بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 6 أبريل 2025

"لا يتكلموا علينا هذيلا"

 تويتر يذهب مذهباً أعرفهُ جيدا. عِشتُه من قبل، ودفعت ثمن أخطائي فيه من عُمري سنين. وقد علمتني دروس الحياة جيداً خطورة الاندفاع في هذه الظروف.


هذا من جانبٍ. جانبٌ آخرٌ يضع أمام عينيك ذلك الشعور بالمسؤولية، وذلك النداء من الواجب الاجتماعي هذه المرَّة، لا الواجب السياسي والذي له احترامه وتقديره عندما يكون في سياقِه، ومن قبل الذي يجيده، لا من قبل الفئة المتطفلة على هذا الخطاب، الفئة التي تفسد ولا تصلح، وتسيء، وليست أكثر من فئة مَجلبة للفتن، صانعة لردات الفعل، تجعل من الذاتية الخاصَّة بها أولوية أمام كل شيء وطني، وطبعاً ذلك الهم الاجتماعي لا يعني لها أي شيء، المهم هو (الأكشن) الذي يناله متطفل باسم مستعار لديه استعداد للذهاب بعيدا للغاية، جاهلاً بأبجديات الكتابة، ضحلاً، غير مجادلٍ، غير مفندٍ، غير فاهمٍ، يلهو في ساحةٍ ليست بساحته، يرمي الشرار على القش المتناثر ولا يهمه ما الذي قد يخسره مجتمع، أو ما الذي قد تخسره بلاد.

أشياء كثيرة تحدث في تويتر، وتحدث في الإعلام، ولا يعلم المرء هل يصمت ويسكت، أم يتكلم ويقول ما لديه، بكل الاحتمالات التي يفتحها ذلك عليه من قلق، ومن توتر.

تتعرض عُمان إلى مضايقات إعلامية، ليس جديدةً من نوعها، ضغطٌ له أهدافه السياسية الواضحة! ستكون صدمةً هائلةً لي كعماني أن يتضح أن حكومة عُمان تدعم حرباً ما في أيِّ مكان! لا عُماني يصدق ذلك، لا عربي يصدق ذلك، لا حليف يصدق ذلك، لا خصم حتى (إن كان ثمة خصوم) يصدق ذلك! فماذا يريد من يكذب هذه الكذبة؟
هذه هي المعضلة التي يتعامل بها هؤلاء الذين يتطفلون على الخطاب السياسي بجهل، ولحسن الحظ ثمَّة من يجيد وضع النقاط على الحروف بعيدا عن مهرجان المتطفلين الذين ليتهم تعلموا من دروس عامَّة كثيرة فنَّ النأي بالذات عن التدخل في مثل هذه الملفات العويصة.

من الذي يفعل ذلك؟ يكيل هذه التهم على دولةٍ سياستها الخارجية معروفة بالنأي عن الحروب، والفتن! ستكون صدمةً حقيقيةً أن نعيش فجأة في عُمان أخرى مجهولة، عُمان خبيثة، تتلاعب الدماء، بل وربما تتدخل في عشرين دولة حول العالم، تموّل الحروب، وتفعل الأفاعيل! عُمان متخيلة من قبل الذين يظنون أن العالم كلَّه يشبههم! هل من الأساس هناك أي سبب يجعلك تدافع عن عُمان بهذه الحجة؟ أنَّها ليست دولة تتلاعب بلعنات الدماء؟ لا يوجد أي سبب لتفعل ذلك إلا لو كنت ستقع في الفخِّ الذي يريده الذي يكيل هذه الاتهامات، لكي تبرر، لكي توضع في زاوية صغيرة، تُحشرُ أمام إعلام مُحترف يعرف الذي يفعله! وتقدم له الذي أراده بالضبط: تدافع وكأنَّك مذنب بتهمة من الخيال!

كيف تكسب سياسيا أكثر؟ حاصر الوسيط! أليست هذه شروط اللعبة العربية؟ حاصر الوسيط بالاتهامات، بدلا من أن تقدم له جميع الضمانات التي تجعله في حِلٍّ من مشاكلك أنت التي أوقعت نفسك فيها، وبدلاً من أن تكون حليفاً منصفاً، يحمي الوسيط من شروره، حاصر الوسيط أليست هذه شروط اللعبة العربية؟

اجعل من كل حادثة منفردة قُبَّةً، كل عملية تهريب صغيرة تحدث في كل دول العالم اجعلها أمرا تدبره الدولة العمانية مع سبق الإصرار والترصد، واستفز المجتمعات إعلاميا، ولأن المجتمعات لا تخلو من المنساقين، والجاهلين، والأغبياء، اجعل كل فئة متطفلة في كل مجتمع تنساق وراء الخطاب الانفعالي العاطفي، وتنجح نجاحا باهرا!

هذا هو الإعلام العربي منذ سنين، وبعد أن دخلت لعنات الدماء هذا المجتمع العربي من عدة نوافذ وأبواب، اللعبة تأخذ شكلا جديدا من الضغط على الوسطاء، من قال أن السياسة تحتاج إلى أخلاق؟ هل أحتاج إلى شرح ما يفعله السياسيون؟ كلا بالطبع. ومن يقع في الفخ، مجددا، هذه الفئة التي لا ناقة ولا جمل لها في سياسةٍ، اندفاع عاطفي يضر ولا ينفع، ليت الذي تكلم فيه صمت، وليت الذي صمت عنه تكلَّم، ولعل هذا ما يجعلني أكتب على مضض هذه السطور بسبب حالة الضيق الشديد بما يظنه البعض فعلا نافعا!

حسُّ المؤامرة!!! حقا! هذا أعلى ما يد المتطفلين؟ أقدم ورقة في تاريخ البروباجاندا؟ الفئة التي تقول الكثير ولا تقول أي شيء! تردد بلا توقف "نحن مستهدفون" طيب! لماذا؟
من قال أن الوسيط ينجو من الأذى؟ حتى مع الذين يريد لهم الحلو، والخير، والسلام؟
من قال أنَّ الإعلام الذي تقوده الضغوطات السياسية سيكون صالحا، ومتصالحا اجتماعيا؟ الجميع يعرف ذلك، بالفطرة، والبديهة، ولكن ماذا تجد عندما تقرأ هذا الموقع المقرف في هذه الظروف؟ تجد كل الخطابات الضعيفة وأولها: "ثمَّة مؤامرة تدور" لا يا شيخ، مؤامرة دفعة واحدة، مجموعة تحركات إعلامية تعطيها هذا التضخم، تحقق هدف الخصم بتشنجك الدفاعي وتقع في الفخ!

وننتهي من خطاب المؤامريين، إلى خطاب الإيجو الفردي، الاسم المستعار العملاق، الضخم الذي يوزع تعليماته على أمم العالم، يذكرني بصرخة أبو فيصل "لا يتكلموا علينا هذيلا" وماذا بعد يا أسد الحسابات المستعارة، ماذا أقحمك في هذا الموّال اللئيم! لن أقول لك اسكت، فلا يحق لي أنا ولا أي إنسان إخراسك، لكنني أقول لك: ما تفعله مضر، يضر مجتمع أولا، ويضر بلادك ثانيا. هل تعرف كم يبدو مسيئا في حق عُمان أن تقف وقفة الاسم المستعار المتنصل من مسؤولية كلامه لأنك وجدت فرصة لتشتم بلادا، أو شعبا، أو مجتمعا، أو قومية! وكل هذا باسم ماذا؟

لا يُلام الذي يختار النأي بنفسه عن هذه المعمعة القذرة، فما يزعج فيها كثير، المزعج حقا ليس كلام الخصم، المزعج هو الذي يظن أنه يحسن صنعا بالوقوع في الفخ الذي أراده المستفز! وماذا يحدث الآن، يستيقظ الإعلام المحلي من سباته لكي يختار أوهى المقاربات، هذا الإعلام الذي طفّش البشر منه وعنه، فجأة ينتبه إلى أنَّ العقول في البلاد لها أهمية، وأنَّ القوة الناعمة كان يجب أن تكون قد صنعت منذ سنين، والآن، وبشكل مرتجل، وعلى عجل، يخرج لك بمقاربات واهية وعجماء، حقا! هكذا تدافع عن وطن أيها الإعلام السجين في صناديقه!
المؤامرة، هؤلاء فئة مدفوع لها، هؤلاء مرتزقة! وماذا فعلت! وكأن الحجة السياسية ليست سهلة وواضحة المعالم! وكأنَّك تتجنب ذكر الفيل الذي في الغرفة، وكأنَّك نسيت أنَّك من بلاد تقوم بدور الوسيط وتتحمل أذى الطرفين، من أجل ماذا؟ من أجل ذلك المنسي في أوراق الدفاتر العربية، هل تتذكرونه؟ ذلك الذي اسمه سلام، وتوافق، ونهاية لهذه الصراعات العربية التي توزعت عليها لعنة الدماء التي يتمنى كل عُماني ألا تصل إلى عقر داره.

محزن للغاية أن تكون صاحب الحجة القوية وفي الوقت نفسه أن تكون أنت صاحب الخطاب الأوهى من عش العنكبوت. وهذه القلّة التي تجيد قوله ما يجب أن يقال، وكتابة ما يجب أن يكتب، ونشر ما يجب أن ينشر تقفُ كأقلية مغلوبة على أمرها في عصر الفيضان المشحون بالغثِّ، والضحل، والضعيف من الخطاب. مؤامرة! هؤلاء مدفوع لهم، هذه أجندات مغرضة، هذه هجمات موجهة! لا يا شيخ! دولٌ تورطت بمختلف لعنات الدماء والحروب ماذا تتوقع منها؟ تتوقع أن تنجو كوسيط من شرورها، ومن شر إعلامها السليط! ليست مهمتك تقليم أظافر حريات الدول الأخرى، مهمتك تجاه مجتمعك، أن تبصره، أن توضح له حيثيات ما يحدث، أن ترفع سقف خطابك، أن تتوقف عن الرقابة العمياء، العجماء، التي حشدت لها كُل عمومي لسد الفراغات وكأن الواجب تجاه الوطن أصبح مختصراً في إنسان يردد صرخة "لا يتكلموا علينا هذيلا"

لا أعرف ما الصعب في أن يقول أحدهم أنها لعبة السياسة العربية، تتسرب إعلاميا، وأن الهشاشة الإعلامية التي بواقعنا الداخلي هي المشكلة التي جعلت أي طرف عشوائي عابر قويا، ويثير ما يثيره من زوابع، وقلاقل في هذا الرأي العام قليل السكان، سريع الانتباه، كثير التفاعل!

الذي يصنع من سيارة تهرّب بطاريات، وأنابيب دعما عسكريا ليس إعلاما تتعامل معه بكل هذا التشنج، وتعطيه كل هذا الاحترام، والذي يروج الهبل، والهبد، والاستفزاز الاجتماعي لا تحقق له غرضه بأن تستفز أنت مجتمعك، والذي يوجه التهم يمنةً ويسرةً لكي تنفعل، وتتشنج، أنت الذي اسمك "إعلام" يجب أن تكون في الخط الأمامي، لا لكي "تشكك" وتميّع الخطاب، لا لكي تحلل مصداقية الخطاب القادم من وراء الحدود، وإنما لكي تقيم حجتك، السياسية، الواضحة، الصافية، التي تسندها الوقائع، والأدلة، والمنطق العام!

وماذا بعد؟ تتبنى نظرية "لا يتكلموا علينا هذيلا" هذا أقصى ما لديك وموقفك قوي؟ وحجتك دامغة؟ هذا ما تفعله! إن كان الخصم قد استضعفك فأنت تظهر بمظهر الضعيف وأنت تجعل (الإيجو) الضحل هذا أساسا لخطابك.

الأمر واضح لكل ذي لب، لذلك يا عزيزي المتطفل في غير مجاله، دع عنك انفعالية المذنب، وكأنك تنكر حقيقةً وتكابر، دع عنك (الأنا) وكأنك تعيد تربية الناس من أول وجديد، دع عنك ضحالة الخطاب، دع عنك السهل وقم بالعمل الصعب، قُم بالحقيقة، قُم بالمعلومة، قُم بالمجادلة، قُم بالتفنيد، قُم بالتمحيص، قُم بأي شيء سوى هذا الذي تقوم به باسم دفع الضرر عن مُغرضٍ يتلاعب برأيك العام، وأنت الآن تدفع ثمنَ كل ذلك التهميش، وتلك الانتقائية، واختيار الجوقات الجامدة، ومنعك للساحة من التفاعل الحر مع الداخل والخارج.

