن الأيام والدول، الدفاع عن الوطن شرف، والكتابة عن شؤون الوطن نبل، والتصدي للظلم نبل وشجاعة. هذه قيم لا أنكرها على من يمارسها، الحزن الذي أشعر به أنني لا أناسب كل هذا، مطلقا، أجيد الكتابة لا الاتزان والموضوعية

الكتابة في الشؤون العامَّة تحتاج إلى عقل نظيف بكل معاني الكلمة، وأهم من ذلك تحتاج إلى قلب نظيف، العقل المريض، أو القلب الملوث بالكراهية مهما كتب بمنطقية، سيقوده قلمه في النهاية إلى نهايات تعيسة جدا. سواء كان موالي أو معارض. الكتابة الوطنية عطاء بغض النظر عن الجانب الذي تختاره.

الكتابة كموالي لوطنك أو للحكومة لا تعني التطبيل بالضرورة، فن السياسة يعني أن مصلحة الوطن العُليا هي التي تنطلق منها في كل حرف تكتبه، وهذا يعني إنكار العاطفة في كثير من الأشياء، العقل المحض صفة مُلازمة بشكل لصيق لمن ينصر وطنه، والعاطفة في ذلك أحيانا خطأ، وربما مصيبة.

كذلك على الجانب المقابل، اصطفافك مع الشعب، دفاعك عن حقوقه، كتابتك لمطالبه المستحقة، هُنا تدخل العاطفة بشحنة عالية، وهذا لا ينافي المنطق بالضرورة لكنه أيضا يحمل الكاتب أعباء مخيفة من تجنب الحقائق الصادمة التي لا مفر من قولها. إنه انتصار نبيل لوحدة المجموع، ظالما أو مظلوما.

الكتابة الوطنية تحتاج إلى قدر معقول من النرجسية، كنت مواليا أو من الذين يقولون: لا.

وعقل الفرد يحتمل قضايا جمعية، وكبيرة، ولكن إلى أي مدى. من تجربتي الشخصية المريرة أخذت سنوات لأكتشف أنني لا أصلح لا مواليا، ولا معارضا، ولا مطبلا، ولا ناقدا، ولا مع ولا ضد. أصلح لحزب الكنبة فقط.

كان يوما صعباً على نفسي عندما وقفت أمامها بكل شجاعة واعترفت لنفسي أن خطابي السياسي ليس باسم الشعب، ولا باسم الحكومة، أقصى ما كان يجب علي فعله هو الكتابة عن قضيتي الفردية، وألا أتكلم باسم الشعب، أو باسم الحكومة، ومنها وجدت أول خيط للمنطق بعد سنوات متتالية من العويل الناقم اليائس.

وأخيرا بعد سنوات وسنوات، لم أعد أزعل عندما يصف شخص تجربتي السياسية بأنها بلهاء، حماسة فياضة، وتناقضات، واضطراب مستمر، ما الذي يجعل شخص مضطرب يحمل هذا العبء على عقله المضطرب؟

إنها حياة بائسة عندما تخسر كل شيء ولا يبقى لك غير كتابتك السياسية التي جعلتك تخسر كل شيء غيرها!

وعُمان معضلة عاطفية كبيرة. بها مشاكل، لكنها رغم كل شيء بلاد مُسالمة وشعبها رائع، وحاكمها محبوب بصدق من الناس. بلاد فتيّة تخطو إلى غدها الاقتصادي والاجتماعي بخطوات ثابتة. الناس لا تحب الحكومة في عمان ولا تكرهها، الناس تريد الخير للناس وللحكومة وللبلاد، إلا مَن ظُلم.

ولا بلاد في العالم مثالية، هُناك من ظُلم، من ظلمته الظروف أو القرارات أو مؤسسات أو شخوص في المؤسسات. السؤال الذي يميز عُمان هل الظلم فيها "واجب" أي إن ظُلمت هل لديك مُشتَكى؟ وإن ظَلَمْت هل هُناك عفو؟ هُنا الميزة الكبيرة في عمان التي إن اختلت توتر السرب لبعض الوقت.

وشوف عجائبية عمان،كأني أكتب عن شخص آخر! يعود سعيد جداد ومعاوية في طائرة واحدة! لو لم أعش التجربة بنفسي لما صدقت! تنظيم سري عُفي عنه، قضايا أخرى عفي عنهم، والوقت يثبت في كل ثانية أن عمان ليس من شيمتها الانتقام بعد العفو، أو الغدر بعد إعطاء الأمان!

من يكره بلادا عفت عنه؟

من يستطيع؟

والآن أعيش في حزب الكنبة، مقتنع إني لا نفعت معارض، ولا موالي، ولا مؤيد ولا ناقد رأي عام، ولا مجالد إلكتروني عن الهباء العاطفي الرائج، أنتمي لحزب الكنبة بمساهمة إيجابية في محاولة الفهم. أن تؤمن بالتغيير هذا حق، لكن هل أنت جاهز ذهنيا وفكريا ومستقر عاطفيا وعقليا لفعل ذلك؟

وعمان بعدها بربّها، لديها من الفضائل السياسية الكثير والكثير رغم أخطاء من تسلط أو فسد أو أخرج عمله العام عن القانون والعرف العماني، ليست دولة حروب، ولا أعدامات بالجملة، تقدر تنتمي لمنظومة عمان العامّة بدون قلق كبير. ما لم يكن لديك تطلع فلسفي خاص بك، هنا يختلف الكلام.

وهذه مأساة كاتب السياسة في عمان، سياسة الكاتب. المفكر بعقله الفرد يدرس حال الجماعة، وما يبدو فلسفيا يعكس منطقيا حالة عاطفية فردية، كأن تكون ضد الملكية، أو أن تكون شيوعيا، أو أن تنادي بحكم إسلامي. فلسفة فردية نصيبها صناعة تغيير الواقع والصدام المحتوم وهذا ما يختاره البعض بصميمية.

ومن بين كل ما في عمان من فضائل وأخطاء، يبقى هذا الشعب مباركا بدعاء خاتم الأنبياء والرسل، هذه الروح العمانية الغامضة المليئة بالحب، والوحدة. هذا هو إنجاز عُمان الكبير، حب الناس الصادق لبلادهم، وحدتهم، وقلوبهم النقية عندما تطلب عُمان التضحية. هذا أجمل ما في عمان وأبهى ما بها.

 

 

 

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

الذات

 

 

 

آخيت نفسي، لم أكن لي صاحبا،

ومضيت في الدنيا أقاتلُ في الفراغ

صرعتُ أشباح الصدى، وذهبت للطوفان

مرتبكا، معي الأصنامُ، والعمر الفقيدُ،

معي العقارب، والصحاب الخائبون،

شربتُ من سمِّي، وأرهقني المسارُ.

 

وعندما أيقنت أن الأرض ليست جنةً

للخاسرين، ذهبت للبركان مشتعلاً

وبي النيرانُ، والزلزال، والحزنُ/ السعيرُ

ومن تضاريس الغواية فِضتُ كالنهرِ الأخير

وغيبت نفسي النهايةَ،

حجةُ المشتاق، آلامٌ

وذكرى تورث القلب التعاسة

والدمار.

 

ونجوت من نفسي، أخذت طريقها

من داخلي المدفونِ في عمق المخافةِ.

خفتُ من شر المسافة بين نيراني

الصديقة والدخان مع العواصف

في سماء الذهنِ، والجرح الشعوري العميق.

أنا الطريقُ، وحجتي هدفي، ورمزي بسمتي

ويدي، وأحرف راهبٍ، وصدى المعاركِ

والخسارات الأليمة، والجنون.

هربتُ من ذاتي الكسيرة كي أعيشَ.

وعشتُ في حزني، لأهربَ

من غواياتِ الدوار.

 

معاوية الرواحي

السبت، 21 نوفمبر 2020

مدار

 

دُوار

 

 

أمضي، كأن الأرض ليست ــ والهُنا ــ أرضي

ويأخذني إلى حزني براقٌ من غيومِ الليلِ

أيامي سواسيةٌ، وذاكرتي هي المنفى النقيُّ.

قصائدي يا عمرُ تابوتٌ من الأحلامِ

أسئلتي تدورُ مع الكواكبِ، والعروقِ

ومع دوار الشمسِ في كبد السماء.

هجرتُ نفسي كي أعيشَ،

وعشتُ في يومِ المهاجرِ قصتي

وتلوتُ ما لم أستطع قولا له

وغرقتُ في بحر الجنونِ

وغصتُ في تأويل أحزاني

وعدت بلا هدفْ.