هذه الربكة هي ما تناله عندما تغفل عن صوت الحرية الداخلي، وعن حق البشر في الدفاع عن وطنهم، هذه الربكة، وملاحقتك لأبسط خطأ لكي تبدأ مهرجان التهميش والإقصاد هذا ما تناله عندما تظن أنّ جوقةً تكفي لكي تدافع عن وطن أمام الأكاذيب، هذه الربكة هي ما تناله عندما تتخلى عن دورك الرئيسي وتترك الساحة لكي ينهش في انتباهها من هبَّ ودب من أصغر المؤسسات الإعلامية المشحونة بالدعاية، هذه الربكة هي ما يحدث عندما تغفل عن بنك الأفكار الكبير الموجود سلفا في مجتمعك، هذه الربكة هي ما يحدث لأنَّك لم تحسب حساباً لهذا اليوم من قبل.

هذه الاتهامات، وردات الفعل، والأخبار الهزيلة التي تُنشر بين الفينة والأخرى عن عُمان كثيرة، ووفيرة، وتحدث، وستحدث، العيب ليس في الذي يصدرها، فمهما كان سببه هُناك من يستفيد من هذا الضغط، سياسيا كان، أو مجرد مؤسسة إعلامية تبحث عن المزيد من الإعلانات عن مكائن الحلاقة، وآخر تخفيضات كنتاكي، العيب حقا في الذي يضخمها لمجتمعه، ويوصل رسالة الخصم، ويوصل أكاذيبه، والاسم المستعار الذي يحكي انتفاخا صولة الأسد، هذا هو العيب، هذا هو ما يسيء لعمان، هذا هو ما يضخم الخبر القادم من وراء الحدود، أن تتصرف كمذنب، وأن تكابر كمذنب، ولا منطق في الكون يسند تهمة غبية حمقاء!

قلتها وأقولها: الدفاع عن الوطن شرف، ورسالة، ويحتاج إلى حنكة، وفهم، والذي ظنَّ أنَّ فتح الباب لكل متطفلٍ لكي يتطاول، ويشتم، ويسيء ينفع! فهو أول من يسيء لهذا الوطن.

ماذا عساي أن أقول أكثر! سوى أنها هزلت حتى بدا من هُزالها، كُلاها وحتى سامها كُل سائم!

ماذا عساي أن أقول أكثر من:

فلا نامت أعين المتطفلين!

استيقظ أيها الإعلام العُماني، هذا ليس وقت "تشكيك" ومغالطات، ورفع الإيجو، هذا وقت تفنيد، وهذه العقول القليلة جدا ممن تعرف لغة السياسة، وتخصصت فيها، ودرستها، وعرفتها، حان الوقت لكي تعيد النظر في انتقائك وجوقتك، بدلا من كل هذا المهرجان الذي يجعل مجتمعك عرضة لضربات إعلامية متتالية وأنت واقف في مكانك تردد بهلع "مؤامرة، مؤامرة، مؤامرة، لا يتكلموا علينا هذيلا"

بكل صدق لا أعرف من هذا الذي يتعامل مع إعلام الرأي العام الداخلي بهذه الطريقة!
لا أعرف من هذا الذي يضر بلاده بهذه الطريقة! وليتني لا أعرف لكي لا أتحمل وزر الصمت عن لومِه.

ماذا فعل هذا الجمود؟ ألم تكف أحداث وادي الكبير لكي نتعلم الدرس؟ لكي نتعلم أنَّ الساحة وتفاعلها التلقائي، العفوي، الذي يصنع وعيه بالتفاعل هو صمام الأمان الأوَّل؟ نعم، الحرية، حرية الناس هي صمام الأمان الأوَّل.

ألم نتعلم من دروس وادي الكبير شيئا؟ عن ضرر التشتيت، والتمييع، ونظرية "ما حد يتكلم" .. وفي النهاية ماذا حدث؟ جهة إرهابية قذرة توجه ضربة ثانية للرأي العام الداخلي؟ والسبب من! الإعلام هذا الذي لا يقوم بواجبه، أي إعلام أقصد، الرسمي؟ العام؟ الخاص، المكتوب، المرئي؟
هذه مآلات الرقابة الزائدة عن الحد، والخوف من الظل، والخوف من اي شيء يثير الجدل، هذه مآلات عدم المجازفة، والبُعد كل البعد عن أبسط خطاب واضح، هذه مآلات منطقية، وطبيعية عندما يُنزع الإعلام عن مضمونه، وعندما يتحول إلى سلسلةٍ من المقاربات الهشَّة، المرتعدة.

ليتَ هذا الذي يظنُّ بالمجتمع الجهل، ليت هذا الذي يظنُّ بالثقافة أسوأ الظنون، ليت هذا الذي يستخف بالأكاديمي الذي درس ويدرّس السياسة، ليت هذا الذي لا يقيم أدنى اعتبار لأي شخص له رأي، ليت هذا الذي لا يحترم وعي الناس، ليت هذا يفهم أن الذي يفعله هو أبعد ما يكون عن الوطن، ابعد ما يكون عن الحق، أبعد ما يكون عن نصرة الأوطان، هذا الذي ترك الساحة نهبا للمتطفلين غير ذوي الفهم، غير ذوي البصائر، غير ذوي الحنكة، ليت هذا يفهم أن أكبر دفاع عن عُمان هو حرية مجتمعها، هو حرية ناسها، على الأقل ليته يفهم أن الحرية القانونية كانت تكفي كثيراً لكي لا يلعب بالرأي العام الداخلي من هبَّ ودبَّ!

ألم نتعلم من دروس وادي الكبير أي شيء؟ ألم نتعلم خطورة هذا الجمود في التفاعل مع الأحداث الداخلية والخارجية! لا يبدو أن البعض يريد أن يتعلم.

حرية الرأي الفردي يجب أن يرعاها الإعلام لا أن يحاربها، حرية الرأي السياسي يجب أن يرعاها الإعلام لا أن يهمشها، حرية الساحة الرقمية يجب أن يقودها الإعلام ماسكا الراية كفاعل حقيقي، يصل إلى العالم، يصل إلى المجتمع قبل أن يصل إلى المجتمعات التي تتفاعل معها عُمان كدولة، وستأتي مع هذه الحرية التجارب، والدروس، والأخطاء ستحدث، والعيد سيأتي قبل موعده مرارا قبل أن تصل الساحة إلى حالة الاتزان، هذا درب صعب، وعر، وبه ما به من مجازفات، ولن يكون دون مدرسةٍ يجتمع عليها الجميع، مدرسة الفرد المسؤول، والساحة الناطقة، المتفاعلة، الأقدر على التمحيص والنقد، بدلا من هذا الخطاب، القادم من جانب واحد، يُلقن كأنه يجدي، ويردد كأنه يُسمع!

وماذا بيد المرء أن يقول سوى:

فلا نامت أعين المتطفلين!

استيقظ أيها الإعلام العُماني
استيقظ!

الجمعة، 21 مارس 2025

عن اللقاءات العامة

 لا يوجد أي داعٍ لكي يكون الوزير دفاعياً عندما يوضع في أبسط لقاء مع الناس! أن تكون وزيراً يعني أن تتكلف بتحدياتٍ جسيمة، وأن تكون دائما صاحب طموح، وأن تريد الأفضل، وأن تؤمن إنك مقصِّر مهما حاولت لأنَّ السعي لما هو الأفضل لبلادِك هو أساس نجاحك كوزير.

ثمَّة خطاب رُسِّخ حتى انتشر كالعدوى، وهو خطاب (كُل ما فعلناه كافٍ، ووافٍ). مُنذ متى هكذا كان
خطاب البناء؟ والطموح؟ والسعي للمزيد من النجاحات؟
مؤسف جدا عندما يحاول أي وزير أن يربط عملَه بالبلاد بشكلٍ عام. يستخدمُ بلاده درعاً لكي يواجه انتقادات الناس لماذا؟ فقط لأنَّك لا تستطيع أن تكون شفَّافاً؟ وأن تقول أن هناك تحديات؟ إمَّا استخدام الدفاعيَّة المتشنجة وتشتت أي سؤال بحجة إنه هجومي، وإنه (انتقاد) لمجهودات الدولة ككل؟
لا يا عزيزي الوزير، أنت موظف، لديك موازنة، ولديك إمكانيات، ولديك وضع اقتصادي، ولديك دورك في هذه المنظومة، يمكنك أن تكون واضحاً وأن توضح خطتك لمواجهة التحديات، ومقاربات وحدتك الحكومية، وأن تُطلع الناس على المرحلة التي أنت بها.

هذه اللقاءات التي تحدث بين الوزراء والمواطنين فرصة لبناء خطاب تفاعلي جديد وما هو المهم حقا؟ تبادل التعبير العاطفي عن مشاعرنا؟ أم محاولة اشتقاق أفكار جديدة، وحلول جديدة؟ والأهم إعطاء معلومات صادقة من رئيس وحدة حكومية ستؤثر على اتجاه الحلول، كلمة يقولها وزير تدفع بمنظومات الحلول للتوجه إليها، مشكلة يطرحها وزير آخر في قطاع صناعي تدفع بمنظومات الابتكار لكي تقدم الحلول، تعطي مؤشرات للسوق، وللمجتمع، وللإعلام، ولأشياء كثيرة لا يمكن اختصارها.

يتعامل البعض من الناس بحساسية بالغة عندما يتعرض وزير لانتقاد، أو لكلمة جافَّة، ويتشنج للدفاع المستميت عنه، ولا خطأ في ذلك، اعتناق نجاح وزير ما والإيمان به كقدوة في العمل العام ليس خطأ، لا يختلف عن دفاعك عن أستاذك في المدرسة، أو الدكتور الذي أثَّر عليك كطالب وأصبح رئيس قسم، أنت هُنا تريد من الناس أن تمنحه فرصة.
لكن أن توجَّه طاقتك الذهنية لكي تُرهق الذي انتقده في جدالات بيزنطية فقط لأنّ كما تسميه (انتقد)؟؟ إن هذا لشيء عجاب!

الخطاب يحتاج لبناء، وإلى تفاعلٍ لكي يأخذ اتجاهاته المثمرة، والأهم أن يؤدي إلى نتيجة. الكلام العمومي التشخيصي شيمة الإنسان المختنق بكلامٍ لم يكن يستطيع أن يقوله. عندما يستطيع الجميع قول ما كان صعبا أن يقال، يصبح من المنطقي أن يتجه كل إنسان إلى مشكلةٍ صغيرة محددة، يحاول تفتيتها بالمنطق أو بالخطاب، بالفكرة أو بالخطط، بالحلول أو بالوقاية.

الوزير موظف في الدولة، وإن كانت وظيفته مرتبطة بشكل مباشر بخدمة الناس، وشؤونهم العامَّة فعليه (كأي موظف في أي مكان) تطوير مهاراته في التخاطب مع الناس. ونعم هذا الكلام سهل أن أقوله، وسهل أن أكتبه، لكنه في الحقيقة صعب للغاية ويحتاج إلى ثباتٍ ذهني متعدد المستويات. وكما أن كل شيء يبدأ بسيطا، المنطقي هو تجنب تلك الدفاعية المفرطة، والتعامل مع وجود إنسان (غير راضٍ) يقول رأيه بكل احترام وصراحة كفرصة جيدة لتغيير شيء ما، ولاحقاً ذلك الخطاب الذي كان يعبر عن عدم الرضا سوف يعبر في وقت لاحق عن الامتنان للاستجابة، وهذا ينفع الوحدة الحكومية بشكل عام.
الوزير أخٌ للناس في وطنٍ واحد، ليس مختلفا عنهم في شيء سوى في التكليف والمسؤولية، ولا يوجد أي داع ليتعامل مع الحوار بدفاعية، وأيضا من باب الفائدة الوطنية لا يوجد أي داعٍ لتحويل لحظة الحديث العام إلى اصطناع متعمد لحدث إعلامي له بريق كبير وليس له فائدة عملية، السؤال الجوهري يكمن في الفكرة، حوض الأفكار العام أوسع من حوض أفكار شخص واحد، لذلك هي تلك الفكرة التي قد يفتحها الله على لسان إنسان قد تقدح حلا في عقل إنسان صفته (وزير) ولكن حقيقته هو مواطن يطمح لبلادِه النجاح والنمو، ويطمح لنفسه أن يكون سببا لذلك. ما دام السياق هذا سليما، فالحوار يقود إلى أفكار، والأفكار تقود إلى خطط، والخطط عندما تنفذ بشكل جيد تقود إلى حلول، والحلول تقود إلى نمو، وهكذا دواليك تستمر دائرة التفاعل بين طرفين كلاهما يبحث النمو والنجاح العملي والفني والاقتصادي.