 

وبكيتُ، ثم ضحكتُ، ثم نسيتُ

واستسلمتُ، ثم صرعت دمعي

كل ما في الفرد من ذاتي انعكاسٌ

شاء جَمعي.

لم أكن إلا خيالاً أطفأ الغرباء شمعته

فصار إلى الظلامِ،

وحلقت في كحلِ أسئلتي نجوم.

من خيالٍ واسعٍ.

 جئنا لظلِّ الروحِ

وانتصرت مع الأقدار

نافذة الصدف.

 

وأسيرُ في دربي كأني

لم أكن شبحاً. أراقب لعبةَ الأحياء

في دنيا الجمادِ، وأستجير بما تبقى

من ضياء الروحِ في جمر الجسد.

وأهيمُ كالمعنى، بلا لغةٍ تعبّر عن جروحي.

أستغيثُ بكل آلامي لعل قصيدة شردت

ستنقذ شاعراً من يأسِه وحنينه للأمسِ

يا دنيا مددْ.

سكب المصيرَ الحبرُ في نهر الدقائقِ

والنهاياتُ الأليمةٌ عبرةٌ للقادمين

على مقابر أمسنا الملعون

بالتاريخ، واليأس المقدّسِ

حين مزقنا الهدفْ.

 

 

معاوية الرواحي

 

 

 

 

 

 

الخميس، 19 نوفمبر 2020

رأسٌ وجمجمة لا أكثر ولا أقل

 

 

 

السابعة صباحاً. مُثقل بنهايةِ مرحلةٍ من الطنين. كم هو مزعج أن تكون جمجمتك خارج سيطرتك، أن تتقاذفك عواصف من الأفكار وفيضانات من المشاعر، أن تبرق البروق وترعد الرعود وأنت داخل جمجمتك سجينا لا تعرفُ ماذا عساك أن تفعل لتخرج من كل هذا الاحتدام الصاعق. أصاب باليأس من هذه الحالة المستمرة، أحيانا فقط، أستسلم لنداءات الكآبة والعدم وأقرر أن ألقي بكل شيء على كتفيّ. أشعرُ بالخوف من هذا الهدوء، أشعر بالخوف من العاصفة التي ستأتي بعده.

 

الأحد، 18 أكتوبر 2020

ماذا يعني أن تتغير؟

 

 

 

لقد تغيرتُ كثيرا! لم أدرك أثناء عملية التحول الكبيرة التي كانت تحدث لي تدريجيا عدد القطع المتناثرة من الزجاج الحاد التي أصبحت تملأ روحي. لم أعد معاوية الذي عهدته، ذلك الغافل أصبح منتبها، المدمن أصبح يدمن الصحو، الذي يؤذي نفسه لأجل من يحبهم أصبح يؤذي من يؤذيه لأجل من يحبهم، تغيرت كثيرا لأن الحياة هكذا، لا تترك إنسانا في حاله حتى وإن ترك كل شيء كما هو عليه، في حاله، الحياة تصرُّ على أن تتدخل قليلا لتضع لمستها السحرية على أذهاننا؟

ماذا ستفعل بهذا الغضب الذي يغلي في قلبك؟ التربص؟ إنها مهنتك السرية الأثيرة! أن تراقب ما يدور؟ تفعل ذلك حتى لو تشأ أن تفعله؟ تحقد؟ وهل سوى أحقادك غيرك؟ أنت تعرفُ جيدا أسباب مشكلتك، علاقاتك الخطأ مع كل كائن نرجسي سممك، لماذا كنت تجد فيهم أصدقاء؟ أنت تعرف الإجابة، وتعرف الأسباب، وتعرف حجم ضياعك وغربتك ووحدتك وما حدث لك من إقصاء، وتهميش، وظلم بيِّن أوصلك إلى مرارة الفقد مبكرا، وها أنت الآن تعبر مركب الأيام لتجد نفسك وقد صرت أحد القساة الذين كنت تتساءل دائما عن الذي حدثَ لهم ليصبحوا هكذا، لم تعد تجد الرفقة مع مسممي النفس والفؤاد، هذا بلا إنسانية، وذلك مشغول بالعظمة يعبد ذاته، وذلك ليس لديه في الحياة ما يفعله سوى أن يتمرن على إيذائك قبل أن يبدأ بالآخرين، الذي يخرق القانون لأن هناك من يحميه، والذي يخرق الأخلاق لأنها عدوته، وأنت حائر لسنوات تبحث عن مخرج من تلك الدوامة التي دفعت ثمن الخروج منها باهظا، ماذا الآن؟ ما الذي سيعيد لك روحك الوثابة وحبك للحياة؟ ما زلت تتمسك بكل أسلحتك، وتتربص، وتراقب، إلى متى؟ إلى أن تهلك ربما يا معاوية، إلى أن تهدم المعبد على رؤوس الجَميع أو ينجو المعبدُ لمرتاديه الآمنين، أنت تعرف جيدا أن من المعارك ما لا ينتهي إلى بسقوط الجَميع؛ ألذلك بقيت جاهزا لأجل اللحظة الكبيرة؟ ألذلك أبقيت أسرار سينمار؟ ألهذا السبب طفتَ في غياهب المجهول من أجل مخطوط هندسي يكفل لك كل حجر يسقط على رأس يستحق؟ إلى أي مدى تغيرت أيها المجالدُ الحزين؟ إلى الحد الذي أصبحت فيه حياتك تُقضى في ساحة المعركة؟ أما الآن، في هذه الهدنة التي يعلم الله إلى أي مدى سيلتزم بها عدوك! ماذا ستفعل؟ تعد العدة؟ تنشغل بارتيابك الذي لا يتوقف؟