انطلاق مجموعة من الجلسات تجمع بين أبناء المجتمع والمسؤولين فكرة حسنة، وهذا من الأساس ما أراده الناس منذ فترة طويلة. وقد بدأ ذلك، وهذا أيضا شيء حسن. دعونا الآن نفكر سويا لصناعة بنك أفكار مشترك يجعل هذه اللقاءات أكثر تأثيرا، وذهابا إلى لغة الحلول. لدي بعض المقترحات أتمنى أن تكون نافعة: - تحديد سياق واضح للجلسات. ليس من النافع عمليا أن تحمل هذه الجلسات ضمنيا روح (جلسة الفضفضة) بلغة بسيطة، المواطن يفضفض للوزير، والوزير جزاه الله خير يتحمَّل العتب، وفقدنا فوائد فكرية ونقدية كبيرة فقط لأن روح (الفعالية) كانت تسيطر على السياق. لا أقول هذا يحدث، أقول هذا الذي أتمنى ألا يحدث. الحل: تحديد سياق لكل جلسة، مثلا؟ لقاء مع وزير الزراعة: يؤطر على أنه (جلسة الابتكار/ اللقاء مع صناع الابتكار/ الجلسة الابتكارية) لن يغلب أذكياء التواصل الحكومي التوصل إلى تسميات عديدة تخدم الرسالة، بهذا الشكل، يكون للجلسة هدف يأخذ بها إلى بنك أفكار عملي، ومنها إلى شيء يتحقق حقا. مثال آخر: لقاء مع وزيرة التنمية: ويؤطر على اسم (صُنَّع المبادرات/ مبادرون/ من أجل الخير) شيء من هذا القبيل وهذه القبائل من التأطيرات. مجدداً هذا الإطار سيجعل من هذه الجلسات الدورية اجتماعا مكثفا، به تركيز، وبالتالي احتمالات إصابة كبد مشكلة بفكرة بها حل ترتفع. مثال آخر: لقاء مع وزير النفط + الاقتصاد: تؤطر على اعتبار أنها جلسة العصف الذهني الاقتصادي، وهكذا دواليك، من المنطقي جدا إداريا أن يتم التعامل مع الناس على اعتبار أن عقولهم وتفاعلها مع الوحدة الرسمية يؤدي إلى نتائج عملية، وهذا هو المهم، النتيجة العملية. توسعة فكرة هذه اللقاءات جدا جدا جميلة، وقد تؤدي إلى صناعة منابر تعبير شعبية وشبابية وحوار بين الأجيال، والفوائد الجمَّة لهذا التوجه من الصعب اختصارها. يجب أن يُنظر إلى هذه الجلسات بروح إبداعية تختلف عن لغة "التقرير السنوي" أو التقرير الاجتماعي، بحيث لا تكون من جانب الوزارة أو الوزير جلسات تسويق أو تبرير، ولا تكون من جانب الحضور جلسات نفث انفعالية، ونعم هذا له جوانبه الجيدة جدا في الشعور بالمشاركة وتقبل الرأي وما إلى ذلك من أهمية، الجميل أن يضاف إلى ذلك النحت التدريجي للاستفادة من هذه الجلسات لما يتجاوز تشخيص المشكلات إلى حلِّها. النماذج العملية لتحويل هذه الجلسات إلى بيئة مثمرة فكرية موجودة، لكن هل الاعتياد موجود؟ هُنا يأتي دور العقول الابتكارية والمبدعة هذه المرة لا لتخرج خارج الصندوق، وإنما لتضع هذا المتناثر داخل صندوق موجَّه مفتوح من جانبين، جانب به باب يدخله المواطن، وجانب به نافذة يتطلع بها المسؤول إلى عالمٍ من الحلول. وسيحدث بلا شك، بدون أي شك سيحدث ذلك التوتر المحمود، أن يفلت من لسان وزير تصريح في غير محلّه، أو تتحول مداخلة من المداخلات إلى صدام طفيف لا يفسد للود قضية، هذا جزء من طبيعة الجلسات، ونعم سيميل البعض لاستثمار ذلك في إطارات تسويقية مبالغ فيها مثل: شوف كيف الحكومة تسمع؟ شوف كيف الوزير طيّب ويسمع؟ وغيره من الكلام الذي له فوائد عاطفية غير عملية. جلسة أسبوعية مع وكيل، جلسة كل أسبوعين مع وزير، وجلسات عديدة مع مدراء العموم في الوزارات، وموقع إلكتروني لآلية مع الوقت تتحول إلى نافذة ليست فقط للمداخلات والكلام المرتجل، بل أيضا للعروض التقديمية وعرض المشاريع، بالتالي دخلنا في تركيب آخر نافع وذكي. وإليكم المثال. جلسة تجمع وزارة التربية والتعليم مع فريق من طلاب الجامعات لديهم مشروع ومقترحات عن الذكاء الصناعي، يمنحون خمس دقائق لطرح مشروعهم، ويكون ذلك بحضور الوزيرة، وبحضور الناس، وبعدها عشر دقائق لمناقشة ذلك المشروع، وهكذا دواليك، تمضي تلك الجلسة لتحمل مع الوقت تقاليد، وأعراف، وتكتسب حضورا واقعيا عمليا يحوّل هذه الجلسات من حدث إعلامي إلى حدث عملي، وعلمي، وربما حدث فكري. أعتب كثيرا على كل إنسان يظن أن جلوس الحكومة مع الناس هذا (يكفي) وكأن زوال الحاجز بين المواطن والمسؤول للجلوس والدردشة هذا في حد ذاته هو الإنجاز، ألا نحب وطننا؟ ونريد له الخير؟ هُنا يجب توسعة وتعميق كل ملمح من هذه اللقاءت، في النهاية إن كان الوزير سيحضر هذه الجلسة فقط لكي يتلقى التأنيب، وبالتالي سيتولى هو التبرير، هذه إضاعة لوقت مسؤول رسمي ليته جلس فيه في اجتماع لينجز شيئا أهم. ومجددا لا أقول هذا الذي يحدث، هذا الذي أتمنى ألا يحدث. كمواطن فرد يسعدني أنني أعبر عن رأيي في أداء وزير في جلسة من الجلسات، وأن أرى التباين في الخطاب بين الوزير الذي يعامل الناس معاملة الشريك لهم، والذي يقف في صف واحد يذهب فيه الجميع إلى هدف واحد، والوزير الذي يتعامل بدفاعية لا تخلو من التشنج مع أن الناس فعليا تستشعر جهده وعمله، أو الوزير الذي يستخدم كلمة (نحن) في المنجز وكلمة (أنا) عندما يكون هناك تحدي، أمام الوزير الذي يستخدم كلمة (أنا) في النجاحات وكلمة نحن في التحديات أو التقصير. كُل هذا يفتح أبوابا جديدة للعصف الذهني الجماعي، ولصناعة بنوك أفكار، وبنوك مقترحات، وهذه (الفعاليات) تتحول مع الوقت إلى ما يشبه المؤتمرات الصغيرة، والتي بها تمكين للجيل الشاب، وحضور وتفاعل وتعارف، وأشياء لا حصر لها من الفوائد. الجلوس سويا لكي ننظر في ما هو غير ممكن، والتشكي عن الميزانيات، أو تأنيب وزير على عدم تمام مشروع، أو وزير يبرر بلا توقف، أو جلسة مديح لوزير بأنه السوبر خارق والذي فعل كل شيء وختَّم سجلّات النجاح، أو العكس إلغاءه تماما وكأنَّه لم يفعل أي شيء. هذا التفاعل ليس إنجازا، هذا ا لتفاعل هو حدوث لما هو طبيعي، وما هو طبيعي يقود لما هو فاعل ومثمر، وبالتالي، عسى أن تنفع هذه المقترحات في شيء ما. هو اجتهاد أولا وأخيرا وعسى أن يقود إلى أي نفع عام حتى لو كان من أجل تخطيط جلسة من الجلسات، أو إعطاء إطار معين يقود إلى استهداف فئوي (علمي وليس بناء على العلاقات) يجمع الوزير مع بنك أفكار اجتماعي لا نعلم أي توفيق إلهي قد يقدح زناد فكرة تتحول إلى واقع. لا أستطيع أيضا أن أخفي سروري الخفي ببعض (الأكشن) الذي يحدث في بعض الجلسات، خروج التواصل بين الحكومة والناس من تشنج الخوف من النقد خطوة أولى، ما بعد ذلك من خطوات هي التي تتحول إلى واقع عملي، وعسى أن نرى توسعا وتعمقا في هذه الجلسات لتأثير عملي أكبر. معاوية سالم الرواحي

الجمعة، 21 فبراير 2025

قليل من غياب الغربة

 تسلم يا يوسف، وشكرا لأنك خففت غربتي قليلا، فالموضوع حقا يستحق التأمل، كحالة. انظر للتفاعل الذي حدث ستجده يشفُّ عن غيابٍ شبه تام للموضوعية. نتكلم عن شخص ليس ملاكا، ليس شيطانا، له ما نقبله فيه، وبه ما نرفضه، الاتفاق على أنَّ النتائج التي يحققها في شيء خيّر حقيقية وواقعية هذا ليس موضوع رأي، هذه معطيات واقعية إنكارها غير منطقي.


سؤال النية، أيضا يقع ضمن دائرة الاستبطان الخارجي، والحدس، والظنون، ولا يخلو أيضا من التحيزات التي تؤكد فكرة مسبقة، عن الخير والشر، عن الخيّر والسيء، وعن الصادق والمرائي، أما الموقف الواقعي فهو خارج التوقعات، نسبة كبيرة جدا تقف في حالة حدية مؤذية للغاية.

الحالة الأولى: التفخيم المبالغ فيه، (ما حد كماه، أفضل واحد، الأفضل، الأعظم) وهذه ليست إفادات نافعة، نعم هي حسنة، ومليئة بالمشاعر الطيبة، تأثيرها النهائي؟ ضار، لأن هذا النفخ الزائد بالمديح مضر لأي إنسان إلا لو كوّن فهما نقديا عاليا لماهية المجاملة الزائدة وأثرها على المرء، وكيف أن الكثرة من المبالغة تغلب العقلانية في التمحيص.


الحالة الثانية: حادة، إلغائية، لا يعجبني كلامه، بالتالي ألغيه هو من أين جاء، له أخطاء! بالتالي أعتبر أي شيء جيد يفعله سيئا، أعتبره ضمن ظاهرة المشاهير، بالتالي أجازف بالصوابية، والتي من ضمن عواقبها توقف إنسان عن مساعدة الآخرين بسبب خوفه من الاتهام بالرياء، أو التزلف أو غيرها من الظنون التي لا يمكن حسمها كحقيقة. 


ثم نأتي إلى تأثير الأغلبية والامتثال لهم، وأدهشني حجم التعليقات الهجومية التي جاءت لي!! وكأنني جئت شيئا إدّا!! مع أن كلامي كان يتكلم عن جزئيتين فقط! الحدث الذي عايشته، والفكرة العامة وراء الحدث، وأيضا حقيقة الواقعة التي تُنتقد. تُظهر أشخاصا في حالة حاجة، تتهم بالاتجار بهم! طيب ما هي الحقيقة؟ هل أنت حقا تظهرهم وتلوي ذراعهم؟ أم تستجيب لطلبهم؟ وكيف تساعد شخصا عبر السوشال ميديا؟ تظهر بوجهك وتقول (إنسان وساعدوه) هذه لا تنجح.


وما الحقيقة فعليا؟ لو كان بيد هذا المتحامل زر؟ كأنه يقول لناس في أزمة: لا تظهر علنا، الشيء الذي تفعله (يحرجني) يضايقني، ذوقي لا يسمح لي برؤيتك وأنت (تتوسل) الخروج من أزمة، هذا يريق ماء وجهك! وهو لا يفهم أن السجن إراقة لأكثر من ماء الوجه، وأن صاحب الحاجة والأزمة له عقل يختلف عن عقل إنسان مترف يفكر بالصورة الاجتماعية لنفسه، والتي يسقطها على سجين، أو شخص محتاج.


البعض أيضا لديه منطلقات مختلفة، وكأن وجود حالات معسرة (يحرجه) فهو أيضا لديه تلك المبالغات، وأحدهم قال لي في نقاش عن المقال: يحرجني كيف يظهرنا أمام دول الخليج؟


أولوية مشاعره عند ذهابه لبلد خليجي ومحاولة إظهار نفسه أنّ مجتمع له الوضع المادي نفسه (مثلهم) أهم من قيام ناشط اجتماعي بإنهاء حالة، وعندما أقول إنهاءها نعم، واقعيا يحدث ذلك، عمليا يحدث ذلك لسنا أمام شخص (يحاول) نحن أما شخص فعلها مرارا، باتصالاته، وبعلاقاته، وبمساعدته لحالات، وباعتمادها، وبمصداقيته مع الجمعيات الخيرية، ليس هو وحده، معه آخرون لديهم هذا الوصول القادر على تحقيق نتائج. 


والبعض لا يهمه الموضوع ولا يعرف تأثيره الضار والسام، وجد معمعة رقمية ودخلها ليخرج أسوأ ما فيه. السؤال الكبير: يتساءل الناس لماذا يشطح من يسمون بالمشاهير؟ ولماذا تظهر منهم سلوكيات سيئة؟ ربما لأن من ينشد الاتزان يصمت، يتجنب اللسعات التي سوف تأتيه ساخرة ومستهزئة إن قال فقط ما يتحرى الإنصاف. 


الأمر لا يتعلق بمحمد المخيني، الأمر يتعلق بخطابنا الرقمي مع بعضنا البعض، ولا سيما مع أصحاب المنصات المنتشرة، أو أصحاب الحضور الاجتماعي الشرس، حساباتهم هي منصات تصفية حسابات، وتنمر، وتسميم، وإلغاء، أو هي حسابات مدح، وتفخيم، كلاهما مضر، وكلاهما يؤدي إلى خسارة أخرى وهي إنسان يفقد بوصلة الرأي الوسطي السليم، ينتظر الإشباع بالمدح ويفسد هذا جزءا من عقله، ويصاب بارتكاس في فهمه للمجتمع، وصدقني وأتحدث عن تجربة، تكوين صلابة ذهنية هائلة تجاه هذا الوضع أمرٌ صعب للغاية.


جلسات النهش في الذين يسمون المشاهير، النهش بمعنى الكلمة، تسمى (نقدا) الشخصنة تُسمى (رأيا) وظاهرة الاستحقاق الرقمي! يجب أن تسمعني، في منصتك، وفي حسابك، فهذا (حقي) تسمعني وإلا فأنت إنسان يحب الظهور!!


أقاويل غريبة: تحب الظهور!!! تحب المال؟ هي يكسبه بالحرام مثلا؟ وما الذي يجعل الذي يحب الظهور مخطئا؟ وما الذي يجعل الذي لا يحبه مخطئا؟ منذ متى من السهل للغاية التدخل في الخيارات الفردية بحجة المشاعية الاجتماعية؟ وكأن هذا الإنسان لا حقوق له. 


كُل هذا التدافع جزء من ظاهرة رقمية سببها نكوص المنابر الأصلية عن أداء دورها الاجتماعي، غياب الإعلام الاجتماعي الحقيقي الذي يعترف برأي الناس، ويدفع به إلى مناطق أكثر موضوعية، ونفعا فكريا.


مواضيع كثيرة تُشتق من حدث واحد، ولا أخفيك كدت أن أصاب باليأس وأن أتوقف عن الكتابة في هذا الموضوع لكي لا ينفجر عقلي من حجم التفاهة التي صرت أقرأها في حسابي، تفاهة الشامتين، وذوي الضغينة والاستحقاق، والدناءة والسقوط النفسي وذلك الخطاب العنجهي من قبل إنسان تنازل عن اسمه ولم يعط لكلماته مسؤولية! لم يتحمل قبحها!!! (علما أنني لست ضد ظاهرة الاسم المستعار ككل، وإنما ضد ظاهرة القناع الحامي للتصرف القبيح).


الكراهية حق لكل إنسان، والرفض حق لكل إنسان، السؤال الكبير هو، وأقوله لنفسي، منذ عامين تقريبا وأنا موقفي الداخلي هو ما سردته بالأمس، بعد ذلك الموقف العفوي المليء بالغفلة الاجتماعية في تغريدة الشكر لي! وهناك سألت نفسي: لماذا أمتنع عن كتابة شيء! ليس عن هذا الشخص فقط، وإنما عن كثيرين، لأنني في هذا الدفاع أيضا أدافع عن نفسي، وعن غيري.


من السهل على أي إنسان أن يكون قبيحا باسم مستعار، ومن حق كل إنسان أن يكره، لكن أن يصل الحال إلى الإملاء، ونسيان أننا أشخاص، نتساوى في الخطاب، نناقش بعضنا بعض، هُنا تغيب مسلمات الأشياء، لا شيء اسمه مشهور لكي يعطى مكانة خاصة أو مكانة أدنى، والذي يمارس هذا الدور يخطئ في حق نفسه أولا، ولا شيء اسمه شخص عادي لكي يسمح لنفسه أن يقبض (ضريبة الشهرة). 


الموضوع كله ضمن تجليات الظاهرة البديلة لكل التقصير الذي كان على مؤسسات إعلامية واجتماعية القيام به، لكن هذا موضوع آخر، وحديث آخر، فليهنأ كل الذي همّش، أو نكّل بالصوت النقدي بحجة الخطاب الواحد فليهنأ بهذه الظاهرة الاجتماعية التي أفرزها، وستمر  سنوات عندما يدعو المنادي: ليتنا لم نكن بتلك الحدية والحساسية في التعامل مع الصوت النقدي الوسطي، وليتنا لم نجعل كل شيء حديا، وشرسا! 


انظر إلى لغة الاختلاف السياسي، وعدوانيتها مما يجعل المنصف الوسطي غير قادر على ولوج مهرجان البصاق المتبادل، انظر إلى لغة الاختلاف الاجتماعي وكيف تُبنى على القسوة، وغيب احترام الطرف الآخر، انظر إلى بزوغ  ظاهرة التنمر الرقمي، والآن في أعمار محددة ظاهرة انتهاك الخصوصيات. كلها ظواهر وانفلات يتفاقم، والبعض يظن أن كل هذا: عادي.


كل هذا ليس عاديا، كل هذا مشكلة، ولها حلول، وهذه الحلول تحتاج إلى تحليل، وفهم، وتنظير، ولا تحتاج إلى رأي شخص واحد، أو إلى صوت عنجهي يظن أن بيده مقاليد الصواب، كل هذا له حل، وليس بالخوف، والشك وبالظن، كل هذا له حل، ولن يكون بالاستحواذ على كل من وصل رأيه للناس لكي يوضع رغما عنه ضمن معارك التلاسن، أو ضمن مهرجان التخدير أو التطبيل. كل هذا ليس عاديا.


لكل إنسان حق، أن يمدح من حقه أن يمدح، أن يذم من حقه أن يذم ويمتعض ما دام يقول حقا وليس جريمةً، والمحزن حقا أن كل هذا الارتفاع في الممكن من الكتابة مهدور في كل هذا النزف اللغوي الرقمي، بينما من كان واجبه أن يحتوي كل رأس المال اللغوي العام هذا، وأخباره، ونقاشاته، يتبنى موقفا هداما ضد ما يسمى (كلام الناس) .. كلام الناس رأي عام، وهذا الرأي العام تديره تفاعلاته، رأسمالية لغوية هي التي تحدد شروط العرض والطلب، ولهذه نهايات دائمة، نهايات واحدة.


وأنا متشائم للغاية، لأن نهاية الرأسمالية اللغوية العشوائية، مأساة يصنعها هذا الذي يتفرج ويده على قلبه وسكينه بيد عقله، ينتظر الويم التي تنجح فيها الفوضى التي صنعها في صناعة الضرر، وبالتالي، تأتي الأعذار، وتنتصر المدرسة التي لم تؤمن يوما ما بأن للناس لسان.


الأمر لا يتعلق بالمخيني، الأمر يتعلق بأشياء كثيرة للغاية يا صديقي، وشكرا لك لأنك خففت من غربتي. حقا حقا يا يوسف: شكرا ..

الثلاثاء، 18 فبراير 2025

سعيد جداد: الإجابة اسمها (مُجتمع)!

 

 

 لا أعرف لماذا أشعر أنني ملزمٌ اجتماعيا بكتابة شيء ما عن هذا الإنسان العُماني. ولأنَّ ملفَّه لا يخلو من الإشكالية المتعارف عليها في المحيط العُماني أضطر في البداية إلى وضع بعض النقاط على الحروف. ما أكتبه لا يتدخل مطلقاً في الموقف الرسمي مع أو من أو تجاه، أو ضد سعيد جداد. لا أتدخل لأنني لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، ولا أريد أن أتدخل، ما أكتبه يعبر عن فردٍ عُماني يكتب عن أخٍ له في المجتمع، وفي عُمان، وفي الإسلام، وفي العروبة، وفي أيامٍ جمعتنا، وطائرة عُدنا فيها إلى وطنٍ واحد، أكتب لهذه الاعتبارات، ولذلك فإنَّ من يحاول إخراج أي حرف أكتبه عن سعيد جداد عن سياقِه الاجتماعي فهو إنسانٌ يعتدي على حقي القانوني في حرية التعبير تحت إطار القانون، وهو إنسان يكيدُ ويستخدم الضغط على الآخرين لتبني موقف ليس موقفهم. هذا ما وجب توضيحه في البداية حفظا لسلامتي، وأيضا بُعدا عن أية مجادلات تُخرج السياق الاجتماعي الذي أوطّن في نفسي عدم الخروج عنه مهما كانت الضغوط محتفظا في حقي في الدفاع عن نفسي في حال قام أحدهم بالاعتداء المتعمد على هذه الحقوق أو أخرج ما أكتبه عن سياقه!

قبلَ كل شيء، سعيد جداد الذي أعرفه والجانب الذي أعرفه عنه هو جانب مختلفٌ جذريا عن ذلك المرتبط بسياقات التعبير الرقمي، يرى البعض (سعيدا جداداً) رقمياً ويكون ما يريده من تصورات، وأنا أرى (سعيد جداد) مختلف عرفته في زمن الغربة والتقيت به مرارا وهو إنسانيا شخصٌ دمثٌ للغاية، وخلوق، ويشهد بذلك من تعاملَ معه عن قرب، وهذا هو الجانب الذي يدفعني للكتابة مجددا عنه، شعوري بالأمل أنَّ الحلَّ موجود، وأنَّ من أفراد المجتمع وأبناء هذه البلاد الغاليةِ علينا من يمكنه أن يتدخلَ اجتماعيا ليوصلَ هذا الاحتدام غير المتوقع في الأحداث إلى برِّ أمانٍ مُطمئنٍ لإنسانٍ أتمنى له أن يعيش الباقي من عُمره في هدوء وطمأنينة وسلام. هل هناك سعيد جداد آخر لا أعرفه؟ لكنه مجدداً يقع ضمن إطارٍ ليس من مهمتي، ولا حقي، ولا واجبي، ولا وظيفتي، ولا وضعي الذهني، ولا حالتي النقدية لأتدخل فيه. لكن ماذا عن ذلك اللاجئ الذي عاد معي في طائرةٍ واحدة مسلما أمره وشأنه إلى بلاده؟ وواثقا كل الثقة بها؟ هذا موقف في حد ذاته ينمُّ عن الروح العُمانية التي به، من الصعب أن أشرح آلية تكون الغضب الداخلي، والتعبير عنه لغويا، وانسياق الإنسان مع هذا السياق الذي يمتد لسنوات، لكن يمكنني أن أشرح صعوبة التخلي عنه، والبدء في حياة جديدة مبنية على روح الاندماج مع المجتمع، والتعايش مع الممكن من الحياة فيه، فهامش الممكن من الحياة دائما متاح، في كل مكان في الدنيا وحتى في أصعب الظروف ثمَّة هامش للحياة، والإنسان واختياراته هو الذي يحدد هل يعيش في تلك المساحة أم يسعى في طلاب المساحة التي ينشدها، هذه قرارات فردية وكل إنسان يتحمل عواقب اختياراته.