لقد تغيرتَ كثيرا، والفرق بين ذلك الكائن الغافل الذي يمكن إيذاءه بسهولة وهذا الكائن الذي يتربص بالهواء حين يخفق أنك صرت جاهزا، مستعدا لكل الظروف، ومتقبلا كل تقلبات القدر مهما كانت، الحفظ بيد الله، والعلم بيد الله، وما عليك سوى أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله وتطمئن، فالله خير حافظا، والله خيرٌ حاميا، والله خير من يحكم بين الناس، خذ بالأسباب، ودافع عن مساحتك في هذه الحياة، ولا تنس حقا من حقوقك، وانتزع حقوقك من كل من ظلمها، هذه الحياة لا تؤخذ إلا بالصراع.

هذه ليست من أجمل ليالي حياتك، والغضب الذي تشعر به طبيعي، الغفلة والندم مزيج تعيسٌ، فليكن الغضب، وليكن التربص، ولتصن عيونك من كهنة الأبصار، والتعساء الذين ظننت بهم الصداقة، بعض الجروح لن تُشفى، وبعض النار لا تنطفئ، وربما كل ما عليك فعله أن تتعايش على الحياة في هذا السجال، الزمن لا يحل كل شيء، ولا الحب يكفي لكي تعاش الحياة، تمسك بزمام عقلك، وجد حلولا لهذه المشكلات التي أرقتك، الأمر لا يتعلق بما يمكن للآخر أن يفعله، إنه يتعلق دائما بما يمكنك أن تفعله، وبما عليك أن تقوم به، وبما تستحقه نفسك منك، أن ترعاها وأن تحميها وألا تسمح لنفسك مجددا أن تكرر أخطاء الأمس، أنت تعلم جيداً ما يمكن للصداقات مع المهووسين بالعظمة أن تفعله بك، نعم لم تعد ذلك الشاعر الرقيق المهووس بالحب، لم تعد ذلك الكائن الشفاف الذي يسير كالزجاجة بين الناس، أنَّبتك الحياة وقرّعتك لكنك لم تتهشم، هذا الزجاج الحاد الذي يمزقك يحميك، وعليك أن تتقبل حقائق الماضي، وأن تتعايش مع نتائجها، وأن تكون جاهزا، الطمأنينة فخ، والارتياب سجن، والحرية تكمن ما بينهما.

حاول أن تنام، لأنك في الأول والأخير إن لم تكسب حياة النهار، فلن تكون حياة الليل أجمل.