إنه شيء يحزُّ في النفس ويحزن القلب أن يوجه إنسانٌ نداءً علنياً حول منعه من السفر. الذي يحزُّ في النفس حقَّا هو الصمت الاجتماعي الذي وصل به الحال إلى تجاهل هذا الحدث برمَّته. هل جئت لأكتب في هذا المقال رأيا في هذا الإجراء؟ كلَّا، لأنني لا أعرف الحيثيات، لكن هل أكتب عن المحزن في ذلك الصمت؟ نعم أكتب، لأنَّ التحيزات التي بنا قد تصل بنا أحيانا إلى تجاهل الزاوية الإنسانية واعتبار الإنسان (ملفاً) من الملفات! ونحن كبشرٍ من العُموم من المجتمع من المستغرب للغاية أن نتعامل مع إنسان آخر بهذه الطريقة، فنحن لسنا في سياق رسمي يحتم علينا النظر في الإجراءات الرسمية، ولسنا وكلاء نيابة، ولسنا قضاةً لكي تكون موضوعيتنا إجرائية بحتة! نحن بشر، من المحزن أن ترى نداءً لإنسان يقول أنَّه منع من السفر فيصمت الجميع لماذا؟ لأنه سعيد جداد! ذلك الذي قال كلاما يكرهه البعض، ذلك الذي يتبنى بين الفترة والأخرى سياسة (المغايظة) وربما لأنه الإنسان الذي نحيطه بالظنون والشكوك والتي إن صدقت وإن كذبت ليس من دورنا الحكم تجاهها، الأخذ بالظاهر جزء من تبرئة الذمَّة، ويحزنني حقاً أن يمرَّ ذلك النداء على قلوب كثيرة فيعتبر هذا كله طبيعياً. على الأقل فليفكر ولو شخص واحد في حلِّ ما لوضع هذا الإنسان قبل أن يستفحل الحال ويقود إلى مآلات يمكن تجنبها بالكثير من التعاطف الإنساني، والقليل من المبادرة الاجتماعية.

هل من واجبك أن تساعد سعيد جداد؟ كلا طبعا، هل أنت ملزم؟ كلا طبعا، ولكن هل بإمكانك وبمقدورك أن تساعده؟ تساعده على ماذا؟ على أن يصل إلى حالةِ استقرار اجتماعي تزيح سنوات وسنوات من حياةٍ سابقة. يمكنك أن تتنصل تماما منه وتقول (بلاه ويستبلى به) وهذا من حقك، ويمكنني أيضا أن أقول متعاطف معه وهذي حقي الاجتماعي، لكن ألا يحز في النفس ذلك النداء المدوي ونصمُّ آذاننا عنه بحجة أنَّه إنسان لا يروق لنا؟ أعيد وأكرر ما قلته من قبل، ولكن الآن بعد ظهور مؤشر جديد أقلقني شخصيا على شخص أعتبره صديقاً وأخا حتى وإن لم يعتبرني بالصفة ذاتِها، أنَّ وضعه هذا الإنسان أصعب من الاندماج بذاتِه وبنفسه، عُمراً، وتجربةً، وخصوصيةً ثقافية واجتماعيةً من الصعب أن يفعل كل ذلك وحده. ولمن أوجه هذا النداء؟ مجدداً إلى أي شخص لديه تأثير اجتماعي كبير، إلى أي إنسان ينظر لسعيد جداد من زاوية التعاطف الإنساني، إلى أي إنسانٍ قد يتحقق لديه شعور بفعل الخير إن يسَّر أمر هذا الإنسان، وساعده، ووقف معه، وأعانه على نوعية حياةٍ أفضل وأجمل في بلاده التي عاد إليها باختياره وقناعته. سعيد جداد يحتاج إلى إنسانٍ مثل هذا، لصيق بمحيطه. ليس سهلاً أن تندمج في المجتمع بعد مسيرةٍ طويلةٍ للغاية من التنفيس عن الغضب، وبغض النظر كانت أسباب هذا الغضب وجيهة أو غير وجيهة، نحن أمام إنسان قضى سنوات كافية لجعل اندماجه مع المجتمع الكبير أصعب وأصعب، ولوضعه خصوصيات كثيرة لست بصدد سردها الآن. من أراد أن يتنصل من سعيد جداد فهذا حقه، ومن أراد أن يدينه فهذا شأنه، ومن أراد أن يساعده وأن يقف معه فهذا هو الوقت الذي يُحسب في موازين الخير والفضيلة. لسعيد جداد من يحاسبه، ومن يعاقبه، وقانون يحميه من الخطأ، ويردعه عنه وهذا السياق ليس بيدي وليس بيد كثيرين التدخل فيه، ولكن أيضا لهذا الإنسان من يتمنى له الخير، ولعله الآن الوقت المناسب لكي يبادر ويمد يد العون لأخيه.

لا أعرف حقا سبب اختفاء حساب سعيد جداد من تويتر، وخشيت أن أرسل له رسالة فأجد ردا يؤذيني، أو يعاملني معاملة الإنسان الذي يريد أن يكيد به، وكم أخاف ثم أخاف أن يكون هذا الذي أكتبه يسبب الضرر له. أتمزق بين الموازين ثم أقرر أن أكتب، وأقول في نفسي لعل ما يكتبه لاجئ سابق، عاش ما يشبه تجربته قد يقنع أحدا بهذا الرأي الذي لا أرى صوابا غيره، أنَّ الإجابة اجتماعية، وتحتاج إلى مبادرةٍ خارج إطار الواجبات، مبادرة غير ملزمة، وتعاطف عالٍ، ونزعة حقيقة للمساهمة في جعل حياة إنسان آخر أفضل وأجمل. لا أعرفُ أين هو سعيد جداد، وستكون هذه المرَّة الأخيرة ربما التي أكتب فيها عنه، ولو شعر هو، أو شعر أي فرد من عائلته أن الذي أكتبه يزيد الأمور سوءاً فأعلن اعتذاري مقدما، وسأحذف كل شيء، لكن إن كان الذي أكتبه قد يصل إلى أي إنسان مؤثر في المجتمع، هذا الإنسان أحوج ما يكون إلى الغوث، وإلى أناسٍ ينظرون خارج منظور التحيزات، وإلى أشخاصٍ لديهم القدرة على تقديم اليمين المساند الذي يأخذ به الأخ مع أخيه. لم يفت الأوان بعد، لعل قليلا من المبادرة الاجتماعية هي الورقة الناقصة من البداية، لعل بعض الأفق الاجتماعي، يساعده على النظر بروح التجاوز والاندماج، لعل بعض الغفران والتجاوز يجعل من حياة إنسان آخر أجمل. لماذا أكتب هذا المقال؟ لأني سعيد جداد أخي، وأعتبره صديقا لي وإن لم يعتبرني صديقا، ولا أتنصل منه، ولقد وقف معي بالنصح مرارا، والذي لا يعرفه كثيرون أنَّ كان الإنسان الأوَّل الذي استشرته في أمر عودتي، وبارك هذه الخطوة مع أنَّ ملفه لم يكن واضحا وقتها، ولا عودته كانت منظورة وقتها، سعيد جداد الآخر شخص لطيف للغاية، ولعل سعيد جداد المُعلن قد استحوذ على سعيد جداد الحقيقي حتى أصبح من الصعب على الشخص الخارجي التفريق بينهما، أنا يمكنني التفريق، وغيري يمكنه التفريق، ولعل هذا النداء هو الأخير الذي أوجهه بنية صادقة في أن يجد هذا الإنسان من يعينه وييسر أمره، الأمر ليس مستحيلاً، وليس سهلا، هو ممكن. إن وصل هذا المقال لإنسان يحب أن يساعد الناس وأن يقف معهم أقول لك: عاش هذا الإنسان ما يكفيه من الحياة الصعبة، الإجابة اسمها "مجتمع" وهذا يكفي لإسناد إنسان، ولوضعه في رحلة التجاوز والطمأنينة بعد سنواتٍ كافية من القلق، والغضب، وغيرها من الترسبات التي لن تزول بين يوم وليلة. لا أقول أن أحدا ما مسؤول عن الوضع الذي آل إليه حال هذا الإنسان، أقول أن مبادرة خيرةً تحمل روحا اجتماعيا مليئة بالغوث والتجاوز قد تكون هي الورقة الناقصة. لا أظن أن لدي شيئا آخر أقوله عن حالة هذا الإنسان، يسّر الله أمره، وحماه، فإن كان ظالما فكفَّ الله شره عن نفسه والناس، وإن كان مظلوما رفع الله عنه الظلم، وأعانه، وأغاثه بقدرته قبل قدرة الناس. هذا ما لدي، والله غالب على أمره.

 

معاوية بن سالم بن حميد الرواحي

 

الخميس، 13 فبراير 2025

سعيد جداد من منظور اجتماعي بحت!


لي عدة أيام وهذا الموضوع يشغل ذهني. ربما لأنني أؤمن أن حلاً ممكنا في الأفق المنظور يمكنه أن يوقف تفاقماً لا داعي له في حياة إنسان آخر. أعلمُ أنني بكتابتي لهذا المقال أمشي فعليا في حقل ألغامٍ مزيَّن بالأسلاك الشائكة المكهربة على جانبيه، لهذا قضيت عدة أيام وهذا الموضوع يشغل ذهني، تمنيت أن أكتب شيئا نافعاً لعله يحقق خيرا، أو يدفع بصوابٍ غائب عن الأذهان للحدوث، وبالتالي يوقف ضرراً لا داعي له لأطراف كثيرة بعضها معنوي واعتباري، وبعضها شخصي وإنساني، وبعضها عائلي واجتماعي.

في البداية دعني أشرح بما لا يدع مجالا للتأويل معنى كلمة (منظور اجتماعي) أي أنني هُنا لست لأدخل طرفا في المجادلات بين سعيد جداد وخصومه. ومن يتابع حسابه يعرف جيدا إلى أي مدى عادت تلك الخصومات اللغوية، وأيضا يلاحظ أنَّ نمطاً ما من الكتابة والمواقف السياسية قد عاد أيضا إلى خطاب أبو عُماد، هُذا هو الجانب الذي لا أتدخل فيه، فأنا لا أضمن خصوم سعيد جداد له، وأيضا لا أضمن سعيد جداد أمام خصومه، وأرفض أن أدخل طرفا في معمعة الخطابات أو الملاسنات، فضلا عن الهجوم المتبادل بين الطرفين لست هنا لأكون درعاً له فأحارب نيابة عنه، ولست هنا لأكون رأس حربة يُطعن في كبده، أرجو أن يكون هذا الكلام واضحا للجميع لكي لا أجد نفسي في صداع أمام من يؤيده، ومن يعارضه وأضطر للحديث مع اسم مستعارٍ مصطف يظن أنه سيدفعني للانضمام تحت لواء طرف من الأطراف لأنني (تجرأت) وكتبت عن هذا الموضوع الذي يراه هو (من شأنه).


طيب يا معاوية، تقول أنَّك جئت تفكر بحل؟ أليس كذلك؟ نعم ولكنني أحتاج لهذه المقدمة الطويلة لأرصف السياق في هذا الطريق المزركش بالألغام، لذلك سيطول الكلام والذي لا يجد في نفسه القدرة على إكمال هذا المقال أتمنى أيضا أن يجد في نفسه القدرة على كف لسانه عني. أما وقد وضعت هذه المجادلة الدفاعية لكي لا أترك مجالا للتأويل، دعني أشرح وجه تضامني الإنساني العميق مع سعيد جداد.