الخميس، 15 أكتوبر 2020

يوميات اليوم الرمادي

 

 

أستيقظ لأحتفل؛ إنها الخامسة والنصف صباحا! كيف لدماغٍ مزقه الاكتئاب لأسبوعين ألا يحتفل بهذه المُناسبة؟ سأحتفلُ لأنني لا أجد في غير هذه المناسبة الصغيرة ما يستحق الاحتفال. اعتدت على هذه اللعنة الموجيَّة التي سيطرت على حياتي حتى أصبحتُ لا أتخيل الحياة بدونها، كيف هي حياة الآخرين، هؤلاء الذين ليسوا من ثنائيي القطب؟ هل يستيقظون كل يوم وهم غير مكتئبين، غير منتشين؟ حالاتهم الموجية محل انتباهٍ حاد من قبلهم؟ هل يتوترون عندما يزورهم الاكتئاب العاديَّ، ذلك الذي يستمر لمدة يومين يحزنون بسببها كثيرا، ربما يسبب لهم الاكتئاب اكتئابا آخر، فيحزنون لأنهم أصيبوا بالحزن؟ لا أعرف، وربما لا أريد أن أعرف، الانتشاء الوجداني الذي يخيّم على خلايا دماغي الآن يمنعني من الفضول.

أمرُّ على طقوس الصباح كأنني قطار كسول، أراجع تطبيقات الرسائل، أجيب على قائمةٍ طويلةٍ من الاستفسارات. لم أظن يوما ما أنني سأعمل في مجال الإعلانات! ولكن ها أنا أفعل ذلك، لا أقصد الإعلانات، بشكل عامٍ أعمل، في وظيفةٍ ما خارج محيطات السياسة المتلاطمة بأمواج التسونامي اللحظية. أقضي ثواني غير ثمينة في التساؤل قبل أن أعود إلى هؤلاء الذين اختاروني لأصمم لهم إعلانا، أجتهد في إيجاد فكرة، أنفذها، أسجل التعليق الصوتي ثم أرسل ذلك الخبز غير الجاهز لخبازي الفيديو، تصلُ النتيجة النهائية وأقيّم عملي بروحٍ راضية، إنني على قيد الحياة ما دمت أعمل، وما دمت أعمل فأنا على قيد الحياة، من توقَّع أن يقول صعلوك محترف هذه الجُملة يوما ما.

أدور في أركانِ المنزل، أبحثُ عمَّا يمكنني أن أكمله بفكرةٍ جديدة. أقارنُ بين هذا المنزل وذلك الذي كنت أسكنه في شارع [هيلتون] في برمنجهام في المملكة المتحدة. أتأكدُ بصورة لا إرادية من درجة الحرارة! هل هي تحت الصفر؟ أعود لهدوء الدفء وأطمئن أن النهار صحو، لا مطرَ يغرسُ دبابيسه الباردة في وجهي، إنها عُمان، أنا في مسقط، في بلادي ووطني، وما زلت أكتب! لست سجينا بسبب تغريدة، ولم أعد أكرهُ حقيقة حياتي المغيَّبة في نشاط سياسيِّ لم أكن له يوما ما سوى شعور بالقنوط وبلا جدوى فعل كل ذلك.

إنه لَشعور غريب أن أعيش في عُمان لأنني أريد ذلك. ولدتُ في عمان وعشت فيها 33 سنة من عُمري، هاجرت لثلاث سنوات قبل أن أعود مقتنعا أنني أنتمي لبلادي! كم هو غريب وصف حياتِك بعد العودة من الهجرة! إنني في مسقط! هل حقا هذا يحدث أم أنا في حلم غريب من تلك الأحلام التي كانت تزورني وأنا على دراجتي أطوف برمنجهام بحثا عن مكانٍ جديد قد ينال اهتمامي لبعض الوقت. ليس للشحوب مكان في عُمان، أما هذا الدفء فقد أصبح كنزاً من الكنوز، الجو الصحو، وأيام السنة المفتوحة على مصراعيها للترحالِ أو للخروج.

تعود لي ذكرى التصقت بذاكرتي حتى ظننت أنها ضُربت على جدران جمجمتي بمسمار مضاد للصدأ. كنت قد خرجت من السجن قريباً، مررت على مقهى من مقاهي الكرك المتناثرة في فؤاد العاصمة مسقط. طلبتُ كوبين من الشاي وطفقت أنتظر. في الطاولة المقابلة جلس مجموعة من الشبَّان وبدا على ملامحهم الانهماك في النقاش. سألتُ نفسي حينها: هل حياتهم جميلة؟ هل هناك مؤسسات رقابية، وأجهزة مختصة تتابعهم؟ هل لديهم ملفات دفينة في أروقة القانون، والمحاكم؟ هل يا تُرى هُناك موظف رسمي يهيئ نفسه للقاء أحدهم، ليحذره، ربما ليهدده أو ما هو أسوأ؛ ليكيد له الضرر والخطر؟ يصلُ العامل الوافدُ حاملا طلبي، أدفعُ له ثمن الشاي وأرحلُ. مر الحدث وبقيت الذكرى وعلقت لسنوات في معارك السياسة التي لا أفهم حتى هذه اللحظة لماذا وثقت بكل من فتح لي بابها!

إنها العاشرة صباحا، مضت خمس ساعات من يوم عادي. أمامي نصفُ يوم لأنهي بعض ما عليَّ فعله. أصبحت كائنا متزوجا، لم أعد صعلوكا يبحث عن أقرب رصيف يحتويه، لستُ مهاجرا وأعيش في بلادي، لم أعد مدونا سياسيا ولا أخبار السياسة صارت تشكِّل لي أي معنى عميق في وجداني، أتربص بما حولي وأعيش حذرا، أحاول استعادةَ الشعور بالثقة والطمأنينة، أقضي وقتا لا بأس به في هذا التربص وما أن أعود من كوكبِ الماضي أجد اللحظة أمامي، أعيشها متجردا من الانتماء لها، أفكر كثيرا، أخطط قليلا، وأنفذ ما تيسر من هذه الخطط بحثاً عن المفقود من الزمن الذي لم أعشه، لا أحد يعيش حياته كما تمناها ولكن يمكنك أن تغير أمنياتك، وأن تتعايش، وأن تطمئن إلى أنك فعلت كل ما بوسعك للدفاعِ عن نفسك، وعن حقك في الحياة.

تَعيش عُمان أياماً أولى من التعافي، لا أقصد من داء كورونا الذي خيَّم على الحياة قاطعا عنها وتيرتها الاعتيادية، أقصد على صعيد التعبير عن الرأي. يُدهشني عندما أجد كاتبا أو مغردا وقد أصبح يضرب بالذخيرة اللغوية الحية، يلوم الأخطاء وينقد التنفيذ والأداء الحكومي، وكأنني في أيام عُمان الجَميلة، أيام علي الزويدي في سبلة عمان، وأيام التدوين الذي كان يشق طريقه المبدئي كمنبر إلكتروني بديل لكل تلك المنابر المتكلسة والمقيدة بالمشرفين والرقباء ورؤساء التحرير، لم تعد الكتابة لعبة شطرنج، الساحة أصبحت للجميع، وهذا هو الوضع الطبيعي. يباغتني الحنين، أعود لأيام الأحلام التي عيشتها في سنوات العشرين، أستيقظ منها لأجد نفسي في السادسة والثلاثين، في زمنٍ غريب، ترامب يحكم العالم، كورونا يحكم ترامب، والدنيا تسير هكذا، أو هكذا، في كل الأحوال لا يهرب المرء من حياةٍ ما، لكل منَّا حياة ما أجدر بنا حفظها، أما عن القدر وما يخبئه، والخوف وما يتنبأ به، فهذه حكاية أخرى داخل حواف الجمجمة، تحدث في بعُد آخر، وفي كوكبٍ ذهني بعيد كل البعد عن هذا الكون الذي علمنا النظر إلى غموضه بانبهار وحذر.

 

 

معاوية الرواحي

مسقط

أكتوبر 2020

 

 

الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

غصّة

 

 

 

ماذا يكون الحب؟ غير سرابِ

وغشاوة من دمعةٍ وعِتابِ

مالٌ من الدنيا الدنيّة مالك

للحالِ والأفعال والأسبابِ

ذهبٌ إذا الحطاب هشّم زندَه

أو فضةٌ فضَّت سنين شبابِ

والعاشقون له غصونٌ هيّجت

نارا لآتونِ الزمان الخابي

قشٌّ ونيرانُ الهموم وفيرةٌ

سمٌّ الأفاعي في ألذِّ رضابِ

ماءٌ جهنم بالجنون تسوقُه

بالجمرِ تجري في عروق إهابِ

والعاشق الولهان أحمق غارقٌ

في حزنه الذهبيِّ والمتصابي

لا الحب يكفي، أو حياةٌ ترتوي

بمحبةٍ فالعيشُ شرُّ عذابِ

من عاشَ قد ألقى إلى دوّامةٍ

أحلامَه، بخطيئة وصوابِ

أما الذين ترجلوا من غمّها

مرحى لهم، طوبى وحسن مآبِ

يا أيها الحب الجميلُ تحيتي

دعني وشأني لست تدرك ما بي!

 

معاوية