عند الحديث عن أبي عماد، أنت أمام ملف نسميه نحن في لغتنا المتعارف عليها (سياسي) وهو فعليا، وقانونيا لا هو سياسي ولا هم يحزنون، أقصى ما يمكن أن نسمي به ملف أبي عماد هو ملف تعبيري رقمي، جزء من الظاهرة اللغوية الاعتيادية، مرتبط بموضوع التعبير عن الرأي، ومرتبط بموضوعات أخرى مثل القانون الذي يشمله، والصلاحيات التي تسمح أو لا تسمح بمحاسبته، وعندما نخوض في هذا الشأن فنحن نصطف تلقائيا، وبالتالي هُنا يصبح كل شيء صعبا للغاية، لأنك هُنا أمامك عدة خيارات صعبة.


الخيار الأول: أن تختار الوقوف مع سعيد جداد، وبالتالي تستخدم حجج المحامين لتبرئته، وتصطف ضد خصومه الذين يكيلون له اتهامات بعضها لا يخلو من التوقع المنطقي البديهي باحتمال صحته، وهو أنَّه يريد السفر ليشن هجمات ضارية على الحكومة وغير ذلك من التوقعات والتكهنات والتي قد نرجح بعضها وقد لا نرجح بعضها والخ الخ الخ، الخلاصة لا أحد يعرف ما في ضمير إنسان، الظاهر هو أنَّه يقول أنه يريد السفر من أجل العلاج، والظاهر يقول أنَّه لا يعرف سبب منعه من السفر، لذلك عن تصديق أن أبا عماد يقول الحقيقة والصدق، سوف تستخدم تلقائيا خطاب التصدي للظالم المتعسف، وبالتالي تدخل في المعمعة من أوسع أبوابها.

لا أختار هذا الخيار لسبب واحد، لأنني لا أملك أي حقائق تجعلني أستطيع الكتابة بأريحية وأنا مطمئن تماما أنني لا أعرض نفسي لمشاكل مع القانون، أن أزعم أنَّه ممنوع من السفر هذا يعني أن أكون قريبا من الحدث، لذلك من هذه الزاوية لا أجعل نفسي درعا لشيء غامض، وأمنع نفسي من اختيار هذا الخيار لغياب الوضوح، ولحفظ سلامتي الشخصية.


الخيار الثاني: إدانة سعيد جداد واتهامه بالنوايا السيئة. وهُنا نستدعي انطباعنا عنه، ولن يخلو هذا الانطباع من تتبع الخطاب السياسي (وهو ليس سياسيا بقدر ما هي مجموعة آراء) هل هي مستفزة للبعض؟ نعم، وقد تكون مستفزة بشدة. هل تقع تحت مظلة القانون؟ نعم، هناك قانون يتعامل معها بمنطقه وهنا لا أستطيع أن أفتي، وجود تكهنات ظنيّة حول سعيد جداد هذه حقيقة لا يمكن التشكيك فيها، هل هي صحيحة؟ هُنا يعلم الله صحة طرف دون طرف، لماذا لا أختار هذا الخيار؟ مجدداً لأن هذه ليست مهمتي، هناك قانون، هناك دولة، هناك أجهزة، أنا ابن مجتمع أتحدث عن ابن مجتمع آخر، هذا السياق ليس سياقي ولذلك لا أختار الخيار الثاني. لذلك أتضامن مع فكرة أنَّ كلامه لو كان صحيحا فهذا إجراء أتمنى أن يُرفع عنه، وركز على كلمة (أتمنى) وهي تلك الكلمة السخيفة الشاحبة التي نبديها فقط لنرفع عن أنفسنا الحرج والملامة لعدم اتخاذنا موقفا، وأنا أقول بالفم المليان لا أتخذ موقفا في معمعة الإجراءات، ولا في معمعة الخطابات، لا أدينه لأنني لا أعرف نيته، موقفي يكمن في مكان آخر سيسرد في نهاية هذه المرافعة الطويلة العريضة. الذي يختار هذا الخيار يبدأ من بساطة (خليه يستاهل/ وحده يدور حال نفسه) إلى نهايات معقدة مثل (هذا الشخص ناوي نية) ولكل طرف أسباب لكي (يظن) هذا الظن، أما الحقيقة فمجهولة لأنها تقع في قلب إنسان واحد.


ثم نأتي للخيار الثالث والأخير: التنصل والصمت. وقد كنت لشهور حتى شعرت بالخجل من نفسي أتخذ هذا الخيار. وفي الوقت نفسه أشعر بالحيرة، فالكتابة في مثل هذه المواضيع المتأزمة شيء صعب للغاية حتى على إنسان كتب آلافا مؤلفة من الصفحات والتدوينات، أخذ تقليب الأمر وقته في ذهني حتى أجد طمأنينة في الكتابة، وأيضا حتى أجد وقتا يسمح لي بإيضاح جميع أفكاري بما لا يفتح أمام وجهي بوابة أنصاف المجادلات مع الذين لا يجادلون وإنما يضغطون عليك لتكون مع أو ضد، فضلا عن جمهور غير قليل من ذوي المكائد الذين يتمنون عودتي لمواجهة الجهات الحكومية والهجوم عليها لا حبا في سعيد جداد وإنما كراهية في معاوية الذي يبدو أنَّه يضايقهم لأنه لم يعد مأساة متحركة تمشي على قدمين مكلبشة تتنقل من سجن لآخر. هل فهمت عزيزي القارئ صعوبة هذا المقال؟


جميع هذه الخيارات هي مواقف، وهي نابعة من معالجة موضوع سعيد جداد (كحالة) أكثر من أي شيء آخر. حالة، رقمية، عبارة عن مجموعة خطابات مواقف وتغريدات، وننسى أن إنساناً يكمن وراء هذه الحالة، وهذا هو منظوري الشخصي الذي أنظر به لهذا الإنسان.

أنا لا أعرف سعيد جداد السياسي، لا يهمني أمره، ولا شأنه، ولا يعني لي أشيء شيء، أعرف الإنسان الآخر وراء تلك الخطابات المتلهبة المتعلقة به معاً وضداً، ذلك الإنسان اللطيف للغاية، والدمث، وأتعاطف معه كل كثيرا. بينما يرى الناس إنسانا سياسيا مراوغا ومخاتلا ولا يخلو من التناقض، أرى إنساناً مجروحا بشدة، منذ فقده لفلذة كبده وأنا متقين أنني أمام إنسان تغير للأبد، وبترَ منه اسم (سعيد) الصفة ليبقى سعيد الاسم. كيف أعرف ذلك؟ أعرف ذلك بما يكفي لأقول: لا يوجد ألم يغير الإنسان أكثر من خسارته لفلذة كبده.

ما هي التفاصيل؟ لا أعرف، ما هي الحقيقة: سعيد جداد فعلا أب خسر فلذة كبده.


ثمَّ شاءت الظروف أن أعرف هذا الإنسان عن قرب، ولا ألومه لأنه دائم الحذر مني، فأنا أيضا قطعة من الجنون والتقلبات الخالية من المنطق مما يجعل أي إنسان في الحقل السياسي (الذي نسميه السياسي تجاوزا) يفكر ألف مرة قبل أن يطمئن لجانبي، وطبعا لا ألوم أي شخص في ذلك، لم أكتسب أي خط ثابت في حياتي إلا عندما غيرت مقاربتي من (ناشط سياسي/تجاوزا) إلى هذا الذي أعيش في كنفه الآن (الناشط الاجتماعي) وهي مجددا تسميات معلبة ما أنزل الله بها من سلطان، شخص يعبر عن مجموعة آراء في أحداث اجتماعية ما الذي يجعله ناشطا!! أهلا بك في عمان، حيث لنا تسمياتنا الخاصة دائما وأطرنا الخاصة بنا. ما علينا ليس هذا موضوع تفكيك مجادلات التسمويين بلا حدود!


أكمل سرد تعاطفي مع سعيد جداد، وأسبابه. لا أعرف منذ كم سنة وهذا الإنسان (حالة) بالنسبة للبعض (ملف) وبالنسبة للبعض (حدث) لا أعرف كم إنسانا يرى في سعيد جداد (إنسان). مضت حياته في معمعة مرحلة معينة، وتكهربت، وسواء كان ظالما أو مظلوما أصبحت حياته مليئة بالجروح والآلام، وهذا ما يجعلني أفسر ردات فعله التي قد أرفضها فكريا ولكنني أيضا (أظنُّ) أنها سبب ذلك التناقض الصارخ بين شخصيته الدمثة والخلوقة جدا وروحه الطيبة، (والكاركتر) الرقمي الذي يجعل كل من يعرفه عن قرب يفهم جيدا أن سعيد جداد (الحالة) يدور في فلك التأثير والخطابات، أما سعيد جداد الإنسان فكل من يعرفه عن قرب يعرف إجابة أسئلة (لماذا) التي تدور حول هذا الإنسان.


لا يخلو أبو عماد من عاصفةٍ من التساؤلات، وهذا ما أفقد الجميع عدسة النظرة الاجتماعية لكي نتضامن كلنا أجمعون في اعتباره حالة (سياسة/ تجاوزا) واكتمل هذا الانطباع بعد أن أصبح لاجئا سياسيا، ولست قطعا بصدد فتح أي قطعة مما حدث في بريطانيا، من خيره، ومن شره لاحترامي للعفو السامي الذي أغلق ملف كل شيء يخص الحق العام في تلك الفترة. الذي أستطيع قوله هو أنَّه كان لاجئا، وعاد لعمان بعفوٍ سامٍ، وبدأت حياته الجديدة في عُمان.

تخيل تخيل عزيزي القارئ، الآن فقط بعد كل هذه المجادلة الطويلة والعريضة أستطيع أن أفتح هذا الموضوع وأنا مطمئن أنني وضعت جميع النقاط على حروف السياق والموقف. السؤال الاجتماعي الكبير، لماذا وصلت حالة أبي عماد إلى هذا الوضع؟ أن يكتب لاجئ سابق عاد بعفو للبلاد أنَّه ممنوع من السفر هذا البيان من جانبه يشي بتأزم في حياته بعد العودة لعمان! السؤال هو: لماذا؟ هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ وهنا ما أريد أن أكتبه قبل أن يفقد الكلام قيمته.

كائن ناشط في الكتابة والمواقف الرقمية يستخدم حجة العلاج للسفر وشن هجمات ضارية هذا محتمل، وأيضا إنسان ممنوع من السفر يختنق بتأزم وضعه هذا أيضا وضع محزن. أين كان بالإمكان أفضل مما كان؟

تلقى سعيد جداد العفو السلطاني الكريم، تلقى العفو القانوني، ومعه العفو السياسي، وأتيحت له الفرصة للعودة إلى بلاده، لكن هل تلقى العفو الاجتماعي؟ هُنا أستطيع أن أجزم من متابعتي لكل ما يكتبه هذا الإنسان لأربع سنوات أنَّه لم يتلقه كما حدث لغيره، سواء ذلك المعلومة في العالم العلني أو ذلك غير المعلوم في العالم العلني. أعرف أن أحدا غاضبا عليه سيرد علي بلغة: "وحده باغي/ يستاهل/وحده يدور حال نفسه" لكنني أيضا أستطيع أن أقول له أن حجم (المشاكسات) الرقمية المتعمدة من أبي عماد لم تكن بهذه الوتيرة لفترة لا تقل عن العام منذ عودته. هذه المؤشرات تعني شيئا ما، وهُنا ينتهي الحديث عن الحتمي من الأحداث، والمنطقي، لأسرد وجهة نظري والتي هي مبنية على كل ما ورد أعلاه.

أنا حقَّا أحمل مودة حقيقة لأبي عماد. مودة الصديق الذي جمعتني به غربة واحدة، واللاجئ الذي عاد معي في طائرة واحدة، وإنسان تمنيت كل التمني أن يعيش حياةً هادئة في بلاده. ومن الذي يلام حقاً على وصول شخص على هذه الحالة من الاختناق الشديد، والضغط الذي لا محالة سوف يسبب الانهيار أو الانفجار؟ بكل صديق الذين ألومهم هم كل هؤلاء الذين من المجتمع العماني الكبير الذين لم يضعوا في حسبانهم أن حالة أبو عماد أصعب بكثير من حالة غيره، وأنَّ اندماجه من المجتمع هي عملية كانت تحتاج إلى بعض القلوب الصفوحة، والحليمة، وكان بالإمكان أفضل مما كان، لن يكون الأمر سهلا، ولن يكون التغلب على ذاكرة بريطانيا سهلا، ولكنه كان ممكنا، أما الآن وقد مرت السنون على العُمر، أصبح الأمر أشد صعوبةً ومع ذلك هو ممكنة بشكل ما أو بآخر، ممكن فقط من منظور اجتماعي. وهذا ما جئت أدعو إليه، وما جئت أتمناه، وهذا هو النداء الذي أوجهه لمن قد يقتنع بوجهة نظري: سعيد جداد يحتاج إلى مقاربة اجتماعية توقف ذلك الحاجز النفسي الهائل الذي يتعلق به، ونعم ستقول لي: ولكنه هو أيضا عليه أن يفعل شيئا ما!!! نعم، ولكن بكل صدق هل تشعر أنَّه سيتمكن من الاندماج بالمجتمع بهذه السهولة؟ أقول بكل ثقة من خاض التجربة: لن يستطيع لوحده، ثمَّة يد اجتماعية لعلها لم تمتد، أو امتدت بخجل، أنا متقين أن إجابة أسئلة سعيد جداد (الحالة) كانت اجتماعية، ولعل الأوان لم يفت، وليت أحدهم يفهمُ أنَّ هذا الإنسان قد عاد لبلاده، ولا يوجد أي منطق على معاقبته على حالة سابقة للاجئ عاد بكل ثقة ببلاده، سعيد جداد قضية اجتماعية، وليت أحدهم ينصت لما أقوله قبل أن يتدهور حال هذا الإنسان ويصبح مجددا (حالةً عامَّة) ونهاية حزينة لا أعرف كيف ستكون.


لا أريد مجادلة أحد في وجهة نظري، هي خلاصتي الشخصية التي لا أفرضها على أحده، وكذلك لا أريد مناقشة أي شأن قانوني، أو سياسي (تجاوزا) يخص سعيد جداد. لا أريد أن ألومه، ولا أريد أن ألوم خصمه، لست درعا، لست حربةً في كبده، أقول وأصرُّ أن الحلَّ اجتماعي، ولن يكون سوى حل اجتماعي مبني على هدف واحد هو الإيمان والتعاطف بحق إنسان في إكمال ما تبقى له من العُمر في حياة هادئة. لا أعرف منذ متى وسعيد جداد لا يعرف سوى هذه الحياة؟ لا أعرف أيضا ما عملية التأهيل الاجتماعي التي عليه أن يخوضها ليخرج من عزلة، وجدران، وحواجز، وتربص ذلك الوضع المكهرب الذي عاشه لسنوات طويلة، أقول كمجرب قضى فترة أقل بكثير مما قضاها أبو عماد أن الأمر صعب للغاية، صعب فوق ما يتوقع إنسان يلوك الصوابيات وهو لا يعرف أي تغيير عميق يحدث نفسيا لكل من يدخل هذا العالم، وأي ترسبات ثقيلة لكل من خرج منه.


لأضع الشك في موضعه الحسن أستطيع أن أختم كلامي بأنني أيضا لدي شكوكي ومخاوفي، لا يمكن الجزم ببراءة سعيد جداد كليا، فهو ليس ساذجا، وليس إنسانا عاطفيا على نيّاته لكي أراهن بكل ما معي من تصديق أنَّه لم يعد إلى لعبة المواجهات، وكذلك أيضا لا أجزم أنَّ الذي يحرك خلاياه المناعية الاجتماعية تجاهه أيضا ينظر له بنظرة تجاوز وعفو، ثمَّة ما تراكم ولم يتحرك أحد لإيقاف تلك الحالة الاجتماعية، والوضع الذي يحدث الآن وإن كان قابلا للحل، غدا! لن يكون قابلا للحل.


المآلات كلها غير حسنة، ولن تنفع لا بلادا ولا إنسانا. وإن اتضح أن حالة أبي عماد الصحية حقاً حرجة، وحقاً يمكنها أن تعرض حياته للخطر، فالضغط أكثر وأكثر قد يقود إلى نهاية مأساوية لكل هذا، ما النهاية حقا؟ كلنا نعرف: وفاته! وبعدها ماذا؟ ما هو الأثار الاجتماعي النهائي؟ وماذا عساه أن يجادل إنسان؟ إن كان أخطأ قانونيا في شيء، فهو حاله حال أي مواطن تحت مظلة القانون، ولكن ماذا لو حدث ذلك الآن؟ بعد أن خرج من صمته ووجه النداء لسلطان البلاد لإيقاف منعه من السفر. هذه النهاية الأشد ضررا في كل هذا السياق.

النهاية الأخرى: يتضح أن سعيد جداد يخدع الجميع، وأن الزمار يموت ويده تلعب، وأنَّ كل من سيتضامن معه يشعر بالخديعة، ونرى نهاية تبلور حياته الاجتماعية لكي يتحول هذه المرة إلى حال الذي ليس لديه شيء ليخسره، وبالتالي يعود إلى (حالةٍ) بدلا من أن يعيش إنسانا خاليا من هموم ذلك العالم المكهرب الذي يستدعي الأمر معجزات حقيقية للخروج منه. لا أستطيع أبدا أن أنفي هذا الاحتمال، وأيضا لا أستطيع بسبب هذا الاحتمال أن أتصالح نفسيا مع كونه ممنوعا من السفر (إن صح كلامه).


النهاية الثالثة: يذهب للعلاج، ويعود، ويتضح أنَّه حقا كان إنساناً لم يرد أكثر من السفر لهذا الغرض، وهذا ما يتمناه كل إنسان لديه تعاطف مع هذا الإنسان، وما يتمناه كثيرون من ذوي القلوب الطيبة، وذوي العقول التي تصدقه وتراه صادقا، وربما أكون من هؤلاء مع حفاظي على مساحة هائلة من الشكوك بسبب طبيعة عقلي الذي امتلأ بشتى الصدمات حتى أصبح لا يرجح شيئا بسهولة.


النهاية الأخيرة: تأجيل النهاية، ومد أجلها إلى أن يشاء الله، وأن يتحرك من المجتمع من لديه كلمة، ولديه قدرة، ولديه تأثير لاحتواء هذا الإنسان اجتماعيا، وتيسير أمره، ودمجه مع المجتمع، ومساعدته على تجاوز سنوات وسنوات عاش فيها في آلية النشاط (السياسي/ تجاوزا) ليجرب ولو لبعض السنوات هذه الحياة الاجتماعية. لا تضامني، ولا تضامن العشرات ممن يعرفونه يكفي، ملف سعيد جداد الاجتماعي ثقيل بمعنى الكلمة، وكل إنسان يتمنى مآلا نهائيا مطمئنا لأبي عماد سوف يتمنى ذلك، ولكن ماذا عساه أن أقول، العين بصيرة، واليد قصيرة، عسى أن يحتسب الأجر عند الله إنسانٌ يقف معه ويعينه على التجاوز، ويفتح له باب الاندماج مع الناس، والشعور بهم. في ذلك نفع من أولا وأخيرا؟ في ذلك نفع للمجتمع، وبث لروح التجاوز والبدايات الجديدة، ووفاءٌ للسماحة التي بنا في عُمان، ومآل حسن لإنسان، ورب أسرة، وأخ لنا في عُمان اسمه سعيد جداد. هذا ختام قولي، من منظور اجتماعي بحت، أظن به النفع، فإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وإن أصبت فمن الله، ومن محبة هذه البلاد الجميلة التي لا أتمنى أن أرى إنسانا فيها يصرخ طالبا السفر للعلاج فيصمت الناس عنه بحجة (سوء الظن به). إن كنت صادقا يا أبا عماد، وفقك الله ونصرك، وإن لم تكن صادقا هداك الله، وراجع نفسك مليا، وعش ما أمامك من عُمر في طمأنينة بين الناس، ومعهم. أسأل الله أنني لم أخطئ، وليحفظني الله من تبعات هذا المقال إن كانت له تبعات.


معاوية الرواحي

الأحد، 9 فبراير 2025

الغافلون!

 

 

بجناحيه، يبوح الطير

للعالقين في هذه المتاهة

بما فاتهم من سماء

نحن الذين نسقط من علياء الوقت

إلى سافلِ الطين

بين قصيدتين/ بين فضيلتين

بين جنة، وجهنم

بين مقصلة وميزان

ومطارق الأقدار

وهي تدقُّ على مسامير نعوشنا.

 

نختالُ

نطأ الممالك بالأحذية

"اسمها نملة"

نقول باستهزاء

ونمضي لحربٍ أخرى

لنحفر نهراً من الدماء

لننزل الإنسان

في مقام الجيفة

باسم سلامنا الداخلي المزيف

وحججنا المزخرفة بأناقة

 

نحن كل ما لم نؤول إليه

نحن كل أخطائنا التي لم تحدث

أما تلك التي حدثت

فهي حياتنا

ونعبر أقدارنا

وننسى ونحن نسأل السماء

عن ما باح به الطير مرارا

لكل غافلٍ نسي طينه في الرمل

ونسي رمله في الطين

فلا نامت أعين الغافلين!

 

معاوية

 

 

الجمعة، 7 فبراير 2025

الغفلة راحة أم مشروع صدمة؟

 تمرُّ علينا بين الفينة والأخرى جمل على شاكلة "لعنة الوعي/ذو العقل يشقى في الجحيم بعقله" معززةً فكرة أنَّ الراحة والطمأنينة في هذه الحياة مترابطة مع الجهل، وإن الوعي عبارة عن سبب للتعاسة والأحزان!

ولكن هل هذا صحيح؟ ماذا لو قمنا بمساءلة هذه المسلمات التي ترد وفيرا وكثيراً في متناثرات الكتابة العمومية؟ 

هل الوعي حقا مصدر تعاسة؟ ألا يحميك منها؟ هل نحن نتكلم عن الوعي أم عن الخوف الزائد من أشياء قد لا تحدث؟ 

الشر موجود، العصابات موجودة، القمع موجودة، الظلم موجود، وكذلك ما يمكن للإنسان العادي أن يفعله تحت الضغوط أيضا موجود، كل هذا وعي، نعرفه. 

أين الخطأ؟

ليس في وعينا بذلك، وإنما في تعاملنا الداخلي مع هذه المسلمات. الوعي يحميك من إنسانٍ يريد لك الضرر، سواءً كان يعلم ذلك، أو كنت تعلم ذلك وهو لا يعلم. 

الأمر لا يخلو من علاقة كوننا الداخلي بالخارج، وما نعممه على الآخر بناء على ما نعرفه عن أنفسنا. القلق شيء، الخوف شيء، الذعر شيء، والشلل السلوكي شيء آخر، وعيك يجعل هذه الأشياء منطقية، أما هذه التعميمات فربما من المنطقي أن نفتتها بعض الشيء، وأن نجعل من تجزئتها واجبا نفسيا لكي لا نغرق في هذا المنطق الجاهز، أنَّ الغافل سعيد في حياته.

حتى ماذا؟ حتى يتعلم دروس الوعي، أليس كذلك؟ كل ما نتناوله في هذه التعميمات له تسميات مختلفة، الصدمة تختلف عن إدراكك للشرور وللظلم والطمع في هذا العالم. الخوف يختلف عن يقينك بوجود الشر، القلق يختلف عن شللك السلوكي وخوفك من الخطأ.

إنسان يحاول ويخطئ؟ أم إنسان يقف بعيدا عن الحياة ولا يحاول أي شيء لكي يبقى "واعياً" يجيد الصواب حيث يكون، لكنه لا يفعل أي شيء به، مسكون بالخوف من أن يكون أحد هؤلاء الغافلين الذين يتهمهم بالجهل، وفي الوقت نفسه يحسدهم على الطمأنينة! 


الوعي، واليقين المعرفي أنَّ هذا العالم لا يخلو من قدرية بشكل ما أو بآخر، أو إن أحببت تغيير الشركة الراعية لتقول "عشوائية" لا يعني أن نذهب مذهب هذه التعميمات. 


تساؤل مر بعقلي قبل قليل، وأتساءل، هل حقا الغفلة راحة؟ أم مشروع مصيبة مؤجلة؟


ما رأيك؟

الأربعاء، 5 فبراير 2025

إنه الوقت المناسب حقا!

 مع تطور الذكاء الصناعي، ثمَّة نهضة أخرى تحدث جانبيا في عالم علم النفس. تلك النماذج التحليلية التي كانت تحتاج لأنظمة مكلفة، وساعات عمل هائلة، وأدوات إحصاء وتتبع تتطور الآن إلى أدوات ممكنة. المختص في علم النفس يصبح في هذا العصر الحديث أكثر فاعلية. والحديث عن نماذج الفاعلية لا حصر له.

بلا شك، التضييع الرسمي والمتعمد للوقت، وللحياة، وللبارض، والمزاج، وللروح النضالية في الحياة، بل وحتى للفضول المعرفي أن تحاول شرح ماهية علم النفس للذين لا يريدون معرفة ما يفعله علم النفس. 

الجدال الذي يُخاض دائما مع العقول (البزنسية) خير مثال على ذلك. توجه تساؤلها الإنكاري الصفيق عن علم النفس في عالم التجارة والوظائف! بينما التسويق، والوصول، وعلامة البراند، التوظيف، كلها قائمة على مبادئ نفسية، ومع تطور اختبارات السمات الشخصية، وأدوات التتبع المختلفة في نماذجها يقدم علم النفس إجابات تقترب للدقة، وعموميات مثبتة علمياً، يمكنها تشخيص مشكلة في موظف أو فريق، ويمكنها رفع إنتاجية فريق عمل.

علم النفس الرياضي هذا وحده كوكب متكامل الأركان بكل المليارات التي في عوالم الرياضة. 


النفساني يعيش غربةً حقيقةً في هذه الحياة، كل أدواته التي يقدم بها النفع للعالم مكلفة، ربما حتى هذا الزمان، ولعلها صدفة قدرية لم أخطط لها، لكن بعد عصر الذكاء الصناعي قد يكون هذا الوقت أفضل وقت لدراسة علم النفس، ما يفعله الذكاء الصناعي بتخصصات كثيرة هو أن يزاحم تأثيرها، ويسحب ساعات العمل المدفوعة من متخصصيها، أما في عالم علم النفس، الذكاء الصناعي يقرّب الآن ذلك التأثير المثمر لمختصي علم النفس في مجالات كثيرة.


تلك اللغة المتعارف عليها تخصصيا في مجال علم النفس، كأي لغة متعارف عليها في باقي العلوم، بادئة خيوط بحثية توصلك لإجابات قد تستغرب دقتها!

اليوم من الصعب أن تحلل حسابا في تويتر باستخدام أدوات الذكاء الصناعي، والتحليل اللغوي! خلال سنة، ثلاث سنوات؟ كم خدمة لتتبع الأثر الرقمي سوف تكون جاهزة، ومنها ما هي الآثار الإيجابية لكل هذا على النمو الاقتصادي؟ 


التفكير التقليدي في هيمنة الصناعة على الوظائف محق مرحليا، لكن هل هو محق على المدى الطويل؟ لأن الوظائف التي تشغلها الآلة ستفتح أيضا نموا اقتصاديا، ووظائف جديدة، وتخصصات جديدة، وهُنا الأمر شبه قدري، إلا ربما لهذه العقول الفارقة التي تخطط لحراك العالم الاقتصادي والابتكاري. 


بتُّ متقيناً، هذا الزمان يتجه إلى فاعليةٍ حقيقية لعلم النفس، ليس من النواحي العلاجية، واتقاء ضغوطات العالم التقني الجديد وابتكاراته، بل أيضا من حيث ما يسهله على المختص في علم النفس، وما يقدمه من أدوات، وما يسرّعه ويوسعه من تأثير.


الأحد، 2 فبراير 2025

بين براثن المذاكرة:الهرب الدائم من الحياة!

 

 

 

أن تكون طالباً في الأربعين من العُمر جُملة لا تخلو قليلا من مخالفة السائد من العموميات المطاطية التي نحب كبشر أن نلوكَها توكيدا، أو تشجيعاً. نعم! تلك الذات المتعلمة لا تقف عن تعلم الجديد. نزعة الإنسان لكي يعرفَ أكثر لا تتوقف. السؤال الحقيقي هو ليس عن ماهية هذه المعرفة، وإنما عن كيفيتها. أن تمتثل طالباً أمام هيكلٍ تعليمي مادي كالجامعة، وهيكلٍ تعليمي آخر كالمواد الدراسية معضلة أخرى، قد يجيب عليها إيلون ماسك بتفسيره أن الجامعة فرصة للطلاب لإثبات قدرتهم على الالتزام بمواعيد، ودراسة أشياء لا تروق لهم بالضرورة. لهذا السبب ربما آثرت إنفاق أربع سنواتٍ من العُمر لتتويج اهتمامي بعلم النفس بشهادةٍ تخصصية، ولإنهاء رحلة طويلة من التعلم الذاتي قد لا تكون ملائمة للباقي من سنوات العُمر التي تحتاج إلى مدينةٍ واحدة لا يكفي العمر لمعرفة سكانها أجمعين.

بين براثن المذاكرة، هذا العنوان الذي اقترحه عقل صديق، شعور لا يخلو من مسٍّ من الغربة. أن تتعلم هذا شيء، أن تحاول الغوص لأعماق أبعد من جلسة الغوص السابقة، هذا شيء أيضا، ولكن أن تقف أمامَ مهاراتِ التلقي واضعا نصب عينيك هدفاً اسمه امتحان جامعي هُنا تأخذ الأشياء طابعاً معقداً بعض الشيء. المذاكرة شيء ثقيل على النفس، لا أفهم حتى هذه اللحظة لماذا يجب أن نتجرع الغصص هذا بروح النضال والتحدي، ثمَّة شيء مختلفٌ حقَّا. حتى تلك الموضوعات التي نحبُّ أن نعرف عنها أكثر تتحول إلى واجبٍ ثقيل على النفس، وتنشأ من ذلك أسطورة النضال الدراسي، وأوهام الطلَّاب الأقرب إلى عقولهم.

 

طرائق التعلم الأكثر فائدةً متناثرة في أرصفة كتب علوم النفس التعليمية، وكتب التربية، بل وحتى في مناهج علم النفس المتعلقة بالذاكرة، والنسيان، فضلا عن علم نفس التعلِّم، وعلم نفس النمو، وقليل من العلاقة بين التكوين العصبي للإنسان وقدراته على التعلم، بين الحاسَّة والإدراك، بين التلقي والتحليل والتفسير، وعلاقة العصبونات بما تفعله، بدماغنا وما يختزنه. الطالب الذي يبحث عن الصواب الدراسي لن يعييه أن يجدَها جاهزاً. في عصرنا الحديث العصارات المهارية، والعلمية متناثرة في كُل مكان، ولا أنسى الذكاء الصناعي وما يضيفه الآن في سهولة البحث عن الحقائق العلمية، كل هذا جاهز ولكن أين المُهتم الذي يذاكر كيف يذاكر؟ هذه في حد ذاتها معضلة أخرى من معضلات النضال الدراسي. الصواب ليس صعباً. الصعب هو فعل الصواب! أليست معضلة بكل معاني الكلمة؟

أخذت معي فائدةً غير متوقعةٍ من الدراسة في عُمر الأربعين، غير موضوع الشهادة ولعنتها الدائمة وشحوب إيمان أهمية المهارات على النموذج الكلاسيكي لفكرة المتخصص. الفائدة تختصرُ في عودة هذه الجلسات المُخلصة القسرية، وعلاقتها بالتعلم القسري. كطالب عليك أن تذاكر لأنك مهدد، تحت إكراه الخوف من خسارة الدرجات، أو ما هو أشد، خسارة مادة من المواد، والفزع يتراكم لخسارة الفصل، أو خسارة الرحلة الدراسية ككل. هُنا يُحمد الكذب على النفس، أنني أحب هذه الرحلة، وأذاكر لأنني أتعلم! ياله من هراء أنيق!

براثن المذاكرة اختطافٌ مؤقت من كل مباهج الحياة، والوقت الممتد. كسرٌ مُحكمٌ في سيرورة الوقت، ينجيك من الخوف الكبير بالمخاوف الصغيرة. بشكلٍ ما أو بآخر تفتت (كمُذاكر تحت التهديد) ظلام الرعب الكبير بالشموع الصغيرة وهي تتكامل داخل دماغك، ومع خبرتك (كمذاكر دقيق) تتخلق أمام عينيك عقلية (المُختَبِر المحترف) فهذا سؤال سيأتي بدرجة واحدة، وهذه أسئلة سوف تأتي على هيئة مقال يحتاج إلى صورةِ شاملةٍ تُفهَمُ لكي تُسكب لاحقاً على هيئة مقالٍ صغير يكتبُ في امتحانٍ تُلاحقك فيه الدقائق والعموميات.

ذلك الإدراك البشري المفزع أنَّك تنسى سؤالٌ لا يزول. المعارف التي تنالها تحت الإكراه والتهديد تختلف عن تلك التي تبحث عنها كإجابات لمغناطيس الأسئلة الداخلية التي تتناطح في ذهنك. المذاكرة ليست إجابة على طنين الأسئلة الوجودية التي تعصف بك قلقاً ونغصاً في هذه الحياة، هي تلاعبٌ بآلية التذكر والنسيان، وفرصة ربما لطالب في الأربعين على تدريب عقله للمرة الأخيرة على هذه المعمعة المنظمة بإتقان على هيئة خطة دراسية.

ثمَّة انطباع نمطي طريف يُختصر بجملة (طلاب الداخلية). أؤمن مع الوقت بصحة هذا الانطباع. أقطع شوط عامي الثالث في تخصصي في علم النفس. أكتشف استيقاظ ذلك الكائن الدراسي الذي كنت عليه يوما ما، ذلك الذي أخذني إلى بداية طريق مستقبل مختلفٍ في كلية الطب، ويأخذني اليوم إلى طريق مستقبل أختاره في تخصص علم النفس. سأذاكر لسبب ما أو لآخر، وسأهرب من المذاكرة لأسباب عديدة، أبسطها أنَّ كل مشاغل الحياة المهمة تتقافز أمام عيني في اللحظة التي أبدأ فيها جلسةً إجبارية أخرى تفتت حالة القلق التي ستنزل على كل حبي للحياة مع اقتراب حزام الامتحانات، وعقاله، وحباله.

من تجربتي في المذاكرة لاحظت شيئا ما يساعدني، ويصنع الزخم الذي أحتاجه لأنطلق. لا شكَّ أن بديهيات (ربما بدهيات أصوب) مثل البدء بالمواد السهلة، أو اختيار المستساغ تمهيدا للعلقم القادم في نهاية جلسة المذاكرة صوابٌ متداول ومتعارف عليه. الذي لاحظته هو أنَّ البدء بجلسة من تعلم آلة موسيقية، وقليل من التدريب عليها، ثم تحفيز العقل بعدة مباريات من الشطرنج يصنع لسبب ما أو لآخر بدايةً لسفينة المذاكرةً؛ لتخرج من الميناء الآمن، وتبحر في محيط الوقت الضائع/ المثمر. ستفعل كطالب كل ما بوسعك لتتجنب الخروج من الميناء الآمن، لكن ما لهذه بنيت السفن، وما لهذا خلقت العقول، أضع مجموعة أوهام منسوجة بعناية قبل كل جلسة مذاكرة، وأقنع نفسي أنني أذاكر من أجل التاريخ، ومن أجل الإنسانية، ومن أجل بقاء الكوكب البشري في كوكب الأرض، تحفيز سخيف لكنه ينجح دائما، أما في حالة هذا المقال، كانت  استجابة أخرى لفعل أي شيء آخر إلا البدء في قراءة ذلك المنهج الدراسي الذي يحدّق بي بوجه متغّضن، وواثق، يعرف جيدا أنه صاحب السيطرة على هذا الطالب الذي يغالب النفس بلا توقف لكي يحقق نتيجة جيدة، وينهي هذه الرحلة بتفوق ونجاح.

 

معاوية الرواحي